يعدّ المفكر وعالم اللسانيات نعوم تشومسكي أحد أكثر من شغلوا الناس طوال الثلث الأخير من القرن العشرين وصولا إلى القرن الحالي، ليس في بلاده أميركا بل العالم كله.

عالم وأكاديمي لا يمكن تجاهله، غير أن المؤسسة الرسمية في الولايات المتحدة تقرر أن تفعل ذلك عبر نخبتها السياسية ووسائل إعلامها.

لكن جميع من شاركوا في حلقة "وحي القلم" التي بثت في 8/6/2015 أكدوا أن الرجل لم تستطع وسائل حصاره في التلفزيونات والإذاعات الرسمية، ولم تستطع التعميمات للصحفيين بعدم الاقتراب من اسمه مجرد اقتراب، تحقيق ذلك ومنعه من اتساع مساحة قرائه يوما بعد يوم.

مبكرا اصطدم تشومسكي مع السلطة الأميركية في حروبها في كوريا وفيتنام، ولم يكف عن ذلك حين جاء الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، فهو يقول إن هذا الحدث اشتهر وأخذ مداه فقط لأنه فعل خارجي ضد الغرب، لكن لا أحد يتذكر أن ثمة 11 سبتمبر/أيلول 1973 حين رعت أميركا الانقلاب في تشيلي.

تشومسكي سليل العائلة اليهودية حوصر من قبل الحليفين الإستراتيجيين أميركا وإسرائيل. موقفه من إمبريالية بلاده ودعمه لحقوق الشعوب جعله مستهدفا.

الناقد الرئيسي
يقول المؤلف والمذيع ديفد بارساميان إن تشومسكي مهم في بلاده لأسباب عديدة ولكن في الدرجة الأولى لأنه الناقد الرئيسي للسياسة الأميركية الخارجية لعدة عقود، ويؤكد ذلك أيضا أستاذ التاريخ العربي في جامعة كولمبيا جوزيف مسعد قائلا "تشومسكي يعد أهم من وثق الانتهاكات التي نفذتها الولايات المتحدة منذ الستينيات وحتى اليوم".

أما إسرائيل فكانت مواقفه ضدها تجر عليه نقمة مباشرة. فها هو يزور معتقل الخيام الذي أنشأته إسرائيل إبان احتلالها الجنوب اللبناني.

وها هو يحاول عبور جسر الملك حسين في الأردن بغية الوصول إلى جامعة بيرزيت لإلقاء محاضرة لكن السلطات الإسرائيلية تعيده عن الجسر، فيقرر إلقاء محاضرته للطلاب عبر الفيديو.

ينشر معظم مؤلفاته في دور نشر صغيرة، فهو محارب أو مطلوب تهميشه كلما لزم الأمر. ويتحدث تشومسكي عن أول كتاب ألفه عن القضية الفلسطينية، غير أن الناشر رفضه. صدر الكتاب بالفرنسية فعادت دار النشر الأميركية لنشر الكتاب، ويضيف أن هذا الأمر ما زال يتكرر حتى الآن.

بدأت المعركة ضده في بداية الثمانينيات. في ذلك الوقت بدا أن المؤسسة الرسمية لم تقرر عزله فقط بسبب كتبه الناقدة للسياسة الأميركية الإسرائيلية، وإنما لا بأس من خوض المعركة ضده بشكل مباشر.

صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست" نورمان فنكلستين يرى من زاويته أن الموالين للسلطات الأميركية الذين يقولون إن أفكار تشومسكي صبيانية وبسيطة أصبحوا منسجمين مع تعقيدات السلطة، وتشومسكي يفهم هذه التعقيدات والفارق أنه لا يستسلم لها.

اسم البرنامج: وحي القلم

عنوان الحلقة: نعوم تشومسكي.. كاتب منشق

مقدم الحلقة: وليد العطار

ضيوف الحلقة:

-   نعوم تشومسكي/ مفكر وأستاذ اللسانيات في معهد ماساتشوستس

-   نوربرت هورنستون/ محرر كتاب "تشومسكي ونقاده"

-   نورمان فنكلستين/ كاتب أميركي يهودي مختص في العلوم السياسية

-   جوزيف مسعد/ أستاذ التاريخ العربي في جامعة كولومبيا

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 8/6/2015

المحاور:

-   نزعة في الفكر الإنساني

-   أفكار مناهضة للصهيونية

-   إستراتيجية التواصل المجتمعي

-   مخرجات فكرية فريدة من نوعها

-   مواقف تشومسكي المناوئة للولايات المتحدة

-   صدام مع السلطة

-   مناضل ثمانيني يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية

نوربرت هورنستون/ محرر كتاب "تشومسكي ونقاده": هو الممثل الأعظم للفلسفة الطبيعية للقرن العشرين والقرن الواحد والعشرين ما فعله كان مميزاً جداً.

نورمان فنكلستين/ كاتب أميركي يهودي مختص في العلوم السياسية: أنا لا أكون مرتاحاً عندما أصنف في نفس فئته لتشومسكي فئة خاصة به وعلينا الاعتراف بهذا، لا أريد أن أعاني من أوهام العظمة فهو إنسان استثنائي جداً في كل مجالات الحياة الفكرية والشخصية فنحن ليس من فئة واحدة.

ديفد بارساميان/ مذيع ومؤلف العددي من الكتب عن نعوم تشومسكي: نعوم تشومسكي مهم لأسباب عديدة ولكنه في الدرجة الأولى هو الناقد الرئيسي للسياسة الأميركية الخارجية لعدة عقود، واكتسب هذا الموقع خلال سنوات من البحث والتوثيق وكتابة الكتب وإلقاء المحاضرات في جميع أنحاء الولايات المتحدة بل في جميع أنحاء العالم.

جوزيف مسعد/ أستاذ التاريخ العربي في جامعة كولومبيا: نعوم تشومسكي أعتقد اليوم هو أهم من وثق الانتهاكات الإنسانية للولايات المتحدة عبر العالم منذ الستينيات لحد اليوم.

