رويترز توثق تصفية أطباء غزة

رضيعة تتلقى الرعاية بمركز ناصر الطبي في غزة بعد ولادتها بعملية قيصرية إثر استشهاد والدتها بهجوم إسرائيلي في يوليو/تموز 2014 (الأناضول-أرشيف)
رضيعة تتلقى الرعاية بمركز ناصر الطبي في غزة بعد ولادتها بعملية قيصرية إثر استشهاد والدتها بهجوم إسرائيلي في يوليو/تموز 2014 (الأناضول-أرشيف)

يقول زملاؤها إن الدكتورة سيرين العطار كانت تتواصل عبر واتساب ليلاً ونهاراً مع زميلاتها والحوامل في قطاع غزة لجعل الولادة أكثر أماناً. وكان عملها جزءًا من حملة بدأت قبل فترة طويلة من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وكانت الطبيبة المذكورة نائمة في سريرها يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول مع اثنتين من بناتها الثلاث وذلك بعد 4 أيام من هجوم حماس. وتوقعًا للانتقام الإسرائيلي، غادرت سيرين وأطفالها مدينة غزة للبقاء مع والديها بمخيم البريج للاجئين، حيث كانوا يأملون أن يكونوا أكثر أمانًا هناك مع 21 من الأقارب تحت سقف واحد.

وكانت حظ ريما، ابنة سيرين الكبرى، مَرتبة على الأرض. وقالت ريما البالغة من العمر الآن 14 عاما -لرويترز- إن آخر شيء قالته قبل النوم كان "أحبك يا أمي".

وكان جميع من في المنزل يحظون بقسط من النوم بين الغارة والغارة.. ثم تم قصف منزلهم.. واستيقظت ريما لتجد نفسها تحت الخزانة وهي تختنق بالغبار. وتقول "بدأت بالصراخ: النجدة، النجدة، أمي، النجدة، أيها الناس!".

ولم يأت أي رد من السرير حيث تتمدد الوالدة. وكانت سيرين قد استشهدت في تلك الغارة الجوية الإسرائيلية، كما أصيبت شقيقة ريما البالغة من العمر 6 سنوات بجروح خطيرة.

سيرين العطار
سيرين العطار طبيبة نساء وتوليد استشهدت في سن 39 عاما (رويترز)

كانت سيرين (39 عاما) واحدة من بين ما لا يقل عن 490 من العاملين في غزة بقطاع الرعاية الصحية الذين استشهدوا بالحرب الإسرائيلية على القطاع المحاصر.

فقد كانت طبيبة متخصصة، وواحدة من طلائع تحسين الصحة العامة لسكان غزة الذين ألحق غيابهم ضررًا جسيمًا بهذه الخدمة.

وكان أداء الخدمة الصحية في غزة محفوفا بالصعوبات، تحت الحصار الإسرائيلي منذ تولي حماس السلطة بالقطاع عام 2007، تمثلت في الانقسامات العميقة حول من يدير غزة بالتزامن مع جولات متوالية من المواجهة مع إسرائيل. ولكن بعض الحقول -وبينها الخدمة الصحية- أحرزت تقدما ملحوظا بفضل الاستثمار والدعم الخارجي ومثابرة أطباء مثل سيرين، وفقا لمراجعة أجرتها رويترز لبيانات من وزارة الصحة الفلسطينية ووكالات الإغاثة العالمية، ومقابلات مع أكثر من 20 طبيبًا من غزة وأطباء أجانب.

ويظهر واحد من الأمثلة، المنقول عن البيانات الصادرة عن صحة غزة، أن معدل وفيات الأمهات بالقطاع قد انخفض إلى 17.4 حالة (لكل 100 ألف ولادة حية عام 2022) من 23.4 عام 2010، وهو أول عام تتوفر عنه بيانات خاصة بغزة. وفي السياق، تظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أنه خلال 2020، وهو آخر عام متاح، توفيت 41 امرأة من أصل 100 ألف بالأردن أثناء الولادة أو بعدها بفترة قصيرة. وفي مصر كان العدد 17، وفي إسرائيل 3 نساء فقط.

