سوريا.. دليل المستبدين للحفاظ على دولة بدون سيادة

مقدمة

في عام 2011 خرج السوريون إلى الساحات مطالبين بالتغيير وبإسقاط النظام، وبعد 13 عامًا لم يسقط النظام، ولكن أشياء كثيرة تغيرت في سوريا. في هذا الملف تقدم الجزيرة نت قصة سوريا؛ كيف استطاع النظام الصمود في دمشق وفقدان السيادة الكاملة على بقية أراضيه. يقدم الملف موجزًا لتاريخ الثورة، ومآلات المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، ويجلّي خارطة النفوذ اليوم خارج دمشق وكيف تدار المناطق في الجنوب، والشرق، والشمال. كما يسلط الضوء على التغيير السكاني، من خلال مشروع التشيّع الذي تنشط فيه إيران.

سوريا.. موجز تاريخ الثورة

ملف سوريا - سوريا بعد 13 على ثورتها - بشار الأسد
سوريا بعد 13 على ثورتها (الجزيرة)
سوريا بعد 13 على ثورتها (الجزيرة)

ورد فراتي

"ليس هناك قرار فلسطيني مستقل.. فلسطين هي جنوب سوريا"، قالها نائب حافظ الأسد عبد الحليم خدّام بصوت حازم  للسياسي اللبناني وليد جنبلاط بحسب الأخير خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، حين كان خدّام مسؤولًا عن الملف اللبناني في نظام حافظ الأسد، الذي كان الحاكم الفعلي للبنان مع انتشار قوات الجيش السوري فيه كأكبر مستفيد من الحرب.

لخصّت كلمات خدام رؤية النظام وملامح سياسته الإقليمية، التي امتازت بالفاعلية في محيطها، فتدخل بجيشه في لبنان وفرض عليه وصايته ثلاثة عقود (1976 – 2005م)، ورعى تشكيل مليشيات لبنانية شيعية بالتنسيق مع إيران، ودعم فصائل فلسطينية تابعة له عمليًّا وضغط على أخرى لاستلاب قرارها، كان هذا دوره مع الجار الغربي. جنوبًا، لم تسلم الأردن من تدخلاته الأمنيّة، وشرقًا، سهّل النظام السوري مرور المقاتلين المسلمين والعرب إلى العراق إبان الغزو الأميركي له عام 2003، مع تسهيل إنشاء مراكز دعم لوجستي لفصائل المقاومة العراقية في سوريا، الأمر الذي صنع وزنًا سياسيًّا لا يستهان به لنظام حافظ الأسد، الذي جمع إلى براعته في استثمار الملفات الإقليمية لتدعيم موقعه، قبضة حديدية داخل سوريا تمكنت لأربع عقود من اجتثاث كل خطر يهدده، معتمدًا على شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية، مع نزوعه إلى استخدام القوة بشكل مفرط لقمع أي حراك داخلي واجهه منذ وصوله إلى الحكم.

مرت أكثر من ثلاثين سنة على كلمة خدام، غادرت السيادة النظام دون أن يسقط، تقاسمها مع الأغراب قربانا لمجرد البقاء.

في يوم الأربعاء 21 فبراير/شباط الماضي قتلت غارة إسرائيلية شخصين إثر استهدافها بناءً سكنيًّا في حي كفرسوسة وسط العاصمة السورية دمشق. وقيل إن القتيلين ينتميان إلى صفوف الحرس الثوري الإيراني، الذي صفّت إسرائيل ستة على الأقل من المنتسبين إليه في سوريا بين ديسمبر/كانون الأول 2023 فبراير/شباط 2024، بينهم رضا موسوي الاستشاري البارز في صفوف فيلق القدس الإيراني، وسط تزايد عدد الغارات الإسرائيلية على أهداف إيرانية في سوريا بشكل ملحوظ منذ عملية طوفان الأقصى في محيط قطاع غزة، بل خلال العامين المنصرمين، إذ شهد عام 2023 40 غارة إسرائيلية على أهداف إيرانية أو مرتبطة بالأنشطة الإيرانية مقابل 28 غارة عام 2022، ويبدو أن العام الجاري سيسجل ارتفاعًا في عدد الغارات التي لا تخشى إسرائيل رد سوريا عليها، مع استمراء نظام الأسد "الاحتفاظ بحق الرد".

في البدء كانت الثورة

انطلقت عام 2011 الثورة السورية باحتجاجات سلمية توسعت تدريجيًّا حتى عمّت البلاد بمدنها وبلداتها وقراها، ولم تلبث أن انتقلت إلى التسلح في مواجهة القمع الشديد للنظام الذي لم ينتظر طويلًا قبل الانتقال من استخدام الأجهزة الأمنية إلى الزجّ بجيشه في مواجهة الأهالي العزّل، معتمدًا على الانسحاب من المناطق الريفية في الأطراف وتشكيل حواجز عسكرية أشبه بالقلاع في نقاط ارتكاز على الطرق الرئيسية وداخل المدن والبلدات الهامة، منعًا للدخول في حرب عصابات ضد مجموعات الثوار، وسعيًا لجرهم إلى مواجهات مباشرة (معارك تحرير وسيطرة) تفقدهم زخمهم.

خريطة سوريا - ملف سوريا
خريطة الجمهورية العربية السورية  (الجزيرة)

لكن الحاضنة الواسعة للثوار، وحركة الانشقاقات المتزايدة عن جيش النظام عززت قوى الثورة، وأعلن عدد من الضباط المنشقين تشكيل لواء الضباط الأحرار في يونيو/حزيران عام 2011 داعين الضباط إلى الانضمام إليهم، ثم لم يلبث العقيد المنشق رياض الأسعد أن أعلن عن تشكيل الجيش السوري الحر نهاية يوليو/تموز عام 2011، الذي أصبح مظلة اصطفّ تحتها حملة السلاح من الثوار والمنشقين، متمكنين مع بدايات عام 2013 من إخراج ما يقارب ثلثي البلاد عن سيطرة النظام.

بيد أن هذا التمدد الميداني لم يرافقه تمثيل سياسيّ جامع منذ البداية، حيث عارضت عدة شخصيات وتجمعات سياسية سورية تشكيل المجلس الوطني السوري في أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، ليندمج المجلس بعد عام مع كيانات معارضة أخرى في العاصمة القطرية الدوحة معلنين تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية". وقد اعترفت بهذا الائتلاف 114 دولة ممثلًا شرعيًّا للشعب السوري، مشكِّلة بذلك مجموعة أصدقاء الشعب السوري. كما منحت جامعة الدول العربية مقعد سوريا للائتلاف الوطني في مارس/آذار عام 2013، نازعة بذلك الشرعية العربية عن النظام، ومعلنة دعم "سوريا الثورة".

مع القطيعة الدولية، بقي النظام يدور في فلك روسيا والصين، اللتين استخدمتا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مطلع عام 2012، لرفض مشروع قرار لجامعة الدول العربية يدعو بشار الأسد إلى التنحي، وذلك بعد تعليقها أعمال بعثة المراقبين التي أرسلتها إلى سوريا أواخر عام 2011 نتيجة عدم التزام النظام ببنود الخطة العربية التي كان من أبرزها وقف الأعمال القتالية.

التدخل الإيراني

رفع رئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما أصبعه مشيرًا إلى تورط إيران في دعم النظام السوري في أبريل/نيسان عام 2011 ، تلته تقارير عدة تتحدث عن تقنيات مراقبة ورصد، وتجهيزات "مكافحة الشغب" زودت بها إيران النظام السوري، أعقبتها تقارير أخرى تحدثت عن مشاركة ضباط واستشاريين إيرانيين في إدارة قمع الاحتجاجات بل وعناصر ميدانية شاركت فيها بشكل مباشر، أما أول تصريح إيراني بمشاركة قوات عسكرية في سوريا فجاء على لسان نائب رئيس فيلق القدس في مايو/أيار عام 2012، ولكن الموقع الإيراني الذي نشر التصريح لم يلبث أن حذفه.

لم تجدِ التدخلات السريّة في وقف خسارة النظام للأراضي أمام الموجة الثورية، فأعطت إيران الإشارة لذراعها اللبناني للتدخل العلني، حيث شاركت تشكيلات حزب الله جيش النظام في معركة السيطرة على بلدة القصير التابعة لمحافظة حمص السورية على الحدود السورية اللبنانية في مايو/أيار عام 2013، التي كان الجيش الحر قد فرض سيطرته عليها سابقًا، لتتدفق بعدها المليشيات الشيعية بقيادة الحرس الثوري الإيراني إلى سوريا، حيث جاوز عددها 35 ألف مقاتل عام 2014، ثم جاوز 100 ألف مقاتل ضمن صفوف 50 مليشيا متعددة الجنسيات عام 2020.

ملف سوريا - انفوغراف الميليشيات الشيعية

ثوار شتّى ومليشيات مجتمعة

لم يقتصر الوجود الأجنبي المبكر في سوريا على صفوف النظام وحلفائه، حيث انخرطت بشكل متزايد أعداد من المتطوعين العرب والمسلمين في مواجهة قوات النظام. وقد دخل جلهم البلاد مستفيدين من خسارة النظام عددًا من أبرز المعابر الحدودية مع دول الجوار، وانضمّ أغلبهم إلى صفوف الفصائل السلفية، وأبرزها جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية، مع فارق رئيسي هو أن هؤلاء المقاتلين دخلوا أفرادًا دون رعاية دولية مباشرة لطرق إمدادهم.

وشكلوا بناهم ومساحة تحركهم ضمن صفوف المجموعات المحلية السلفية إلى جانب الجيش الحر، تحت الأعين المتوجسة للدول الداعمة للثورة السورية، التي صنّفت كبراها (الولايات المتحدة الأميركية) جبهة النصرة تنظيمًا إرهابيًّا أواخر عام 2012، واستمرت في تصنيف التشكيلات التي شكلت "النصرة" نواتها بالطريقة نفسها، حيث أدرجت آخر تشكيل منها (هيئة تحرير الشام) على قوائم الإرهاب أواسط عام 2018.

ظهور تنظيم الدولة

كان الثوار بجيشهم الحر وفصائلهم السلفية وناشطيهم بل والمجتمعات المحلية الحاضنة لهم الخاسر الأكبر من ظهور تنظيم الدولة ثم تغوله على المناطق المحررة، حيث خاض التنظيم حربًا شعواء عليهم بسط سيطرته فيها أواسط عام 2014 على أكبر مساحة محررة متصلة، تجاوزت ثلث البلاد، وامتدت من الحدود السورية العراقية شرقًا إلى ريف حلب الشرقي شمالًا وإلى حدود محافظتي حماة وحمص وسط البلاد عبر البادية السورية، مع ما لهذه المنطقة من أهمية إستراتيجية في ربط المناطق المحررة شمالًا وجنوبًا، وأهمية اقتصادية لكونها تشكل خزان البلاد النفطي وسلّتها الغذائية، فضلًا عن حرمان الثورة من أحد أبرز حواضنها المجتمعية، وذلك انطلاقًا من خطاب اعتبر فصائل الثورة "كفارًا مرتدين"، بل كفّر المجتمع نفسه وكل من لا يرضخ له بالبيعة لأميره.

ولم يقتصر أثر ظهور التنظيم على المناطق المحررة وحسب، بل دفع بجرائم مثل سبي النساء والإعدامات الجماعية والفردية التي تفنن في بشاعتها وجودة تصويرها، فضلًا عن رفضه الاعتراف بالحدود الدولية وخطابه العدمي حول قتال كل من لا يذعن له عربًا وعجمًا، إلى مقاربة دولية معلنة أكثر بعدًا عن تأييد الثورة، وأقرب إلى موقف بينها وبين النظام.

خريطة سوريا والعراق -- مناطق داعش
خريطة  لمناطق سيطرة تنظيم الدولة وتحركاته في سوريا 2015 (الجزيرة)

لماذا لم يسقط النظام؟

تفترض الصورة العامة للمشهد السوري -حتى بداية عام 2013 على الأقل- ميلان الكفة لصالح الثوار في سوريا، مع تشكل بنى عسكرية جامعة للحراك المسلح، وسيطرتهم على ثلثي البلاد، تحت مظلة كيان سياسي حاز اعترافًا دوليًّا وعربيًّا واسعين، في مواجهة نظام اقتصر دعمه السياسي على دول محدودة، وسط انهيار جيشه واعترافه بهزيمته عسكريًّا مع استنجاده بمليشيات أجنبية لخوض معاركه، لكن هذه الصورة لن تبقى كما هي مع الاقتراب من تفاصيلها.

لم يكن حلف داعمي الثورة  الذي ضم دولًا عدة على قلب رجل واحد، فأكثرها لم يكن يقاسم الثوار ضرورة إسقاط النظام، وهو ما أظهره شكل التسليح الذي تلقته الفصائل من قبل الدول الداعمة، والذي لم يكن كافيًا لإنجاز حسم عسكري، ولا توجد مبالغة في القول إنه كان معدًّا بدقة للحفاظ على قدرة الثوار على الصمود في مواجهة ترسانة النظام العسكرية التي عززها الدعم الإيراني والروسي بشكل متزايد، شاملًا أسلحة متطورة من شأنها حسم المعركة عسكريًّا، فضلًا عن الخزان البشري العسكري الذي حشدته إيران لتعويض الانشقاقات في جيش النظام، وخسائره البشرية المتزايدة.

وفي الوقت الذي كان فيه حلف النظام يتحرك بصورة متناغمة سياسيًّا في المحافل الدولية وعسكريًّا من خلال غرفة عمليات مشتركة أدارت العمليات على طول البلاد وعرضها، متخفِّفًا من الضوابط، ومتحركًا إلى حدود غير مسبوقة قتلًا وتدميرًا وتشريدًا، لم تنجح فصائل الثورة في إيجاد تنسيق عسكري شمولي فيما بينها ميدانيًّا، ولم تتمكن من الوصول إلى تناغم تحت المظلة السياسية (الائتلاف) بحيث يمثّل المفاوضون إرادة العسكر في الميدان، ويلتزم العسكريون بتعهدات الساسة.

هذه الفروق الرئيسية إضافة إلى ظهور تنظيم الدولة الذي وجه جل جهده العسكري لضرب الفصائل وقضم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، مع استثمار ظهوره سياسيًّا من قبل النظام لوصم الثورة بالإرهاب، كان من شأنها إمالة الكفة لصالح النظام.

الهزيمة الإيرانية والتدخل الروسي

رغم التدخل الإيراني الذي ساهم على مدار عامي 2013 و2015 في كسر الطوق الذي فرضته فصائل الثوار على قوات النظام في مدينة حلب، وعزل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في محيط العاصمة دمشق إلى جزر متفرقة، فضلًا عن امتلاك اليد العليا وسط سوريا في محافظتي حمص وحماة، مع سيطرة تنظيم الدولة على الشرق السوري، وتوسع قوة "وحدات حماية الشعب الكردية" اعتمادًا على الدعم الأميركي حتى شمل نفوذها شمال شرق سوريا وأجزاء من محافظة حلب شمالي البلاد؛ رغم كل ذلك فإن فصائل الثورة أعادت تنظيم نفسها، فشكلت شمالًا غرفة عمليات فتح حلب وجيش الفتح في النصف الأول من عام 2015 بدعم تركي.

وذلك بعد أن أفاقت تركيا متأخرة من سلبيّتها السياسيّة تجاه الملف السوري، مستشعرة خطر الحضور الكردي على حدودها الجنوبية ممثلًا بوحدات حماية الشعب التي تعتبرها أحد أذرع حزب العمال الكردستاني؛ إذ رأت تركيا أن إخراج محافظتي حلب وإدلب عن سيطرة النظام كليًّا بأيدي فصائل حليفة لها، يمكن أن يشكّل حاجزًا بينها وبين قوات النظام وحلفائه، وقاعدة انطلاق لضرب تنظيم الدولة الذي وصل نفوذه إلى حدودها، وكتلة ضاغطة على المشروع الكردي المدعوم أميركيًّا.

تمكن جيش الفتح من السيطرة على محافظة إدلب كليًّا في النصف الأول من عام 2015، في حين منع اجتياح واسع لريفي حلب الشمالي والشرقي من قبل تنظيم الدولة من سيطرة الثوار على محافظة حلب، بعد استنزاف فصائل فتح حلب ذخائرها ونخبتها العسكرية في صد هجوم التنظيم.

عندما شنّ جيش الإسلام انطلاقًا من الغوطة الشرقية معركة "الله غالب" التي بسط سيطرته فيها على الجبال المشرفة على العاصمة دمشق، وسيطر على طريق دمشق – حمص الدولي الذي يعد صلة الوصل بين العاصمة والمنطقة الوسطى والساحلية، أتى التدخل الروسي المباشر في أيلول/سبتمبر عام 2015 لوضع حد للهجوم على محيط العاصمة، وصرح وزير الخارجية الروسي لافروف بعد ذلك بأن العاصمة دمشق كانت ستسقط خلال أسبوعين أو ثلاثة لولا تدخلهم، فيما يشبه إعلانًا عن هزيمة إيرانية أمام الفصائل، ويدعم ذلك تصريح زعيم حزب الله حسن نصر الله، بأن قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، هو من أقنع الروس بالتدخل العسكري المباشر في سوريا بعد زيارة لموسكو شرح فيها حيثيات الوضع العسكري ميدانيًّا.

شنّ الجيش الروسي بعدها برفقة المليشيات الإيرانية وجيش النظام هجومًا واسعًا أواخر عام 2015 على ريف حلب الجنوبي استبسلت فصائل فتح حلب وجيش الفتح في صده، لكنها لم تتمكن من إيقافه إلا بعد سيطرته على جل مساحة الريف الجنوبي، حيث وصل إلى مشارف الريف الغربي، وذلك في وقت تمكنت فيه قوات النظام والمليشيات الإيرانية من جهة، وقوات قسد من جهة أخرى في عملية مشتركة وفّر الطيران الروسي غطاءها من فصل جيب صغير حول مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي عن الأحياء المحررة في المدينة في أبريل/نيسان عام 2016، عازلة بذلك المدينة عن الحدود السورية التركية. وبدا واضحًا حينها أن تحرير حلب أصبح أبعد من أي وقت مضى، وأن الحرب قد دخلت منعطفًا جديدًا لا يشبه أيّ منعطف سابق.

سقوط حلب والتحول التركي

كانت الفصائل بشمال سوريا تحاول تجميع قوتها بترميم صفوفها وبناء خط دفاعي جديد على تخوم ريف حلب الجنوبي، وفي جيب إعزاز المحاصر من تنظيم الدولة وقسد والمليشيات الإيرانية بريف حلب الشمالي، حين حدثت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا أواسط يوليو/تموز عام 2016، التي تلتها حملة تطهير واسعة في صفوف الجيش والمؤسسات السيادية التركية، وسط جو عام في إدارة رجب طيب أردوغان الذي اتهم الولايات المتحدة الأميركية بدعم الانقلاب. وقد سمح ذلك بتقارب مع روسيا التي شهدت العلاقات التركية معها توترًا حول الملف السوري، بعد دعمها النظام وتدخلها عسكريًّا لصالحه، حيث تمكنت قوات النظام برفقة المليشيات الإيرانية وبغطاء ناري روسي من إحكام الطوق على الأحياء المحررة في مدينة حلب أواخر يوليو/تموز بعد أيام من محاولة الانقلاب.

كسرت فصائل الثورة انطلاقًا من داخل المدينة، ومن إدلب وريف حلب الغربي خارجها، حصار المدينة بعملية سيطرت فيها على حي الراموسة ومنطقة الكليّات العسكرية في النصف الأول من شهر أغسطس/آب، ثم استعادته قوات النظام بعدها بشهر، وفشلت محاولة أخرى شنتها الفصائل لكسر الحصار عن المدينة، التي سيطرت عليها قوات النظام والمليشيات الإيرانية والقوات الروسية في ديسمبر/كانون الأول أواخر عام 2016 بعد اتفاق تهجير خرجت بموجبه الفصائل منها مع من بقي من الأهالي في أحيائها.

بالتزامن مع معارك حلب بدأت تركيا عملية شاركت فيها للمرة الأولى بجيشها بشكل مباشر إلى جانب فصائل الثورة تحت اسم "عملية درع الفرات" في أغسطس/آب، فسيطروا على ريف حلب الشرقي انطلاقًا من إعزاز، ووصولًا إلى ضفة نهر الفرات، بعد طرد تنظيم الدولة من المنطقة، وشنّت قوات سوريا الديمقراطية معركتها ضد التنظيم على الضفة الأخرى للنهر، للسيطرة على محافظة الرقة (عاصمة التنظيم) في نوفمبر/تشرين الثاني بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأميركية، وبمشاركة استشاريين من القوات الأميركية الخاصة.

مسار أستانا

تزامن تقارب روسيا وتركيا ميدانيًّا مع سيطرة الأولى على مدينة حلب، وسيطرة الثانية على ريف حلب الشرقي أواخر عام 2016، فيما اعتبره عدد من التشكيلات العسكرية "اتفاقًا" ضمنيًّا بين الدولتين، أما أولى نتائج التقارب سياسيًّا فكانت قرار مجلس الأمن 2336 الذي أعدت مشروعه روسيا دعمًا لاتفاقها مع تركيا القاضي بوقف الأعمال القتالية في سوريا، حيث أكد القرار على إجراء عملية سياسية واسعة في سوريا استنادًا إلى بيان جنيف وقراري مجلس الأمن 2254 (عام 2015) و2268 (عام 2016)، اللذين يعتبران أبرز المرجعيات الدولية لمشروع حل سياسي في سوريا بتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات عامة بإشراف أممي، لكن دون آليات تطبيق فاعلة.

أما القرار الروسي الذي تم التصويت عليه بالإجماع فجاء بآلية ممكنة نظريًّا على الأقل من خلال اتفاق وقف العمليات القتالية الروسي التركي، وتلا القرار اجتماع وفود ممثلة للمعارضة مطلع عام 2017، وأخرى ممثلة للنظام، برعاية تركية روسية إيرانية في العاصمة الكازاخية أستانا، حيث انضمت إيران إلى المسار الجديد بعد عرقلتها تنفيذ اتفاق وقف العمليات القتالية الذي استُثنيت من مباحثاته.

وقد تكللت جهود مسار أستانا بما عرف باتفاق مناطق خفض التصعيد (أو خفض التوتر) في مايو/أيار عام 2017، الذي اقترحته موسكو خلال جولة مفاوضات أستانا الرابعة، حيث شمل الاتفاق أربع مناطق تسيطر عليها فصائل الثورة، تقع أولاها في الشمال السوري وتضم محافظة إدلب وأجزاء من أرياف حلب وحماة واللاذقية، في حين تضم الأخرى ريف حمص الشمالي وغوطة دمشق الشرقية والجنوب السوري (أجزاء من محافظتي درعا والقنيطرة)، وهذه المناطق لا تشبه المناطق الآمنة التي تتطلب موافقة من مجلس الأمن وفرض حظر جوي، لكنها تفترض حالة بين الحرب والسلم تقل فيها العمليات العسكرية، في حين اعتبر الاتفاق فصائل مثل تنظيم الدولة وجبهة فتح الشام إرهابية، وسط ضبابية في شكل المواءمة بين إنهاء المعارك وقتال فصائل تسيطر على أجزاء من تلك المناطق.

مناطق خقض التصعيد 2017 - ملف سوريا
مناطق خفض التصعيد في سوريا 2017 (الجزيرة)

إنهاء تنظيم الدولة  وتقاسم الشرق

لعل تراجع الرئيس الأميركي أوباما أواخر عام 2013 عن توجيه ضربة عسكرية لمواقع النظام السوري، إثر استخدام الأخير السلاح الكيماوي (غاز السارين) في استهداف المناطق الخارجة عن سيطرته شرقي العاصمة دمشق في آب/أيلول عام 2013 الذي أسفر عن مجزرة راح ضحيتها 1400 شخص جلهم من النساء والأطفال، هو أول ملامح التراجع الأميركي في الملف السوري، وذلك بعد اعتبار أوباما "السلاح الكيماوي" خطًّا أحمرَ لن يسمح بتجاوزه.

منذ ذلك الحين أصبح الموقف الأميركي ضوءًا أخضرَ استخدمه النظام وحلفاؤه لمزيد من التوحش في استهداف المناطق المحررة، في حين ركزت أميركا جهودها على رعاية تشكيل قوات سوريا الديمقراطية بقيادة وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي (pyd)، الذي تعتبره تركيا ذراعًا سوريًّا لحزب العمال الكردستاني (pkk) المصنف -حتى لدى أميركا- على قوائم الإرهاب.

وقد دعمت الولايات المتحدة الأميركية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) للسيطرة على المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات وطرد تنظيم الدولة منها، بدءًا من أواسط عام 2017 حتى الربع الأول من عام 2019، لتشكل الأخيرة كيانًا يتحكم في منطقة تتجاوز ربع المساحة السورية، تتكدس فيها الثروات الزراعية والنفطية والمائية، وذلك على امتداد الحدود السورية التركية، وهو أمر اعتبرته تركيا تهديدًا لأمنها.

في حين سيطرت القوات الروسية الإيرانية مع قوات النظام على البادية السورية وجزء من محافظة دير الزور شرقي سوريا على الضفة المقابلة لمناطق سيطرة قسد عبر نهر الفرات، مستثمرة اتفاقها مع تركيا لتهدئة جبهاتها جزئيًّا مع فصائل الثورة، والتفرغ لمسابقة أميركا (التي تدعم قوات قسد) في السيطرة على مناطق نفوذ تنظيم داعش شرقا أواخر عام 2017، متوقفة على ضفاف نهر الفرات الذي أصبح منطقة فاصلة بينها وبين قوات قسد المدعومة أميركيًّا.