نيل سميث/"مؤلف نعوم تشومسكي: الأفكار والمثل": الاستماع إليه ملهم والجدال ضده يؤدي إلى التطور لا يوجد عالم لغويات آخر مثله.

نعوم تشومسكي/ مفكر وأستاذ اللسانيات في معهد ماساتشوستس: كان والداي يدرسان العبرية ولذلك نشأت في بيئة يهودية متشبعة بفكرة إحياء اللغة العبرية، وكان غالبية أقربائي من الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل في ثلاثينيات القرن العشرين كانوا يهوداً عاطلين عن العمل أو من الطبقة العاملة وكانوا جزءا ناشطاً جداً من المجتمع الفكري من الطبقة العاملة في نيويورك في ذلك الوقت، ولم يكن الناس يتلقون التعليم الرسمي كثيراً وفي الحقيقة كان لأحد أعمامي تأثير كبير على حياتي ومع أنه لم يتجاوز الصف الرابع فإنه كان مثقفاً جداً وكان لديه تحفظات كثيرة حول آخر ما قدمته فرقة رباعي بودابست ومسرحيات شكسبير ومناظرات فرويد وتشكلز وكل الأفكار الراديكالية التي تخطر في بالك، لقد كانت بيئة نشطة جداً، وعندما بلغت الثاني عشر من عمري تقريباً كنت أقضي معظم وقتي في نيويورك وفي تلك البيئة في الجادة الرابعة قرب ميدان يونيون كانت هناك مجموعة من محلات الكتب المستعملة وكان يديرها في الغالب مهاجرون أوروبيين معظمهم لاجئون من إسبانيا فروا من الحاكم الطاغية فرانكو خلال الحرب الأهلية، كان معظمهم من أتباع المذهب اللاسلطوي فانخرطت في أدب وأفكار المذهب اللاسلطوي والماركسية اليسارية، كان هؤلاء اللاجئون متلهفين إلى التحدث وكان الشباب يقصدونهم ويسعدون بالتحدث إليهم انخرطنا في حياة سياسية ناشطة.

نزعة في الفكر الإنساني

وليد العطار: واللاسلطوية التي ظلمتها الترجمة العربية حين سمتها الفوضوية تعني إزالة أو تقليل السلطات غير الشرعية إلى الحد الأدنى وهي السلطات التي لا تستطيع تقديم مشروعية لنفسها إنها نزعة في الفكر الإنساني صاحبت كاتبنا تشومسكي منذ طفولته وتشبع بها حتى تركت آثارها على شخصيته وأفكاره وبات يتحدى السائد والمألوف كما يتحدى السلطة أي كانت فاختصرت حياته بكونها حياة منشق.

نيل سميث: يقول تشومسكي في مرحلة ما أنا شخص لا سلطوي ومن الواضح أن لا سلطويته تنعكس على تمرده على السلطة كما أن تمرده على السلطة يشمل أيضاً المجالات الأكاديمية مثل اللغويات والفلسفة، لذا بدأ مهنته في علم اللغويات بالعمل لدى زلغ هارس وبعدها وحده على تباين اللفظ في اللغة العبرية وعلى مجموعة كبيرة من المواضيع الأخرى التي توجت في كتاب البنية النحوية سنة 1957 لقد أحدث هذا الكتاب ثورة.

نعوم تشومسكي: قرأت كثيراً في الأدب الكلاسيكي والأدب الحديث والمؤلفات السياسية ذات الآراء اليسارية غالباً وفي الفلسفة، وتلك القراءات أدت بي إلى توجهات كان لها تأثير كبير على تشكيل طريقتي في التفكير والنظر إلى الأمور، أول مقال كتبته عام 1939 في جريدة الصف الرابع التي كنت محررها وربما قارئها الوحيد أنا وأمي كان مقالاً عن سقوط برشلونة لذلك لا أزال أتذكر التاريخ بدقة في فبراير 1939 كانت فكرة انتشار الفاشية في أوروبا كنت مهتماً وقلقاً بشأن تلك الأمور لكن المدرسة التي كنت فيها كانت تدعمني وتشجعني في تلك الجوانب، ليس في الجانب السياسي لكن كانت مدرسة تجريبية تتبع فلسفة جون ديوي وتشجع الإبداع والاستقلال ومتابعة التلاميذ لاهتماماتهم وما إلى ذلك، وكان ذلك موافقاً لأهوائي الشخصية ولذلك سارت أموري بشكل جيد، في منتصف الأربعينيات كنت قائد شباب صهيونياً وكان هذا جزءا كبيراً من حياتي السياسية، والصهيونية بالنسبة لي ولجماعتي كانت تعني تأسيس مركز ثقافي ووطن قومي في فلسطين وليس دولة يهودية، وكانت تعني كما تخيلت من قبل التعاون مع السكان الأصليين العرب واليهود وتعاون الطبقة العاملة بشكل رئيسي.

أفكار مناهضة للصهيونية

نورمان فنكلستين: قرأ الأدب الصهيوني عندما كان في الخامسة من عمره وقرر أنه صهيوني وما زال كذلك إلى الآن، ليس الأمر أن تشومسكي ضد الصهيونية الأمر هو أن تشومسكي يعتبر نفسه صهيونياً وعندما يتعلق الأمر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني فإنه يحتفظ بنفس المبادئ والقيم التي يؤمن بها عند أي صراع آخر، لذا تجده يطبق هذه المبادئ والقيم ويصل إلى ما قد تسميه استنتاجاً راديكالياً.

وليد العطار: في أوائل الخمسينيات ذهب تشومسكي مع زوجته إلى كيبوتس هازوريا ضمن حركة التجمعات التي اعتمدت عليها الحركة الصهيونية ودعمتها إسرائيل بعد إعلان الدولة، وكان تشومسكي يذهب لزيارة بعض الناشطين المحليين في قرى العرب نتيجة قناعاته التي تشكلت قبل نشوء دولة إسرائيل بإقامة مجتمع ثنائي القومية قائم على طبقة عاملة حرة متعاونة وعلى الإدارة الذاتية، مكث بضعة أشهر وكان ينوي البقاء لكن ما يسميه هو المصادفة حملت له منصب العمل في معهد MIT فقبله وتابع حياته فيه، وأصبح يشكل مركز شهرته والمنبر الرئيس الذي ظل يبث أفكاره في اللغويات وغيرها من خلاله ولا يزال يمارس عمله فيه أستاذاً مدى الحياة رغم تقدم سنه فقد ولد سنة 1928.