ولا تتوفر آلية مستقلة للتحقق من بيانات الحكومة في غزة، والتي تعترف بها الأمم المتحدة وتستخدمها وكالات الصحة الدولية بنفس الطريقة التي تستخدم بها البيانات الحكومية من الدول الأخرى. وللتحقق من عدد الأطباء المتخصصين الذين قتلوا وتقييم أثر وفاتهم، تحدثت رويترز إلى 10 أطباء بالقطاع أو بالخارج، و14 طبيبا أجنبيا ساعدوا في تدريب المتخصصين، و10 من أقاربهم وأصدقائهم.

وتظهر بيانات وزارة الصحة أنه بين عامي 2006 (عندما فازت حماس بالانتخابات التشريعية) و2022، قفز عدد سكان غزة بنسبة 49% ليصل إلى 2.2 مليون نسمة. وفي تلك الفترة، تضاعف عدد الممارسين العامين لمهنة الطب ليصل إلى 1913، كما تزايد عدد المتخصصين ليصل 1565.

من علاج الحروق إلى الكلى

Surgeons operate on a patient in a surgery operating theatre at the European Hospital in Khan Yunis in the southern Gaza Strip on December 31, 2023 amid the ongoing conflict between Israel and the militant group Hamas. (Photo by Said KHATIB / AFP)
أطباء يجرون جراحة بالمستشفى الأوروبي في خان يونس يوم 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي (الفرنسية)
أطباء يجرون جراحة بالمستشفى الأوروبي في خان يونس يوم 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي (الفرنسية)

وقد ساعد في ذلك تدفق الدعم الخارجي. ويظهر إحصاء، أجرته رويترز للسجلات العامة واستفسارات قدمتها لمسؤولي الأمم المتحدة، أن وزارة الصحة في غزة ووكالات الإغاثة الأممية خصصت ما لا يقل عن ملياري دولار للرعاية الصحية بالقطاع خلال تلك الفترة.

ويقول وزير الصحة في غزة -لرويترز- إن الأطباء المتخصصين مثل سيرين كانوا جزءا من جهد إستراتيجي لحماس لبناء نظام صحي مكتف ذاتيا في غزة، يمتد من علاج الحروق إلى تشخيص السرطان وعلاج الكلى.

ووفقاً لمعلومات وزارة الصحة، استشهد خلال الحرب الحالية 55 طبيباً متخصصاً في غزة، فضلاً عن أقاربهم وزملائهم وأصدقائهم.

وينطبق هذا الرقم على ما يقرب من 4% من المتخصصين في غزة. وفي بعض التخصصات التي بها كوادر قليلة من الأطباء، تكون الخسائر فادحة. وعلمت رويترز أن القطاع كان به 3 متخصصين فقط في الكلى قبل الحرب، وقد قُتل أحدهم وغادر الآخر إلى الخارج.

ووجدت رويترز أن 7 من بين 55 متخصصا قتلوا بالمستشفيات. وقُتل ما يصل إلى 23 شخصًا عندما كانوا بعيدًا عن العمل. ولم تتمكن هذه الوكالة الإخبارية من العثور على معلومات واضحة عن مكان وفاة الباقين.

FILE PHOTO: A views shows the damaged Al Shifa Hospital after Israeli forces withdrew from the hospital and the area around it following a two-week operation, amid the ongoing conflict between Israel and Hamas, in Gaza City April 2, 2024. To match Special Report ISRAEL-PALESTINIANS/GAZA-HEALTH REUTERS/Dawoud Abu Alkas/File Photo
ما تبقى من مجمع الشفاء الطبي في غزة (رويترز)

وقال أطباء وخبراء إن غزة فقدت، مع مقتل كل متخصص، شبكة من المعارف والعلاقات الإنسانية، وهي ضربات أقوى من تلك التي تتحملها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول معظم مستشفيات المنطقة البالغ عددها 35 مستشفى. علما بأن مقتل أي طبيب سيشل الخدمات التي يقدمها في مكان يندر فيه المتخصصون.

ووثقت رويترز كفاح الطبيبة سيرين إلى جانب اثنين من زملائها المتخصصين في غزة بمجال التدريب والعمل في ظل الحصار الإسرائيلي على القطاع، وكيف ساعدوا في تحسين الرعاية الصحية هناك.