خريطة دير الزور - ملف سوريا
خريطة محافظة دير الزور-سوريا (الجزيرة)

محاولة الحسم العسكري الروسي

انطلقت مطلع عام 2018 فعاليات مؤتمر سوتشي للسلام الذي رعته الدول الثلاث روسيا وتركيا وإيران، بهدف معلن هو البناء على اتفاق مناطق خفض التصعيد وصولًا إلى إنجاز حل سياسي في سوريا، إلا أن الروس استثمروا إنجازهم العسكري شرقًا ضد تنظيم الدولة في إطلاق سلسلة من الحملات العسكرية برفقة المليشيات الإيرانية وجيش النظام، بدأت في الغوطة الشرقية المحاصرة منذ مايو/أيار عام 2013، استخدمت فيها سياسة الأرض المحروقة والسلاح الكيماوي، وسيطرت إثرها على الغوطة في فبراير/شباط عام 2018، وفرضت اتفاق تهجير خرج بموجبه الأهالي وفصائل الثوار (على رأسها جيش الإسلام وفيلق الرحمن) باتجاه مناطق سيطرة الفصائل بشمال سوريا.

كما شنّت حملة شبيهة على جيب ريف حمص الشمالي انتهت بتهجير أهله على غرار ما حدث في الغوطة في أبريل/نيسان، ثم سيطرت أواسط العام في يوليو/تموز، على مناطق الفصائل بجنوب سوريا في كل من درعا والقنيطرة، وذلك باتفاق تسوية كانت أبرز فروقه عن العمليات السابقة بقاء فصيل "شباب السنة" بقيادة أحمد العودة ضمن منطقة درعا، وتشكيله "اللواء الثامن" ضمن الفيلق الخامس الذي شكلته روسيا ضمن جيش النظام، ليكون ذراعًا روسيًّا يحكم السيطرة على درعا محليًّا، ويمنع تشكّل نفوذ إيراني في المنطقة. ويبدو أن ذلك جاء استجابة روسية لمخاوف إسرائيلية أردنية أميركية، ثم تعقّد الوضع الأمني في درعا، وانتقلت تبعية اللواء إلى شعبة المخابرات العسكرية تحت السيطرة الروسية.

بعد السيطرة على درعا وإنهاء ثلاث من أربع مناطق شكلت "مناطق خفض التصعيد" لحساب روسيا (برفقة إيران والنظام السوري)، ضغطت تركيا لإبرام اتفاق جديد يحمي آخر مناطق خفض التصعيد (إدلب)، فكان اتفاق سوتشي في أغسطس/آب عام 2018، بين الدول الراعية لمسار الحل الروسي (روسيا وتركيا وإيران)، الذي قضى بعقد هدنة توقِف قصف منطقة إدلب التي تسيطر عليها فصائل الثوار.

خرقت روسيا الثملة بإنجازها العسكري الاتفاق وشنت حملة عسكرية واسعة على المنطقة الرابعة في مارس/آذار عام 2019 على مرحلتين، فسيطرت على معظم ريف إدلب الجنوبي ومناطق من ريف حلب الغربي، لكن استبسال الفصائل في الدفاع عن المنطقة تمكن من إيقاف التقدم الروسي بعد تدخل المدفعية التركية والطيران المسيّر، ليتم توقيع اتفاق جديد في الربع الأول من عام 2020 رسم شكل منطقة إدلب وفق حدود السيطرة العسكرية.

الخريطة السورية اليوم

منذ بداية عام 2020 لم تشهد خريطة النفوذ والسيطرة في سوريا تغيرات تذكر، في الشرق تحتفظ قوات قسد بسيطرتها على جل مساحة المحافظات الثلاث (دير الزور والرقة والحسكة)، مع انتشار عدد من القواعد العسكرية الأميركية التي توفر الحماية لقوات قسد في المنطقة، وعدد من النقاط العسكرية الروسية التي انتشرت إثر اتفاقات وقعها الروس مع قوات قسد. ويتركز ثقل العشائر العربية في المنطقة إلى جانب وجود الأكراد فيها (يتركز في محافظة الحسكة)، وسط تغول لوحدات حماية الشعب الكردية (التي تشكل نواة قسد) على كل من الأكراد المحافظين والعشائر العربية، إذ تحاول قسد فرض تصور أيديولوجي خاص بها على أهالي المنطقة، فضلًا عن استئثارها بثروات المنطقة ورفضها مشاركة مكونات المنطقة في الحكم، وهو ما دفع أبناء العشائر العربية في منطقة دير الزور إلى الانخراط في انتفاضة مسلحة لا تزال مستمرة حتى اليوم ضد قوات قسد، التي لا تزال الولايات المتحدة الأميركية مصرة على دعمها حاكمًا وحيدًا للمنطقة.

في الجنوب تستمر الحرب الأمنية في محافظة درعا بين بقايا فصائل الثوار والأجهزة الأمنية التابعة للنظام وإيران التي تحاول التغلغل في المنطقة، فضلًا عن مواجهات ضد خلايا لتنظيم الدولة الإسلامية هناك، وسط غياب سيطرة النظام على المنطقة. ويبدو فصيل العودة صاحب الحصة الكبرى في إدارة شؤون المحافظة، كما تشهد محافظة السويداء المجاورة حركة احتجاجات سلمية واسعة بسقف عالٍ نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وهي المحافظة التي يشكل الدروز غالبيتها، والتي حافظت على حيادها طوال أعوام الثورة، مع تجنب قوات النظام التعامل مع الاحتجاجات بطريقة شبيهة بما فعلته بالمناطق الثائرة عام 2011، خشية خسارة النظام الصورة التي عمل على تعزيزها "كحام للأقليات ضد أكثرية سنية تقودها نزعات متطرفة"، خاصة مع تسلح عدد من أبناء السويداء وتشكلهم ضمن فصائل محلية، وهو ما سيجعل أيّ ردّ قمعي يعني بالضرورة جبهة عسكرية جديدة لن تعدم من يستثمرها، وهو ما يخشاه النظام.

وفي الشمال الذي تقطنه جموع المهجرين من المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام، تنتظم المنطقة نظريًّا تحت سلطتين هما هيئة تحرير الشام التي تسيطر على منطقة إدلب وتسيّر شؤونها الخدمية عبر حكومة الإنقاذ، والجيش الوطني في ريفي حلب الشمالي والشرقي ومنطقة عمليات "نبع السلام"، حيث تتقاسم إدارة شؤون منطقة الجيش الوطني الخدمية بشكل ضبابي مجالس محلية وحكومة مؤقتة تابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وولاة الولايات التركية الجنوبية التي تشرف إداريًّا على المنطقة بشكل مباشر؛ مما يجعل مناطق الهيئة أكثر تنظيمًا وأمنًا نسبيًّا، وهو ما تستخدمه في دعايتها لتصدير نفسها خيارًا أمثل للمناطق المحررة.

لكن شكل الشمال يبدو على وشك التغير مع انتفاضة داخلية ضمن صفوف الجناح العسكري للهيئة إثر حملة اعتقالات شنها جهازها الأمني ضد عدد من أبرز قادتها العسكريين في إدلب، وتحركات محلية مدعومة تركيًّا لتحسين البنية الإدارية لمناطق الجيش الوطني في ريفي حلب الشمالي والشرقي.

خريطة سوريا 2023 - ملف سورسا
خريطة سوريا 2023 (الجزيرة)

أما مناطق النظام فتمثل نظريًّا أكبر رقعة جغرافية في البلاد تشكل نسبتها ثلثي المساحة الكلية، إلا أنها تشهد تعددًا في الجهات الميدانية الحاكمة فيها، حيث تعتبر المليشيات الإيرانية الفاعل الأبرز شرقي سوريا (دير الزور)، في حين تشهد المنطقة الجنوبية (السويداء ودرعا والقنيطرة) حكمًا شبه ذاتي، كما تتفاوت السيطرة في المناطق الأخرى بين مليشيات إيران والمجموعات الموالية لروسيا والأجهزة الأمنية المتعددة الولاءات التي احتفظ النظام بسيطرته على عدد منها، مع نفوذ متزايد لمليشيات محلية أخرى شكلت سابقًا ما يسمى "الدفاع الوطني"، حيث أنتجت طبقة من زعماء الحرب المحليين أصبحوا حاكمين فعليين لقراهم وبلداتهم وأحيائهم ضمن المدن الكبرى، وسط حالة اقتصادية سيئة، جعلت مناطق سيطرة النظام الأسوأ معيشيًّا مقارنة بالمناطق الأخرى.

أما الولايات المتحدة الأميركية فهي إلى جانب دعمها قوات قسد شمال شرقي سوريا، تحتفظ بسيطرتها على منطقة التنف على الحدود السورية الأردنية العراقية في عمق البادية السورية، وتدعم فيها جيش سوريا الحرة، الذي يسيطر ميدانيا على تلك المنطقة.

كسر عزلة النظام

كانت الإمارات العربية المتحدة أول دولة عربية تأخذ خطوة جدية لكسر عزلة نظام الأسد والتطبيع معه، حيث اتخذت خطوات بدءًا من عام 2018 الذي أعادت في أواخره فتح سفارتها في دمشق، لتنضم إليها دول أخرى أبرزها الجزائر والأردن في مساع لإعادة بشار الأسد إلى جامعة الدول العربية، تكللت بحضوره اجتماع القمة العربية في مايو/أيار عام 2023 في مدينة جدة السعودية بدعوة رسمية من الملك السعودي وولي عهده، وقد سرّع الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا في فبراير/شباط من العام نفسه عملية التطبيع مع النظام.

ولم يقتصر كسر العزلة عن النظام والتطبيع معه على الجانب العربي، حيث تحاول تركيا التي تعتبر اللاعب الإقليمي الأبرز ضده الانفتاح عليه، وهو توجّه بدأ علنًا بتصريح لوزير الخارجية التركي السابق مولود جاويش أوغلو في أغسطس/آب عام 2022 دعا فيه المعارضة السورية إلى التصالح مع النظام، ثم جاء لقاء وزيري دفاع تركيا والنظام السوري في موسكو أواخر عام 2022، ثم إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مطلع عام 2023 إمكانية التقائه قريبًا بشار الأسد في إطار ما وصفه بأنه "عملية سلام جديدة".

في حين تصر الولايات المتحدة الأميركية على موقفها الصارم نسبيًّا تجاه التطبيع مع النظام، حيث جاوز رفضها التصريحات من قبل مسؤوليها، ليتوج بقانون أقر مجلس النواب الأميركي مشروعه في فبراير/شباط المنصرم، باسم "قانون مناهضة التطبيع مع نظام بشار الأسد"، لا يحمل بنودًا حقيقية تجّرم الدول التي تطبّع مع النظام، لكنه يمنع أي مسؤول أميركي من أمر مشابه.

داعمو النظام المرهقون

اجتاحت روسيا بدءًا من فبراير/شباط عام 2022 الأراضي الأوكرانية في مغامرة عسكرية كان يراد لها أن تنتهي سريعًا بحسم روسي، لكن التحرك الغربي الواسع دعمًا لأوكرانيا، وتزويدها غير المسبوق بالأسلحة والذخائر وأحدث التقنيات، فضلًا عن فرض حصار سياسي واقتصادي على روسيا، حوّل المغامرة المتفائلة إلى مستنقع تغوص فيه روسيا دون أفق للحل، دفعها إلى استنزاف قدراتها، حيث أشارت تقارير عدة إلى سحبها قوات ومعدات عسكرية حساسة من سوريا لاستثمارها في معركتها في أوكرانيا، فضلًا عن جهودها لتجنيد مرتزقة سوريين للقتال إلى جانبها في أوكرانيا، وهو ما انعكس سلبًا على نفوذها في سوريا.

أما إيران التي تشكل مليشياتها عمادًا رئيسيًّا للقوة العسكرية الميدانية التي تؤمّن مناطق نفوذ النظام، فقد استثمرت انحسار النفوذ الروسي لتزيد من حضورها ميدانيًّا، وتوسّع قواعد انتشارها ومقارّها، وتحثّ من خطواتها لملء الفراغ الناجم عن انحسار الوجود الروسي، الذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على المليشيات الإيرانية في حماية النظام، بدل منافستها في السيطرة عليه.

لكن هذا التفرد الإيراني في السيطرة الميدانية على مناطق النظام، وفي التحكم فيه، واجهته إسرائيل التي وسعت نطاق استهدافها للإيرانيين في سوريا ليشمل فضلًا عن منشآت النقل والتخزين وطرق الإمداد التي تستخدمها المليشيات الإيرانية، شخصيات ميدانية ومفصلية في بنية الحرس الثوري الإيراني، للجم  تغوله على المشهد السوري، الذي تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها، وهو ما يصعب على الإيرانيين مهمتهم، ويثقل حركتهم، بل ويستنزف قدراتهم العسكرية واللوجستية، دون القدرة على الرد المباشر عبر الأراضي السورية مع الاستنفار العسكري الأميركي في المنطقة.

المصالح في سوريا

بعد عقد من التهاب نيران الصراع تبدو مصالح الدول المعنيّة بالنفوذ في الملف السوري قد نضجت. فتركيا لم تعد مهتمةً إلا بمسألتين اثنتين، أولها: تأمين حدودها، من خلال السيطرة على الشريط الحدودي بشمال سوريا عبر فصائل تستطيع ممارسة نفوذها عليها، بحيث تكوّن منطقة عودة للاجئين وحدًّا فاصلًا بينها وبين وحدات حماية الشعب الكردية، وثانيها: تصفية ملف اللاجئين السوريين داخل أراضيها، ولأجل هذه الرؤية تسعى تركيا لتطبيع علاقتها مع النظام بشكل مباشر، مع التقاء مصالحها معه في إنهاء نفوذ وحدات حماية الشعب، وسط تناقض ظاهري في موقف النظام الذي تتضارب تصريحاته بشأن التقارب مع تركيا بين ترحيب ولا مبالاة.

أما الولايات المتحدة الأميركية فلا يزال الملف السوري بالنسبة لها فرصة لتعزيز النفوذ، وورقة ضغط تعطيها أفضلية في ملفات أخرى تتضارب فيها مصالحها مع مصالح مؤثرين آخرين يتشاركون النفوذ والتأثير في سوريا، لذلك ركزت استراتيجيتها في الملف السوري منذ عام 2014 على دعم وحدات حماية الشعب الكردية للسيطرة على المنطقة الشرقية في سوريا (شرقي النهر)، بما يضمن لها التحكم في النسبة الكبرى من موارد البلاد النفطية والغذائية الضرورية لأية عملية سلام واستقرار مستقبلية، كما يشكل الوجود الإيراني وحجم نفوذه محددًا مهمًّا بالنسبة لسياسة أميركا، مع اعتبار حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في المنطقة (إسرائيل ودول الخليج العربي والأردن) إيران تهديدًا أمنيًّا، وخطرًا يجب التعامل معه.

بالنسبة لروسيا فقد تغير ترتيب أهمية الملف السوري منذ عمليتها العسكرية في أوكرانيا الحدودية بالنسبة إليها، ليتحول الملف السوري إلى ورقة تفاوض وضغط أكثر منه غاية ومنطقة تسعى لاستدامة وجودها فيها، وإن كانت تفضل بلا شك الحفاظ على قواعدها العسكرية واستثماراتها إذا أتيح لها ذلك.

وتبقى إيران الطرف الدولي الوحيد الذي ينظر إلى الملف السوري بوصفه جزءًا من رؤية سياسية أيديولوجية طويلة الأمد، تجعل وجودها في سوريا غاية وهدفًا بذاته، لذلك اعتمدت في مقاربتها لحفظ مصالحها في سوريا على إنشاء قواعد اجتماعية مرتبطة بمشروعها عضويًّا، ضمن استراتيجية إحلال ديمغرافي في المناطق ذات الأهمية جيوسياسيًّا وعسكريًّا، التي سيطرت عليها بدعم عسكري روسي، وهجّرت أهلها منها، مثل أحياء جنوب دمشق التي يتهم ناشطون سوريون إيران بجعلها معقلًا لمقاتليها وعوائلهم، على غرار الضاحية الجنوبية بالنسبة لحليفها حزب الله في بيروت، فضلًا عن المدن الرئيسية في محافظة دير الزور (دير الزور والميادين والبوكمال)، التي تشكل نقاط حماية لطريقها عبر العراق إلى سوريا، مع جيوب شبيهة في حلب وحمص وعدد من المناطق الساحلية. ومع انحسار النفوذ الروسي زادت إيران من توجهها باتجاه مشروعها موسعة نشاطها ليشمل نشر التشيع في مجتمعات محلية مع حركة التوطين لمقاتلي مليشياتها الشيعية الأجنبية في سوريا، فضلًا عن نسج كوادرها ضمن بنية النظام.

إذ تخشى إيران من فصل النظام عنها، مع حركة الانفتاح المتزايد على نظام الأسد من قبل أطراف تمتلك علاقات واسعة مع إسرائيل (الإمارات) أو مع الولايات المتحدة الأميركية (تركيا). كما تحذر إيران من تحضير لعملية طردها من سوريا تحت مظلة مشروع سياسي عسكري ترعاه الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما تعلم إيران استعداد أطراف من النظام نفسه لقبوله.

الحل سياسي عسكري

تتفاوت النظرة إلى تعريف الحل في سوريا بحسب الأطراف الفاعلة محليًّا ودوليًّا، ففي وقت تتفق فيه القوى الدولية نظريًّا -باستثناء إيران- على كون الحل توافقًا سياسيًّا وحكومة انتقالية تجتمع فيها الأطراف المحلية، وتحفظ فيها مصالح الدول الرئيسية على شكل اتفاقات رسمية، تصرّ إيران على حل تفرض فيه وجودها على البلاد وتحكمها في كل مفاصلها، على غرار ما يحدث في العراق، وهو ما يغير شكل الاصطفافات حول الملف السوري، إذ تبرز إيران أكثر فأكثر بكونها العقبة الرئيسية أمام أي حل مستقبلي.

أما بالنسبة للفاعلين المحليين فلا يوجد كثير مما يجب تحليله، إذ يرى نظام الأسد الوضع الراهن محطة في طريقه لفرض سيطرته المباشرة على البلاد كلها بعد تصفية وجود معارضيه على اختلاف توجهاتهم، رغم تهلهل بنيته الداخلية وازدياد حدة الخلافات بين مكوناته، وتصر وحدات حماية الشعب على إقليم فدرالي كردي تحكمه بأيدولوجيتها في شمال شرق سوريا على الأقل، في حين تبقي فصائل الثورة على أهدافها المعلنة نفسها، وهي تحرير البلاد بالجهد العسكري من وجود نظام الأسد وداعميه، رغم حالة الترهل التي أصابت الفصائل مع توقف العمليات العسكرية منذ أعوام، وتدعمها في ذلك حشود المتظاهرين السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام ودول اللجوء، الذين يصرون بعد مرور 13 عامًا على انطلاق الثورة السورية على ترديد "الثورة مستمرة".

البداية
المقدمة

من يحكم الجنوب السوري؟

(ملف سوريا - من يحكم درعا)

أحمد أبازيد

درعا محافظة سورية تمثّل نموذجًا مختلفًا عن بقية المناطق السورية. كان يسيطر عليها الثوار السوريون، ثم صارت تسيطر عليها قوات النظام وحلفاؤها: روسيا، وإيران، والمليشيات الموالية المحلية والأجنبية. وعلى الرغم من السيطرة العسكرية للنظام، فإن المحافظة بقيت تشهد حراكًا مدنيًّا يرفع شعارات الثورة السورية، وعمليات عسكرية تستهدف قواته، وفوضى أمنية، هذا إضافة إلى مناطق فيها بقيت بمنأى عن سيطرة النظام.

وبسبب نموذج السيطرة الملتبس وحالة الاستثناء في الجنوب السوري، فإن دراسة المشهد هناك تشكل مفتاحًا لفهم تعقيد الوضع السوري أكثر من بقية المناطق السورية، التي تبدو فيها سيطرة الأطراف المختلفة واضحة. كما يمثل الجنوب إثباتًا لاستمرار الهويات السياسية التي تشكلت مع الثورة السورية، واستعصاء سيطرة النظام الاجتماعية على حواضن الثورة السورية، أو العودة إلى حالة ما قبل مارس/آذار 2011.

2011 – 2018: مهد الثورة السورية

عُرفت محافظة درعا  بلقب "مهد الثورة السورية"، لانطلاق المظاهرات الشعبية في درعا البلد بتاريخ 18 مارس/آذار 2011، ثمّ توسعت إلى مختلف مناطق المحافظة، ومنها إلى بقية المحافظات السورية تباعًا، عقب حادثة "الكتابة على الجدران" واعتقال الأطفال، التي شكّلت شرارة الاحتجاجات.

سرعان ما شهدت مختلف المناطق في المحافظة مشاركة شعبية عامة في المظاهرات، وأصبحت ترفع شعارات محلية مرتبطة بالهوية الحورانية في وجه السلطة، إضافة إلى المطالب السياسية الوطنية المتعلقة بالتغيير السياسي والحريات والإفراج عن المعتقلين. ولعلّ أبرز مظاهر التضامن المحلي، كان المظاهرات الشعبية المتضامنة مع درعا البلد في بقية مناطق المحافظة، وهو ما عُرف بـ"الفزعة".

ومّما يجعل درعا "مهد الثورة" فعلًا، شهودها سقوط أول شهداء الثورة السورية، وأولى المجازر التي ارتكبتها قوات النظام، وأولى الاقتحامات العسكرية، حتى حضرت درعا في معظم شعارات المظاهرات التي انطلقت متضامنةً في المحافظات الأخرى بداية الثورة.

ورغم التشابه بين درعا وبقية المحافظات السورية، في ديناميات الثورة وسيرورتها وتوسعها؛ من المظاهرات إلى سقوط الشهداء ثم المظاهرات الكُبرى والمجازر والانخراط الشعبي الواسع وصولًا إلى التحول نحو العمل المسلح، فإن حالة التضامن المحلي والانخراط الشعبي العام في الثورة كانت ظاهرة في محافظة درعا أكثر من سواها إلى درجة أصبح فيها تأييد النظام منذ الأيام الأولى، يمثل "وصمة اجتماعية" تدفع العشائر والعوائل إلى التبرُّؤ من أبنائها المسؤولين في النظام أو المؤيدين له، كما أصبح النظام في الأشهر الأولى للثورة السورية، يعامل ابن درعا كمتهم؛ ممّا يجعله عرضة للاعتقال. لذلك كلّه، اكتسبت المحافظة منذ البداية، هوية سياسية اجتماعية صلبة، مرتبطة بالثورة السورية.

لاحقًا، وفي الثلث الأخير من عام 2011، نشأت في درعا -كبقية المناطق السورية- ظاهرة العمل المسلح، تحت شعار "الجيش السوري الحر". وفي النصف الثاني من عام 2012، تحول العمل المسلح من حماية المظاهرات واستهداف حواجز النظام إلى "التحرير" والسيطرة العسكرية. بيد أن أقصى توسع للثوار في الجنوب السوري، كان في مارس/آذار 2015 بعد السيطرة على مدينة بصرى الشام.

ارتبط العمل المسلح بنشوء فصائل متعددة حسب المناطق أو التوجهات، فقد ظهرت فصائل سلفية محلية؛ وأبرزها "حركة المثنى الإسلامية"، و"حركة أحرار الشام". كما نشطت التنظيمات السلفية الجهادية وأبرزها "جبهة النصرة" التي كان معظم قادتها أردنيين، ثم "جيش خالد بن الوليد" المتهم بالتبعية لتنظيم الدولة في منطقة حوض اليرموك. وفي هذه المنطقة بين عامي 2015 و2018، نشأت جبهة قتال بين "لواء شهداء اليرموك" و"جيش خالد بن الوليد" من جهة، وفصائل متعددة أبرزها "جبهة النصرة" و"حركة أحرار الشام" من جهة أخرى.

لقد شكلت فصائل "الجيش السوري" عام 2014، مظلة موحدة تحت مسمى "الجبهة الجنوبية" المدعومة من غرفة "الموك"، وهو ما ساعدها على إبقاء المحافظة بعيدة عن هيمنة التنظيمات السلفية المحلية أو الجهادية، كما حصل في الشمال أو الشرق السوري، ولكن دون أن تمثل توحيدًا كاملًا للعمل العسكري أو إلغاء لارتباطات ومشاريع الفصائل المنضوية تحتها أو استقلالية للقرار؛ مما أبقى الجنوب متأثرًا بالفاعلين الإقليميين والدوليين، وخاصة الأردن والإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل.

وإضافة إلى ذلك، تأثرت محافظة درعا بتدخل إيران والمليشيات المدعومة منها في سوريا. ومنذ أواخر عام 2014، شارك "حزب الله اللبناني" ومليشيات عراقية وأفغانية بشكل واضح في معارك "مثلث الموت" (المنطقة الواقعة بين ريف درعا والقنيطرة الشمالي وريف دمشق الجنوبي الغربي)، ولكن لم تتمكن إيران من تغيير المعادلة العسكرية في الجنوب السوري أو كسب مناطق إضافية لصالحها.

ملف سوريا - تدرج الثورة السورية

وفي 30 سبتمبر/أيلول 2015، نشأت معادلة عسكرية جديدة في سوريا، انكسر فيها التوازن العسكري الهش لصالح النظام وحلفائه، وذلك بفعل التدخل الروسي وطيرانه والمعادلة الإقليمية الجديدة التي صاحبت هذا التدخّل، وهو ما دفع إلى انسحاب العديد من حلفاء فصائل المعارضة السورية، أو تغيير استراتيجيتهم، أو تقبل عودة النظام والتفاهم معه ومع الروس.

