في الذكرى العشرين.. مذكرات مراسل حربي لغزو العراق ترصد رعب الألغام ومفاجأة عواصف الرمال

من الأحداث في حياة الصحفيين ما لا ينسى وإن مر عليه زمن طويل، والغزو الأميركي للعراق كان فاصلا في حياة مراسلين ومصورين كثر ممن توافدوا من مختلف أصقاع الأرض لتغطية واحدة من أكثر حروب العصر عنفا وتعقيدا، كما كان هذا الهجوم على العراق مغيرا لمجرى الحياة في ذلك البلد العربي.

وفي ذكرى مرور 20 عاما على ذلك الغزو، نقل برنامج "المرصد" (2023/4/3) جانبا من مذكرات الصحفي "جيري هارمر" أحد مراسلي وكالة أسوشيتد برس، التي دونها كيوميات خلال الأسابيع الأولى للحرب، وكانت حافلة بأحداث كثيرة ومتلاحقة.

كان "هارمر" مع أحد زملائه من الوكالة مرافقين لقوات المارينز الأميركية خلال الحرب، وهي ظاهرة في التغطيات الصحفية وتكثفت خلال غزو العراق.

وسجل هارمر مقاطع مصورة لتلك اليوميات التي قال إنه دأب على تسجيلها في مفكرة صغيرة، دون فيها بانتظام تفاصيل مشاهداته، إلى حين انتهاء مهمته مع قوات البحرية الأميركية يوم 9 أبريل/نيسان 2003، تاريخ إسقاط تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في بغداد.

ومن تلك التدوينات:

19 مارس/آذار 2003: يبدو أن شيئا سيحصل الليلة، هبت رياح عاصفة وتدنى مجال الرؤية لقرابة 200 متر.. لو أردنا تصميم أرض للموت فهذا ما ستكون عليه.

20 مارس/آذار: بدأت المدافع حربها بـ 5 جولات لكل واحد من أصل 6 مدافع هاوتزر عيار 155 ملليمترا.. كان سائق شاحتنا يصيح عاليا ويلوح بذراعيه صارخا اقتلوا اقتلوا.. هي المرة الأولى التي تستخدم فيها مثل هذه المدافع، كان متحمسا مثل صبية المدارس.

22 مارس/آذار: أخبرنا رجال المارينز أنهم عثروا على العديد من ناقلات الجند المدمرة، وشعرنا بالخوف عند رؤية هذه الهياكل المحترقة، وخشينا من وجود ألغام وقذائف غير منفجرة، وجدنا قذائف "آر بي جي" مبعثرة وبعض السترات والخوذ، كانت مثيرة للشفقة.

23 مارس/آذار: أردت الاطمئنان على زملائنا فالتقطت الهاتف ولكن الأخبار لم تكن جيدة، فُقِد الاتصال بصحفي ومصور كان برفقته بعد إطلاق النار على مركبتهما.. نحن الآن في السيارة، يجب أن أعبر من دهشتي من حجم الموكب على يميننا، كان كبيرا جدا.. دبابات وناقلات جند إضافة إلى المدفعية، كانت كلها متجهة شمالا ناحية بغداد.

25 مارس/آذار: دخلنا إحدى المزارع، الرياح في الخارج تشتد بسرعة وغيوم ضخمة من الغبار تحيط بنا، ثم حدث أمر غريب، تحول العالم إلى اللون البرتقالي، وضاق مجال الرؤية بشكل ملحوظ، وبعدها أصبح الأمر أكثر سوءا، والهواء يتلون بالبرتقالي الأكثر حدة، بدا كأنه ينبض.

27 مارس/آذار: قال (أحدهم) إنه يعتقد رؤية حركة ما، وإن العراقيين يعدون لهجوم، وظهرت أمامنا طوافتان، وخلال ثوان انطلقت منها 3 صواريخ، وبدأ الجنود المارينز بالهتاف.. في البداية شاهدنا سحابة دخانية ثم نارا مستعرة تتصاعد من مكان القصف.

31 مارس/آذار: لم تكن هناك أي حركة ملحوظة في المباني، ركل رقيب الباب ولم يجدوا سوى عنزة مرتعبة وبعد ثوان من البحث خرجوا ببندقية مسامير مهترئة، وفي الفناء الخارجي رأيت مزيدا من الناس مدفوعين من الجنود، وكانوا جالسين على الأرض إلى جانب من سبق أن اعتقلوا، كان بينهم 3 نساء ترتدين لحافا أسود، ومن بينهن صغيرة بالسن كانت تعض على شفتيها من شدة الخوف، كان المشهد مؤذيا للروح.

1 أبريل/نيسان: تابعت مدافع تانجو طريقها لتجوب عبر قرية صغيرة.. أوقات كهذه تبعث على التوتر، في وقت متأخر بعد الظهر، شكلت المدافع حزاما ناريا متواصلا، ولم يتسن لي ارتداء سدادات الأذن، ولوهلة أصبت بدوار نتيجة للارتجاج الهائل، وشعرت بطنين في أذني وكانت أسناني تهتز في رأسي.

8 أبريل/نيسان: بعد ظهر ذلك اليوم عقد القائد العام الجنرال جيمس مارتيز مؤتمرا صحفيا وصف فيه المقاتلين الأجانب بالأغبياء، وزعم أنهم يفتقرون للشجاعة ويتنكرون بملابس النساء.. احتار في أمره حين سأله أحد الصحفيين البريطانيين ما إذا كانوا عثروا على أسلحة الدمار الشامل التي غزو العراق لأجلها.. تعثر بالكلام قائلا إن الابتسامات على وجوه المحررين سبب ومبرر كاف.

9 أبريل/نيسان: سقطت المدينة وكنت في شاحنة مغطاة بطبقة من الغبار، انتهى عملنا مع الجيش وأصبحت بغداد كأنها في عالم ثان، لم نعد في حماية القوات المسلحة وأصبحنا بمفردنا وأضحى كل طلق ناري يصيبنا بالقشعريرة.

13 أبريل/نيسان: غادرنا بغداد عند السادسة و20 دقيقة صباحا، وبعد 10 ساعات وصلنا لعاصمة الكويت.. المشهد اللافت طوال الرحلة كان رؤية حرس الحدود الكويتيين يزيلون كل ما يحمل صورة صدام حسين.. وقضي الأمر.

المصدر : الجزيرة