قالت ديبورا هارينغتون، طبيبة التوليد البريطانية التي ساهمت في تأهيل العطار وآخرين "إنها خسارة فادحة.. لا يمكن لنظام الرعاية الصحية أن يتحمل خسارة هؤلاء الخبراء". وأضافت أن إعادة بناء النظام "ستستغرق عقودًا من الزمن".

ولم ترد حماس على طلب للتعليق على هذا الموضوع، كما لم يعلق الجيش الإسرائيلي بدوره على وفاة هؤلاء الأطباء، لكنه عادة ما يتهم حماس باستخدام المستشفيات والبنية التحتية الطبية غطاء لأغراض عسكرية.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن مستشفى الشفاء كان مركز قيادة لمقاتلي حماس، وهو ما تنفيه الحركة جملة وتفصيلا.

ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من الادعاءات المتناقضة التي قدمها الجانبان حول تورط النظام الصحي في غزة بالصراع الحالي.

وقد قتلت إسرائيل حتى الآن أكثر من 36 ألف فلسطيني، أغلبهم من النساء والأطفال، بينما قتل 1500 إسرائيلي في هجوم حماس يوم السابع من أكتوبر تشرين الأول الماضي. وتقول إسرائيل إن حوالي 120 شخصًا اختطفوا خلال هجوم حماس وما زالوا محتجزين بغزة.

"جيل جديد"

ويصنف حوالي 80% من الفلسطينيين المقيمين في غزة لاجئين، طردوا أو فروا من منازلهم خلال حرب عام 1948 مع قيام دولة إسرائيل، هم وأحفادهم.

ولدت سيرين عام 1984، والتحقت بدراسة الطب عام 2002، في وقت كانت فيه غزة ما زالت تعتمد في العلاج المتقدم لأبنائها على مستشفيات إسرائيل ودول الجوار. وفي ذلك الوقت، كان لدى القطاع أقل من 30 سريرًا بوحدات الرعاية الخاصة، وفق تقرير صدر عام 2012 عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية "سي إس آي إس" (CSIS).

ومنذ تولت حماس إدارة قطاع غزة عام 2007 -في أعقاب صراع مع فتح التي تدير السلطة الفلسطينية برام الله- تم تشكيل حكومتين فعليتين في رام الله وغزة، ولكل منهما وزارة صحة. وتم عزل الخدمات الصحية بغزة عن الوزارة في رام الله التي بدأت تقييد الأموال المخصصة للقطاع المحاصر، في حين أغلقت إسرائيل حدود غزة وقيدت تحركات السكان وقدرتهم على الوصول إلى الإمدادات الطبية كما شنت عدة حروب على القطاع في إطار صراعها مع حماس.

Hamas supporters celebrate in Khan Younis, in southern Gaza, in January 2006 after Hamas won a Palestinian election. A bloody conflict with Fatah followed, and Hamas seized Gaza. REUTERS/Ahmed Jadallah
أنصار حماس يحتفلون في خان يونس بعد فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006 (رويترز)

وذكر تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن السلطة الفلسطينية لديها عياداتها المخصصة لموظفيها أو أفراد الأمن، ومعظمهم من أعضاء فتح. وقال إن حماس كانت تنوي إعادة تنظيم هذه القوات في غزة.

ويؤكد الدكتور باسم نعيم، أول وزير للصحة في عهد حماس، أنه استبدل مسؤولي الجهاز الطبي قبل وصول حماس إلى السلطة. وقال "تم حرمان الكثير من الأطباء والممرضين الجيدين من العمل بوزارة الصحة.. لأنهم كانوا ينتمون إلى جهات أخرى وفصائل سياسية أخرى غير فتح". وأضاف أن هدف حماس هو إضفاء الطابع المهني على الخدمة. وقال إن حماس بدأت تعمل للحصول على تدريب تخصصي لإنشاء ما أسماه "جيل جديد من المهنيين" لنظام صحي يدعم بناء الدولة الفلسطينية.

بالمقابل، نفى عابد دولة (المتحدث باسم حركة فتح) الاتهامات القائلة إن أعضاءها تلقوا معاملة تفضيلية، وقال إنهم جعلوا الرعاية الصحية متاحة لجميع الفلسطينيين. أما وزارة الصحة برام الله فلم تستجب من جهتها لطلب التعليق على ما أورده المتحدثان.