نيل سميث: في الخمسينيات بدأت بدراسة اللغويات بصفتي خريجاً جامعياً وبعد أن تخرجت أخذني معلمي على حدا وقال لي: سيكون المستقبل توليدياً، وكانت هذه أول مرة أسمع فيها هذه الكلمة وبعدها بوقت طويل بدأت أفهم أي إسهام قدمه تشومسكي لذا ذهبت لمدة سنتين إلى معهد MIT للتقنية في الستينيات لأعمل مع تشومسكي ولأدرس معه.

أليسون إيغلي/ مؤلفة "التفكير الاجتماعي والسياسي عند تشومسكي": قدم لي والدي كتاباً لتشومسكي نُشر عام 2002 وعندما قرأت الكتاب دهشت من أشياء عديدة أول ما أدهشني هو أنه لم يسرد في أي قائمة من قوائم الكتب على الرغم من أنني كنت أدرس القضايا السياسية والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك، وثانياً دُهشت من مدى حزم آرائه ومن مدى وضوحها وكيف يستطيع قول أمور بهذا الحزم عن أداء أميركا في السياسات الخارجية وما إلى ذلك.

نورمان فنكلستين: أعرف أن زوجته لا تحب أن أقول إن تشومسكي غيّر حياتي، ولكنه في الحقيقة غيّرها بالفعل، وعلي الاعتراف بفضله هذا كنت أتعرض لنقد قاس جداً وكبريائي كان محطماً تقريباً من كل النقد الذي كان عليّ تحمله، والحقيقة الوحيدة التي عوضتني عن هذا هي معرفة أن أحد أعظم العقول في تاريخ الإنسانية اعتقد أن لدي ما أقوله وبهذا رفع معنوياتي خلال فترة عصيبة جداً لولاه لكنت استسلمت على الرغم من أنني شخص صلب جداً.

إستراتيجية التواصل المجتمعي

ديفد بارساميان: سمعت عنه في السبعينيات أو حتى قبل هذا التاريخ في أواخر الستينيات سمعت أن هناك بروفيسور في معهد MIT وهو ناشط سياسي أيضاً وكنت مهتماً بكتاباته السياسية فراسلته بعد أن قرأت أحد كتبه وتفاجئت جداً لأنه رد على رسالتي وبعد ذلك بدأنا بالمراسلات واستمر بيننا هذا الأمر حتى اليوم.

جوزيف مسعد: أذكر عندما كنت طالباً في الماجستير كنت قد راسلته كتبت له بعض الرسائل عن بعض المشاكل السياسية التي كانت تصادفنا في ذلك الوقت، وأنا أذكر أنه كان يجيب على رسائلي في غضون أيام بسيطة وكان يطبع الرسالة على آلته الكاتبة يدوياً في ذلك الوقت، ويقال أنه كان يمضي أكثر من 20 ساعة أسبوعياً في الرد على الرسائل التي كانت تصله من ناشطين سياسياً أو من تلاميذ.

نعوم تشومسكي: أقضي وقتاً طويلاً في الرد على البريد والكثير منه نقدي وأقضي خمس أو ست ساعات يومياً بالرد عليه، لكنها رسائل من كل الأنواع بعضها نقد وبعضها طلب معلومات وبعضها عروض وبعضها أشخاص يكتبون عن مشاكلهم، وبصراحة لا أهدر وقتاً طويلاً في الرد على الانتقادات لكني أقرأ معظم النقد الذي ينشر فإن وجدت شيئاً يثير اهتمامي ويمكنني أن أستفيد منه تقبلته وإن كان هراء تجاهلته، نادراً ما أرد على النقد ما لم يطلب مني الرد وفي الواقع ما يحدث عندما أرد يدعو للغرابة فعلى سبيل المثال نشرت نشرا مجلة Colombia journalism view وهي أهم صحيفة للنقد الصحفي نشرت مرة مقابلة كانت مليئة بالتشهير والافتراءات علي فتجاهلتها لكن بعض أصدقائي من العاملين في الصحافة قالوا إن المقابلة تستحق الرد عليها لأن المجلة لها قراء كثيرون، فكتبت رداً وأرسلته إلى المجلة فنشروه ولكن بعد إعادة كتابته وقد غيروا ما كتبته ووضعوا جملهم الخاصة ثم جاءهم رد على تلك الرسالة وردوا بدورهم على الجمل التي كتبوها هم وقد كتبت رسالة للمحررة قلت فيها: هل تظنين حقاً أن هذا عمل صحفي نزيه؟ فردت علي بالقول وجدنا أن الجمل التي كتبناها تعبر عبر آرائك أفضل مما عبرت عنها أنت لذلك فهي ملائمة.

نوربرت هورنستون: عادة لا تكون مناقشاته مع الناس شخصية هو مهتم بالأفكار التي يتحدث عنها ويريد مناقشة هذه الأفكار ويؤمن أن محاوره والأشخاص الذين يتحدث معهم يستحقون الاحترام وهذا لا يعني أن عليه الاتفاق معهم أو أنه لا يستطيع انتقاد ما يقولونه ولكنه لا ينتقدهم شخصياً بل ينتقد ما يقولونه وما يدعونه وهذا في الواقع أمر فريد.