بهذا، بدأت المناطق السورية الانهيار بشكل متسارع، خاصة بعد سقوط حلب في ديسمبر/كانون الأول 2016، ثم سقوط الغوطة الشرقية التي استعمل النظام السلاح الكيميائي في معركتها الأخيرة لإجبار الفصائل على الاستسلام وقبول التهجير، وهو ما سهّل مهمته عندما انتقلت الحملة الروسية إلى الجنوب السوري في يونيو/حزيران 2018.

2018 – 2021: التسوية والاستثناء

سبق الحملة العسكرية على الجنوب السوري، اتفاق غير معلن بين الأردن و"إسرائيل" والولايات المتحدة وروسيا، يقرّ بسيطرة النظام السوري على محافظة درعا، ولكن مع ضمانات روسية بابتعاد إيران والمليشيات المدعومة منها عن الحدود مع الأردن والجولان المحتل. وصرّحت "إسرائيل" في الأيام الأولى من الحملة العسكرية، بأنها تفضل سيطرة النظام السوري على الجنوب السوري وحدود منطقة الفصل في الجولان.

وخلال الأيام الأولى من الحملة العسكرية، سيطرت قوات النظام وحلفاؤها على معظم الريف الشرقي للمحافظة. سقطت بعض المناطق بعد معارك عسكرية، وبعضها نتيجة "مصالحات محلية" أو اتفاقيات سرية مع الفصائل المسيطرة، وانهارت فصائل أخرى خلال أيام، بينما حافظ "الجيش الحر" في درعا البلد على مواقعه وسيطر على مواقع جديدة، ولكن مع سقوط الريف الشرقي وانهيار خطوط الدفاع، أصبح النظام السوري وحلفاؤه على مشارف درعا البلد وريف درعا الغربي.

بدأت بعد سقوط الريف الشرقي، جولة مفاوضات بين الفصائل والضباط الروس في مدينة بصرى الشام، برعاية فصيل "فرقة شباب السنة" بقيادة أحمد العودة المدعوم إماراتيًّا، الذي كان أول المتفقين مع الجانب الروسي والداعين إلى الاتفاق معه وعدم مقاومته عسكريًّا؛ لأن ذلك "غير مجدٍ"، ويرجّح أن هذا الاتفاق كان سابقًا على الحملة العسكرية.

لقد نشأ عن المفاوضات بين ممثلي درعا البلد وريف درعا الغربي من جهة، والضباط الروس من جهة أخرى، اتفاق التسوية في الجنوب السوري في 6 يوليو/تموز 2018، الذي كان مشابهًا في مضمونه لبقية اتفاقيات التسوية السابقة، وخاصة في ريف حمص الشمالي وجنوب دمشق.

تضمن الاتفاق الاعتراف بالنظام وحكومته ومؤسساته وعَلمه، والتخلي عن شعارات الثورة السورية و"تسوية" أوضاع المطلوبين للنظام أو المتخلفين عن الخدمة العسكرية، وتسليم السلاح الثقيل، وخروج من يرغب نحو الشمال السوري، وفي المقابل يفرج النظام عن المعتقلين ويتعهد بعدم ملاحقة الثوار والمنشقين وعدم الدخول العسكري إلى هذه المناطق، وإنما تدخل مؤسساته الحكومية والشرطة.

وعلى الرغم من اختيار آلاف من الناشطين والعوائل المغادرة نحو الشمال السوري، فقد اختارت الكتلة الثورية والاجتماعية الكبرى البقاء هناك، ومحاولة التكيف مع الوضع الجديد بعد اتفاق التسوية، ومحاولة عدم السماح بانفراد النظام بالأفراد الباقين، أو حصول تهجير واسع هناك. ورغم تنفيذ النظام جولات في مناطق التسوية، فإنه انسحب منها سريعًا، وبقيت تحت سيطرة الشبكات الثورية والاجتماعية نفسها.

هكذا، نشأت عن الوضع الجديد خريطة جديدة بفاعلين جُدُد، غير أنهم استمرار للشبكات الثورية والاجتماعية السابقة على اتفاق التسوية. ومع انتهاء العمل بمسميات الفصائل، فقد حافظ فصيل "فرقة شباب السنة" على وجوده وتحوّل إلى العمل تحت مسمى "الفيلق الخامس" التابع للقيادة الروسية، وإن كان رسميًّا ضمن هيكلية جيش النظام السوري، الذي انتقل لاحقًا إلى مسمى "اللواء الثامن" ضمن الفيلق الخامس. وأصبح وجهة مفضلة لدى العديد من المقاتلين في ريف درعا الشرقي، بوصفه ضمانًا لعدم ملاحقة النظام وبديلًا في الوقت نفسه عن الانضمام إلى قواته.

كما انضمت مجموعات من مقاتلي الفصائل سابقًا إلى العمل مليشيات رديفة للأمن العسكري والمخابرات الجوية، وانضم آخرون إلى "الفرقة الرابعة" في جيش النظام مع بقائهم ضمن مناطقهم، وبقي القسم الأكبر من المقاتلين ضمن مناطقهم في مجموعات محلية دون مسميات.

وظهرت "اللجنة المركزية في درعا البلد" و"اللجنة المركزية في ريف درعا الغربي"، المشكّلتان من وجهاء محليين وقادة فصائل الجيش الحر سابقًا، لتكونا مسؤولتين عن التفاوض مع الجانب الروسي والنظام، ومتابعة تنفيذ اتفاق التسوية.

وقد أصبحت هاتان اللجنتان أشبه بهيئات حكم محلي في مناطق التسوية، وامتدّ نفوذهما إلى المناطق الأخرى، التي شهدت مصالحات محلية سابقة على اتفاق التسوية، والمناطق التي سقطت عسكريًّا في بداية الحملة. هذا إضافة إلى تكتلات عشائرية ومحلية في كل منطقة، ضمنت التعامل مع النظام بوصفها كتلًا اجتماعية وليس أفرادًا.

(ملف سوريا - من يحكم درعا)

بدأت مظاهر نموذج الاستثناء الظهور في درعا، وذلك بعد أشهر معدودة من اتفاق التسوية، إذ عادت المظاهرات التي ترفع شعارات مناهضة للنظام، ومتضامنة مع مناطق يشنّ حملاته عليها، أو تطالب بالإفراج عن المعتقلين. كما عاد علم الثورة السورية إلى الظهور في المظاهرات، وشعار "إسقاط النظام" في مناطق التسوية التي لم تدخلها قوات النظام العسكرية، ثم توسعت حتى في المناطق التي لم يشملها اتفاق التسوية، لتصبح حالة عامة في المحافظة.

في المقابل، لم يلتزم النظام ببنود اتفاق التسوية حول الإفراج عن المعتقلين أو عودة الخدمات إلى المناطق أو انسحاب قواته العسكرية، واستمر في تنفيذ اعتقالات على الطرق بين المدن والبلدات، إضافة إلى حصار ومداهمة بعض المناطق التي لا تحتاج إلى حملة عسكرية ضخمة لاقتحامها.

كما بدأت عقب التسوية حالة من الاغتيالات والفوضى الأمنية، فاستهدف العديد منها قادة اللجان المركزية والناشطين وقادة الفصائل، كما استهدف قسم منها قوات النظام وضباطه، ومارست المجموعات المحلية، التي انضمت إلى الأمن العسكري والمخابرات الجوية، حملات مداهمة وعمليات اغتيال في مناطق وجودها، فأوجدت حالة من الاقتتال الأهلي شجعها النظام بديلًا عن دخوله في حرب عسكرية مباشرة.

بلغت مظاهر عدم سيطرة النظام على المحافظة ذروتها في ذكرى الثورة السورية العاشرة (18 مارس/آذار 2021)، حيث خرجت مظاهرات ضخمة في عموم المحافظة ترفع علم الثورة السورية وتنادي بإسقاط النظام واستمرار الثورة. ثم في الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2021، حيث تجددت المظاهرات المناهضة لانتخاب الأسد، فلم يتمكن النظام من تنفيذ انتخابات في معظم مناطق المحافظة، حتى في مناطق سيطرة "الفيلق الخامس"؛ إذ انتشرت تهديدات باستهداف أي مركز تُجرى فيه الانتخابات.

ولقد سجلت قاعدة بيانات موقع "أكليد" في الفترة نفسها، خروج 271 مظاهرة في محافظة درعا منذ أغسطس/آب 2019 وحتى نهاية فبراير/شباط 2023 (من المؤكد أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك).

دفعت حالة التحدي هذه، النظام، بموافقة روسية ودعم من مليشيات أجنبية، إلى بدء حملة عسكرية ثانية في مايو/أيار 2021 ضد درعا البلد، دون أن يتمكن من التقدم العسكري فيها رغم حصارها ومحاولة اقتحامها. ودفع حصار درعا البلد إلى "فزعة" ثانية في المحافظة، هاجم فيها المقاتلون المحليون في معظم مناطق المحافظة حواجز النظام العسكرية، واحتجزوا نحو 300 من عناصره، إضافة إلى مقتل آخرين في 29 يوليو/تموز 2021.

وشارك في الهجوم على النظام، عناصر انضموا إلى "الفيلق الخامس" و"الفرقة الرابعة"؛ مما أظهر هشاشة سيطرة النظام على المحافظة والطبيعة التكيفية أو البراغماتية لانضمام المقاتلين المحليين إلى هيكلية الفيلق الخامس وحتى الفرقة الرابعة.

وانتهت الحملة العسكرية الثانية بإجراء اتفاق تسوية ثانٍ في درعا البلد، انتقل إلى عموم المحافظة في سبتمبر/أيلول 2021، شبيه بالاتفاق الأول. ورافقت ذلك محاولة روسيا تغيير وضع الاستثناء في الجنوب السوري، وسحب المظاهر العسكرية، وإضعاف نفوذ الفيلق الخامس والمجموعات المحلية، وهو ما زاد فعليًّا من مظاهر الفوضى الأمنية.

2018 – 2023: أشكال من الفوضى الأمنية

أصبحت الفوضى الأمنية أبرز سمة في محافظة درعا منذ اتفاقية التسوية (يوليو/تموز 2018)، التي تمت برعاية روسية وتفاهم إقليمي ودولي. ورغم توقف الحرب العسكرية وإعلان سيطرة النظام على المحافظة، فإن الحرب الأمنية قد بدأت آنذاك في المحافظة.

لقد دفع الوضع الجديد المجموعات والشخصيات الباقية إلى إعادة التموضع للتكيف معه بطرق مختلفة، فانتقل قسم من المقاتلين إلى الحياة المدنية، وحافظ قسم كبير منهم على نشاطه ضمن مجموعات محلية في مناطق تابعة أو متحالفة مع اللجان المركزية، أو مجموعات محلية على خلاف مع اللجان المركزية سواء لأسباب متعلقة بالتنافس المحلي أو بعدم انضباطها أو برفض التسوية والتفاوض مع النظام، بينما انضمّت مجموعات إلى اللواء الثامن في الريف الشرقي؛ اتقاءً لملاحقة النظام، وانضمت مجموعات أخرى إلى الفرقة الرابعة في جيش النظام في الريف الغربي وبقيت ضمن قراها، وتحولت مجموعات إلى مليشيات رديفة للأمن العسكري والمخابرات الجوية وأصبحت ذراعًا للأجهزة الأمنية في مناطقها.

المليشيات المحلية

أجبرت اتفاقية التسوية كلًّا من النظام ومقاتلي المعارضة، على وقف الحرب العسكرية المباشرة، والتكيف مع الوضع الجديد. ولأنها لم تسفر عن سيطرة كاملة لأي طرف، أو مصالحة حقيقية بين الطرفين، أو بين المجتمع والسلطة، فإن التكيّف مع الوضع الجديد بالنسبة للنظام والثوار كان التحول نحو الحرب الأمنية أو المواجهة بطرق أخرى.

لهذا، لجأ النظام السوري إلى تشكيل مليشيات محلية رديفة من مجموعات معارضة سابقة، تخوض حربًا بالوكالة عنه في مناطقها، إضافة إلى انخراطها ضمن شبكة مهمات أمنية متعلقة بالاغتيالات وتهريب المخدرات وعمليات خطف وغيرها. وأمكن لهذه المليشيات استكمال الحرب اليومية ضد المجموعات الثورية الرافضة للنظام، دون تدخل النظام بشكل مباشر. كما تمكنت الأجهزة الأمنية، بتشكيل هذه المليشيات، من تحويل المواجهة في المحافظة بين المجتمع والسلطة، إلى مواجهة بين مكونات المجتمع نفسه، تتدخل السلطة وسيطًا عند توترها.

كان أبرز هذه المليشيات المحلية، مجموعات مصطفى المسالمة في درعا البلد، ومجموعات فايز الراضي وعماد أبو زريق وأبو علي اللحام في مناطق ريف درعا الشرقي. وفي 28 مارس/آذار 2023، صدرت عقوبات بريطانية أميركية ضد متورطين بتجارة المخدرات، التي تمول نظام الأسد، شملت القياديين في المليشيات المحلية الرديفة عماد أبو زريق ومصطفى المسالمة (الكسم).

وقد اتهمت اللجان المركزية والناشطون في الجنوب هذه المليشيات، بالمسؤولية عن عمليات اغتيال استهدفت مقاتلي الفصائل سابقًا والشخصيات الرافضة لسيطرة النظام في الجنوب. وفي المقابل، تعرضت هذه المليشيات إلى العديد من عمليات الاغتيال، كان أبرزها مقتل فايز الراضي في 8 مارس/آذار 2023، ومقتل مصطفى المسالمة الملقب "الكسم" في 9 أغسطس/آب 2023 بعد 8 محاولات اغتيال.

الاغتيالات والحوادث الأمنية

تفاقم عدد ضحايا الفوضى الأمنية في محافظة درعا، منذ سبتمبر/أيلول 2019 حتى نهاية عام 2023. وقد شملت الاغتيالات والعمليات الأمنية جميع الأطراف هناك، على مستوى الفاعلين والأهداف، وتركز معظمها في مناطق ريف درعا الغربي، إضافة إلى الحوادث الجنائية البحتة التي شجع عليها وضع الانفلات الأمني، والتي كان القسم الأكبر منها خارج مناطق التسوية أو سيطرة اللجان المركزية.

ملف سوريا - إحصائية القتلى والضحايا والحوادث الأمنية في محافظة درعا

ولكن أبرز هدف لعمليات الاغتيال كما تُظهر الأرقام، هو مقاتلو الفصائل قبل التسوية، الذين انضم قسم منهم إلى أجهزة النظام الأمنية والعسكرية، وحافظ القسم الأكبر على نشاطه ضمن مجموعات محلية أو انتقل للحياة المدنية. وتبدو عمليات الاغتيال بين القسمين هي الأعنف، وتشغل نحو نصف عدد المستهدفين والقتلى.

كما تُظهر الأرقام كثرة عدد القتلى السنوي من عناصر النظام في منطقة يسيطر عليها نظريًّا، نتيجة عمليات الاغتيال أو تفجير العبوات أو استهداف الآليات أو المواجهات العسكرية، الذي قد يزيد على عدد قتلى النظام بجبهات الشمال السوري.

حملات عسكرية

سجلت قاعدة بيانات موقع "أكليد"، 1419 حادثة اشتباك عسكري في محافظة درعا، منذ أغسطس/آب 2019 حتى نهاية فبراير/شباط 2024.

ومنذ اتفاقية التسوية، نشر النظام عشرات الحواجز العسكرية والأمنية في مناطق المحافظة، خاصة بين المدن والبلدات، وأعاد التمركز في القطع العسكرية التي سيطر عليها الجيش الحر سابقًا. كما حوّل النظام بعض الحواجز إلى ثكنات عسكرية ضخمة، مثل "معمل الري" بالقرب من بلدة طفس، حيث صبغت هذه الثكنات المحافظة بمظاهر عسكرية واسعة، وشكّل وجودها حالة استفزاز واستهداف سهل بالنسبة للمقاتلين المحليين الرافضين لها؛ مما شجع أيضًا على تصاعد العمليات العسكرية ضدها. وبدلًا من تنفيذ شرط اتفاق التسوية بشأن الإفراج عن معتقلي المحافظة، فقد نفذت هذه الحواجز نحو 2600 اعتقال منذ اتفاقية التسوية؛ مما ساهم أكثر في تقويض الثقة بالوضع الجديد بعد الاتفاقية بالنسبة لدى السكان واللجان المركزية والمجموعات الرافضة للتسوية، وشجع على خروج مظاهرات مستمرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين، خاصة في درعا البلد.

إضافة إلى ذلك، نفذت قوات النظام طوال سنوات التسوية عشرات الحملات العسكرية، التي اتبعت فيها نهج حشد قوات عسكرية في محيط المنطقة وقصفها وطلب تسليم أو ترحيل مطلوبين بتهمة تنفيذ عمليات عسكرية ضد النظام أو التبعية لـ"تنظيم الدولة"، وكانت تنتهي غالبًا بدخول اللواء الثامن (الفيلق الخامس سابقًا) كقوات فصل، ودخول قوات النظام لإجراء تفتيش في المنطقة وإجراء تسويات متكررة ثم الانسحاب. وتزامن العديد من هذه الحملات مع مواسم الحصاد، لتشكيل ضغط اقتصادي مضاعف على الأهالي، وكانت كبرى هذه الحملات على درعا البلد، وشهدت بلدة طفس خاصة العدد الأكبر من الحملات العسكرية، وهما أبرز المناطق التي وافقت على اتفاقية التسوية.

وضعت الحملات العسكرية المتكررة المحافظة في حالة حرب متجددة، وقوضت -إلى جانب الاغتيالات والحوادث الأمنية وتردي الوضع الخدمي والاقتصادي- توقعات الاستقرار في الجنوب بعد اتفاقية التسوية، وبدلًا من أن تتحول المنطقة إلى مساحة آمنة تشجع عودة اللاجئين، زادت بعد الاتفاقية معدلات الهجرة من المنطقة بشكل متصاعد.

تنظيم الدولة

ضاعف تعقيدَ وسوءَ الوضع الأمني في المحافظة نشاطُ خلايا "تنظيم الدولة" والمرتبطين به. وكانت أزمة التنظيم منحصرة قبل اتفاقية التسوية في منطقة حوض اليرموك، التي يسيطر عليها "جيش خالد بن الوليد" الموالي للتنظيم، ولكن أعقب اتفاقية التسوية تنفيذ فصائل المعارضة في المنطقة الغربية عملية عسكرية ضد التنظيم سيطروا خلالها على منطقة حوض اليرموك، واعتقل النظام العشرات من عناصره، ثم أفرج عن معظمهم خلال السنة التالية.

أعاد هؤلاء العناصر الانتشار والنشاط في المحافظة، وانضم بعضهم إلى أجهزة النظام الأمنية مليشيات رديفة، وشجع وضع الفوضى الأمنية والسيطرة الهشة في المحافظة على تحولها إلى بؤرة استقطاب لعناصر التنظيم من خارج المحافظة، كما شجع تنظيمات مختلفة على محاولة النشاط هناك، مثل تنظيم "جبهة أنصار الدين" الذي قُتل أحد قياداته (أبو جليبيب) أثناء محاولته العبور إلى المحافظة، بعد قضاء "هيئة تحرير الشام" على التنظيم في إدلب وملاحقة قياداته.

نشط عناصر جيش خالد السابقون مع عناصر تنظيم داعش الوافدين من خارج المحافظة في التجنيد والتحالف مع فئة ثالثة، هي المجموعات المحلية من عناصر الفصائل الثورية سابقًا المناوئة للجان المركزية، لأسباب مختلفة، ولو لم يكن عناصر هذه المجموعات من المنتمين إلى أيديولوجية التنظيم أو ممن يتحركون بناء على دوافعه نفسها.

وتمركزت خلايا التنظيم في مناطق، أبرزها جاسم وطفس وحوض اليرموك، وكشفت تسريبات و"اعترافات" أسرى لدى اللجان المركزية عن تنفيذ هذه الخلايا عمليات اغتيال ضد مجموعات اللجان المركزية والمجموعات الثورية المناوئة للنظام في المنطقة، وكشف بعضها اتصالات مسجلة بثّت على شبكة الإنترنت بين قيادات من هذه الخلايا مع ضباط من النظام.

استهدفت عمليات التنظيم في معظمها قادة اللجان المركزية، وقادة المجموعات المحلية الذين شارك بعضهم في مقاومة سيطرة النظام على مناطق التسوية وفي المعارك ضده بعد التسوية، وخاصة في درعا البلد وريف درعا الغربي.

كما أعلن التنظيم المسؤولية عن عمليات عسكرية ضد النظام واغتيال شخصيات من المليشيات المحلية الرديفة للأجهزة الأمنية، ومن أبرز الشخصيات التي حمّلت اللجان المركزية هذه الخلايا مسؤولية اغتيالها: عملية اغتيال القياديين في غرفة "البنيان المرصوص" سابقًا عدنان أبازيد ومعتز قناة، واغتيال أعضاء اللجنة المركزية في ريف درعا الغربي فادي العاسمي وأحمد البقيرات وأبو البراء الجلم ومصعب البردان، ونفذت مجموعات "هفو والحرفوش" المتهمة بالتبعية للتنظيم عملية انتحارية في منزل قيادي معروف في الجيش الحر في درعا البلد في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2022 تسببت في مقتل 4 أشخاص وإصابة آخرين، وأعقب ذلك إطلاق عملية عسكرية واسعة ضدهم.

المخدرات

أصبحت أزمة المخدرات بعد التسوية، العنوان الأبرز للجنوب السوري على المستوى الإقليمي. وصنفت الولايات المتحدة عدة قادة في المليشيات المحلية الرديفة لأجهزة النظام الأمنية في محافظة درعا على قوائم العقوبات لعلاقتهم بتجارة المخدرات.

ومع أن صعود نشاط تصنيع ونقل المخدرات منتشر في المحافظة ويجري عبرها، فإن كثافة نشاطات التهريب والمواجهات المسلحة بين المهربين وقوات حرس الحدود الأردنية تركزت على بادية محافظة السويداء. وقد أدى ذلك إلى وقوع عمليات استهداف واغتيالات لأشخاص مرتبطين بتجارة المخدرات، وشنّ غارة أردنية (لم تصرح الأردن رسميًّا بتبنّيها) على موقع قيل إنه يستعمل لتصنيع "الكبتاغون" قرب بلدة خراب الشحم في 8 مايو/أيار 2023، وتركزت الغارات الأردنية على محافظة السويداء، وكان أكبرها قصف عرمان وتل ملح الذي تسبب في مجزرة في 9 يناير/كانون الثاني 2024، وقد تزامن التصعيد مع موجة اشتباكات متكررة على الحدود.

وأعقب الغارات الأردنية إعلان اللجنة المركزية في ريف درعا الغربي، مداهمة مزرعة لتخزين "الكبتاغون" قرب بلدة طفس في 23 يناير/كانون الثاني 2024، واستعدادها للمشاركة في الحرب على تجار المخدرات.

2022 – 2024: كيف استعاد الجنوب المبادرة؟

حافظت الشبكات الثورية والاجتماعية في محافظة درعا على فاعليتها بعد اتفاقية التسوية عام 2018، ورغم تعرضها إلى ضربات عديدة بسبب تسليم السلاح الثقيل والاغتيالات والحصار والحملات العسكرية ومحاولة شق الصف الأهلي عبر تشكيل المليشيات الرديفة، فإن هذه الشبكات أثبتت قدرتها على الصمود والتكيف وإعادة التشكل، إضافة إلى تمثيل المجتمع المحلي ومصالحه واستمرار دعمه، مدعومة أيضًا بقوة تسييس الهوية المحلية (الحورانية) في مواجهة السلطة.

حافظت كتل ثلاث بشكل رئيس على استمرار فاعليتها وتنظيمها منذ اتفاقية التسوية، رغم التغيرات التي تعرضت لها، وهي: اللواء الثامن في مدينة بصرى الشام وريف درعا الشرقي، وكتلة درعا البلد التي كانت ممثلة عبر اللجنة المركزية (أعلنت حلّ نفسها) ومجلس عشيرة درعا ومجموعات المقاتلين المحليين التابعين للمجلس واللجنة، وكتلة اللجنة المركزية والمجموعات المحلية غير المنضمة إلى النظام في ريف درعا الغربي.

وإلى جانب هذه الكتل التي مثلت امتدادًا للفصائل والشبكات الثورية السابقة للتسوية، فقد تشكلت هيئات اجتماعية ذات طابع عشائري أو مناطقي، كان أبرزها مجلس عشيرة درعا ومجلس أعيان المنطقة الغربية، إضافة إلى اجتماع عشائر درعا في فترة حصار درعا البلد في 5 أغسطس/آب 2021.

ومن شأن هذا اللجوء إلى اللجان العشائرية والتمثيل الاجتماعي، المحافظة على تماسك الكتلة الاجتماعية الرافضة للنظام في المحافظة، وتوسيع إطار التمثيل والتفاوض في مواجهة النظام، إذ يسهل أكثر تبرير الحروب العسكرية ضد جهات مسلحة مقارنة بوجود جهة عشائرية واجتماعية مدنية. ورغم اعتماد النظام أيضًا على شخصيات حزبية أو عشائرية محلية مؤيدة له في عدة مناطق، فإنه لم يتمكن من تأسيس كيان أهلي ذي مصداقية أو حاضنة حقيقية يمكنها تقديم تمثيل اجتماعي مضاد للتمثيل الثوري.