وقال نعيم إن الوزارة دفعت خلال عامها الأول 110 ملايين دولار لمستشفيات في إسرائيل ومصر والأردن لعلاج الفلسطينيين. لكن حماس أرادت الاستثمار في أطباء فلسطينيين بدلا من ذلك. ففي عام 2008، تخرجت سيرين من جامعة القدس فرع غزة بتقدير ممتاز. وأتاحت هذه النتيجة لها المنحة الدراسية الوحيدة بالمنطقة للتدريب المتخصص في أمراض النساء والتوليد في عمان بالأردن. وكانت واحدة من حوالي 140 طبيباً قال نعيم إن وزارة الصحة في غزة أرسلتهم للتدريب هناك.

Al-Attar, right, in the library of the Gaza branch of Al-Quds University with her friend and fellow medical student, Sana Najjar. Al-Attar’s top grades earned her a scholarship in obstetrics and gynecology.
سيرين العطار (يمين) بمكتبة فرع غزة لجامعة القدس مع صديقتها وزميلتها سناء النجار (رويترز)

وقال نعيم، وهو طبيب جراح "لقد ناضلنا بكل قوتنا وبكل إمكانياتنا من أجل إرسال بعض الأطباء الشباب حديثي التخرج خارج البلاد، للحصول على تدريب احترافي".

وكانت سيرين حاملاً بابنتها ريما عندما حصلت على المنحة الدراسية لكنها واجهت صعوبة في الخروج. وقال الدكتور وجدي جربوع لرويترز إنها وصلت في أبريل/نيسان 2010 إلى مستشفى بالأردن قبل أقل من 24 ساعة من ولادة ابنتها.

وتركت سيرين وراءها نظاماً يعمل بذهنية الحصار. فحماس كانت محاصرة من قبل إسرائيل وفتح، وتعمل في ذات الوقت على توسيع الشبكات الاجتماعية غير الرسمية لإدارة الأمور في غزة، من خلال تعزيز الجمعيات الخيرية واستقطاب المساعدة من الخارج.

 "دعم غير متوقع"

بحلول عام 2022، كان لدى غزة 3412 سرير مستشفى، أي بزيادة قدرها 70% تقريبًا عن عام 2009، وهو أول عام تتوفر عنه بيانات وزارة الصحة. ويصل ذلك إلى ما يقرب من 15.5 سريرًا لكل 10 آلاف شخص، أكثر مما هو عليه في مصر والأردن وسوريا ولكن حوالي نصف الإجمالي الإسرائيلي، وفق أحدث بيانات الصحة العالمية.

وقد تلقت غزة المساعدة من حكومات وجمعيات خيرية في الخارج، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وإندونيسيا والكويت وتركيا والإمارات والأمم المتحدة. وتضيف السجلات التي تمكنت رويترز من مراجعتها أنه يصل إلى 2.2 مليار دولار على الأقل منذ عام 2006، بما في ذلك حوالي 740 مليونا من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) وصندوق السكان الأممي.

أكثر من ملياري دولار أنفقت على القطاع الصفي بغزة خلال 16 عاما (رويترز-أرشيف)

ومن المعروف أن الجهة الرئيسية التي تقدم المساعدات في غزة هي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالشرق الأدنى (أونروا). ولا توضح تقاريرها مقدار المبلغ الذي تم إنفاقه على الصحة من أصل 4 مليارات دولار خصصتها لغزة، لكنها تظهر أنه كان على الأقل 75 مليونا. ولم ترد الأونروا على الأسئلة المتعلقة بإنفاقها الطبي.

ولم تتمكن رويترز من الوصول إلى جميع سجلات الإنفاق الخاصة بوزارة الصحة في غزة. ووفقا لتقاريرها العامة، بلغ إجمالي إنفاقها 1.4 مليار دولار بين عامي 2015 و2022.

وقالت عالمة الاجتماع بجامعة كامبريدج، منى جبريل، التي نشرت دراسة من 138 صفحة عن النظام الصحي بغزة عام 2021 إن "إحدى مفارقات الحصار أن القطاع الصحي شهد بالفعل توسعًا". وأرجعت النمو لمجموعة من العوامل، قائلة إن نظام الرعاية الصحية الذي يعمل بشكل جيد أمر ضروري بالنسبة لحماس.