مخرجات فكرية فريدة من نوعها

نعوم تشومسكي: أعتبر نفسي متعدد الشخصيات فجزء من كتاباتي جاء في معرض مهنتي وعملي العلمي وأنا أكتب في هذا المجال إن كان لدي شيء أقوله عندما أفهم فهما خاص أو أكتشف اكتشافاً معيناً وفي الحقيقة فإن أول مؤلفاتي لم تكن معدة للنشر وهذا هو الوضع حتى الآن، وأول كتاب لغويات ألفته كنت قد كتبته لعشرين صديقاً ولم أكن أتوقع أن ينشر، وفي الواقع لم ينشر إلا بعد عشرين سنة، أول كتاب نشر لي كان في عام 1957 بعنوان التراكيب النحوية، كان عبارة عن ملاحظات للتدريس، كانت ملاحظات للطلاب الذين كنت أدرسهم في السنوات الجامعية الأولى هنا، والعديد من مؤلفات أخرى هي إما محاضرات أو ملاحظات للطلاب كنت أقوم بتجميعها عندما تبدو مفيدة وهذا ينطبق أيضاً على مؤلفاتي في المجال السياسي رغم أني أجلس أحياناً وأقرر تأليف كتاب عن موضوع ما إلا أن معظم كتاباتي هي عبارات محررة من الأحاديث ومن مئات المحاضرات التي أجمعها نزولاً على طلب الناشر، إنها طريقة أخرى للوصول إلى جمهور أوسع.

ديفد بارساميان: هذه طريقته في التعبير عن نفسه هو كاتب مبدع لا ينضب قادر على الكتابة في علم اللغويات بنفس الجودة التي يكتب فيها عن القضايا السياسية لديه الكثير ليقوله ويعرف الكثير وهو قادر على إنتاج العديد من الكتب والمقالات، قليلون فقط في العالم من يستطيعون منافسة مخرجات تشومسكي الفكرية.

نعوم تشومسكي: عندما أكون عائداً إلى البيت في سيارتي أفكر وإذا كانت أفكاري تستحق الكتابة أقوم بتدوينها، لا أجد شيئاً مهماً أقوله في هذا الشأن إذا أجبت عن رسالة من شخص يستعلم عن شيء ما أو يعلق أو ينتقد قد يؤدي بي هذا إلى التفكير في أمور ذات أهمية وعندها قد أكتبها، والأمر ذاته عندما أتناقش مع أحد تلاميذي في أطروحته فإن تحدثنا عن شيء جديد قد أدونه لا أجد شيئاً غامضاً يمكنني تفسيره من هذه الناحية.

نوربرت هورنستون: البنية النحوية ومظاهر النظرية التركيبية ونظرية الربط العاملي والبرنامج الأدنوي هذه أربعة كتب رئيسية في علم اللغويات كما كتب عددا كبيرا من الكتب المهمة في الفلسفة تتضمن اللغة والذهن، تأملات في اللغة، وآخر كتاب له أصدرته جامعة كامبردج، وكما نعرف كلانا كتب تشومسكي أبحاثا مؤثرة جداً في السياسة لا تحصى، وكتابي المفضل في الحقيقة هو السلام في الشرق الأوسط.

نورمان فنكلستين: الكتاب الذي كان له تأثير كبير علي the faithful triangle بالفعل كان هذا كتاباً عبقرياً، كتب الكتاب في حوالي 6 شهور في الليل بعد أوقات وبالفعل صمت، أتذكر قصة مضحكة قدمت الكتاب لأمي الراحلة لتقرأه وقرأته بنهم بنفس سرعتي إن لم تكن أسرع مني والكتاب موثق جداً بمصادر إسرائيلية باللغة العبرية، وفي مرة ذهبت إلى محاضرة عن البروفيسور تشومسكي محاضرة تهاجم البروفيسور تشومسكي أقامها سفير إسرائيلي في المكتبة المحلية في السفارة الإسرائيلية وكان الرجل يدافع ويدافع عن إسرائيل فقالت أمي: ماذا عما يقوله البروفيسور تشومسكي في كتاب the faithful triangle؟ فقال الشخص البروفيسور تشومسكي مجنون، فقالت أمي: ماذا تعني بمجنون؟ جميع المصادر إسرائيلية.

بيتر ويلكن/ مؤلف كتاب "تشومسكي": أعتقد أن الكتاب الذي كان له الأثر الأكبر علي هو اللغة والسياسة الذي حرره كارلوس اتنو وهو كتاب كبير وهو أحد أول الكتب التي ابتعتها لتشومسكي، وفي الواقع كان كتاباً جيداً جداً كمقدمة لأنه كان مجموعة من المقابلات التي أجراها خلال العديد من السنوات كان من السهل فهمه وقد قدم معنى أوسع لاهتمامات تشومسكي الشاسعة لذا بالنسبة لي إن كنت سآخذ كتاباً واحداً إلى جزيرة مهجورة فسيكون كتاب اللغة والسياسة الذي اعتقد ما زال متوفراً في دور نشر بريطانية.

نيل سميث: في المجال الأكاديمي كتاب تأملات في اللغة وكتاب قواعد وتقديمات هما أفضل كتابين لأنهما عميقان من الناحية الفلسفية ولكنهما مفهومان للقارئ العادي.

نوربرت هورنستون: الجميع مندهش من حقيقة أنه يوثق كل شيء يقوله تقريباً فحواشي كتبه السياسية مثيرة للدهشة بقدر الكتاب نفسه ومن الواضح أنها كتابة شخص فكر بجدية في هذه المواضيع ويريد أن يتشارك معك فيما يعتقد أنه الحقيقة، اعتقد أن هذا ينطبق على كل الكتب التي قرأتها له لا اعتقد أن هناك أمراً عادياً في الرجل وهذا الأمر لا تستطيع قوله عن معظم الناس.

ديفد بارساميان: هو يكتب كلما سمح له الوقت بذلك ولكن علي القول كناقد لكتاباته إن أسلوب كتاباته ليس سلساً فجمله طويلة جداً وأنا أفضل الجمل القصيرة، ولكن هذا أسلوبه وهذا ما يفعله منذ عدة سنوات.

نورمان فنكلستين: كتبه بسيطة بشكل مضلل يعتقد بعض الناس أنها مجرد كتب جامعة لعدد كبير من الحقائق والحواشي وبالفعل هناك عدد كبير من الحقائق والحواشي وهناك كمية كبيرة من الأبحاث التي قد تكون مخيفة، هناك شخص حائز على جائزة نوبل في علم الأحياء يدعى سلفادور لوري كان صديقاً شخصياً لتشومسكي، أشار في مذكراته إلى مخزون تشومسكي المرعب من المعرفة وهذا صحيح فلديه مخزون معرفة مرعب لأن عقل تشومسكي يعمل مثل آلة تحليل أينما ذهب وأينما نظر، فهو حينما ينظر إلى أي شيء ينظر إليه ويحلله فكرياً.