ولذلك، فقد أعادت الشبكات الاجتماعية والثورية الرافضة للنظام في الجنوب تشكيل نفسها بعد اتفاق التسوية، على شكل كيانات مدنية وعسكرية وأهلية، حاولت أن تقدم نفسها كتمثيلات متعددة المستويات للمجتمع، وأن تتحمل مسؤولية الحكم المحلي.

وبعد معركة درعا البلد واتفاقية التسوية الثانية في سبتمبر/أيلول 2021، تعرضت الكتل الثلاث السابقة إلى تغيرات أضعفتها، فاللواء الثامن أُلحق بجهاز الأمن العسكري وقُلّصت كتلته وقُلّص مقاتلوه، واللجنة المركزية في درعا البلد أعلنت حلّ نفسها، واللجنة المركزية والمجموعات المحلية في ريف درعا الغربي واجهت حملات عسكرية متجددة من قبل النظام، وخلايا تنظيم الدولة ومجموعات معارضة للجنة المركزية.

ولكن بعد أشهر من اتفاقية التسوية الثانية، التي رافقها تسليم آلاف قطع السلاح إلى النظام، استعادت هذه الكتل التنسيق فيما بينها، وحاولت المحافظة على التهدئة والخيار التفاوضي مع النظام. كما استعادت فاعليتها وحضورها في ضبط المشهد الأمني المحلي في مناطقها، وفرضت نفسها محليًّا على مستوى بلداتها وفي عموم المحافظة، لحلّ الأزمات وتصدّر المشهد بجدارة أعلى من النظام. ورغم إلحاق اللواء الثامن بشعبة الأمن العسكري رسميًّا، فإنه حافظ على سلوكه السابق في تقديم نفسه فصيلًا محليًّا مستقلًّا عن النظام.

ومنذ الربع الأخير من عام 2022، بدأت هذه المجموعات سلسلة عمليات ضد تنظيم داعش والمجموعات المرتبطة به، قضت على القسم الأكبر من قيادة التنظيم. ففي 9 أغسطس/آب 2022، حاصرت المجموعات المحلية في بلدة عدوان القائد العسكري للتنظيم في الجنوب، المكنى "أبو سالم العراقي" الذي فجّر نفسه. وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول، انتهت الاشتباكات والحصار الذي كانت تفرضه المجموعات المحلية في الريف الغربي واللواء الثامن في عملية مشتركة، لمنزل كان يتحصن فيه مقاتلو التنظيم في مدينة جاسم، وذلك بتفجير المنزل وقتلهم، وقد أعلنت الولايات المتحدة لاحقًا أن أحد القتلى هو زعيم التنظيم العام أبو الحسن الهاشمي القرشي.

وقد دفعت ملاحقة قادة التنظيم في ريف درعا، بعضهم إلى اللجوء إلى حيي طريق السد والمخيم في مدينة درعا، مع مجموعات هفو والحرفوش، التي نفذت عملية انتحارية ضد منزل قيادي في الجيش الحر في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2022، تبعها إطلاق عملية عسكرية واسعة ضد هذه المجموعات، اشترك فيها اللواء الثامن ومجموعات درعا البلد، وانتهت بالسيطرة على المنطقة وهروب هفو والحرفوش ومقتل أحد أبرز قادة الجيش الحر في درعا وهو خالد عبد الرحيم أبازيد.

استمرت عمليات المجموعات المحلية واللجان المركزية واللواء الثامن المشتركة خلال عام 2023، وانتقلت إلى عدة بلدات. وقد تزامن بعضها مع تهديدات النظام باقتحام هذه المناطق بحجة وجود خلايا من التنظيم فيها، وكان أبرز هذه العمليات حملة اللجان المركزية واللواء الثامن في مدينة نوى بداية عام 2024، التي انتهت بإعلان مقتل القيادي في التنظيم أسامة العزيزي في 28 يناير/كانون الثاني 2024، الذي قالت اللجان المركزية إنه كان والي التنظيم في الجنوب.

نشط تحالف اللجان المركزية والمجموعات المحلية واللواء الثامن لمعالجة أزمة الخطف أيضًا، ونجح في مارس/آذار 2024 في إطلاق سراح عدة مخطوفين وإعلان القبض على الجهات الخاطفة، وذلك بعد حملات واجتماعات عشائرية وجهت اتهامات الخطف إلى مجموعات في منطقة اللجاة. كما نشطت اللجنة المركزية والمجالس العشائرية في عقد اتفاقيات الصلح العشائري وحل الخلافات المحلية، التي وصلت في كثير من الأحيان إلى اشتباكات مسلحة سقط فيها قتلى دون تدخل من جانب النظام.

ومع ذلك، واجه اللواء الثامن واللجنة المركزية في عدة حوادث انتقادات واتهامات بمداهمة مناطق واعتقال وإطلاق نار على مدنيين أو استهداف منافسين، كما حصل في بلدات المتاعية وأم المياذن واليادودة ومعربة، نتيجة خلافات اللواء الثامن مع مجموعات محلية، أو استباقًا لتهديد النظام باقتحام هذه المناطق بسبب وجود مجموعات من المطلوبين، كما وقع مؤخرًا عند اقتحام بلدة اليادودة ضد مجموعة محمد جاد الله الزعبي، الذي انتهى بمقتله إلى جانب 4 من مجموعته في يناير/كانون الثاني 2024، أو اعتقال اللواء الثامن 3 أشقاء من بلدة المتاعية بسبب خلاف مع شقيقهم المقيم في شمال سوريا في يناير/كانون الثاني 2023.

ظهرت المؤسسات والمبادرات المحلية البديلة عن مؤسسات النظام في عدة مستويات بعد اتفاقية التسوية، رغم عودة مؤسسات النظام إلى المحافظة، إذ لم تشهد المحافظة بعد التسوية تحسنًا على مستوى الخدمات أو حملات التنمية أو إعادة الإعمار. وساهم استمرار الحالة العسكرية والفوضى الأمنية والاعتقالات بشكل متزايد، في تردي الوضع الاقتصادي والخدمي.

كما لم يحاول النظام تقديم مبادرات تنموية في المحافظة كشكل من أشكال المصالحة مع المجتمع، أو لردم الهوة السياسية والوجدانية بينه وبين مهد الثورة ضده، واقتصر على الحملات العسكرية، وبقي العبء الأكبر من تدبير الخدمات على المجتمع المحلي والمبادرات الأهلية وتحويلات المغتربين، وشهدت بلدات المحافظة بداية عام 2023 حملة جمع تبرعات واسعة لتشغيل الخدمات وإصلاح آبار المياه وترميم المدارس، بعد أن لم تقم الدولة بهذه المهمة.

وعلى المستوى القضائي، فقد ظهرت إلى جانب مؤسسات القضاء التابعة للنظام لجان قضائية محلية غير رسمية، وهي استمرار للشبكات الثورية والاجتماعية القديمة، ونشطت خاصة في حل الخلافات المحلية والقضايا المتعلقة بالمجموعات المحلية المسلحة في مناطقها، حيث زاد دور القضاء والصلح العشائري في حل الكثير من القضايا، كما تشكلت محكمة أولية بداية عام 2023 تحت اسم "لجنة التحكيم في حوران" (تُعرف أيضًا بـ "اللجنة الشرعية في ريف درعا الغربي")، التي أصدر وجهاء 9 بلدات في ريف درعا الغربي بيانًا بكونها المؤسسة القضائية الوحيدة التي يحق لها استدعاء أي مطلوب من أبناء هذه القرى، وامتدت القضايا الموكلة بها إلى معظم المحافظة، وتولت المسؤولية – حسب بيان عن عملها – في 45 قضية جنائية واقتصادية تقدم الأهالي بها إليها كبديل عن محاكم النظام.

أما على مستوى المظاهرات، فقد انخفضت وتيرتها بعد الحملة العسكرية الثانية واتفاق التسوية الثاني في سبتمبر/ أيلول 2021، وخلال عامي 2022 و2023، خاصة في أيام ذكرى الثورة. ولكنها عادت للصعود مرة أخرى في مظاهرات ذكرى بداية الثورة السورية في 18 مارس/ آذار 2024، وشهدت المحافظة نحو 20 نقطة تظاهر نهارية وليلية لإحياء ذكرى الثورة، وامتد بعضها إلى أماكن كانت بمنأى عن مظاهرات السنوات السابقة، وكان أبرزها مظاهرة أيقونية في درعا البلد تصدرتها لافتة كُتب عليها "مستمرون"، ورفعت علم الثورة السورية على مئذنة الجامع العمري المعاد ترميمها

لا يمكن الحديث هنا عن أن النظام لا يحكم محافظة درعا، ولا عن أنه يحكمها، فنموذج السيطرة الهجينة والمتداخلة بقي مستمرًا منذ اتفاقية التسوية وحتى هذه اللحظة. ولكن المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام قبل اتفاقية التسوية، شهدت بشكل خاص مستوى أعلى من الحكم المحلي خارج مؤسسات النظام، ورغم دخول مؤسسات النظام بعض هذه المدن والبلدات بنسب متفاوتة، فإن حضوره يكاد يغيب تمامًا عن مناطق مثل درعا البلد وطفس، إلا في أوقات الحملات العسكرية عليها.

درعا: الدليل الحيّ

يبدو مشهد الجنوب السوري، الأكثر تعقيدًا بين المناطق السورية المختلفة، وذلك بسبب الوضع الذي نتج عن اتفاق التسوية، الذي أوجد سيطرة متداخلة واستمرارًا للصراع، ولكن بوسائل أخرى عديدة، وفوضى أمنية، وتدخل أطراف مختلفة كانت هامشية سابقًا، فضلًا عن الأطراف الجديدة، إلى جانب التأثير الإقليمي والدولي الذي ساهم في منع عودة الحرب الواسعة هناك.

أسس التكيّف مع الوضع الجديد بعد اتفاق التسوية نموذجًا جديدًا غير مسبوق في سوريا، واختلفت المواقف حول طبيعة التكيف المثلى مع الوضع الجديد، فاختار قسم من المجموعات الثورية التهجير بدلًا من التسوية والتعامل مع النظام، وتنوعت مواقف القسم الباقي، فاختارت اللجان المركزية الطريق التفاوضي مع روسيا والنظام مع الحفاظ على توجهها المعارض للنظام وخيار السلاح عند الضرورة، واختار قسم ثانٍ أن ينضم إلى أجهزة النظام الأمنية والعسكرية ويصبح ذراعًا لها.

واختار قسم ثالث اللواء الثامن بديلًا محليًّا عن النظام وعن المواجهة، ورفض قسم آخر اللجان المركزية بسبب خيارها التفاوضي أو بسبب التنافس المحلي على الحكم وضبط المشهد في هذه المناطق. كما نشطت في الوقت نفسه، خلايا تنظيم الدولة وعصابات جريمة منظمة ومجموعات خارج الكيانات السابقة، إضافة إلى نشاط المليشيات الأجنبية المدعومة إيرانيًّا في أوقات الحملات العسكرية، وإن كان نشاطها لم يخترق الحياة المدنية في المحافظة كما فعلت في شرق سوريا مثلًا.

حافظت درعا على هويتها السياسية بوصفها محافظة رافضة للنظام، وتمكنت من تنظيم استدامة هذه الهوية السياسية للمجتمع عبر تنظيم الشبكات الثورية والاجتماعية. إلا أنه رغم ثنائية الصراع الرئيسة هذه بين الثورة السورية ونظام الأسد، فإن تعدد التصنيفات والجماعات صنع العديد من الصراعات الهامشية، التي غذّاها عدم وجود سلطة مركزية أو استقرار أمني أو ارتياح اقتصادي؛ مما أبقى وضع الفوضى الأمنية مستدامًا أيضًا.

يقدم المشهد المتداخل وغير المستقر في محافظة درعا دليلًا حيًّا على عجز النظام السوري عن فرض سيطرته على المناطق التي شاركت في الثورة عليه، دون عملية تهجير واسعة للأهالي والفاعلين. ويمثل أيضًا دليلًا على عدم قابلية أو إرادة المصالحة بين المجتمع والسلطة من قبل الطرفين في الحواضن الاجتماعية المسيّسة. كما يقدم دليلًا على استثمار النظام في الفوضى والانفلات الأمني وتغذيتهما؛ مما راكم حالة اليأس والهجرة من المحافظة بشكل متصاعد بعد الحملات العسكرية، وقدّم نقضًا لفرضية قابلية اللاجئين السوريين للعودة إلى المناطق التي انتهت الحرب فيها لصالح النظام السوري. ويمثل هذا المشهد في النهاية إثباتًا لاستدامة الهويات السياسية والانقسامات الجذرية التي نشأت بعد الثورة السورية ضد نظام.

البداية
المقدمة

شرق سوريا.. المنطقة المفتوحة على الاحتمالات

سعد الشارع

كان مارس/ آذار 2019، نقطة تحوّل في المنطقة الشرقية في سوريا، حيث سيطرت "قوات سوريا الديمقراطية (قسد)"، المدعومة من قبل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، على بلدة الباغوز في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور. منهية بهذه السيطرة وجود "تنظيم الدولة الإسلامية" في آخر معاقله الحضرية في منطقة شمال شرق سوريا، وأحكمت من جهة أخرى سيطرتها المطلقة على معظم المناطق التي تقع شرق "نهر الفرات" للمحافظات الثلاث: الحسكة، والرقة، ودير الزور.

وعلى الضفة الغربية من نهر الفرات، وصل النظام السوري والمليشيات الإيرانية وسلاح الطيران الروسي، إلى الحدود العراقية، قبل أن يسيطروا على مدينة البوكمال في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2017. وقد حققت السيطرة على هذه المنطقة حلقة الوصل الجغرافي لمناطق النفوذ الإيراني بين العراق وسوريا، وأصبح الطريق البري الوحيد المسمّى بـ "الهلال الشيعي"، واقعاً غيّر المعادلة الأمنية، وعزز بشدة حضور المليشيات الإيرانية في الجغرافية السورية، وقد انعكس ذلك جلياً في تطور مقدرة هذه المليشيات في المعارك اللاحقة ضد المعارضة السورية، لاسيما في الغوطة الشرقية وحلب.

في الوقت الحالي، يفصل نهر الفرات بين مناطق السيطرة التي تتداخل جزئياً، فعلى سبيل المثال؛ تسيطر المليشيات الإيرانية على سبع قرى في المدخل الشمالي لمدينة دير الزور شرق نهر الفرات.

وقد ازداد هذا التداخل، خاصة بعد معركة "نبع السلام" في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019، التي سيطر فيها "الجيش الوطني السوري" و"القوات التركية" على بلدتي تل أبيض ورأس العين والمنطقة المحصورة بينهما، على حساب "قسد"، التي سهلت دخول أرتال عسكرية للنظام السوري والمليشيات الإيرانية من أجل درء الهجوم، حيث استقرت هذه الأرتال في نقاط عسكرية في عموم المنطقة إلى اليوم. فيما عززت روسيا وجودها العسكري في مطار القامشلي، الواقع على الحدود التركية، وأرسلت سرباً من الطائرات والقاذفات الحربية، وأتاحت لها هذه السيطرة تسيير دوريات مشتركة مع الجيش التركي على "طريق M4".

محاولات البقاء

مضى ما يزيد عن ثمان سنوات ونيف على تشكيل "قسد" في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015، أي بعد عام على تشكيل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في سبتمبر/ أيلول عام 2014. وفيما يبدو، أن الولايات المتحدة الأمريكية قد اختارتها كأداة محلية من أجل محاربة "تنظيم الدولة"، رغم الجهود الكبيرة التي قدمتها فصائل المعارضة السورية آنذاك في قتال التنظيم، لا سيما في البادية السورية والقلمون، لكن هذا الاختيار يُعبر عن استراتيجية غير مستقرة يمكن تبيانها في النقاط التالية:

تتبع "قسد"، التي تشكل "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" عمادها الأساسي، لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي" النسخة السورية لـ حزب العمال الكردستاني؛ العدو الرئيس لتركيا. أما الدعم الذي تقدمه واشنطن لها، فيعرّض العلاقة مع أنقرة؛ حليفتها في "حلف الناتو"، لخطر، إذ اختارت الأخيرة أن تميل لصالح موسكو في بعض الملفات، وهو ما خلق اتفاقاً في وجهة النظر بين روسيا وتركيا وإيران ضد "قسد" و"الإدارة الذاتية".

إنّ إهمال المكون العربي، سواء من قِبل التعاون مع أمريكا لقتال تنظيم الدولة، أو من قبل سياسة "الإدارة الذاتية" و"قسد"، التي تستبعد الشخصيات العربية من صلب القرار وتبقيهم في حالة هامشية غير مؤثرة، يعزز صراعاً قومياً في المنطقة بين العرب والكرد. ورغم تعدد المبادرات المحلية لرأب الصدع المجتمعي، إلا إن الواقع الأمني للمنطقة يفرض تجلياته على مجريات الأحداث، ويجعل من حالة الانقسام المجتمعي هدفاً للأطراف المتصارعة، قبل أن يكون نتيجة حتمية.

لم تكن السياسة الأمريكية احتوائية أو منصفة للمكون العربي، وهذا ما شجع قيادات "قسد" على التمادي في القرارات التي لا تناسب طبيعة المنطقة ذات التكوين العشائري والقبلي والهوية الإسلامية المحافظة، فالتجنيد الإجباري (تجنيد فتيات بعضهن قاصرات)، وإدخال مواد في مناهج التعليم غريبة عن المجتمع، وضعف تقديم الخدمات العامة؛ تؤدي إلى تعميق حالة الانقسام المجتمعي، وتأسيس "مظلومية عربية" من المحتمل انفجارها، مع بقاء الوضع الراهن لفترة أطول.

تندرج "الإدارة الذاتية"  ضمن ما يسمى "مجلس الشعوب الديمقراطي" لإقليم الشمال وشرق سوريا، والذي يضم قرابة 300 عضو. يدير هذا المجلس سبع مقاطعات، هي: الجزيرة، والطبقة، ودير الزور، والرقة، وعفرين، والفرات، ومنبج. كما يضم عشر هيئات تنفيذية وثمان مكاتب، وبعض هذه الهيئات والمكاتب لها فروع في المقاطعات التي تنتخب مجالسها الخاصة.

على سبيل المثال، تنتخب مقاطعة دير الزور مجلس دير الزور المدني، ويحوي كل مجلس على مناطق و"كومينات" (مجالس أحياء). وضمن أدبيات "مجلس الشعوب الديمقراطي"، فإن الرئاسات المنتخبة تكون مشتركة (رجل وامرأة)، وتستفيد "الإدارة الذاتية" من هذا القانون لتعطيل أي قرار، أو دعم أي توجه، حسب رغبات المجلس، وذلك من خلال تسهيل وصول شخصيات للرئاسات المشتركة بما يعرف بـ "الكادرو"، أي كوادر حسب "حزب العمال الكردستاني"، أو الشخصيات التي تلقت تدريبات ودورات في "حزب الاتحاد الديمقراطي".

تُعد "قسد"، المرتبطة بـ "مكتب الدفاع في مجلس سوريا الديمقراطي"، ذراعاً عسكرياً، بينما تعد "الأسايش" (قوات الأمن الداخلي الكردية) ذراعاً أمنياً. وكلا المنظومتين، تحظيان باهتمام ومتابعة بالغة من قبل قيادات حزب العمال الكردستاني، إذ تقسم "قسد" المنطقة إلى مجالس عسكرية، وكل مجلس يحوي عدداً من الساحات، وهي تشكيلات عسكرية أشبه بالكتائب والألوية في الجيوش النظامية، وتفرض مراقبة دقيقة على هذه المجالس كون العنصر العربي هو الأكثر عدداً فيها، عن طريق كوادر "حزب العمال" الذين يشرفون على تدريب العناصر ضمن معسكرات ودورات عسكرية متتابعة.

يواجه مشروع "الإدارة الذاتية" تحديات كبيرة، تزيد من مؤشرات احتمالية فشله، أو عدم تحقيق الجزء الأهم من أهدافه على أقل تقدير، وأهم هذه التحديات:

  • ربط هذا المشروع مع الحضور العسكري الأمريكي غير المضمون في المنطقة، بل إن تصريحات بعض المسؤولين في واشنطن قطعت الجدل بشأن دعم "قسد" بارتباطها بقتال تنظيم الدولة، وأنه لا توجد خطط مستقبلية لتأهيل أو دعم "الإدارة الذاتية"، ومازالت السياسة الأمريكية غير واضحة في كيفية الحفاظ على شكل العلاقة بين الطرفين.
  • سيبقى الخطر التركي قائماً، وقد زادت خطورته بالنسبة لـ "قسد" بعد دخول الجيش التركي للمنطقة (بلدتي تل أبيض ورأس العين)، وتطور المواجهة بتكثيف استهداف قيادات "قسد" و"حزب العمال الكردستاني" في عمق المنطقة، بعد أن كانت مقتصرة على المناطق القريبة من حدودها الجنوبية.رغم محدودية التأثير في الوقت الحالي لقوات القبائل والعشائر، إلا أن مستقبلها ببقائها على إطارها الحالي، غير مضمون. ومع عدم تغيير "الإدارة الذاتية" لسياستها تجاه مكونات المنطقة، ومضيها في تطبيق أفكار لا تعبر عن هوية المجتمع، والقفز نحو مشاريع غير واقعية كان آخرها إقرار وثيقة العقد الاجتماعي، تنذر باحتمالية انتقال المواجهة لمستوى يهدد المنظومة بأكملها.***داخلي*** (ملف سوريا-الشرق

تعتمد "الإدارة الذاتية" و"قسد" على الدعم الأمريكي لها، خاصة العسكري منه، إذ يظهر لدى هذه القوّات عربات وأسلحة ومعدات عسكرية أمريكية. بيد أن المردود المالي الذي تجنيه "الإدارة الذاتية" من النفط والغاز، يُشكل العصب الاقتصادي لها، فهي تسيطر على "حقل العمر" النفطي؛ أهم الحقول النفطية في سوريا، و"معمل غاز كونيكو" وحقول "الجبسة" و"رميلان" و"التنك".

وبينما لا توجد احصائيات دقيقة لكميات الإنتاج اليومي، يقدّر المهندس عبد الناصر الشمري، والذي عمل سابقاً في "حقل الهول" بمحافظة الحسكة، بأن إنتاج النفط يتراوح بين 90-140 ألف برميل يومياً. أما سبب هذا التفاوت الكبير في الإنتاج اليومي، فيعود لعوامل تقنية، إذ يفتقد مكتب النفط الذي يشرف على الحقول، والتابع لـ "مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)"، للخبرات الهندسية الكافية والمعدات اللازمة لعمليات الإنتاج والصيانة. كذلك، فإن العوامل الأمنية تلعب دوراً في كميات الإنتاج التي قد تتوقف نتيجة للعمليات العسكرية قرب هذه الحقول، أو الطرق التي تسلكها صهاريج النفط خارج المنطقة.

تُصدّر "الإدارة الذاتية" جزءاً يسيراً من الإنتاج اليومي لإقليم كردستان شمال العراق، فيما تبيع الجزء الأكبر لمناطق النظام السوري عبر "شركة القاطرجي"، ولمناطق شمال غرب سوريا التي تسيطر عليها "المعارضة السورية".

تسير أرتال الصهاريج من محافظتي الحسكة ودير الزور إلى محافظة الرقة، وتعبر بعدها إلى مناطق النظام السوري، حتى تصل إلى مصفاتي حمص وبانياس في طرطوس. ويمر هذا الطريق من البادية السورية التي يوجد فيها "تنظيم الدولة"، الذي يقوم بهجمات متكررة على هذه الأرتال، فيما تنشط على جانبي نهر الفرات عمليات تهريب للنفط عبر أنابيب بلاستيكية. وطرفا هذه العملية، قادة مجموعات عسكرية يتبعون لـ "قسد" التي تسيطر على بعض الآبار، وللمليشيات الإيرانية التي على الضفة اليمنى من النهر، كما دخلت شخصيات مدنية في هذه العملية كواجهة للمجموعات العسكرية بين الضفتين.

وتُعتبر هذه التجارة -إن صحت تسميتها بذلك- رائجة جداً في سوريا، وهي تحتاج يومياً لقرابة 200 ألف برميل للاستهلاك المحلي، تؤمّن جزءاً منه من البواخر التي تصل إلى مينائي طرطوس واللاذقية، والجزء الآخر من منطقة شرق الفرات. وتشير هذه العملية إلى أن العلاقات الاقتصادية عابرة للوضع الأمني والعسكري، وهي نقطة تعوّل عليها بعض الأطراف في كسر حالة الانغلاق في الجغرافية السورية.

طريقٌ وعرٌ يدعى "الهلال الشيعي"

لعلّ أكبر إنجاز ميداني حققه قائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني، هو السيطرة على مدينة البوكمال (المدينة الوحيدة التي زارها مرتين وألقى فيها ما يُسمى بـ "خطاب النصر") شرق دير الزور، فحقق بذلك حلقة الوصل الجغرافي مع سوريا. وبذلك أيضاً، يكون قد حقق المفهوم العملياتي لـ "الهلال الشيعي"، الذي يمتد من طهران، مروراً ببغداد فدمشق، وصولاً إلى بيروت على البحر الأبيض المتوسط.