كما قدم أطباء من إسرائيل أيضا مساعدة، عندما بدأت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان بإسرائيل "بي إتش آر آي" (PHRI) -ومقرها يافا- العمل مع وزارة الصحة بغزة عام 2009، حسبما قال رئيسها غاي شاليف. ومنذ عام 2010 وحتى بدء الحرب، أرسلت "بي إتش آر آي" أطباء إسرائيليين متخصصين من أصل فلسطيني لغزة في رحلات منتظمة لتدريب الأطباء على الإجراءات الطبية المتقدمة.

وقال شاليف لرويترز إن الأطباء الإسرائيليين تلقوا "دعما وترحيبا غير متوقعين من الوزارة" في غزة. وأضاف "انطباعنا أنهم كانوا متحمسين للغاية، من حيث إنجاح الأمر حتى في هذه الظروف المستحيلة للغاية، وجعل نظام الصحة العامة يعمل بشكل صحيح ويلبي احتياجات الناس".

مستشفيات غزة خلال الحرب

وكانت جهة الاتصال الرئيسية للمنظمة الإسرائيلية بوزارة الصحة في غزة هو مديرها العام الدكتور منير البرش الذي أصيب في غارة جوية إسرائيلية يوم 21 ديسمبر/كانون الأول على منزله في جباليا شمال غزة، وهي ضربة أدت لاستشهاد ابنته. وقالت زوجة البرش إنه لا يزال في طور التعافي، ولذلك لم يكن متاحا للتعليق.

"الجحيم مع البروتوكول"

عام 2016، عادت سيرين وزوجها إلى غزة للعمل بوزارة الصحة. وتشير بيانات الوزارة إلى أن مستشفياتها نظمت ثلثي العمليات الجراحية في غزة، وأجرت 66 ألفا و51 عملية جراحية، بزيادة قدرها حوالي 13% منذ عام 2010.

وانضمت سيرين إلى مشروع وزارة الصحة لخفض معدل وفيات الأمهات، ونقل المهارات التي تعلمتها من أطباء الأردن على كيفية تشخيص الانسداد الرئوي وتجلط الأوردة العميقة، والتي يمكن أن تكون قاتلة. وقالت زميلتها وصديقتها الدكتورة سناء النجار "كانت الأصغر سناً وحديثة التخرج".

واتسمت الحياة اليومية بانقطاع التيار الكهربائي وبطء الإنترنت وعدم استقرار سياسي وجولات الصراع. وكانت المنظومة الصحية تفتقر لإمدادات مستقرة، إلى جانب حاجتها لإحالة بعض المرضى إلى مستشفيات إسرائيل وأماكن أخرى. وقال زوجها الدكتور جربو "لم نتمكن من توفير الوقود اللازم للذهاب إلى العمل. لقد كانت -وليست هي فقط- عرضة لأزمات عديدة كهذه".

وكان جربو قد تلقى تدريباً متخصصاً بالأردن كأخصائي أشعة. لكنه عام 2020، مثل العديد من الأطباء في غزة، انتقل إلى الخارج للحصول على راتب أفضل. وتحدث لرويترز من منزله في عمان حيث انضمت إليه ريما وشقيقاتها بعد وفاة والدتهن.

عام 2017، انضمت سيرين إلى دراسة شملت أربعة من مستشفيات غزة، وشاركت في كتابة بحث منشور بمجلة The Lancet عام 2021. فوجدت أن "المستشفيات التي تم فيها تجفيف الأطفال حديثي الولادة جيدًا، واستمتع فيها المواليد بالرضاعة الطبيعية المبكرة، سجلت نتائج أفضل".

لكن سيرين أصيبت بالإحباط بسبب بيروقراطية الوزارة، وشعرت أنها غالبًا ما تترك الحوامل في خطر. وقال زملاؤها إنها تعتقد أن إجراءات المستشفى لم تكن مرنة بما يكفي للسماح بالتدخل السريع عند الحاجة، كما أن ضعف التواصل بين أقسام المستشفى كان معيقا للرعاية هو الآخر.