[فاصل إعلاني]

مواقف تشومسكي المناوئة للولايات المتحدة

نعوم تشومسكي: أنشر معظم مؤلفاتي في دور نشر صغيرة، وعلى سبيل المثال أول كتاب ألفته عن إسرائيل وفلسطين رفض الناشر نشر معظم ما كتبته ثم نُشر الكتاب في فرنسا بترجمة فرنسية بالطبع وبعد أن ظهر بالترجمة الفرنسية وافق الناشر على نشره هنا، أما كتابي الثاني فلم أجد له ناشراً فنشرته لي مطبعة جديدة صغيرة تعاونية وما يزال هذا يتكرر حتى الآن، إنها ليست رقابة لكن هذه هي القيود التي يتعرض لها الرأي المعارض، بالطبع هناك رقابة مباشرة أحياناً فمثلاً في الإذاعة الوطنية العامة وهي نظام الإذاعة العام هناك بيان كتابي لديهم أصدره أحد مذيعي برامجهم التي تُذاع في الأوقات الرئيسية مفاده أني الشخص الوحيد المحظور في الإذاعة، كما اكتشف باحث آخر مذكرة عممتها أو عممها مدير تحرير نيويورك تايمز تحمل تعليمات للمراسلين والكتاب الصحفيين بعدم ذكر اسمي ومثل هذه الأمور تحدث كما تعلم.

نورمان فنكلستين: في الواقع لم يتم تجاهل تشومسكي في البداية لأنه كانت لديه سمعة حسنة من عمله في اللغويات وأيضاً من انتقاده لحرب فيتنام، لذا كان من الصعب في البداية تجاهله بسبب مكانته ولكنهم بدأوا بتجاهله في بداية الثمانينيات عندما أصدر كتاباً ممتازاً جداًthe faithful triangle.

نعوم تشومسكي: في الولايات المتحدة مثلاً يتعرض المنشق للقذف والاستنكار والإبعاد عن الصحافة وفي الاتحاد السوفيتي السابق كان ينتهي به الأمر في معتقلات غولاغ، وإن كنت في دولة مثل سلفادور ينتهي بك  الأمر قتيلاً وهكذا يختلف الأمر من مجتمع إلى آخر، لم تكن هذه المهمة تلقى التقدير من الناس قطّ فصاحبها يدين أنظمة السلطة ولذلك من الطبيعي أن لا تلقى القبول.

ديفد بارساميان: أي شخص يعيش في ظل الثقافة السياسية الأميركية ويسبح ضد التيار سيهمش إلى حد معين، لأن الحقائق التي يبينها تشومسكي غير مستحبة أبدا، لقد كان محدداً أو معزولاً كبروفيسور للغويات فقط أما عمله السياسي وتحليلاته فقد تم تجاهلها وهُمشت بصورة كبيرة بل إنها قد حوربت في مرات عديدة وكان هناك الكثير ممن يسمون أنفسهم بالمتحررين مثل مارتن برست وبول بريمان وإيلفن هاو وكريستال وآخرين كانوا جميعاً عدائيين جداً تجاه أفكار تشومسكي.

جوزيف مسعد: جريدة نيويورك تايمز ترفض نشر أي مقال لنعوم تشومسكي منذ عشرات السنين نتيجة مواقفه المناوئة للولايات المتحدة، فعلى الرغم من أن نعوم تشومسكي يعتبر مؤسسة في علم اللغويات في جامعة MIT في ماساتشوستس في بوسطن هو أصبح أيضاً مؤسسة لليسار إن كان يسار ليبرالي أو حتى يسار الليبرالية في الولايات المتحدة يسار المناوئ للإمبريالية الأميركية فعنده شهرة طبعاً عالمية، ولكن في نفس الوقت هو غير محتفى به من قبل المؤسسات الرسمية ولا من قبل الإعلام الرسمي أو الليبرالي مثل واشنطن بوست أو نيويورك تايمز أو المؤسسات الموالية للحكم في الولايات المتحدة والتي ترفض أن تنتقد السياسات الخارجية نقد راديكالي للولايات المتحدة كما يقوم به نعوم تشومسكي في كتاباته.

صدام مع السلطة

أليسون إيغلي: لقد قمع بطرق أخرى كعدم عرض الإعلام لكتبه وعدم معاملة الأكاديميين له بجديه وما إلى ذلك، ولكن على رغم المنع والتهميش أتيحت للناس فرصة سماع أفكاره لأنه قادر على نشر كتبه وإلقاء خطابات والظهور عبر محطات إذاعية مستقلة بل إن هؤلاء الناس يشعرون بالدعم من هذه الأفكار كما يقدرون أن أحدهم يعبر بالفعل ويقدم انتقادات وأعتقد كما يرى هو الأمر أنه يقدم مصدراً تاريخياً مختلفاً للأحداث وليس المصدر المتعارف عليه للتاريخ إذاً هو يقدم نسخة مختلفة للتاريخ.

نورمان فنكلستين: أعتقد أن أحد الأسباب التي جعلتهم يتجاهلونه هو ما كان يمثله في أعينهم، كان يمثل أهداف شبابهم ومبادئ شبابهم والتزام شبابهم بالحقيقة والعدل، إنه يمثل كل الأمور التي تخلوا عنها تماماً وانضموا إلى مؤسسة الفكر ومؤسسة الحكم، لذا لا يودون تذكر تشومسكي وعندما يتذكرونه يقولون أفكار البروفيسور تشومسكي صبيانية وبسيطة، هذه أحد الكلمات التي يحبون استخدامها دائماً لأنهم أصبحوا الآن منسجمين مع تعقيدات السلطة، الأمر الذي يزعمون أن البروفيسور تشومسكي لا يفهمه، بالطبع هو يفهم هذا جيداً ولكنه لم يستسلم له.