***داخلي*** (ملف سوريا-الشرق

وفّرت السيطرة على البوكمال طريقًا بريّا لحركة المليشيات الإيرانية بين سوريا والعراق، وذلك بعد أن اقتصرت سابقًا على الطيران أو الوصول إلى دمشق عبر لبنان. لهذا، أولت طهران اهتماماً كبيراً للمنطقة الممتدة من مدينة الميادين وصولاً إلى مدينة البوكمال (85 كلم تقريباً) على الحدود العراقية، واتبعت استراتيجية شاملة لإحكام السيطرة عليها من خلال التالي:

  • استقرت المليشيات الإيرانية، بأكثر من 130 موقعاً في محافظة دير الزور، ودعمت هذه المواقع بترسانة من الأسلحة الميدانية، ونظمت المليشيات ضمن غرف عمليات ثلاث، قسمت عليها جغرافية المحافظة بشكل كامل. ومن أبرز هذه المليشيات: "حزب الله العراقي"، و"حركة النجباء"، و"لواء أبو الفضل العباس"، و"فرقة العباس القتالية"، و"فاطميون"، و"سرايا الخرساني"، و"زينبيون"، ولواء الطفوف".
  • بموجب العقد الائتماني بين سوريا وإيران، استولت الأخيرة على "البلوك النفطي رقم 12″، والذي يمتد على مساحة كبيرة جنوب مدينة البوكمال. وعلى ذات المنطقة، أنشأت إيران ما يسمى بـ "مجمع الإمام علي"، وهو أكبر قاعدة عسكرية إيرانية في سوريا، وتتحكم هذه القاعدة بالحركة المرورية للمليشيات الإيرانية بين سوريا والعراق، عوضاً عن احتوائها على مخازن أسلحة وغرف عمليات ميدانية للمنطقة الشرقية والبادية.
  • دعمت إيران حضورها العسكري والاجتماعي في القرى السبع شرق نهر الفرات، واستفادت من هذا الحضور في تعزيز دورها في منطقة شرق الفرات.
  • سهّلت إيران عمل المنظمات والجمعيات الدينية، التي تنشر التشيع وتقوم بعمليات تجنيد مجتمعي، مستغلة تدهور الأوضاع الاقتصادية للسكان في المنطقة. يقول ربيع الحسن، مدرس من مدينة الميادين، لـ الجزيرة نت: إن إيران تطبق برنامج تشيع متكامل في المنطقة وتركز على الشرائح العمرية الصغيرة، من خلال إخضاعهم لدورات وكشافة وأنشطة تعليمية.

الغائب الحاضر

بعد فقدان تنظيم الدولة سيطرته على المدن والقرى، انحسر حضوره داخل البوادي السورية، تحديداً في عمق البادية الشامية شرق مدينة تدمر وسط سوريا، والتي تنتهي أطرافها على الضفة اليمنى لنهر الفرات، أما المنطقة الثانية، فجنوب محافظة الحسكة والمتصلة أيضاً بأرياف أقصى شرق محافظة دير الزور. تمتاز كلا المنطقتين بأنهما مفتوحتان على البوادي العراقية، فمن جهة البادية الشامية تتصل مع بادية الأنبار العراقية، وفي شرق الفرات تتصل بالصحراء الغربية للقيارة والشرقاط.

أتاحت الصحراء المتصلة، حركة مرنة للتنظيم، مستفيداً من تعدد القوة الموجودة التي تؤدي إلى فوضى أمنية. كما يتمتع التنظيم بمقدرة على التكيف مع الصحراء، يتفوق بها ميدانياً ضمن منطق "حرب العصابات" و"الكر والفر"، وهو أسلوب يُعبر عن استراتيجية التنظيم بتجنب السيطرة على المناطق المأهولة سكانياً حالياً.

ربما لا تمكّن المقدرة العسكرية للتنظيم من الحفاظ على أي مكتسب ميداني لفترة طويلة. ومن جهة أخرى، فإن نوعية العمليات الحالية تكاد تكون منعدمة التكلفة، سواء من ناحية العنصر البشري أو العتاد العسكري، فجميع العمليات التي نفذها التنظيم خلال الثلاثة أعوام الفائتة كانت بطابع أمني، باستثناء اقتحامه لسجن الصناعة في محافظة الحسكة في يناير/ كانون الثاني عام 2020.

تتنوع عمليات التنظيم بين الاغتيالات المباشرة وتفجير عبوات ناسفة ومهاجمة نقاط وأرتال عسكرية، بالإضافة لهجمات تستهدف صهاريج نقل النفط ومشتقاته. ويُركز التنظيم في هجماته على المليشيات الإيرانية في منطقة غرب الفرات و"قسد" في شرق الفرات، إذ أحصى "المرصد السوري لحقوق الانسان" في الشهر الأول من العام الحالي، 43 عملية للتنظيم، وهو رقم كبير نسبياً، يجعل المعادلة الأمنية للمنطقة الشرقية في سوريا غير منضبطة، وتؤثر بشكل فاعل على التوازن الأمني بين الأطراف المسيطرة عسكرياً. كما أن تعدد عمليات التنظيم يفتح الباب على مصراعيه على إمكانية توظيفها من جهات مختلفة.

ملف سوريا

يُظهر ما سبق نقاط ضعف التنظيم، ويضعه في مرمى الاستهداف المباشر، فالأفضل له العودة إلى التكتيكات القديمة، إلى أسلوب الضرب السريع، والعودة للمناطق شبه الآمنة في عمق الصحراء، إذ يحقق التنظيم بهذه الاستراتيجية حضوراً في المسرح الأمني، وينمّي قدراته القتالية بعيداً عن الحصار والاستهداف المباشر، وتعفيه من تحمل تبعات إدارة المدن والقرى.

كما لا يمكن إهمال الجانب الدعائي الذي يعمل عليه التنظيم بجهد واضح لإعادة بلورة الخطاب العام، فالعمليات التي يقوم بها ضد المليشيات الإيرانية و"قسد" فيها مغازلة غير مباشرة للحواضن الشعبية، التي تعاني من ممارسات الميليشيات و"قسد"، خاصة فيما يتعلق بعمليات التشيع في مدن دير الزور والميادين والبوكمال، أو التغيير الديموغرافي الذي ينتج عن تهميش المناطق العربية في شمال شرق سوريا من قبل "الإدارة الذاتية" و"قسد".

تُسمّى بعض العمليات الأمنية في العرف العسكري للجماعات الجهادية، بـ "الضربات الاقتصادية"، لانعدام تكاليفها. ولأن بعضها يكون فيه غنائم كثيرة، يمول بها التنظيم عمليات أخرى، ويقوم التنظيم بفرض إتاوات أو كما يُعرف محلياً بـ "الخاوة"، على تجار النفط والمستثمرين المحليين في آبار النفط في منطقة شمال شرق سوريا. ومؤخراً، فرض التنظيم "الكلفة السلطانية" كبديل عن الزكاة، ويُجبر بعض التجار ومربي المواشي والمزارعين على تقديم هذه الأموال بعد استلامهم لرسائل نصية على أرقام هواتفهم من عناصر التنظيم المنتشرين في المنطقة، وبدافع الخوف من معاقبة التنظيم يضطر بعضهم لدفع الأموال للتنظيم.

إن أعداد الهجمات الأمنية للتنظيم، تُلغي أي إقرار بأن مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة قد تمت بشكل كلّي. وتشير المؤشرات الميدانية إلى تصاعد تدريجي بنوعية هذه العمليات، مما يُبقي التنظيم كفاعل أمني خطير في المنطقة، يجعل الاستثمار فيه ممكناً من قبل أحد الأطراف الدولية المتواجدة على الأرض. والإشارة هنا تحديداً للولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تتعرض قواعدها العسكرية في السنوات الأخيرة لأي هجوم من قبل التنظيم، بينما تحقق أهداف التنظيم الأمنية في البادية الشامية، قوة ردع متقدمة ضد المليشيات الإيرانية، التي استهدفت مرات عدّة "قاعدة التنف" العسكرية.

القوة الكامنة

اضطرت بعض المجموعات العربية المسلحة، التي انتسب جزء منها سابقاً لـ "الجيش السوري الحر"، للتعاون مع "قسد"، من أجل طرد تنظيم الدولة من منطقة شمال شرق سوريا، وكان لهذه المجموعات دوراً فاعلاً في العمليات الميدانية، لخبرتها السابقة في قتال التنظيم في النصف الأول من عام 2014.

وكان هذا التعاون محل شكّ دائم، بأنه قائم على علاقة مضطربة وغير مستقرة، وأن انتهاءه حتمي. كما زاد من حدية العلاقة بين الطرفين، السياسة التي اتبعتها "قسد" بتهميش القوى العربية وجعل دورها شكلياً، وحرمان المنطقة من الخدمات وإعادة البناء، رغم أنها تُعد الأغنى في سوريا من حيث الثروات الباطنية والزراعية، كما أدى اغتيال بعض القيادات العسكرية العربية بظروف غامضة إلى زيادة حساسية العلاقة بين الطرفين، وصولاً إلى حدث الانفجار في أغسطس/ آب عام 2023.

في ذلك الشهر، اعتقلت "قسد" أحمد الخبيل (أبو خولة)، قائد "مجلس دير الزور العسكري" التابع أساساً لـ "قسد". وهنا تختلف الروايات حول الحقيقة المسببة للاعتقال، فتدعي "قسد" أن الخبيل كان على علاقة مع المليشيات الإيرانية، وأن هذه العلاقة جزء من مؤامرة تستهدف المنطقة، بينما تميل بعض التحليلات إلى أن "قسد" تريد ضرب المكون العربي وإيجاد تبريرات لاقتحام القرى والبلدات في محافظة دير الزور، وهذا ما أيده الشيخ أبو محمد، أحد وجهاء عشيرة الشعيطات في حديثه للجزيرة نت.

تتعزز الرواية الثانية، بأن الخبيل لم يكن على علاقة جيدة مع المشيخة التقليدية لقبيلة العكيدات، التي تنتمي لها عشيرة البكير (عشيرة أحمد الخبيل)، فبعيد اعتقاله مع قيادات من "مجلس دير الزور العسكري" من قبل "قسد"، لم تظهر بوادر اعتراض كبيرة من قبل المجتمع المحلي، إلا من بعض عناصر المجلس وأقربائه. لكن بعد أن قررت "قسد" اقتحام البلدات والقرى في دير الزور، انتفضت العشائر والقبائل في المنطقة، وجرت اشتباكات متقطعة على مدار أسابيع بين الطرفين، تمكنت بعدها "قسد" من الدخول لبلدة ذيبان معقل شيخ قبيلة العكيدات إبراهيم الهفل، ليتحول شكل المواجهة بين الطرفين إلى هجمات تنفذها قوات القبائل والعشائر ضد مواقع "قسد"، والتي استمرت إلى اليوم.

لقد سمح الموقف الأمريكي السلبي في هذه الحادثة، لأطراف أخرى، بالتدخل بطرق متعددة، لا سيما النظام السوري والمليشيات الإيرانية، التي تتواجد غرب نهر الفرات أو داخل منطقة شرق الفرات في القرى السبع. ولم يهتم الجانب الأمريكي بالمبادرات التي طرحها وجهاء المنطقة، مما أجل الحسم في هذه المعركة، وفتح المجال أمام تطور الأحداث مستقبلاً.

ويبدو أن خيار قوات القبائل والعشائر بمواجهة "قسد" حتى النهاية، بات محدداً واضحاً، فلا توجد أي بوادر في الأفق يمكن أن تنهي التصعيد بين الطرفين، بل على العكس، إذ من الممكن أن يكون التصعيد متأثراً بالظرف الأمني من جهة، وبقاء سياسة "قسد" و"الإدارة الذاتية" كما هي من جهة أخرى، وهذا يجعل الباب مفتوحاً لانخراط مجموعات جديدة من أبناء المنطقة في قوات القبائل والعشائر.

المعادلة المستحيلة

تختزل الصورة الحالية للواقع في المنطقة الشرقية، حالة الصراع في سوريا، بل إن هذه الصورة هي الأشمل لشكل التدافع الدولي والإقليمي والمحمّل على أدوات محلية.

تُشكل المنطقة الشرقية ما نسبته 40% تقريباً من مساحة سوريا، وتحوي على 85% من الثروات الباطنية (النفط والغاز)، بالإضافة للثروات المائية والزراعية والحيوانية التي تتصدر هي الأخرى على مستوى سوريا. هذه الميزات يبرز ثقلها الاستراتيجي كعامل أساسي لفرض الاستقرار وإعادة البناء، وهي مفاتيح مستقبلية لا يمكن من دونها الوصول إلى حل للمعضلة السورية.

لهذا، فإنّ الصراع على المنطقة الشرقية ليس هدفه الرئيس السيطرة الاقتصادية من خلال الثروات التي تحتويها -على أهميتها-، بل في مقدرة هذه الثروات على التأثير في صياغة أشكال الحلول واستخدامها كأوراق ضغط وتفاوض.

إنّ تعدد الأطراف الدولية والمحلية ضمن المنطقة، مع اختلاف الأهداف والتوجهات، يجعل من الصعب جداً إيجاد توافقات تمنع التصادم. كما أن التأثير على الملفات الأخرى، سواء على المستوى السوري الداخلي أو على المستوى الخارجي كمعركة "طوفان الأقصى"، يجعل من قواعد الاشتباك هشة وقابلة للكسر، وأي تغير في شكل الخارطة العسكرية والأمنية في المنطقة الشرقية، سوف يؤثر حتماً بباقي المناطق، حتى تلك التي خضعت لاتفاقيات دولية.

تصاعد عمليات تنظيم الدولة، وانفجار الصراع مجددا بين القبائل العربية وقسد، وقطع الطريق البري الذي تسيطر عليه المليشيات الإيرانية بين سوريا والعراق، وتمدد عمليات الجيش التركي شمال منطقة شرق الفرات؛ كلها أحداث متوقعة، تزداد احتمالية وقوعها تدريجياً مع زيادة الاحتكاك السلبي بين الأطراف الدولية والمحلية، وهو ما يجعل المعادلة الحالية للمنطقة الشرقية مستحيلة الاستمرار، لتبقي هذه المنطقة بوابة مفتوحة للاحتمالات.

البداية
المقدمة

كيف تُحكم مناطق الشمال السوري؟

ملف سوريا-الشمال

مقداد الحاج

أفرز الصراع الطويل في الشمال السوري، أنماطاً متقلبة من الحوكمة والتحولات المعقدة. تتأثر هذه الأنماط استجابة للتغيّر في خرائط السيطرة، وذلك وفق عوامل منها: العمليات العسكرية، والحالة الأمنية غير المستقرة، والعوامل الثقافية للسكان، وطبيعة العلاقة بين الفاعلين المدنيين والعسكريين، ومصادر التمويل، والتدخل الخارجي، وتراكمات التاريخ الأخير منذ بدء خروج المناطق عن سيطرة النظام السوري.

بيد أن الاستقرار النسبي في الشمال السوري، منذ المعركة الأخيرة وتدخّل تركيا عسكرياً بداية عام 2020، نتج عنه استتباب السيطرة لكتلتين عسكريتين. وبناء على ذلك، قُسّم شمال غربي سوريا إلى منطقتين، تتمايزان بنمط الحكم والسيرورة والأداء والمستند الشرعي، وهما: منطقة سيطرة "هيئة تحرير الشام" في إدلب وبعض الأرياف المحيطة بها من حلب واللاذقية. و منطقة سيطرة "الجيش الوطني" في ريفي حلب الشمالي والشرقي، وهما منطقتان يقطنهما 6 ملايين نسمة، نصفهم من النازحين والمهجرين.

فراغٌ بحاجة إلى ملء

لفهم المشهد، لا بد من العودة بالزمن إلى منتصف عام 2012، عندما بدأت المناطق بالخروج عن سيطرة النظام السوري، إذ تطلب الواقع الجديد من الفاعلين المدنيين، الذين كانوا حينها معروفين باسم "التنسيقيات" والعسكريين المتمثلين بـ "الجيش السوري الحر" وبعض الكتائب الصغيرة ذات التوجه السلفي الجهادي؛ ملء الفراغ الناتج عن توقف مؤسسات النظام الحكومية. أدى هذا إلى تشكّل ما بات يعرف بـ "المجالس المحلية"، بينما اختلفت آليات التشكيل واعتباراتها من مكان إلى آخر، وهو ما يرتبط بالتمثيل العائلي أو العشائري والكوادر ومساحة تدخل العسكر ومصادر تمويل المشاريع.

طرأت تطورات على آليات تشكيل وعمل المجالس المحلية، التي أخذت تمارس وظائف الدولة، وغلب عليها الطابع الخدمي ضمن الحيز الإداري. وفي عام 2013، خضعت الهيكلية والتبعية لـ "الحكومة السورية المؤقتة"، التي شُكّلت بتكليف من "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، وبذلك بات الائتلاف هو السلطة التشريعية والحكومة المؤقتة هي السلطة التنفيذية.

نجحت بعض المدن والبلدات في حلب وإدلب، بإجراء انتخابات عامة لأعضاء المجلس المحلي، ومن ثم انتخاب الأعضاء لرئيس المجلس. ومع أن الفكرة لاقت استحسان المكونات الثورية والأهالي، إلا أنه لم يجرِ تعميمها، وبقيت الغالبية العظمى من المجالس المحلية تخضع للتوازنات والتوافقات وتدخل الفصائل العسكرية. وفي حالة وسط، كان تُحصر خيارات الناخبين في الوجهاء والأكاديميين والناشطين والتجار، فلا تكون انتخابات عامة.

وشهدت المجالس المحلية في الشمال السوري تطوراً في الأداء، وتحديداً مع تشكيل المنظمات التنموية والإغاثية والإنسانية وبدء التمويل الأجنبي من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية، فخضع أعضاء المجالس المحلية لدورات تدريبية وتأهيلية، ولعبت المجالس دور المسيّر والمشرف على المشاريع التنموية والإغاثية والخدمية التي تنفذها المنظمات.

لاحقاً، تدفق التمويل الأجنبي للمجالس المحلية لتنفيذ مشاريع البلديات، مع تفاوت في كمية التمويل لكل مجلس، وذلك بناء على العلاقات الشخصية التي تربط رئيس المجلس بمدراء المنظمات، وتقييم الداعمين لرئيس المجلس وكوادر المجلس وأدائهم وخبراتهم، وما إذا كانت المنطقة ضمن نطاق اهتمام الجهة الداعمة أم لا، إضافة إلى تصنيف الفصيل العسكري المسيطر ومدى تدخله بالعمل المدني.

وقد انعكس دخول التمويل الأجنبي بشكل كبير على معيشة الأهالي، فتحولت الكثير من مشاريع المياه والإصحاح والكهرباء والشوارع إلى مشاريع مستدامة، بعد أن بدأت المجالس المحلية بجباية جزء من التكلفة أو المصاريف التشغيلية للمشاريع من السكّان .

أما من ناحية السيطرة العسكرية والأمنية، فكانت الفصائل العسكرية بداية خروج المناطق عن سيطرة النظام السوري، تنأى بنفسها عن التدخل في العمل المدني، وتنشغل في معارك الهجوم والدفاع، بينما أفرزت الفصائل العسكرية خلال الفترة بين 2012 – 2016 كيانات أمنية متمثلة بالشرطة والأمن. ثم خضعت ما كانت تسمى بـ "الشرطة الحرة" لوزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة، وتلقت دعماً لوجستياً من "دول أصدقاء الشعب السوري" للاضطلاع بمهامها وتحقيق أكبر نسبة ممكنة من الأمان، مع بقاء الكيانات الأمنية التي تتبع للفصائل العسكرية الكبرى، تلعب دور المخابرات العسكرية.

في المقابل، لم تطرأ تحولات كبيرة على السلطة القضائية خلال الفترة الواقعة بين 2012 – 2016، إذ كان النمط السائد وجود محاكم أو هيئات شرعية غير مستقلة، تتبع للفصائل العسكرية الكبرى، مكونة من مشايخ وشرعيي الفصائل، تفصل في الخلافات وتعقد الأحوال المدنية وتدير بعض السجون. بينما أُسّست محاكم خاصة للخلافات الكبرى من مجموعة من الشرعيين. إضافة لمبادرات نتج عنها تشكيل منظومات قضائية حقيقية تعمل بالقانون العربي الموحد، ثم القانون العربي السوري، بمرجعية دستور عام 1950، توجد في مناطق محددة تخضع لسيطرة فصائل من الجيش الحر.

ملف سوريا-الشمال(السيطرة)

خريطة السيطرة في شمال غربي سوريا (2012-2016)

أخذ اللون الأخضر في خريطة السيطرة شمالي سوريا يتوسع من الحدود التركية وصولاً إلى النصف الشرقي لمدينة حلب منتصف عام 2012، ووصلت معارك التحرير من ريفي حلب الغربي والجنوبي إلى مشارف المدينة دون دخولها من هاتين الجهتين، ويتصل ريفا حلب الغربي والجنوبي مع أرياف إدلب التي باتت تحت سيطرة الفصائل العسكرية أيضاً.

لقد كانت منطقة كفر حمرة المتاخمة للزاوية الشمالية الغربية لمدينة حلب، نقطة الوصل بين القسم الشرقي من مدينة حلب الخاضع لسيطرة الفصائل، وريفيها الغربي والشمالي؛ وهو ممر ضيق لوجود قريتي نبل والزهراء الشيعيتين المحاصرتين من الجهات الشرقية والشمالية والجنوبية، ما عدا الجهة الغربية المفتوحة على مناطق سيطرة "وحدات حماية الشعب" في منطقة عفرين.

لاحقاً في عام 2016، سيكون ممر كفر حمرة نقطة تحول كبيرة، عندما تصل قوات النظام إلى مشارفه في معركة حصار حلب، بينما تتقدم "قوات نبل والزهراء" و"وحدات الحماية" لتفصل بين ريفي حلب الشمالي والغربي. ثمّ، ومع نهاية العام، وقع تهجير حلب.

أما محافظة إدلب، فتوسعت سيطرة الفصائل فيها بشكل سريع، حيث سيطرت على المحافظة باستثناء بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين المحاصرتين، وعلى الشريط الذي كان يمتد من مدينة إدلب إلى مدينة جسر الشغور ومن ثم جبال اللاذقية، مروراً بمدينة أريحا، ثم استكملت الفصائل سيطرتها على كامل المحافظة بعد تشكيل "جيش الفتح".

وفيما يخصّ تركيا، فيرتبط الشمال السوري معها بأربعة معابر حدودية برية، هي: باب الهوى، وباب السلامة، والراعي، وجرابلس، بينما استحدثت تركيا مع بداية عام 2020 معبر الحمام في جنديرس. وهذه المعابر هي ممر المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية، ومنها أيضاً يدخل إلى تركيا التجار المسجّلون والعاملون في المنظمات والمجالس المحلية والفصائل العسكرية فقط، بناء على قوائم محدّدة سلفاً.

مناطق سيطرة الجيش الوطني

درع الفرات.. نقطة التحول

سارع الجيش التركي بالتدخل العسكري في ريف حلب الشمالي في أغسطس/آب 2016، بعدما عبرت وحدات حماية الشعب الكردية إلى الضفة الغربية لنهر الفرات، وسيطرت على مدينة منبج ضمن معاركها مع التحالف الدولي للقضاء على "تنظيم الدولة". بهذا، دخلت أول أرتال الجيش التركي من مدينة جرابلس على الضفة الغربية من نهر الفرات، لمنع ربط الكانتونين الكرديين في عين العرب (كوباني) وعفرين، ولطرد تنظيم الدولة الذي كان يسيطر على كامل ريفي حلب الشرقي والشمالي باستثناء مدينتي أعزاز ومارع وبعض القرى المحيطة بها.

انتهت عملية "درع الفرات" في مارس/ آذار 2017 بطرد تنظيم الدولة من مدينة الباب، بينما أسس الجيش التركي قواعد عسكرية في مناطق متفرقة.

وفي هذا السياق، دعمت تركيا الفصائل وزودتهم بالسلاح الخفيف والمتوسط والآليات، وظهرت فصائل عسكرية جديدة بمسميات جديدة، يقودها أشخاص كانوا ضمن الفصائل التقليدية الأساسية في الصفين الثاني والثالث، وربما أقل. وفي آخر يوم من عام 2017، أعلنت وزارة الدفاع في "الحكومة السورية المؤقتة" عن تشكيل "الجيش الوطني السوري"، باتحاد 30 فصيلاً عسكرياً ضمن 3 فيالق.

استكملت تركيا مع الفصائل الجديدة وعدد من الفصائل التقليدية، المعارك، فأطلقت عملية "غصن الزيتون" في 20 يناير/ كانون الثاني عام 2018، لطرد "وحدات الشعب الكردية" من منطقة عفرين، وقد حققت المعركة التي امتدت إلى شهرين وبضعة أيام، أهدافها. وربّما تكمن أهميتها الكبيرة، في وصل ريف حلب الشمالي بالريف الغربي المتصل مع إدلب، وذلك بعد عامين من الانقطاع الجغرافي.

تغير الأولويات والتدخل التركي في الإدارة

شيئاً فشيئاً، وتحديداً بعد عملية درع الفرات، أخذت الفصائل العسكرية المستحدثة بالنمو، فيما بدأت معالم التحكّم بها من قبل الأتراك بالظهور، كالتحكم بالتمويل بالمال والسلاح والذخيرة وبثقل وتوزيع الفصيل الجغرافي وعدد عناصره. هذا وراتب العنصر الواحد لم يكن يتجاوز الألف ليرة تركية (نحو 31 دولار)، ولاحقاً في فبراير/ شباط عام 2024 ارتفع إلى ألفي ليرة تركية (نحو 62 دولار).

كما أبقت تركيا على غطاء الجيش الوطني ووزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، رغم عدم وجود أي قرار وفعل حقيقي للوزارة والحكومة.

ومع سيطرة الجيشين الوطني السوري والتركي على المنطقة، وتعرض الأخيرة لهجمات دورية من "تنظيم الدولة الإسلامية" و"قوات سوريا الديمقراطية – قسد"، وتبلور مشروع وجود تركي طويل الأمد لغايات الأمن القومي وغايات سياسية تتعلق بالملف السوري، تبدلت أولويات المنطقة من الأولوية الخدمية إلى الأولوية الأمنية، فأعادت تركيا والفصائل العسكرية تشكيل "المجالس المحلية".