Like all Gaza’s specialists, Al-Attar received help from abroad. Here she holds a “train the trainers” manual given to her by Dr Deborah Harrington, a British obstetrician, in Jabalia, northern Gaza, in November 2022.
سناء النجار قالت إن صديقتها سيرين دعمتها أثناء عملها بمركز صحي في خان يونس (رويترز)

وقالت صديقتها سناء (وهي مسؤولة صحة الأسرة بالأونروا) "كانت تشعر بالصد في كل مكان". وعام 2020، انتقلت إلى منصب أكثر موثوقية بأجر في الأونروا. ولم تستجب وزارة الصحة في غزة لطلب التعليق على تلك النقاط.

وأضافت إنه عبر المراكز الصحية الـ22 التابعة للوكالة، كانت سيرين واحدة من 3 أخصائيين في التوليد فقط.

وقالت سناء إن سيرين دعمتها في مركز كانت تديره بمدينة خان يونس الجنوبية، مستخدمة معارفها وعلاقاتها للتدخل خدمة للنساء المعرضات للخطر. وكانت تعرض رؤية كل مريض بصورة مباشرة وتتابعه من خلال الرسائل والمكالمات.

وتقول سناء إن سيرين ساعدتها أيضاً في إعداد دليل توجيهي حول ما إذا كان بإمكان الأونروا إحالة الحوامل من اللاجئات لإجراء عملية قيصرية، وهو إجراء أكثر ربحاً للمستشفيات، وبالتالي يمكن أن يكون عرضة للإفراط في استخدامه. ويقول مسؤولو الصحة إن منع مثل هذه العمليات الجراحية عندما تكون غير ضرورية يمكن أن يقلل المخاطر على الأمهات والأطفال.

كما أن سيرين نفسها حصلت على مساعدة من الخارج. وتقول المستشارة هارينغتون، التي تعمل في مستشفى جامعة أكسفورد بهذا الصدد، إنها كانت تعمل على تطوير تدريب متعدد التخصصات، وجلب القابلات والأطباء من جميع المستويات. وزارت هارينغتون وآخرون غزة سنويًا منذ عام 2016 للمساعدة في التدريب الذي تموله جمعيات خيرية من بينها منظمة المساعدات الطبية البريطانية غير الربحية للفلسطينيين "إم إيه بي" (MAP).

وأضافت هارينغتون "كانت سيرين العطار تحسّن رعاية النساء. استقطبت أشخاصًا آخرين إلى مجال عملها".

ترقيع الجلد عبر سكايب

كان عدد سكان غزة يتزايد، مما أدى إلى زيادة الطلب على أخصائيي التوليد. لكن الحاجة كانت تشتد أكثر لأطباء متخصصين بالجروح.

وخلال حرب 2008-2009، واجه الأطباء جروحاً سببتها القذائف الإسرائيلية التي تحتوي على الفسفور الأبيض، وهي مادة تشتعل فوراً عند ملامستها للأكسجين، وتلتصق بالأسطح مثل الجلد والملابس، وتحترق عميقاً في الجسد. وقد اعترفت إسرائيل بأنها استخدمت هذه المادة الكيميائية لكنها زعمت أنها حسب اللوائح الدولية.

نخبة متلهفة وعطشى

FILE PHOTO: Sabbah Abu Halima lies on a bed at Al Shifa hospital, in Gaza, where she receives treatment for burns caused by what her doctors say were white phosphorus incendiary shells used by the Israeli army, January 22, 2009. To match Special Report ISRAEL-PALESTINIANS/GAZA-HEALTH REUTERS/Jerry Lampen/File Photo
صباح أبو حليمة بمستشفى الشفاء في غزة تتلقى العلاج من حروق يقول أطباؤها إنها بسبب قذائف الفسفور الأبيض الحارقة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي يوم 22 يناير/كانون الثاني 2009 (رويترز)
صباح أبو حليمة بمستشفى الشفاء في غزة تتلقى العلاج من حروق يقول أطباؤها إنها بسبب قذائف الفسفور الأبيض الحارقة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي يوم 22 يناير/كانون الثاني 2009 (رويترز)

وقال الأطباء إن المرضى الذين تعرضوا لحروق تزيد على 20% من إجمالي مساحة الجسم ماتوا بسبب نقص المرافق والخبرة المتخصصة. علما بأنه في أوروبا والولايات المتحدة، يمكن مساعدة المرضى الذين يعانون من حروق بنسبة 90% على البقاء على قيد الحياة. لذلك سعى المسعفون في غزة إلى الحصول على تدريب بمجال الحروق.