بيتر ويلكن: عندما فكرت بالكتابة عن تشومسكي كتبت له عن مسودة مشروع كنت مهتما بكتابته وكان هذا قبل ظهور البريد الإلكتروني ووصلتني رسالة طويلة مطبوعة منه يخبرني فيها لماذا لا ينبغي علي القيام بهذا المشروع وكيف أنه سيخلق مشاكل لي ويقلل من شعبيتي؟ في ذلك الوقت دهشت من هذا ولكن نظراً إلى العدائية التي يستقبله بها الأكاديميون أفهم الآن لماذا أرسلها.

نيل سميث: كانت هناك محاولات لتهميشه في مجالات معينة في الولايات المتحدة، وسبب هذا التهميش على وجه التأكيد أن الناس يشعرون بالتهديد مما يفعله وهم يشعرون بالتهديد لأجل الأسباب التي ذكرناها فهو يتصرف كضمير الغرب الحي ولأنه ضمير أو جزء من الضمير أصبح الآن متاحاً ويصعب إخفاؤه ولذا إن لم تهمشه سيصبح هناك عواقب من قبيل لا بد من فعل شيء ما.

نورمان فنكلستين: سأشير إلى حقيقة واقعية تعرف أن الأمور تغيرت بالنسبة إليه من الناحية السياسية لأن زوجته كارول كانت تدير كل أعماله الأدبية الأمر الذي كان مهماً جداً فنحن نتحدث عن أكثر من 100 كتاب إلى الآن ولكن زوجته كانت قادرة على إدارة كل شيء حتى تاريخ الحادي عشر من سبتمبر الذي كان نقطة التحول، وتحديداً بعد ذلك الكتيب الذي كتبه عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقد حققت كتبه مبيعات هائلة واضطر بعدها إلى توظيف شخص ليدير إنتاجه الأدبي، قبل هذا التاريخ لم تكن المبيعات مرتفعة جداً بالطبع كانت مرتفعة بسبب عدد الكتب ولكنها لم تكن مرتفعة جداً لذا قرر وقتها الانسحاب مما يتعلق بأمور النشر، ولكنه الآن بالفعل ما يزال متجاهلاً أجل ما يزال متجاهلاً ومع أنه كذلك يحصل على التقدير في نفس الوقت فالأمران يحدثان لقد اكتسب تقديراً أكاديمياً وما زال الإعلام يتجاهله.

أليسون إيغلي: لاحظت أن كتابه بعنوان الحادي عشر من سبتمبر على سبيل المثال الذي صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر احتل المركز الثالث على قائمة أكثر الكتب مبيعاً مع أنه لم يحظ بالتسويق فالإعلام لم يقدمه ككتاب تجدر قراءته ومع هذا وصل إلى المركز الثالث، إذاً عامة الشعب مهتمون جداً بأفكاره ولكن الإعلام والأكاديميين والحكومة بالتأكيد أي جماعات النخبة الثلاث لا يريدون النظر إلى أعماله.

نعوم تشومسكي: إنه حدث هام ويمكننا أن نسأل أي 11 سبتمبر؟ فهناك اثنتان إحداهما دخلت التاريخ والأخرى لم تدخله، الذي دخل التاريخ هو 11 سبتمبر 2001 ونحن نعرف ما حدث حينها وكيف غير ذلك العالم، لكن هناك 11 سبتمبر آخر في 1973 دعنا نتخيل الآن على سبيل الفرض أن القاعدة قصفت البيت الأبيض في 11 سبتمبر وقتلت الرئيس وأسست دكتاتورية عسكرية وقتلت آلاف الناس وعذبت عشرات الآلاف وأسست مركز إرهاب دولياً يمثل اغتيالات ويطيح بالحكومات في أنحاء العالم ويؤسس دولاً إجرامية تخيل هذا! كان سيكون أسوء مما نسميه 11 سبتمبر ولكن هذا ليس خيالاً فهو حدث وقع في 11 سبتمبر 1973 حين دعمت الولايات المتحدة الانقلاب في تشيلي وهذا هو ما كنت أصفه ولكننا لا نسمي هذا 11 سبتمبر لأننا كنا نحن المسؤولين عنه فالحدث يدخل التاريخ عندما يرتكب ضدنا وليس عندما نرتكبه نحن ضد الآخرين، وهذا أسوء كثيراً هذه هي غالباً نتائج الجهود المتخبطة لعمل الخير كما سماها أنتوني لويس لذلك في 11 سبتمبر الأول كان له تأثير هائل على التاريخ لكن قلة من الناس فقط في الغرب تعرف ما هو و11 سبتمبر الثاني كان موجهاً إلى الغرب ولذلك كان مهماً جداً وأثار تعاطفاً ضخماً في أنحاء العالم.

أليسون إيغلي: قرأت في مكان ما أن تشومسكي نظر إلى نفسه في المرآة خلال حرب فيتنام فأدرك أنه إما أن يبقى صامتاً على الرغم من انتقاده الواضح لما كان يحدث في فيتنام وإما أن يكون له موقف عام ويستخدم مكانته الشعبية بأن يكون له صوت في أمور كانت مهمة جداً بالنسبة إليه، ولذا اختار أن يستغل معظم وقته في فضح وانتقاد السياسة الأميركية الخارجية.

نورمان فنكلستين: هو أحد القلائل وفي الواقع لا أستطيع التفكير بأحد آخر لقد نجح في خلق سمعة عالمية لنفسه بالإضافة إلى سمعة كبيرة في الولايات المتحدة دون أن يكون له ممر فعلي إلى التيار الإعلامي، وتذكر أن هذا كان قبل ظهور الإنترنت وكان الإعلام البديل غير موجود، لقد عمل من خلال قوالب مختلفة ونجح في الوصول إلى عدد كبير من الأتباع، هذا بالإضافة إلى حقيقة أنه لم يظهر على تلفاز قومي قط كما لم يظهر على إذاعة قومية كذلك، لقد كان بالفعل إنجازاً مذهلاً، هناك سببان لهذا النجاح أولاً كان لديه رسالة فريدة جداً ونجح في إيصالها وأيضاً جرأته من خلال خطاباته الدائمة أمام الجماهير الصغيرة التي كانت تكبر أكثر فأكثر، لقد نجح في تخطي إبعاد الإعلام له.