فدرالية بثلاثة مراكز تركية

أحكم الجانب التركي سيطرته على إدارة مناطق الجيش الوطني، وأوكلت مهمة تنظيم وإدارة المنطقة إلى الولاة الأتراك وجهاز المخابرات التركية، في حين بقيت مهمة الجيش التركي محصورة بالدفاع عن المنطقة عسكرياً. وعلى أساس ذلك، قُسمت مناطق الجيش الوطني إداريا لثلاث مناطق، تتبع كل واحدة منها لولاية تركية، وهي ولايات: هاتاي، وكلس، وغازي عنتاب، ولكل والٍ تركي مبعوث للطرف السوري يعرف باسم "المنسّق".

بدأت عملية إعادة تشكيل المجالس المحلية باعتبارها السلطة المدنية في العام 2017، وانتهت إعادة التشكيل في العام 2018. تبدأ العملية بتقديم العائلات والفصائل والأعيان قوائم المرشحين، وهنا تكون الكلمة العليا للفصائل العسكرية، ثم تخضع القائمة الأولى للتوافق والمحاصصة على حساب الكفاءة لتقليص العدد (لكل مدينة و بلدة عدد محدد من الأعضاء بحسب عدد السكان). بعدها تُقدم قائمة أعضاء المجلس وأسماء المتوافق عليهم لرئاسته، إلى الجانب التركي لدراستها أمنياً وتقديم مقترحاته أو طلب تغييرات في القائمة قبل منح الموافقة النهائية. وفي بعض المناطق المختلطة عرقياً، مثل مناطق الوجود الكردي أو التركماني، يُراعى هذا التنوّع في الترشيحات والعضويات.

يتفاوت سوء هذه العملية من مدينة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال شهدت مدينة الباب، وهي أكبر الحواضر في مناطق الجيش الوطني، خلافات ومظاهرات واقتتال، ويزيد من تعقيدات الحالة، أن نصف سكان الباب تقريباً من المهجرين من خمسة مناطق سورية، بالإضافة إلى عدم وجود فصيل واحد يتفرد بالسيطرة فيها. في المقابل، يمكن تصنيف مجلس مارع واعزاز بالحالات الأكثر نجاحاً وكفاءه، بحكم وجود فصيل واحد مسيطر عليها منذ بداية الحراك المسلح، وبحكم العلاقة الجيدة نسبياً بين العسكر والمدنيين.

أما عن توزع الفصائل العسكرية التابعة للجيش الوطني، ففي منطقة أعزاز يعتبر الدور الفاعل لفصيلي "لواء عاصفة الشمال" و"الجبهة الشامية"، وفي منطقة الراعي لـ "فرقة السلطان مراد"، وفي جرابلس لـ "الفرقة التاسعة" و"أحرار الشرقية"، وفي الباب وبزاعة وقباسين لفرقتي "الحمزة" و"السلطان مراد"، وفي مارع لـ "فرقة المعتصم" و"الجبهة الشامية"، بينما في منطقة عفرين يكون تدخل الفصائل أقل مقارنة بالدور التركي البارز في إدارة المنطقة.

تكمن المشكلة الكبرى في هذه الآلية المتبعة، بأن المحاصصة تكون على حساب الكفاءة، إذ ثمّة أعضاء مجالس محلية لا يحملون شهادة علميّة أكثر من الصف التاسع أو الثانوية العامة. هذا إضافة إلى أن الموافقة النهائية عند الجانب التركي، تخلق حالة من التملق على حساب الأداء، وتشكل دورة فساد لضمان الاعتماد الدائم.

وبناء على ما سبق، يمكن القول إن صوت الشعب غائب تماماً في تشكيل المجالس المحلية، لعدم وجود انتخابات عامة، رغم إمكانية تنفيذها، أو على الأقل عدم وجود هيئة انتخابية واسعة تمثل جميع السكان.

خلقت هذه الحالة الإدارية سخطاً على المستوى الشعبي وعلى مستوى الكفاءات، التي إما غادرت المنطقة أو التحقت بالمنظمات.

لقد توسعت صلاحيات المجالس المحلية لتصبح الحاكم المدني للمدينة، ولتشبه بذلك صلاحيات ومهام الولاية في تركيا، فلم يعد يقتصر عملها على المهام الخدمية أو أعمال البلدية، ولكنها أنشأت مكاتب إدارية، مثل المكتب الخدمي والمكتب التعليمي والمكتب الطبي وغيرها. كما بدأت معظم المجالس المحلية بالابتعاد عن الحكومة المؤقتة، وأخذت تصدر قرارات دون مرجعية منها، ولذلك تختلف القوانين والقرارات من مدينة لأخرى. ويرجع هذا الاختلاف الملاحظ، إلى أن المنطقة مقسمة بالتبعية الإدارية والحوكمية إلى ثلاث ولايات تركية.

كانت آخر نتائج هذه الحالة من الإدارة، والتي أثارت جدلاً واسعاً، إعلان مجلس جرابلس المحلي (بالتعاون مع ولاية غازي عنتاب) نهاية عام 2023 عن فتح معبر جرابلس الحدودي أمام اللاجئين السوريين في تركيا، لزيارة الشمال السوري لمدة شهر مقابل 200 دولار أميركي للشخص الواحد. وبعد استنكار من الناشطين والائتلاف والحكومة المؤقتة، عدل المجلس عن قراره وألغى إمكانية الزيارة.

في الوقت ذاته، تتجدد أزمة أسعار الكهرباء في المنطقة، إذ تتفاوت من مجلس لآخر، على الرغم من استجرار الكهرباء من شركتين تركيتين.

وفوق ذلك، تغيب آليات الرقابة عن أعمال ومشاريع المجالس المحلية، ما فاقم حالات الفساد بمبالغ طائلة. الأمر الذي يؤدي إلى تناحر العائلات على منصب رئيس المجلس المحلي مثلاً، كما حدث من اقتتال قبل أشهر في بلدة كفرة، والذي سقط فيه قتلى وأُحرقت منازل وهُجّرت عائلات بأكملها.

هذا الواقع لم يكن مشجعاً للمنظمات الإغاثية والتنموية والإنسانية للعمل في منطقة سيطرة الجيش الوطني. وكذلك الأمر مع منظمات المجتمع المدني، التي لكي تنفّذ مشاريعها، باتت بحاجة لموافقة تركية أو مشاركة منظمات تركية أو الخضوع لإشراف رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ التركية ( AFAD). في المحصّلة، أدى كلّ ذلك لخسارة المنطقة كثيراً من المشاريع.

بينما تتنوع مصادر تمويل المجالس المحلية، إذ تدفع تركيا رواتب الموظفين، وتنفذ المجالس مشاريعاً في البنية التحتية ومشاريعاً تنموية من عائدات ضرائب المعابر الحدودية ومن الرسوم والضرائب التي تُجبى في المنطقة، كما تنفذ المجالس مشاريع بالتعاون والتنسيق مع منظمات سورية أو تركية.

وفي عام 2019، تسلّم عبد الرحمن مصطفى (تركماني) رئاسة الحكومة السورية المؤقتة، وحاول خلال ذلك إحداث اختراقات في منطقة سيطرة الجيش الوطني على مستوى الفصائل العسكرية والمجالس المحلية، فعزز علاقته مع قائد "فرقة الحمزة" وقيادات آخرين في الجيش الوطني وبعض رؤساء المجالس المحلية. وبدعم تيارات من الجانب التركي، تمكن مصطفى من إعادة بعض صلاحيات حكومته التي كانت مفقودة، تحديداً في ملفي التعليم والقضاء، فزاد مثلاً من حضور وزير الدفاع، وإن كان على الصعيد الشكلي والرمزي.

وفي مطلع العام الجاري، لاحظ الجانب التركي أن الاستمرار في آليات العمل المدني والإداري بهذا الشكل، يعيق عملية التنمية، بما يتنافى مع خطة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان؛ بإعادة مليون لاجئ سوري إلى سوريا. هكذا، أصبحت الأولوية للتنمية بعد أن كانت للأمن. ومن المتوقع قريباً، تعيين منسق تركي واحد، وإنهاء حالة الانقسام على ثلاث ولايات.

الجيش الوطني والأمن

على الرغم من تشكيل الجيش الوطني السوري بتنظيم ودمج عدد كبير من الألوية والكتائب وتبعيته رسمياً لوزراة الدفاع في الحكومة المؤقتة، إلا أن دور الوزارة رمزي بالكامل. لهذا، شهدت المنطقة فلتاناً أمنياً خطيراً، وباتت الاشتباكات والاقتتال بين الفصائل شبه يومية في العامين 2018 و2019.

ومع انتهاء المعارك، انتقلت الفصائل لتقاسم الغنائم، وكانت الغنيمة الكبرى متعلقة بمعابر التهريب مع مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة "قسد"، لإدخال المحروقات والبضائع والبشر، وكذلك المعابر الحدودية الرسمية بين سوريا وتركيا، والتي تدر شهرياً ما يزيد عن مليون دولار أميركي.

وفي عام 2021، كانت حرب المعابر قد انتهت تقريباً بسيطرة الفصائل الكبرى على معابر التهريب، فبات لكل منها معبراً محدداً، إضافة إلى سيطرتها على معابر رسمية مع تركيا. وتفادياً لعودة الاقتتال، جرى الاتفاق بينهم، فيما يتعلق بالمعابر الرسمية، على نسب معيّنة، بحيث يحصل الفصيل العسكري المسيطر على المعبر على نصف الواردات، بينما يعود الربع الأول للمجالس المحلية والربع الثاني للحكومة المؤقتة و"عائلات الشهداء".

كان الصراع في هذه الفترة بين كتلتين عسكريتين:

الأولى: "الفيلق الثالث"، وعموده الفقري "الجبهة الشامية"، التي كان عمودها الفقري قبل عملية درع الفرات "لواء التوحيد"، الذي كان يقوده عبدالقادر الصالح. والجبهة الشامية من الفصائل الأصيلة في المنطقة، والناشطة بداية العمل المسلح، ولها هيكلة واضحة ومجلس قيادة ومجلس شورى. ويرفض الفيلق الثالث مشاركة مقاتليه في المعارك خارج سوريا، مثل ما حدث في ليبيا وأذربيجان وإفريقيا، وذلك على عكس الكتلة الثانية التي قامت بهذه المهمة لصالح تركيا.

الثانية: "الفيلق الثاني"، وعموده الفقري 3 فرق مستحدثة بعد درع الفرات، وهي الأكثر اعتماداً من الجانب التركي:

  • فرقة السلطان مراد، والتي يقودها فهيم عيسى (تركماني).
  • فرقة الحمزة، والتي يقودها سيف بولاود (تركماني).
  • فرقة سليمان شاه، ويقودها محمد جاسم الملقب بـ "أبو عمشة"، وهو قائد كتيبة صغيرة سابقاً في سهل الغاب بريف حماة.ملف سوريا-الشمال

هكذا، ما إن انتهى عام 2021، حتى اكتملت خريطة سيطرة الفصائل، فيما بدأت الأخيرة بعملية هيكلة وتنظيم، فأخضعت مقاتليها لمعسكرات تدريبية، وفعّلت مبدأ المحاسبة بشكل أكبر. مع ذلك، انتقل بعدها معظم قادة الفصائل للاستثمار والعمل التجاري والصناعي ومشاركة التجار والصناعيين، مستغلين سطوتهم ورغبة أصحاب الأموال بوجود ظهير عسكري لأعمالهم، ثم انتقلت هذه الدورة الاقتصادية الفاسدة لمرحلة احتكار الفصائل للقطاعات الرابحة.

منذ بدء معركة درع الفرات ومن بعدها غصن الزيتون، والفصائل العسكرية تنشر حواجز التفتيش على مداخل المدن والبلدات وعلى الطرق الرئيسية، وقد تسببت هذه الحواجز باقتتال وإزعاج للسكان، نتيجة للمعاملة السيئة وفرض الإتاوات على التجار.

غير أن أسوأ عام شهدته المنطقة من الناحية الأمنية، كان 2020. حيث كانت تفجيرات "تنظيم الدولة" و"قسد"، تضرب الأسواق والحواجز بشكل نصف أسبوعي، فخلّفت مئات القتلى والجرحى. لذلك، سارعت تركيا والجيش الوطني لترقيع الخلل الأمني، فأحيلت إدارة الحواجز للشرطة العسكرية. لكن الشرطة العسكرية لكونها أصلاً مكوّنة من الفصائل العسكرية الموجودة، بقيت كل مجموعة من الشرطة العسكرية موالية للفصيل الذي كانت فيه، وهو ما عرقل التجربة في البداية، بيد أنّه بعد العمل على فك الارتباط القديم، وهيكلة الشرطة العسكرية بشكل أفضل، حلت أزمة الأمن والحواجز بنسبة جيدة.

وفي هذا الصدد، نشطت المخابرات التركية والأجهزة الأمنية في الفصائل العسكرية في عامي 2021 و2022، ضد خلايا "تنظيم الدولة" و"قسد"، وتمكنوا من تفكيك معظمها، فكان عام 2023 هو الأفضل من الناحية الأمنية.

إنّ الجيش الوطني مرهون بقرار تركيا في السلم والحرب، لأن الأخيرة أصبحت هي الجهة الدولية الوحيدة الداعمة لها بالمال والسلاح، وذلك بعد أن أغلق الرئيس الأميركي وقتها دونالد ترامب، عام 2017، مشروع الـ سي آي أي لدعم الفصائل العسكرية بالمال والسلاح؛ ولأن تركيا أيضاً أمّنت الحماية للمنطقة بعد تفاهمات مع روسيا وإيران، ونشرت عدداً كبيراً من قواتها داخل سوريا.

دخول هيئة تحرير الشام.. آخر المتغيرات الكبرى

ضجت المنطقة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، باغتيال الناشط "محمد عبد اللطيف أبو غنوم" وزوجته الحامل في مدينة الباب، برصاص ملثمين. على إثرها، تحرك "الفيلق الثالث" وعماده الجبهة الشامية، للتحقيق في الحادثة، واكتشف أن فرقة الاغتيال تتبع لـ "فرقة الحمزة" (أحد أكبر الفصائل المستحدثة بعد درع الفرات)، فداهمت مقرات الفرقة للقبض على المجرمين، ونشر الفيلق أدلة -بالصوت والصورة- على تورط قيادة الفرقة بالاغتيال.

كانت حادثة اغتيال أبو غنوم وتحرك الفيلق الثالث، الشرارة التي ستشعل حرباً ستسمرّ لعام كامل، وسوف تغيّر من التحالفات وخريطة سيطرة الفصائل.

إعلان

دخلت قوات كبيرة لـ "هيئة تحرير الشام" للمرة الأولى إلى مناطق سيطرة "الجيش الوطني"، ووصلت مشارف مدينة عفرين، ثم التقت بقوات فرقتي "الحمزة" و"سليمان شاه" في عفرين. هاجمت هذه القوة الكبيرة مدينة اعزاز موطن ومركز "الفيلق الثالث"، كما هاجمت كتائب صغيرة متحالفة مع الهيئة مقرّات الفيلق الثالث في محيط الباب، واستمرت المعارك العنيفة على أطراف أعزاز لأشهر، تدخل بعدها الجيش التركي وأجبر القوة المهاجمة على العودة.

هذه المعركة كشفت عن تحالف خفي بين الفرقتين وهيئة تحرير الشام، لتتغلغل الأخيرة في المنطقة. كما أن تدخل الجيش التركي، وعدم تدخل المخابرات، لوقف هجوم الهيئة وطردها من المنطقة، أثار الشكوك بوجود تيارين غير متفقين على بعض الجزئيات.

بعد أن فشلت هيئة تحرير الشام بهجومها، بدأت عملية ناعمة لاختراق صفوف الفيلق الثالث وإحداث انشقاقات فيه، قبل ضم المنشقين لحلفها في المنطقة. لكن هذا المخطط الناعم، الذي كان يديره أحد أكبر قيادات هيئة تحرير الشام العراقي "أبو ماريا القحطاني" ومساعده السوري "أبو أحمد زكور" (رفيقي درب الجولاني من العراق إلى سوريا)، انتهى بعد أن اعتقلت الهيئة القحطاني بتهمة التدبير لانقلاب، ثم حاولت اعتقال زكور من مدينة اعزاز وفشلت في ذلك.

ومنذ أشهر قليلة، ومؤشرات جديدة آخذة بالظهور: انفكّ العقد بين الهيئة وفرقتي الحمزة والسلطان سليمان شاه، وضربت الخلافات والانشقاقات صميم الجبهة الشامية، فيما بدأ الجانب التركي بضبط التحالفات الجديدة. أيقن الأتراك أن اختراق "هيئة تحرير الشام" للمنطقة، خلل يمس أمن تركيا القومي. لذا ألزمت وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة جميع الفصائل الصغيرة غير المنضوية تحت أحد فيالق الجيش الوطني، بالانضمام إليها، وهددت بضرب الرافضين بصفتهم "خارجين عن القانون". فيما بدت هذه الخطوة، كمحاولة لإنهاء نفوذ "تحرير الشام" عبر هذه الفصائل الموجودة في ريف حلب الشمالي، وهي "تجمع الشهباء و"أحرار الشام – القطاع الشرقي" و"الفرقة 50″ و"حركة نور الدين الزنكي". ولهذا فقد تشهد المنطقة في الوقت القريب، استقراراً أكبر على مستوى الفصائل والسيطرة.

مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام

استفراد هيئة تحرير الشام بالحكم

شنت "جبهة النصرة" منذ عام 2014، سلسلة هجمات منظمة وواسعة ضد فصائل "الجيش الحر" في إدلب وحلب وحماة. ثم في مارس/آذار عام 2015، شكلت الفصائل العسكرية الإسلامية وفصائل الجيش الحر في إدلب؛ "جيش الفتح"، الذي وسّع مساحات السيطرة بسلسلة من المعارك الكبيرة، التي شملت مدن إدلب وأريحا وجسر الشغور، لتكسب جبهة النصرة حينها شعبية واسعة.

انبثق عن "جيش الفتح" لجنة مدنية لإدارة وحكم المدن المحررة الجديدة، بينما كانت مدينة إدلب التحدي الأبرز. وحاولت جبهة النصرة تحويل غرفة عمليات "جيش الفتح" إلى فصيل عسكري جامع، تندمج فيه جميع الفصائل، وتتمترس النصرة بداخله تفادياً لتصنيفها بالإرهاب.

كانت معركتي فك الحصار عن مدينة حلب (أغسطس/ آب – نوفمبر/ تشرين الثاني 2016) آخر معارك "جيش الفتح". ثمّ لاحقاً، وبعد تهجير فصائل وأهالي حلب نهاية العام نفسه، أطلقت تركيا وروسيا وإيران "مسار أستانا" في 23 يناير/ كانون الثاني 2017، وانبثق عنه اتفاق خفض التصعيد.

في اليوم الثاني من "أستانا 1″، هاجمت جبهة النصرة، التي غيرت اسمها حينها لـ "جبهة فتح الشام"، خمسة فصائل كبرى، بحجة مشاركة الأخيرة في "أستانا" وتوقيعها على شرط قتال جبهة النصرة. وبعد فترة من الاشتباكات، أعلنت هذه الفصائل انضمامها إلى "حركة أحرار الشام الإسلامية" للاحتماء بها. ومن جانبها، شكلت جبهة فتح الشام مع فصائل أخرى؛ "هيئة تحرير الشام" في 28 يناير/ كانون الثاني عام 2017. وكان من اللافت انضمام "حركة نور الدين الزنكي" للهيئة الجديدة، والزنكي فصيل جيش حر أصيل، معقله ريف حلب الغربي، وسبق أن دخل بتحالفات كثيرة مؤقتة ومصلحية.

أما حركة أحرار الشام، فقد تحوّلت إلى الاعتدال أكثر فأكثر، وقدمت نفسها كخيار ثوري وطني سني، ورفعت علم الثورة السورية، وتوجهت أكثر للدبلوماسية في عملها السياسي. وبعد مبادرات مختلفة، ودعوتها وفصائل أخرى لأكاديميين وناشطين لإدارة مدنية للشمال السوري، هاجمت هيئة تحرير الشام منتصف عام 2017 حركة أحرار الشام الإسلامية، وسيطرت على معظم مناطق سيطرة الحركة ومقارها، ثم سيطرت على مقر الحركة الرئيس وأبرز مصدر لتمويلها؛ "معبر باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

انشقت حركة الزنكي عن الهيئة بعد هجوم الأخيرة على حركة أحرار الشام. وفي فبراير/ شباط عام 2018، شكلت حركة الزنكي وما تبقى من حركة أحرار الشام؛ "جبهة تحرير سوريا". كما شكلت في مايو/ أيار عام 2018، مع ما تبقى من فصائل الجيش الحر، أبرزها "فيلق الشام" المدعوم تركياً؛ "الجبهة الوطنية للتحرير". وفي أغسطس/ آب عام 2018، انضمت جبهة تحرير سوريا للجبهة الوطنية للتحرير.

كانت آخر هجمات هيئة تحرير الشام على الفصائل الأخرى ضد حركة الزنكي، رغم أن الأخيرة كانت منضوية تحت الجبهة الوطنية للتحرير، لكنها تُركت وحيدة لتواجه الهجوم. وبعد اشتباكات ومعارك عنيفة استمرت لأشهر، وفي مطلع العام 2019، تمكنت هيئة تحرير الشام من السيطرة على معاقل الزنكي، لتتفرد مذ ذاك اليوم بمناطق سيطرتها الحالية في إدلب وريف حلب الغربي، دون أن تنازعها في ذلك الجبهة الوطنية للتحرير، التي انشغلت بالعمل العسكري.

حكومة الإنقاذ.. ذراع مدني للهيئة

في الجولة السادسة من "أستانا" منتصف أيلول/ سبتمبر 2017، اتفقت الدول الضامنة على ضم منطقة إدلب لمناطق خفض التصعيد، وتشكيل نقاط مراقبة لوقف إطلاق النار، فأعلنت هيئة تحرير الشام رفضها مخرجات الاجتماع، وأطلقت معركة فاشلة في ريف حماة الشمالي، تبعها موجة قصف روسي كبيرة. عدلت الهيئة عن رفضها مخرجات "أستانا" بعد شهر، عندما دخل أول رتل عسكري تركي إلى إدلب لاستطلاع المواقع التي سيقيم فيها نقاط المراقبة بمرافقة من الهيئة.

وبعد يومين من "أستانا 6″، عقدت شخصيات مدنية وعسكرية "المؤتمر السوري العام" في إدلب برعاية غير رسمية من هيئة تحرير الشام. حضر المؤتمر شخصيات مدنية وعسكرية وممثلي هيئات تتفاوت انتماءاتهم بين مناهض للهيئة وموارب لها ومناصر لها. وكانت أبرز مخرجاته، تشكيل هيئة تأسيسية لتسمية حكومة في الداخل تقصي الحكومة السورية المؤقتة. ومن هنا، صدرت النسخة الأولى من "حكومة الإنقاذ"، على أنقاض "الإدارة المدنية للخدمات" التي كانت تتبع للهيئة.

أصرت تحرير الشام على ربط هذا الحراك المدني بها، لكن السيرورة والتطوّر الذي كان عليه "الإنقاذ"، أثبت التبعية المطلقة، وكان أولى الدلائل أن الهيئة اشترطت على كل الفصائل التي ضربتها بأن تتبع مناطقها للحكومة الجديدة، مثل ما حدث في مناطق سيطرة الأحرار والزنكي.

في إدلب: المعركة الأخيرة للنظام والتدخل العسكري التركي

شنت قوات النظام، بمشاركة إيرانية وغطاء جوي روسي كثيف، هجوماً واسعاً على ريف إدلب الجنوبي الشرقي، رغم "اتفاق سوتشي" بين روسيا وتركيا. ومع بداية العام 2018، كانت قد وصلت القوات المهاجمة إلى "مطار أبو ظهور العسكري" في ريف حلب الجنوبي. وبعد 4 أشهر، استكمل الجيش التركي إنشاء نقاط المراقبة الـ 12، بموجب اتفاق خفض التصعيد مع روسيا وإيران على خطوط التماس مع قوات النظام.

وفي 17 سبتمبر/ أيلول عام 2018، اتفق الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في مدينة سوتشي، على إنشاء "منطقة منزوعة السلاح" في منطقة إدلب، تكون تحت مراقبة جيشهما، ويتراوح عرضها بين 15 و20 كيلومتراً على طول خط التماس. وافقت الفصائل العسكرية على ذلك، وسحبت سلاحها الثقيل من هذه المنطقة، بعد تأكيدات من أردوغان بأن هذا الاتفاق كفيل بمنع أي هجوم عسكري على المنطقة. ثم في مارس/ آذار عام 2019، بدأ الجيشان بتسيير دوريات مراقبة في المنطقة منزوعة السلاح.

وفي مطلع مايو/ أيار عام 2019، شنت قوات النظام وروسيا هجوماً واسعاً على ريف حماة الشمالي، وسيطرت على عشرات القرى، رغم المطالبات التركية بوقف الهجوم العنيف. وفي أغسطس/ آب من العام ذاته، وصلت قوات النظام إلى نقطة المراقبة التركية في مورك، وفشل رتل عسكريّ تركي في الوصول إلى النقطة بعد أن قصفته قوات النظام. استكمل النظام معركته من محاور متعددة من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي الشرقي متجاوزاً نقطة مورك، وسيطر على مدينة خان شيخون ومن بعدها مدينة معرة النعمان، متجاوزاً نقاط مراقبة تركية أخرى. وأطلق النظام وحلفاؤه محاور هجوم جديدة من ريفي حلب الغربي والجنوبي، وسيطروا على عشرات المدن والبلدات، إلى أن بلغت المعركة مدينة سراقب، حيث يلتقي الطريقان الدوليان؛ "حلب – دمشق" و"حلب – اللاذقية".