وقد التحق الدكتور مدحت صيدم بكلية الطب في كازاخستان، وعاد إلى غزة أوائل العقد الأول من القرن الـ21. وفي معظم أيام الخميس عامي 2012 و2013، كان واحدًا من مجموعة مكونة من 6 جراحين و4 ممرضين ينضمون إلى مكالمة عبر "سكايب" (Skype) السادسة صباحًا من غرفة بمستشفى الشفاء في مدينة غزة،

medhat-seidam-lead-1717671222
الدكتور مدحت صيدم (رويترز)

وعلى الخط من بريطانيا، حيث كانت الساعة الرابعة صباحًا، وكان جراح التجميل السوري المولد الدكتور علي غانم يقود الطلاب بعمليات محاكاة عملية لترقيع الجلد وتدريبات أخرى.

وكان ذلك جزءًا من برنامج "التعلم عن بعد" حول العناية بالحروق في جامعة كوين ماري بلندن. وقد جعل الحصار من المستحيل على المسعفين في غزة الحضور إلى الموقع.

وقال غانم "كانت المجموعة الغزية متلهفة للغاية، وعطشى للغاية. لقد طوروا مهاراتهم وتعلموا بسرعة كبيرة جدًا".

وركز صيدم على الحروق وإعادة بناء الأطراف والشفة المشقوقة والفك المشقوق. ويتذكر الدكتور حسن الجش، الذي عمل معه 15 عامًا، أنه كان يوجه زملاءه في مستشفى الشفاء بشأن إدارة الحروق . وقال الجش إن غزة ليس بها سوى 5 من جراحي التجميل الممارسين يتمتعون بنفس الخبرة والتدريب.

وكان أطباء القطاع يتدربون أكثر. وقدمت "أطباء بلا حدود" الخيرية المساعدة، حيث قامت بإدارة عيادات في جميع أنحاء غزة وبرنامج للعناية بالحروق بمستشفى الشفاء. وقال إيمانويل ماسارت رئيس عمليات غزة في الذراع البلجيكية لهذه المنظمة إن التعامل مع مثل هذه الحروق يتطلب مجموعة من التخصصات.

وقال ماسارت إنه بحلول أواخر 2023، كان مركز إعادة ترميم الأطراف التابع لمنظمته بمستشفى العودة يعالج أكثر من 100 مريض على مدى عدة سنوات. وأضاف "إنك تكافح حقًا للعثور على متخصصين يمكنهم القيام بذلك".

وفي يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول، كان جراح التجميل صيدم، وهو والد 3 بنات وولد، موجود في مستشفى الشفاء لكنه طلب المغادرة لمساعدة أخته على إخلاء منزلها. واليوم التالي، انتشل عمال الإسعاف جثته من تحت أنقاض منزله في حي تل الهوى بمدينة غزة، بعد غارة جوية إسرائيلية حوالي الواحدة صباحًا على حد قول زملائه.

وقال الجش إنه رأى جثة صيدم تُنقل إلى مشرحة الشفاء. وأضاف قبل أن يغادر المستشفى "آخر ما أتذكره أنه كان يلعب مع ابني علي" الذي كان يبلغ من العمر عامين.

وفي أبريل/نيسان، قُتل أحمد المقادمة، وهو أحد جراحي التجميل الخمسة الرئيسيين، مع والدته بغارة شنها الجيش الإسرائيلي على مستشفى الشفاء، حسبما قال أصدقاء وزملاء له. وبقي ثلاثة من الخمسة.