بيتر ويلكن: في السياسة أعتقد أن إحدى المسائل التي تتعلق بأعمال تشومسكي وتجعله مهماً هي أنه يركز على القضايا المعاصرة والتفاصيل فهو لا يكتب لجمهور الأكاديميين ولذلك أعتقد أن الكتب التي يكتبها قد لا تدوم كالكتب التي يكتبها مفكرون آخرون فهو يكتب عن التفاصيل الدقيقة لما يحدث في الحاضر لأنه مهتم بإحداث تغيير في المجتمع ولذا تستخدم كتبه كوسائل للناشطين السياسيين حول العالم فهو يكتب لهم وهذا ما يأمل تحقيقه، وهذا مهم جداً لأن معظم المفكرين وبطريقة ما إنما يكتبون لمفكرين آخرين.

نعوم تشومسكي: انخرطت في هذه القضايا قبل أن اسمع باللغويات أو أفكر بالالتحاق بالجامعة كنت أهتم بهذه القضايا منذ طفولتي واستمررت على هذه الحال، فحقيقة أنك متخصص بالأدب الإنجليزي في القرن السابع عشر أو تعمل في النظرية الكمية لا يمنعك أن تكون إنساناً وما دمت إنساناً فلابد أن تهتم بالقضايا التي تهم البشر وبما أن أمثالنا نحن أساتذة الجامعة لديهم ميزة وبالتالي لديهم الفرص والفرص يترتب عليها مسؤوليات فإننا نتخذ خياراتنا تبعاً لذلك، لكنني أرى أن السؤال الذي يجب أن يطرح هو لماذا لا يفعل الجميع هذا؟

مناضل ثمانيني يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية

وليد العطار: رغم أن رأس تشومسكي قد اشتعل شيباً وفقد في سنواته الأخيرة رفيقة دربه التي كانت تعينه كثيراً على نوائب بتمرده وانشقاقه عما هو سائد لم يكف وقد تجاوز الثمانين عن ممارسة النشاط الذي يجري في دمه منذ كان طفلاً جريان الأفكار في عقله الجبار، فقد زار مؤخراً معتقل الخيام التي كانت تشرف عليه إسرائيل قبل انسحابها من جنوب لبنان في إشارة واضحة لدعمه للمقاومة المشروعة ضد الاحتلال، وحين أراد العبور إلى الضفة الغربية المحتلة لإلقاء محاضرات في جامعة بيرزيت أوقفه الإسرائيليون على جسر الملك حسين ساعات طويلة ساءلوه فيها عن مواقفه الناقدة للسياسة الإسرائيلية ثم أبلغوه بقرار منع وزارة الداخلية الإسرائيلية دخوله، فقفل راجعاً إلى الأردن ومارس تمرده منه هناك وألقى محاضرته عبر video conference بينما كان يتلقاه جمهوره في جامعة بيرزيت.

ديفد رساميان: هناك نوعان من المفكرين: النوع الذي يقوم بأبحاث ويُدرس في حلقات بحث ويلقي المحاضرات وليس مرتبطاً بأي حركة وهناك نوع من المفكرين الذين يمثلهم تشومسكي الذي طالما أتاح معرفته للحركات والناشطين لأن المعرفة الجامدة لا تستخدم من قبل الجماعات الشعبية والحركات إجمالاً، واعتقد أن ذلك لا يجذبه هو يريد أن يكون متألقاً ومحفزاً.

جوزيف مسعد: هنالك نوع من الجبن السياسي في المؤسسة الأكاديمية الأميركية حتى من قبل الأساتذة أو المفكرين الذين يكتبون في سياق نقدي عن الولايات المتحدة، هنالك جبن من الانخراط في العمل السياسي بشكل عام نتيجة يعني عدم أو الخوف من خسارة الاحترام الأكاديمي داخل المؤسسة، طبعاً نعوم تشومسكي استطاع أن يكسب احترام المؤسسة الأكاديمية في أعماله الأكاديمية في علم اللسانيات وإن خسر احترام المؤسسات الرسمية الأميركية نتيجة مواقفه المعادية للامبرياليات الولايات المتحدة.

نورمان فنكلستين: ما سأقوله عن تشومسكي هو أنه دائم الاتصال بالناشطين الذين يتحدث من أجلهم ويشجعهم في حياته السياسية، فجمهوره الأساسي ليس من الصحفيين والمفكرين ولا يهدف إلى حضور حفلات الترفيه ومثل هذه المؤتمرات، في الحياة السياسية يبدو أن هدفه الأول تشجيع الناشطين، هؤلاء الأشخاص الذين يحاولون تغيير العالم بصورة واقعية وهذا ما يجعله في فئة مختلفة تماماً عن معظم الأكاديميين اليساريين.

نيل سميث: لطالما وُصف بأنه يهودي يكره اليهود وإن كنت تعرفه سترى أن هذا غير صحيح، فقد كان عضواً في المجتمع اليهودي لقد تربى وهو يمارس الديانة اليهودية على الرغم من أنه ملحد، ولكنه جزء من الثقافة اليهودية، يتحدث باحترام شديد عن عمه وعن والديه الذين كانوا يمارسون اليهودية، أعتقد أنه يمارس ما يعظ به هو يعظ بالمساواة وبأهمية أخذ الأمور بالنظر إلى قيمتها الواضحة أو عدالتها العالمية على الأقل.

ديفد بارساميان: حقيقة أن تشومسكي يهودي هي أمر ثانوي ولكن ما اعتقد أنه أكثر أهمية هو عادلة القضية الفلسطينية، فتشومسكي كان منذ بداية نشاطه السياسي متحمساً ومهتماً بفلسطين وهناك القليل في الولايات المتحدة من الذين ناصروا بشدة وصادقوا الشعب الفلسطيني مثل تشومسكي كما أنه كتب عددا من الكتب حول ذلك فأحد كتبه الأولى كان بعنوان السلام في الشرق الأوسط صدر بين عامي 1974 و 1975، وكتب عن هذا الموضوع بشكل واسع كتابه the faithful triangle وهو كتاب كلاسيكي عن التاريخ الإسرائيلي الفلسطيني.