وشهدت مدينة سراقب في فبراير/ شباط 2020 معارك كر وفر، دعمت فيها المدفعية التركية الفصائل العسكرية. وخلال المعارك، قصفت طائرات النظام ومدفعيته رتلاً للجيش التركي في جبل الزاوية، ما أسفر عن مقتل 33 جندياً تركياً وإصابة 36 آخرين. على إثرها، أعلنت تركيا بدء عملية "درع الربيع"، وشنت طائرات بيرقدار والمدفعية التركية حملة قصف مكثفة قتل فيها المئات من قوات النظام، ودمرت فيها عشرات المدرعات والطائرات والآليات ومنظومات الدفاع الجوي.

وفي الخامس من مارس/ آذار عام 2020، عقد أردوغان وبوتين مع وفود أمنية وعسكرية، قمة استمرت لست ساعات، نتج عنها اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب، وزادت بعده نقاط المراقبة التركية على خط التماس الجديد، لتشهد المنطقة منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا، استقراراً كبيراً.

ملف سوريا-الشمال(تيارات تظاهرضد الجولاني )

النسخة الثانية من الإنقاذ

عقدت ما تُطلق على نفسها اسم "فعاليات مدنية وشعبية وشخصيات اعتبارية"، "المؤتمر العام للثورة السورية"، في فبراير/ شباط 2019، على اعتبار أنه نسخة ثانية عن مؤتمر عام 2017. وكان من أبرز مخرجاته، تشكيل لجنة انتخابات عليا تضع معايير وشروط المرشحين لـ "مجلس الشورى العام"، وإجراء انتخابات عامة بعد تحديد عدد المرشحين لكل منطقة، على أن يتولى مجلس الشورى مهمة السلطة التشريعية كبرلمان لمنطقة إدلب.

ظهرت أولى ملامح وتوجهات حكومة الإنقاذ الإيديولوجية، عندما أعلنت "الهيئة التأسيسية" عام 2018 عن "علم رسمي للمناطق المحررة"، وهو علم الثورة السورية، لكن باستبدال النجوم الثلاث بعبارة الشهادتين. أما ارتباطها بهيئة تحرير الشام، فظهر جليّا حين كانت قوات الهيئة تصل لفض المظاهرات المعارضة لتشكيل الحكومة، فتكون ذراعاً مدنياً للهيئة والعسكر، وكذلك عندما تسلم قياديون وأعضاء في جبهة النصرة مناصب وزارية وقيادية، ولاحقاً أيضاً عندما بدأ زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني حضور الجلسات وافتتاح المشاريع بصفته "قيادة المحرر".

بعد أن أحكمت هيئة تحرير الشام سيطرتها على منطقة إدلب ومحيطها، أعيد انتخاب مجلس الشورى العام في مارس/ آذار عام 2019، وبلغ عدد أعضائه 107 عضو، ثم انتخبوا رئيساً للمجلس. وسبق الانتخابات تحديد شروط ومعايير الترشح من قبل لجنة الانتخابات العليا المنبثقة عن المؤتمر العام، وتقسيم إدلب إلى مناطق إدارية، وتحديد عدد الأعضاء لكل منطقة. بدت الانتخابات على أنها شكلية، ففي معظم المناطق جرى الاتفاق على أسماء الناجحين، وكان معظمهم من المقربين من الهيئة.

تجدر الإشارة، إلى أن مجلس الشورى العام يمنح الثقة للحكومات المتعاقبة، والتي كان آخرها النسخة السابعة في يناير/ كانون الثاني عام 2024.

طبيعة الحكم

تعرف "حكومة الإنقاذ" نفسها بأنها "حكومة تكنوقراط ولدت من رحم الثورة من خلال مبادرة للأكاديميين في المناطق المحررة في العام 2017". غير أنّ النسخ الخمس الأولى، وبتتبع السير الذاتية للوزراء ومدراء المؤسسات الحكومية، كان واضح أنها حكومة يتقدم فيها الولاء والبراء على الكفاءات، ولهذا لا يمكن وصفها بـ "حكومة تكنوقراط". وما سبق، لا ينفي وجود شخصيات وكفاءات لا علاقة لها فعلاً بالنصرة والهيئة، فيرى المناهضون للحكومة أن هؤلاء الأشخاص ليس لديهم خيارات أخرى يذهبوا إليها ويريدون تقديم خبراتهم للصالح العام، ولكن في الوقت نفسه تستغلّ "الإنقاذ" وجودهم لتبعد عنها التهم.

أما النسخة السادسة من الحكومة، فكانت أكثر فجاجة، فمعظم الوزراء فيها هم من كوادر جبهة النصرة السابقين. ويعود سبب ذلك إلى فشل الوزراء في النسخ السابقة، وتحديداً في ملف التعليم الذي تدهور لدرجة رهيبة، فهذا القطاع لا يمكن أن تقوم به حكومة وليدة دون موارد كافية. وفي الوقت ذاته، تسبب استفراد الهيئة بالمنطقة ومهاجمتها لمديريات التربية في حلب وإدلب، بتوقف الدعم الأوروبي. وبحسب تقارير صحفية، اتهم الجولاني الحكومات السابقة بالفشل في استجلاب الدعم، ولذلك قرر الاستعانة بكوادره التقليدية التي فشلت هي أيضاً فيما بعد، لأن الاتحاد الأوروبي ووكالات التنمية الأميركية والبريطانية يصنفون الهيئة كتنظيم "إرهابي" يتحكم بالعمل المدني.

اقتصرت النسخة السادسة على استبدال الإدارة المحلية والخدمات والتربية والعدل، وشهدت التشكيلة الوزارية الجديدة إضافة وزارة جديدة إلى الوزارات العشر، وهي وزارة الإعلام، والتي ترأسها أحد أبرز كوادر المكتب الإعلامي لجبهة النصرة، المعروف سابقاً باسم "المنارة البيضاء".

عملت "الإنقاذ" منذ عام 2018 وحتى عام 2021 بقوة سلاح الهيئة، على إعادة تشكيل النقابات والمجالس المحلية والمؤسسات الخدمية والمديريات، التي كانت تتبع للحكومة المؤقتة، وغيرت الأعضاء والمديرين والقواعد الناظمة المتعلقة بها.

ومثلما هو الحال في مناطق سيطرة الجيش الوطني، حيث من المتفق أن قرار إدارة المنطقة بيد المنسقين الأتراك، فمن المتفق عند جميع الأطراف في إدلب أن حكومة الإنقاذ هي ذراع مدني لهيئة تحرير الشام، وأن القرار الفصل يعود للجولاني. لقد انتهت محاولات الحكومة بالتملص من هذه الحقيقة عام 2021، عندما ضربت أزمة الخبز الشهيرة إدلب نهاية العام، فحضر الجولاني جلسة حكومة الإنقاذ ومجلس الشورى وتعهد بمنح الحكومة 3 ملايين دولار لتدارك الوضع، ثم أخذ يدشن مشاريع الحكومة الكبيرة كما حدث في مشروع "طريق باب الهوى"، وترأس ندوة الحكومة نهاية عام 2023 لعرض أعمالها وتقييمها. ومما تجدر الإشارة إليه، أن الجولاني يحضر تحت مسمّى "القائد" دون أي توصيف رسمي يربطه بالحكومة.

بمتابعة الدورات الحكومية والوزراء وأعضاء مجلس الشورى وسلوك الحكومة، يمكن القول إن "الإنقاذ" ذراع مدني لهيئة تحرير الشام، وبالتالي يتميز نمط الحكم في إدلب عن مناطق الجيش الوطني، بأن مرجعيته لمركز واحد وليس لمراكز متعددة.

راهنت "حكومة الإنقاذ" على الأداء لاكتساب الشرعية المحلية، وساهمت مرجعيتها لمركز واحد (هيئة تحرير الشام) بتقديم الخدمات وتعميم القوانين وتطبيقها في كامل المنطقة وجباية الرسوم البلدية والضرائب. ولا يمكن مقارنة أداء حكومة الإنقاذ بأداء المجالس المحلية في منطقة الجيش الوطني، حيث أمّنت الحكومة مناخاً ملائماً للمنظمات التنموية لتنفيذ مشاريعها وتقديم التسهيلات. وهذا التفاوت بين المنطقتين، كان السبب الأول في هجرة المنظمات من ريف حلب الشمالي إلى منطقة إدلب. كما أنها نجحت باستجرار الكهرباء من تركيا عن طريق شركة خاصة وعملت على ضبط الأسعار.

يعدّ الصندوق المالي لهيئة تحرير الشام، إضافة إلى واردات معبر باب الهوى والرسوم والضرائب، مصادر التمويل الرئيسية لحكومة الإنقاذ الكبرى. وصندوق الهيئة المالي قائم على غنائم الحرب سابقاً، ومن ثم اعتمدت الهيئة نمط احتكار القطاعات الرابحة كالمحروقات والاتصالات والكهرباء، وأنشأت شركات خاصة لذلك، لكنها مكشوفة التبعية بناء على مدراء هذه الشركات. فعلى سبيل المثال، وقف أمير حلب في جبهة النصرة سابقاً إلى جانب الجولاني في افتتاح طريق باب الهوى؛ أكبر مشاريع الإنقاذ، لكن هذه المرة بصفته مدير شركة الراقي للإنشاءات.

هيئة تحرير الشام نحو الاعتدال

بعد اتفاق الخامس من مارس/ آذار عام 2020، والفشل العسكري الكبير لهيئة تحرير الشام في التصدي لهجوم النظام، دأبت الهيئة في تنظيم نفسها مجدداً، فأنهت هيكلية الجيوش الأربعة، وهي هيكلية كانت تعتمد على المناطقية، ونتج عنها تكتلات وتيارات أثارت مخاوف الجولاني. عملت الهيئة على هيكلية جديدة مكونة من 12 لواء، بينما قضى الجولاني على زعماء الكتل الذين كانوا رفاق دربه، ثم شكّلت الهيئة غرفة عمليات عسكرية مع الفصائل المتبقية بقيادة "المجلس العسكري في إدلب".

أطلق الجولاني سياسة جديدة على مستوى الخطاب والبنية والسلوك، من أجل تغيير الانطباعات واكتساب الشرعية وطي صفحات الماضي الأسود، هذا محليّاً، أما دوليّاً، فمن أجل الخروج من مأزق التصنيف، وإظهار أن الفصيل بات محلياً وبعيداً عن الأدبيات الجهادية السلفية، التي قامت على أساسها جبهة النصرة في سوريا كفرع لتنظيم القاعدة. وقدم الجولاني رؤيته لما يمكن وصفه بـ "الكيان السني الوطني"، مخاطباً الغرب في مقابلة مع موقع "فرونت لاين" الأميركي، والتي كشف فيها عن اسمه وحياته ومسيرته.

ونجحت الهيئة في تكوين علاقة مع الجانب التركي، الذي أنقذ الوضع في المعركة الأخيرة، إذ تحتفظ الهيئة بهامش جيد نسبياً من القرار، كما شهدت العلاقة بين الجانبين شداً وجذبًا خلال السنوات الماضية.

ومنذ منتصف عام 2022، وتحرير الشام تشنّ سلسلة من عشرات العمليات الخاطفة على الجبهات ضد مواقع قوات النظام، بينها عمليات خلف الخطوط على قواعد عسكرية استراتيجية بعمق 8 كم، حتى وقع تفجير الأكاديمية العسكرية في حمص في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023، والذي قتل فيه عشرات العسكريين وذويهم. اتهم النظام "التنظيمات الإرهابية" -على حد وصفه- بالوقوف وراء التفجير عبر طائرات مسيرة، فعلى إثرها أطلق وروسيا حملة قصف عنيفة أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في إدلب، ومن ثمّ عاد الهدوء للمنطقة.

أكبر تحديات "تحرير الشام" منذ نشأتها

تعرّضت هيئة تحرير الشام لاختراق أمني كبير وخطير جداً، إذ كشف "موقع تلفزيون سوريا" أواخر يونيو/ حزيران عام 2023 عن اعتقال الجهاز الأمني في الهيئة عشرات من العناصر والقياديين، بتهمة العمالة لروسيا والنظام السوري، وآخرون لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.

شكل الجولاني خلية أزمة تضم إلى جانبه كلاً من القياديين أبي أحمد حدود وأبي أحمد زكور والشرعي العام للهيئة عبد الرحيم عطون، ثم أعلنت الهيئة رسمياً عن "أزمة العملاء" في يوليو/ تموز عام 2023، وقالت إنها "ضبطت خلية تعمل لصالح جهات معادية بعد ملاحقة استمرت 6 أشهر".

تعقّد الاختراق الأمني أكثر، وكذا الأزمة الداخلية، عندما كشف "موقع تلفزيون سوريا" مجدداً، عن اعتقال الهيئة للقيادي العراقي في الصف الأول "أبو ماريا القحطاني"، بتهمة تدبير انقلاب والتحرك دون أوامر القيادة العامة، لتصدر الهيئة بياناً رسمياً في اليوم الثاني تؤكد فيه اعتقال رفيق درب الجولاني من العراق إلى سوريا "بعد أن توصلت لجنة التحقيق إلى أن القحطاني أخطأ في إدارة تواصلاته دون اعتبار لحساسية موقعه أو ضرورة الاستئذان وإيضاح المقصود من هذا التواصل"، وفقاً للبيان.

لاحقاً، انكشف ملف القحطاني، إذ كان وصديقه القيادي في الهيئة جهاد عيسى الشيخ، الملقب بـ"أبو أحمد زكور"، مسؤولان عن ملف اختراق مناطق الجيش الوطني، ونجحا في ذلك بدرجة كبيرة. وانكشف هذا النجاح عندما تحركت الهيئة مباشرة لمساندة حلفائها داخل الجيش الوطني، بعد مقتل الناشط "أبو غنوم". خلال ذلك، استشعر الجولاني أن رفيقي دربه يدبران لانقلاب عليه، من خلال الفصائل التي اخترقها الرجلان، بالإضافة إلى كتل ومجموعات أصيلة من الهيئة.

وفي منتصف  يناير/ كانون الثاني عام 2023، داهمت هيئة تحرير الشام مقر "زكور" الذي هرب إلى مدينة أعزاز ليحتمي بأبناء عشيرته "البكارة"، ثم تمكنت الهيئة من اعتقاله من مقره في اعزاز بعد اشتباكات، لكن قوة من الاستخبارات التركية والجيش الوطني أوقفوا رتل الهيئة في طريق عودته لإدلب واستخلصوا "زكور".

خلال أزمة القحطاني وزكور، لم تتوقف الهيئة عن اعتقال المئات من القياديين العسكريين في صفوفها، بينهم قياديون معروفون خاضوا معارك كبرى منذ بدء العمل المسلح في سوريا، بالإضافة إلى مسؤولين في "حكومة الإنقاذ" وأعضاء في "مجلس الشورى العام"، وتعمدت الصفحات الإعلامية الرديفة للهيئة على تشويه سمعة المعتقلين.

بعد احتجاجات وتوترات ومناشدات للجولاني بالنظر في قضية هؤلاء المعتقلين، بدأت الهيئة تباعاً في فبراير/ شباط الجاري إطلاق سراح العشرات منهم بعد ثبوت براءتهم. وزار الجولاني المُفرج عنهم في منازلهم ومقارهم واعتذر منهم، وهنا بدأت الأزمة الأكبر.

روى المفرج عنهم، أشهر التعذيب الشديد الذي تعرضوا له في سجون "جهاز الأمن العام" (المكتب الأمني في الهيئة والذي يُعرّف نفسه رسمياً بأنه لا يتبع لا للحكومة ولا للهيئة)، وكيف أجبرهم المحققون على الاعتراف ظلماً بتهمة العمالة وهددوهم بقتلهم في حال ارتدوا عن اعترافاتهم أو أخبروا الجولاني بما يحدث في التحقيق، فارتفعت الأصوات داخل الهيئة وخارجها مطالبة باستقالة الجولاني وأبي أحمد حدود و"تيار بنش" الذي يقوده أشقاء زوجة الجولاني. ونشر قياديون في الهيئة كانوا موالين بالكامل للجولاني وقيادة الهيئة، منشورات تدعو لحل جهاز الأمن العام وإعدام المحققين، وهدد بعض المفرج عنهم بالتحرك عسكرياً.

ما زالت هذه الأزمة الأخيرة في توسّع كلّ يوم، رغم اعتذارات الجولاني ووعوده بالانتقام وإحقاق الحق، لتكون هذه هي الأزمة الأكبر التي تضرب صفوف هذا التنظيم العسكري المركزي. حيث اندلعت المظاهرات التي نادت بصوت مرتفع بإسقاط الجولاني، وأخذت نقاط التظاهر وأعداد المشاركين تتوسع شيئاً فشيئاً، حتى سارعت "حكومة الإنقاذ" و"مجلس الشورى" لعقد مؤتمرات موسعة علنية وأخرى ضيقة سرية، مع من أسمتهم "أعيان ووجهاء وأكاديميين"، لفحص مطالب الناس وشكاويهم. خرج المجتمعون بعدد من البنود الإصلاحية، كان جميعها دون سقف المطالب والتوقعات بكثير، إذ ركزت على الجانب المعيشي للناس، ولكنها حتى في هذا السياق لم تقدم البنود خطوات كبيرة من شأنها أن تحسّن الواقع المعيشي.

تحت ضغط قيادات وعناصر الهيئة من أبناء المحافظات الشرقية في سوريا، لم يبق أي خيار للجولاني، الذي هُدّد بالانشقاق عنه والتصعيد العسكري ضده، سوى إطلاق سراح القحطاني. واستقبل تيار الشرقية في الهيئة زعيمهم باحتفال كبير، وعاد الرجل العراقي لمضافته يستقبل وفود المهنئين دون أن يتحدث بعدها بكلمة واحدة.

لم تتوقف المظاهرات التي دخلت أسبوعها الخامس، فكان الرضوخ الأهم للمطالب عندما أُلحق "جهاز الأمن العام" بوزارة الداخلية في "الإنقاذ". وقد تزامنت هذه الأزمة الكبيرة مع انتهاء أعمال الدورة الثالثة لـ"مجلس الشورى العام"، فأعلن المجلس عن اختيار أعضاء جدد للجنة العليا للانتخابات تمهيداً لاعتماد آلية انتخاب مجلس شورى جديد، استجابة لمطالب الأهالي.

الجدير بالذكر وجود 5 تيارات تتحرك في المظاهرات ضد الجولاني، تغيب عنها النخبة السياسية والمدنية، وهي كالآتي:

  • "حزب التحرير"، الذي تلقى ضربات متتالية من الهيئة واعتقلت معظم كوادره.
  • "حراس الدين" (فرع القاعدة في سوريا)، الذي أفنت الهيئة خلاياه وبقي له أنصار لا فاعلية لهم.
  • "جيش الأحرار"، بقيادة أبو صالح طحان والمنضم للهيئة، لكن مقتل أحد قياداته تحت التعذيب أشعل شرارة النزاع.
  • "تيار آل بدوي" في بنش، وهي عائلة صاهرت الجولاني وتربعت على رأس قيادة التنظيم وملحقاته، ودعمت بقوة اعتقال المنافسين بتهم العمالة، لكن استجابة الجولاني والإفراج عن المتهمين زوراً أغضبت أولاد عمومته.
  • "حراك شبابي ثوري"، وهو حراك من الناشطين بعيدٌ عن الحزبيّة والأدلجة، لكن تخشى هذه الفئة أن تكون كبش الفداء في أي مصالحة محتملة مع التيارات السابقة، فتتحرك بحذر.ملف سوريا-الشمال(تيارات تظاهرضد الجولاني )

يتعامل الجولاني مع المأزق الحالي ومع تبعات قضية العملاء، على أنها أزمة مفتعلة من لاعب إقليمي لإضعافه دون القضاء عليه، فبعد أن أعلن عن خطوطه الحمر وتجاهل المظاهرات، وضع الجولاني خطة عمل، وتمكن بشكل جيد من ترتيب بيت الهيئة الداخلي، فعيّن 4 من المفرج عنهم كقادة عسكريين، وكسب ولاء الجناح العسكري ككل، وقدّم وعوداً بالإصلاحات في الجانبين الحوكمي والمعيشي.

لكن، وفي ليلة الرابع من أبريل/ نيسان الجاري، دوّت المفاجأة كالصاعقة. احتضن انتحاري القحطاني داخل مضافته، التي يستقبل فيها المهنئين بإطلاق سراحه في مدينة سرمدا شمالي إدلب، وفجّر نفسه والقحطاني بحزام ناسف. بعدها بأقل من ساعتين، أعلنت هيئة تحرير الشام مقتل القحطاني بتفجير عنصر من تنظيم الدولة نفسه، وأصدرت الهيئة بيانا رسمياً كالت فيه المدائح للرجل العراقي، ثم نشرت صوراً للجولاني يبكي فوق جثة القحطاني ويتوعد بالثأر.

ومنذ مقتل القحطاني، والصمت الممزوج بالخوف يسود إدلب، فتوقفت المظاهرات والمنشورات والتحريضات، ولم يبد أنصار القحطاني في التنظيم أي ردة فعل أو تهديد حتى الآن، بينما ذهبت تحليلات إلى القول بأن هذه الضربة القاضية قد أعادت ضبط الوضع بالكامل.

ما شكل الحياة في الشمال؟

أنتج هذا الوضع المركب، من تحوّلات وتطوّرات وتحديّات في سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا، أنماط معيشة خاصة تختلف باختلاف السيطرة بين المنطقتين.. فما هو نمط حياة السكان هناك؟ وما هي مقومات الصمود لديهم؟ وما أبرز المشكلات؟

التعليم الأساسي

في مناطق سيطرة الجيش الوطني: تدير المدارسَ، المكاتبُ التعليمية في المجالس المحلية بالتعاون مع مديرية التربية والتعليم التابعة للحكومة المؤقتة، وتؤمن لها الرواتب والمستلزمات المختلفة، بمساعدة من منظمات محلية وأخرى دولية وتركية.

في مناطق سيطرة "تحرير الشام": تدير نسبةً صغيرة من مدارس المنطقة، وزارةُ التربية والتعليم، التي لم تستطع تأمين دعم دولي لهذا القطاع المكلف. في حين تساهم المبادرات المجتمعية المحلية، إضافة لتبرعات التجار والمغتربين، في تشغيل مدارس في بلداتهم ومدنهم. وافتتحت الهيئة – بتبعية غير معلنة رسمياً – سلسلة مدارس "الوحي الشريف"، وهي أفضل المدارس من ناحية التجهيزات والمستلزمات والمدرسين والمنهج العلمي، وفيها للمواد الشرعية والدينية حيز كبير. كما انتشرت في المنطقتين مدارس خاصة لمراحل التعليم الثلاثة، وهي مناسبة للفئات المقتدرة مادياً.

التعليم الجامعي

في المنطقتين جامعتان حكوميتان، هما: "جامعة إدلب" و"جامعة حلب" في المناطق المحررة، كما تضم المنطقتين عدداً من الجامعات الخاصة برسوم وفروع متفاوتة.

وفي منطقة الجيش الوطني فروع لجامعات تركية حكومية، تستلزم النجاح في امتحان الطلاب الأجانب "اليوس"، ويمكن لخريجي الكليات التركية في الداخل السوري استكمال الدراسات العليا والدكتوراه داخل تركيا.

وقد نجحت جامعة إدلب في تأمين عدد محدود من مقاعد الدراسات العليا والدكتوراه لخريجيها في الداخل التركي، بمساعدة من "الأوقاف التركية" وبعض الجامعات الحكومية.

الكهرباء

قبل العام 2019، كانت الكهرباء في كامل شمال غربي سوريا قائمة على المولدات الكهربائية الكبيرة، والاشتراكات برسوم كانت تنخفض وترتفع بحسب واردات النفط من "قسد". ثم بدأت شركة AK Energy التركية بتغذية مناطق الجيش الوطني بالكهرباء بعقود مع المجالس المحلية، كما دخلت على المنطقة شركة STE السورية – التركية.

وشهدت مدن ريف حلب الشمالي مظاهرات كثيرة احتجاجاً على رفع الأسعار من قبل الشركتين، وتجاوز السعر المتفق عليه في العقود، دون تدخل من المجالس المحلية، ولمّا تدخلت بعض المجالس قُطعت الكهرباء بحجج التقنين والصيانة.

وفي منتصف عام 2021، دخلت الكهرباء من تركيا إلى إدلب عن طريق شركة green energy بأسعار أعلى من أسعار الشركتين في مناطق الوطني.

الطبابة

ضربت "جائحة كورونا" العالم وانشغلت الدول في تحصين نفسها واستيعاب الإصابات القاتلة، ومنذ ذلك الحين تراجع دعم القطاع الطبي من المنظمات الدولية في شمال غربي سوريا، ووصلت اللقاحات إلى الشمال متأخرة كثيراً، لكن خفف من تداعيات تراجع الدعم الكبير انحسار العمليات العسكرية وحملات القصف.