Dr Doaa Shammout, center, was in the first year of her specialist training program in pediatrics at Gaza’s main pediatric hospital, Al Rantisi, when the current war began. Shammout, 28, is pictured before the war with her husband Ahmed Shatat, also a doctor, and daughter Zeina, who was nine months old when she was killed. “My wife and daughter were martyred during an Israeli bombing of the house in which we lived at 11 pm while all the adults and civilian children were sleeping,” said her husband on WhatsApp. He was injured in the attack.
الدكتورة دعاء شموط كانت بالسنة الأولى من برنامجها التدريبي بمستشفى الرنتيسي للأطفال بغزة عندما بدأت الحرب (رويترز)

في اليوم الذي هاجمت فيه حماس إسرائيل، اتصل أخصائي الكلى الدكتور همام اللوح بالدكتور طارق لوباني، وهو طبيب مقيم في كندا ومدير طبي لمشروع جليا، وهي مجموعة تصنع الأجهزة الطبية لمناطق الصراع.

وكان اللوح (36 عامًا) يبحث عن المساعدة في شراء معدات لآلات غسل الكلى. وكان يعالج مرضى الكلى في غزة منذ عام 2020. وقال اللوباني إنهما عندما تحدثا، استذكر اللوح حربًا سابقة عام 2014، وتذكر أن المرضى ماتوا لأن المستشفيات لم تتمكن من الحصول على معدات مثل أجهزة غسل الكلى والأنابيب والإبر والخراطيش والأكياس.

وقال اللوباني لرويترز إن اللوح سأل عن المعدات التي يمكن تصنيعها في غزة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد. ولسوء الحظ، كان الجواب أنه لا يوجد الكثير في مجال غسل الكلى.

وقال الأطباء إنه عام 2007، عندما بدأ الحصار الإسرائيلي، لم يكن لدى غزة خبراء معتمدون في أمراض الكلى.

وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان لديها ثلاثة، من ضمنهم اللوح. وكان هناك 1061 مريضا يتلقون علاج غسل الكلى في 6 مستشفيات، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وقال متحدث باسم المنظمة لرويترز إنه منذ بدء الحرب، منحت إسرائيل الإذن لـ153 من مرضى الكلى في غزة بمواصلة العلاج في الخارج، وجميعهم لم يتمكن من المغادرة.

وقال المتحدث باسم الصحة العالمية إنه مع تدمير أو إتلاف الكثير من معدات غسل الكلى أثناء القتال، كان 760 مريضاً يتلقون العلاج في منشأتين حتى 25 أبريل/نيسان. وأضاف أنهم يتلقون هناك رعاية جزئية فقط، مما يجعلهم عرضة للأمراض وزاد سوء حالتهم. أما الباقون فلم يبلغوا عن حاجتهم لغسل الكلى. وقال إنه من المحتمل أن يكونوا قد ماتوا.

وقبل أقل من شهر من هجوم حماس، حضر اللوح اجتماعا لقادة برنامج لأطباء غزة لتلقي تدريب متخصص بأمراض الكلى في غزة بدلا من الخارج.

FILE PHOTO: Palestinian patients undergo kidney dialysis at al-Shifa hospital in Gaza City September 12, 2013. To match Special Report ISRAEL-PALESTINIANS/GAZA-HEALTH REUTERS/Suhaib Salem/File Photo
مرضى يخضعون لغسل الكلى بمستشفى الشفاء عام 2013 بعد غلق القاهرة المعبر لغزة (رويترز)

وقال 3 أطباء مطلعين على الخطط لرويترز إن الهدف على المدى الطويل هو إنشاء برنامج لزراعة الكلى. علما بأن عمليات زرع الأعضاء هي التي كانت مفضلة لأن الحصار جعل إمدادات غسل الكلى غير موثوقة.

ويتذكر لوباني أن اللوح كان "يفكر بشكل كبير حقًا" من أجّل الارتقاء بأمراض الكلى إلى مستويات عالمية.

لكن بعد 5 أسابيع من اتصال طبيب الكلى باللوباني، استشهد اللوح في غارة جوية على منزل أهل زوجته بالقرب من مستشفى الشفاء، حسبما قال أقاربه وزملاؤه. وغادر أخصائي آخر بالكلى غزة في يناير/كانون الثاني. والآن، هناك واحد فقط.

تحقيق استقصائي لوكالة رويترز

معدون: ماجي فيك وأحمد أبو العينين وصالح سالم

الصور: سيمون نيومان

إنفوغراف: جون إيمرسون

المصدر : رويترز