جوزيف مسعد: أنا أعتقد أن موقفه من موضوع فلسطين إسرائيل لا يختلف عن موقفه من العالم الثالث بشكل عام أي أنه يهاجم أعداء العالم الثالث دون أن يكون بالضرورة مسانداً للحركة حركات التحرر الموجودة لأسبابه الخاصة أو أسباب سياسية مختلفة، ومنها من عام 2006 اختلافه مع الكثيرين من المساندين للشعب الفلسطيني في مثلاً حق العودة فبينما هو يساند الحق القانوني للعودة للشعب الفلسطيني الذي هجر عن بلاده في 1948 يرفض طرح حق العودة كحق يمكن إنجازه أو حق يمكن استرجاعه.

نعوم تشومسكي: أنا أؤيد قيام اتحاد ثنائي القومية في دولة واحدة، لكن علينا التمييز بين التأييد والاقتراح، فنحن نستطيع الاقتراح بأن الجميع يجب أن يعيشوا بسلام وقد ذكرت اقتراحات جيدة لهذا ولكن الاقتراحات ترقى إلى مستوى التأييد عندما ترسم طريقاً من هنا إلى هناك، والأمر ذاته فيما يتعلق بدولة ثنائية القومية أو ما يسمى بتسوية الدولة الواحدة، فيمكننا اقتراحه كما يمكننا اقتراح أن يعيش الجميع بسلام، في الحقيقة استطيع تقديم اقتراح أفضل وهو حل الدولة وفيه ببساطة نمحو الحدود القومية وهو شبيه بما كان تحت حكم الدولة العثمانية من دون فسادها ووحشيتها حين كان يمكن التنقل من القاهرة إلى بغداد واسطنبول من دون عبور حدود وكان الناس يستطيعون إدارة شؤونهم الخاصة وأحيائهم وما إلى ذلك.

جوزيف مسعد: يرفض نعوم تشومسكي الاقتراحات الموجودة عن الدولة الواحدة، دولة واحدة في إسرائيل لمواطنيها طبعاً لا يرفضه من حيث المبدأ يقول أن هذا مرفوض لأن ليس هنالك إجماعا عالمياً عليه وأن إسرائيل لن تسمح به ولكن طبعاً من كان يعتقد أن الدولة العنصرية دولة Apartheid في جنوب إفريقيا كانت ستسمح في يوم من الأيام أن ينتهي نظامها كما انتهى.

نوربرت هورنستون: في كتابه "السلام في الشرق الأوسط" أشار إلى أن إسرائيل لديها خيار إما أن تبقى دولة ديمقراطية أو تبقى دولة محتلة لا يمكنها الحصول على الأمرين، وقال إنها إن حاولت الحصول على الأمرين ستسير في اتجاه ما يشبه الدولة العنصرية قيل هذا في عام 1968 كان هذا تنبأ لا يصدق واعتقد أن هذه هي الفكرة التي يناقشها الجميع في الولايات المتحدة الآن وفي إسرائيل، اخترع تشومسكي اللغويات الحديثة لولاه لما وجدت فالأمر كما نحب وصفه في بعض الأحيان أن جميع العاملين في علم اللغويات المعاصرة يلعبون في ملعبه أو في صندوق الرمل الذي صنعه تشومسكي لقد حدد المشاكل وحدد مجموعة الحلول وحدد الخيارات المتاحة لتحقيق تلك الحلول ولولاه لما وجدت هو أساس علم اللغويات الحديثة.

ديفد بارساميان: هو مثل مرشد لاكتشاف العالم، العالم السياسي وخصوصاً المتعلق بالولايات المتحدة الأميركية وهذا لم يكن مصادفة كان هذا نتيجة عقود وعقود من الالتزام المذهل والتفاني في الكتابة والتحدث عن سياسة الولايات المتحدة الخارجية وسياسة الولايات المتحدة الاقتصادية والإعلام في الولايات المتحدة ودور الإعلام ودور الأكاديميات والجامعات والكليات وفكرة خلق الإجماع الشعبي والدعاية.

نيل سميث: لقد غيّر تشومسكي الطريقة التي ننظر فيها إلى أنفسنا اعتدنا أن نكون لوحاً أبيضاً تسهل الكتابة عليه ويستطيع الأشخاص في السلطة أن يكتبوا عليه ما يريدون لكن تشومسكي غير هذا كما غير داروين وجهة النظر حول مكانة البشر في التطور لقد غيّر تشومسكي مفهومنا لمعنى أن نكون كائنات تمتلك عقلاً نحن نمتلك طبيعة فطرية تتمثل في رغبتنا في الحرية.

ديفد بارساميان: لا أعرف أحداً يعمل بنفس مجهود تشومسكي وكلما شعرت بالأسى على نفسي لأنني أعمل كثيراً أو لأنني متعب جداً أتذكر تشومسكي وما يقوم به فأشعر بالخجل لأنني لا أفعل شيئا بالمقارنة به وأنا أعرف أنه ينام لساعات قليلة في الليل كما أن مسألة الرد على رسائل الناس غير عادية.

نعوم تشومسكي: أتوقف عن الكتابة عندما لا يبقى لدي ما أقوله وما دمت أرى أن لدي ما يقال سأستمر في إلقاء المحاضرات وما دام يطلب مني أن أتحدث وأجد أن ما أقوله مثير للاهتمام سأتحدث إن كان لدي شيء فسأقوله وإن كان مترابطاً بما يكفي ليعرض على الصحف أو على الكمبيوتر فسأعرضه أو إن أراد أحد نشره فسأنشره وما دامت هذه العملية مستمرة فسأواصل الكتابة هنالك أمور كثيرة تدور في ذهني أود توصيلها للناس.