تتمثل أزمة الطبابة في الداخل السوري في عدم وجود مراكز وأطباء وتجهيزات قادرة على التعامل مع الأمراض الخطيرة، مثلَ السرطان والكلى والتشوهات والأمراض الجينية وبعض العمليات العصبية والقلبية، وهي حالات كانت تحوّل إلى تركيا لتلقي العلاج مجاناً. لكن منذ عامين، لم تعد إجراءات دخول هؤلاء سهلة، فمنعت تركيا دخول المرافقين باستثناء الرضع، ولم يعد العلاج مجانياً بالكامل. وبعدها أوقف معبر باب الهوى لأشهر دخول مرضى السرطان، ثم سمح بدخول قسم منهم بصعوبات جمّة بعد الاحتجاجات الكبيرة.

أما الغالبية العظمى من المستشفيات في إدلب، فمدعومة من منظمات طبية سورية تتلقى دعماً من تبرعات أو منظمات طبية دولية، ومن منظمة الصحة العالمية. وفي مناطق سيطرة الجيش الوطني، فلا تعمل هذه المنظمات، وتدير وزارة الصحة التركية مستشفيات ومستوصفات في الداخل بدعم من الاتحاد الأوروبي، ويعمل فيها أطباء وممرضون وإداريون أتراك يتقاضون رواتب تعادل عشرة أضعاف رواتب الأطباء السوريين.

المساعدات الإنسانية الأممية

صوّت مجلس الأمن على القرار (2165) عام 2014، والذي يمنح تفويضاً لوكالات الأمم المتحدة وشركائها بتقديم المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، دون اشتراط الحصول على موافقة النظام عبر 4 معابر حدودية، هي: باب الهوى (إدلب)، وباب السلامة (أعزاز)، واليعربية بين مناطق "قسد" والعراق، ومعبر الرمثا بين درعا والأردن.

كانت روسيا تمرر التفويض كل عام، لكنها في مطلع العام 2020 استخدمت "الفيتو"، ووظفت المساعدات الإنسانية سياسياً، وطالبت بأن تكون بموافقة النظام ومن خلاله، وانتهت المفاوضات بين موسكو وواشنطن بتمديد آلية المساعدات عبر باب الهوى فقط.

لم تقتصر الكارثة على إغلاق معبر باب السلامة واقتصار الإمداد إلى شمال غربي سوريا على باب الهوى فقط، بل تفاقمت حين وصلت نسبة العجز في عمليات تمويل الاستجابة الإنسانية في سوريا في عام 2023 إلى 90%، بينما بلغت نسبة العجز في الاستجابة لكارثة الزلزال في السادس من فبراير/ شباط 70% فقط، وذلك بحسب فريق "منسقو الاستجابة" المختص برصد الأوضاع الإنسانية والتمويل في شمال غربي سوريا.

ملف سوريا-الشمال

تتلقى سوريا ودول الجوار المستضيفة للاجئين السوريين، تبرعات من الدول الغنية، تجتمع سنوياً في بروكسل لهذه الغاية، وتتعهد الدول بتقديم المليارات، لكن بعد أزمة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، لم تعد تفِ هذه الدول بتعهداتها، ما تسبب بفجوة تمويل هائلة، بلغت إلى حد إعلان "برنامج الأغذية العالمي" توقفه عن العمل في سوريا مطلع العام الجاري.

الزراعة والصناعة

تتمثل المشكلة الأكبر في الزراعة والصناعة باعتمادها على السوق المحلية فقط، لعدم وجود إمكانية لتصدير المنتجات عبر تركيا، وبسبب إغلاق المعابر البرية العابرة لخطوط النار بين مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة النظام و"قسد". لكن افتتحت المجالس المحلية في مناطق الوطني و"حكومة الإنقاذ" مدناً صناعية في المدن الكبرى، وأنشأ صناعيون مغتربون وآخرون في الداخل، معامل كبيرة ومتوسطة تنتج أهم المواد المطلوبة والمستهلكة في الشمال السوري، مع وعود من الجانب التركي بمنح الصناعيين شهادات منشأ ليتمكنوا من تصدير منتجاتهم إلى خارج سوريا. أما الزراعة فيجرب الفلاحون حظوظهم كل عام بزراعة مواسم مختلفة، تفشل أحياناً وتنجح أحياناً.

لماذا أوقفت الفصائل السورية معارك التحرير؟

بعد أن زجت إيران في سوريا بعشرات آلاف العناصر من جنسيات مختلفة، أطلقت وكالة المخابرات المركزية الأميركية عام 2013 برنامجاً سرياً لتسليح وتدريب "الفصائل السورية المعتدلة"، بالتعاون مع عدد من "مجموعة أصدقاء الشعب السوري"، فتلقى آلاف المقاتلين من الجيش الحر تدريبات عسكرية وأخرى على استخدام أسلحة حديثة، داخل قواعد عسكرية أميركية في دول عربية، ووصلت ضمن هذا البرنامج الصواريخ المضادة للدروع والذخائر الخفيفة والمتوسطة، بالإضافة إلى دعم مالي يقدر شهرياً بـ 100 – 150 دولاراً للمقاتل الواحد، تشمل مصروفه وإطعامه ومصاريف الفصيل.

رغم قلة المبالغ المالية والذخائر، ساهم البرنامج الذي بات يعرف محلياً في الجنوب السوري باسم "الموك – Military Operations Center (MOC)" ومقره الأردن، وفي الشمال السوري باسم "الموم" ومقره تركيا؛ بصمود الجيش السوري الحر في معظم الجبهات، وتمكنه من شن معارك تحرير واسعة.

في يونيو/ حزيران عام 2017، وقبل أيام من لقائه ببوتين، أنهى ترامب البرنامج، وتوصلت الدولتان لاتفاق وقف إطلاق للنار في الجنوب السوري، الذي كانت معظم فصائله تتلقى الدعم من البرنامج.

وجاء توقف البرنامج بعد 6 أشهر من سقوط مدينة حلب بيد النظام وروسيا وإيران، وكانت هذه المعركة فاصلة في المسار العسكري للثورة السورية، حتى أن بشار الأسد وصفها بـ "أم المعارك".

بعدها، بدأت الدول الداعمة العربية والأجنبية بالتخلي عن الفصائل العسكرية السورية، في مقابل التدخل الروسي بسلاح الجو والأسلحة الفتاكة التي زود بها النظام، وكذلك التدخل الإيراني بعشرات آلاف المقاتلين الشيعة من ستة دول. كانت هذه العوامل مجتمعة، حاسمة للكثير من المعارك التي واجهتها الفصائل السورية حتى الرمق الأخير. فمعركة مدينة حلب، بدأها حلف النظام في نهاية عام 2013، وحسمها لصالحه في الأيام الأخيرة لعام 2016. وفي الغوطة الشرقية التي حوصرت لثلاث سنوات، انتهت المعركة عام 2018 باستخدام السلاح الكيماوي في دوما، معقل جيش الإسلام، ما أجبر الفصيل وأهل المدينة على القبول بالتهجير القسري إلى الشمال السوري.

استنزف "تنظيم الدولة" جميع الفصائل المقاتلة من بداية قتاله عام 2014 دون ظهير دولي، واستعصى التنظيم في ريفي حلب الشمالي والشرقي، وكاد يسيطر على المنطقة هذه بالكامل لولا تدخل الجيش التركي في عملية درع الفرات عام 2016.

كان عام 2018 حاسما، عندما شن النظام وحلفاؤه حملات واسعة على جيوب المعارضة والفصائل العسكرية في سوريا، وسيطر على هذه الجيوب باتفاقيات تهجير قسري في مناطق الغوطة الشرقية والقلمون ودرعا وجنوب دمشق وريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي.

تكدس جزء من المهجرين قسراً في إدلب، بينما الجزء الآخر في مناطق سيطرة الجيش الوطني، بعد أن تخلوا عن أسلحتهم باستثناء الخفيفة منها. وبينما كانوا يبحثون عن سكن، ويحاولون التأقلم مع حياتهم الجديدة، شن النظام وحلفاؤه الهجوم الكبير عام 2019، الذي انتهى باتفاق أردوغان وبوتين في الخامس من مارس/ آذار عام 2020.

فشلت هيئة تحرير الشام في صد تقدم النظام عامي 2019 و 2020، وكانت حينها قد ضربت الفصائل الكبرى للتفرد بالسيطرة على إدلب. وفي تلك الفترة، تدخلت تركيا لدعم ما تبقى من الفصائل في إدلب بكميات محدودة من المال والسلاح والذخائر، لكنها لم تكن كافية لمواجهة الجيوش الثلاثة المقتحمة، وخسرت الفصائل مئات المقاتلين من النخبة والكثير من العتاد المتوسط والثقيل. ثم تدخل الجيش التركي بالمعركة بجنوده وطائراته المسيرة ومدفعيته، وأعادت الفصائل تنظيم صفوفها وأوقفوا تقدم القوات المقتحمة.

بعد توقف إطلاق النار سارعت هيئة تحرير الشام إلى إعادة تنظيم صفوفها واستقطاب مقاتلين جدد، سواء من المخيمات أو عبر حملات تجنيد ومكاتب مخصصة، وكذلك نجحت باستقطاب الكثير من المقاتلين من الفصائل الأخرى في إدلب. وفي الوقت ذاته، بقي جزء من غرفة عمليات "الفتح المبين" مع باقي الفصائل، ويترأس هذه الغرفة مجلس عسكري ثلاثي (الهيئة وأحرار الشام وفيلق الشام)، وتتلقى الدعم التركي المحدود بالمال والذخائر، كما تكتنز هيئة تحرير الشام منذ تشكيل جبهة النصرة أموالاً كافية من مصادر عدة، ثم أردفت الهيئة صندوقها المالي بمبالغ كبيرة من خلال احتكار القطاعات الرابحة.

أخضعت هيئة تحرير الشام وفيالق الجيش الوطني، المقاتلين لتدريبات نوعية ومكثفة. وأفرزت الهيكلة الجديدة في كلا الكتلتين العسكريتين، مجموعات نخبة بات جل الاهتمام عليها. وانتشر الجيش التركي في عشرات مناطق النظام، على طول خط التماس من جرابلس شرقي حلب إلى جبل الزاوية جنوبي إدلب، وتحولت نقاط المراقبة إلى قواعد عسكرية، ثم مع الوقت زاد عددها.

وكانت معركة سراقب، آخر معارك حرب 2019 و2020 في إدلب، معركة كسر عظم، إذ أرهقت الطرفين المتمثلين بالفصائل العسكرية وتركيا من جهة، والنظام وحلفائه من جهة ثانية. وهذا الإرهاق الناتج، كان الدافع الوحيد ليقتنع الطرفان بوقف إطلاق النار. ومنذ اتفاق الخامس من مارس/آذار، لم يطرأ متغير على توازن الرعب سواء على المستوى المحلي أو على المستويات الدولية والدول المنخرطة في الصراع السوري.

إن دخول الجيش التركي في المعارك، ثم تحويل النتائج لمكتسبات من خلال عقد اتفاقيات مع روسيا، سواء في ريف حلب الشمالي أو في إدلب، وكذلك استفراد تركيا بدعم الفصائل العسكرية؛ جعلها بنسبة كبيرة صاحبة القرار في السلم والحرب، إذ حاولت فصائل محددة من الجيش الوطني شن هجوم على قوات النظام من منطقة الباب باتجاه مدينة حلب في فبراير/ شباط عام 2020، في محاولة لتخفيف الحمل عن فصائل إدلب، لكنها لم تستمر لأكثر من ساعات رغم إمكانية التقدم، وتسربت معلومات حينها بأن تركيا طالبت بوقف الهجوم مباشرة.

ويدور السؤال الكبير في أذهان سكان شمال غربي سوريا عن جدوى إطلاق معركة تحرير ضمن هذه المعادلة، فالقدرات العسكرية للفصائل لن تكون كافية للوصول إلى دمشق، وفي أحسن الأحوال يمكن أن تسيطر على حلب وحماة. لكن المهمة الأصعب ستكون في الحفاظ على هذه المساحة الجديدة، والهاجس القاتل هو انتقام النظام من أي عمل عسكري بموجة غارات مكثفة، تسبب أضراراً هائلة وتوقف الحياة، وتتسبب بزيادة احتياجات المساعدات الأممية الشحيحة أساساً، وبموجة هجرة جديدة إلى تركيا.

لقد أعلنت تركيا، على لسان رئيسها، أن سياستها فيما يتعلق بالملف السوري، تهدف لإعادة مليون سوري، لتخفيف الحدة الشعبية تجاه الوجود السوري في تركيا. وهذه السياسة قائمة على الحفاظ على استقرار طويل الأمد في شمال غربي سوريا، وبالتالي سيكون اتخاذ قرار معركة تحرير صغيرة أو كبيرة في سوريا معاكسة للسياسات التركية، وهذا قد يتسبب بخسارة الفصائل لظهيرهم الإقليمي الوحيد.

متى تنضج الثمرة، متى تُقطف؟

يركز تقييم أي جهة حاكمة على الشرعية والأداء. وبالقياس والمقارنة، فإن شمال غربي سوريا هو الأفضل في هاتين الناحيتين من باقي الحكومات الأخرى. وسؤال الشرعية لا يعني السكان كثيراً بقدر ما يعنيهم الأداء، وبما أنهم خارج صناعة القرار فهم يقارنون بين المنطقتين، ويرون أن الفساد والاحتكار المركزي في منطقة الهيئة أفضل من الفساد والاحتكار متعدد المراكز في مناطق الجيش الوطني.

الواضح أنه لا يمكن مقارنة التنظيم ونمط الحياة في شمال غربي سوريا الآن، بما كان عليه الوضع قبل 4 أعوام. فمناطق الجيش الوطني تتجه بحسب التسريبات نحو التنمية والحوكمة المركزية بعيداً عن التشتت، وهي مرحلة بدأت تظهر مؤشراتها بإنهاء تدخل الهيئة في المنطقة، وتعزيز حضور الحكومة السورية المؤقتة، والتي يجري الآن نقاش بشأن رئيسها الجديد.

وعلى الرغم من استياء سكان مناطق الجيش الوطني من الفساد والفشل المسيطر على معظم الفصائل وتحولها للتجارة والربح والاحتكار، يبقى هنالك تمايز واضح بين الفصائل المستحدثة، والأصيلة مثل الجبهة الشامية وجيش الإسلام وحركة التحرير والبناء (تجمع فصائل المنطقة الشرقية)، فهي فصائل ما زالت تملك هامشاً من القرار الوطني، ووعياً عسكرياً وسياسياً وبنى مجتمعية متداخلة وهيكلية قائمة على مجلس قيادة أو شورى، ويمكن أن يبنى عليها جيشاً سورياً وطنياً فعلياً.

يظهر للزائر الغريب لمناطق هيئة تحرير الشام وجود حكومة فعلية، لكن ملف النازحين الذين يقدر عددهم بأكثر من مليونين يعيشون في 1250 مخيماً، وملف التعليم، تبقى تحديات صعبة الحل. كما أن الجولاني لم يصل لمبتغاه في مسألة إزالة تصنيف "الإرهاب" عن فصيله، لكنه في الوقت ذاته هو الفصيل الأكثر جهوزية للتغيير بالوكالة، والأكثر قدرة على ضبط المنطقة أمنياً، والأقوى عدة وعتاداً على الدفاع أو الهجوم.

تفتقد منطقة شمال غربي سوريا لمنظومة حوكمية وبنية تحتية كافية لتحويلها إلى منطقة صناعية وزراعية، رغم افتتاح المناطق الصناعية وإنشاء معامل متوسطة وكبيرة. إلا أن هذا الواقع يمكن تغييره في حال منحت تركيا المنتجين شهادات منشأ تأهل البضائع للتصدير، مما يعني مزيداً من المعامل والحقول والإنتاج والعمالة، ودورة اقتصادية كاملة تتوسع مع مرور الزمن، وقد تصل لمرحلة استقطاب التجار والصناعيين من مناطق السيطرة الأخرى مثل النظام و"قسد".

انعكس الانخفاض الحاد في المساعدات الدولية على حياة نصف السكان في شمال غربي سوريا، ومن المرجح أن تزداد الفجوة بين الاحتياجات والمساعدات بعد انتهاء حرب غزة، إذ ستصب أموال المساعدات لتدارك الكارثة الحاصلة في القطاع المدمر، ولذلك تسارع تركيا والجهات المحلية الحاكمة لإخراج المساعدات من المعادلة والتركيز على نهوض المنطقة بنفسها.

أما فيما يتعلق بالناحية الأمنية، فلا بد أن تحافظ السلطات الحاكمة على التوازن الدقيق بين توفير الأمن وتجنب الاستبداد، في تعاملها مع المعضلات الأمنية التي تواجهها.

من الصعب فهم الديناميكيات المعقدة الكامنة في إدارة هياكل الحوكمة وسط الصراعات طويلة الأمد، ويزداد التعقيد في الحالة السورية بسبب تدخل قوى إقليمية ودولية في المسارات العسكرية والسياسية، كما يؤدي التنافس على الموارد المحدودة إلى تفاقم الصراعات وإعاقة الحكم الفعال. ورغم حركات الإصلاح التي تظهر كل فترة، إلا أن المنطقة المؤهلة لاستقرار طويل الأمد، مؤهلة أيضاً لعملية تغيير شاملة في أدنى الهرم، وذلك بتفعيل الانتخابات ومشاركة الجميع في صنع القرار وتفعيل دور النقابات والمجتمع المدني، وتدارك أخطاء الماضي، والقضاء على الفساد… من شأن ذلك كلّه، أن يُنضج ثمرة سياسية، ستكون جاهزة للقطف حين يتبلور حل حقيقي لسوريا.

البداية
المقدمة

التشيّع.. قوة إيران الناعمة في سوريا

ملف الشيعة - سوريا

عبيدة عامر

في مطلع قصيدته الشهيرة "ترصيع بالذهب على سيف دمشقي"، يتساءل الدمشقي نزار قباني بقلق حول إن كانت مرايا دمشق ستعرفه من جديد أم "غيرته السنين؟". لامَ ابن عائلة القباني العريقة نفسه على هذا التغير، ولكن لم يخطر بباله ولو عرضا، أن دمشق التي أتاها فوجدها كما هي بأنهرها السبعة "بعد فرقة دهر"، يمكن أن تتغير.

لن يصدق نزار أنه إن أتى اليوم، بعد ربع قرن فقط على دفنه في قلب مدينته كما أوصى، ليستحضر "زمانا في الصالحية سمحا"، أو ليختبئ في "زواريب حارات" عاصمة الأمويين، أو ليلجأ إلى جبل قاسيون "قادما من مدائن الريح" ليحضنه كما احتضن منذ آلاف السنين إحدى أقدم حواضر التاريخ؛ فربما لن يعرف المدينة ولا أهلها، ولن يجد جذوره ولا قلبه ولا حتى لغته التي تركها في دمشق كما يقول في غير قصيدة، حال مئات آلاف الدمشقيين خصوصا وملايين السوريين عموما.

لم يعد مستغربا اليوم أن يسير المرء في حارات دمشق القديمة، التي تفتخر عائلات سكانها الأصليين "داخل السور" بنسبها وسكنها بها منذ مئات الأعوام، فيسمع اللهجات اللبنانية والعراقية واللغات الإيرانية والباكستانية والأفغانية. كما لم يعد خارجاً عن المألوف، مشهدُ مسيرات اللطميات ومواكب العزاء الشيعية، الغريبة عن الشام والشوام ذوي "الهوى الأموي"، من قبل من يوصفون بـ"الزوار" و"السياح الدينيين" الذين يأتون شهريا بعشرات الآلاف.

في الوقت نفسه، يتزايد بشكل متوازٍ شراء الإيرانيين للبيوت والعقارات في قلب دمشق، مع تأسيس المراكز التعليمية الشيعية والحوزات والحسينيات، بينما تكثر الحرائق "العرضية" في أحيائها وأسواقها وبيوتها التاريخية. رغم كل ذلك، فالمشهد على تخوم دمشق، في بلدات كبلدة السيدة زينب على سبيل المثال، أكثر سواداً، مع تحول البلدة إلى ما يصفه البعض بـ"المستوطنة الإيرانية".

هذه المشاهد الواضحة اليوم هي نتاج عملية ممنهجة وبطيئة ومعقدة، لم تبدأ منذ ثلاثة عشر عاما مع الثورة السورية فقط، بل قبل ذلك بكثير. إذ يضبط المعممون و"الرواديد" إيقاع لطم "الزوار" في مواكب العزاء، ومعها أفكارهم ومشاعرهم، على روايات وأغان تعزو جذور هذه العملية إلى "سبي العقيلة زينب" في معركة كربلاء، قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام، ولن تنتهي إلا مع قدوم المهدي المنتظر نهاية الزمان.

إنّ عملية "التشيع" هذه، هي الوجه الآخر الناعم للقوة الإيرانية، بجوانبها الثقافية والدينية والتعليمية. هذا ما تقبضه طهران اليوم ثمناً لما استثمرته في قوتها الخشنة، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، لانتشال النظام السوري من السقوط. أما "التشيع الثقافي" الموصوف أعلاه في دمشق، فهو أحد أضلاع التشيّع الثلاثة، إلى جانب "التشيع المجتمعي" و"التشيع الجغرافي".

تتداخل الأدوات وتتنوّع الأماكن التي تنفّذ فيها هذه الأشكال من التشيّع، غير أنّ السعي النهائي لها واحد؛ استكمال "الاستعمار الاستيطاني" بصيغته التقليدية. وكأي قوة، ناعمة أو خشنة، فالغرض النهائي لها هو السلطة والإكراه وفرض الإرادة على المخالفين لتحقيق المشروع السياسي. فهذا ما يحاول المقال تتبعه، إن المشروع الشيعي مشروع سياسيّ بحت وإن أخذ هيئة ولغة دينية.

"البعث الشيعي"

باستثناء القرنين الرابع والخامس الهجريين (الموافقين تقريباً للقرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين)، وتحديداً أثناء حكم الحمدانيين لحلب والفاطميين لدمشق، لم يكن للشيعة حضور سياسي بارز في سوريا. وبقيت أعدادهم محدودة كما تظهر الإحصاءات القليلة المتاحة، إذ ارتفعت فقط من 0.4% بإحصاءات عام 1953 الرسمية إلى 1% عام 2005، وذلك بحسب تقديرات "مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية"، ليصبح عددهم بين مئتي ألف ومئتين وخمسين ألف سوري تقريباً.

لذا تاريخياً، كان الشيعة في سوريا هم "الأقلية الأصغر دينيا"، التي يوجد أفرادها في "مجتمعات شديدة الانغلاق... [باقين] في عزلتهم غارقين في طقوس عزاء مقيم وبكائيات متواصلة على الإمام الحسين"، كما يصفهم الباحث والأكاديمي السوري عبد الرحمن الحاج في كتابه "البعث الشيعي في سورية". حيث تركز وجود الشيعة عموما في قرى دمشق وحلب وإدلب وحمص ودرعا، بجانب تواجدهم في دمشق القديمة بأحياء الجورة والخراب، والذي سيصبح "حي الأمين"، نسبة للشيخ الذي سيلقي أول حجر في المياه الراكدة.

ففي أواخر خريف عام 1901، وصل الشيخ "المجتهد الأكبر" السيد محسن الأمين الحسيني الشقرائي العاملي (نسبة لقرية شقراء وجبل عامل في لبنان) إلى حي الخراب في دمشق، بدعوة من شيعتها الذين طلبوا حضوره وإقامته بينهم، قادما من النجف التي أقام بها عشر سنين ونصف، أتم بها تعليمه حتى بلغ درجة الاجتهاد والإفتاء.

يروي الشيخ الأمين في مذكراته أنه حين وصل إلى دمشق وجد ثلاثة أمور هي "علة العلل": الأمية والجهل المطبق، والفرقة والحزبية، و"مجالس العزاء وما يتلى بها من أحاديث غير صحيحة" وعادات "ضرب الرؤوس بالسيوف والقامات... الملبسة لباس الدين"، لا سيما في المقام المنسوب للسيدة زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، في قرية راوية قرب دمشق، والتي أكد في أكبر كتبه؛ أعيان الشيعة، على أنها ليست مدفونة هناك أصلا، بل في المدينة المنورة.

ولمواجهة هذه العلل، سكن الشيخ الأمين في حي الخراب، وتصدر للإفتاء والمواعظ وفصل النزاعات، وكان من دعاة الإصلاح الديني بالفصل بين الشرع والعادات، إلى أن تجسدت جهوده هناك بمدرستين كبيرتين: "العلوية" للذكور، التي تعرف إلى اليوم بـ"المحسنية"، و"اليوسفية" للبنات، وقد كانتا من كبرى مدارس دمشق، وهما أول مدرستين للشيعة في سوريا الحديثة.

حفظ سكان "الخراب" للسيد الأمين فضله، فسموا الحي باسمه، ونقلوا رفاته من بيروت حيث توفي عام 1952 إلى دمشق، وتحديدا في الحضرة الزينبية التي لم يكن يصدق بوجودها وهو حيّ.

بعد وفاة الأمين بخمسة وعشرين عاما تقريبا، وتحديدا عام 1975، وصل إلى القرية "الخاوية والمهجورة"، التي تضم قبر الأمين، شاب عراقي هارب من ملاحقة النظام البعثي العراقي، عازم على إحياء يشبه ما قام به الأمين، وإن كان هذا الشاب، الذي اسمه آية الله السيد حسن الحسيني الشيرازي، يختلف عن الأمين في ثلاثة جوانب: أولا؛ كان مؤمنا ومصدقا للغاية بوجود مقام السيدة زينب، وثانيا؛ لم يكن يعد مرجعا دينيا أو سياسيا، وإن كان من عائلة الشيرازي المعروفة لدى الشيعة، وأخيرا؛ لم يكن توافقيا.

استطاع الشيرازي تجاوز المصاعب، المادية والاجتماعية قبل أي شيء، بإصرار وصل حد "الفظاظة". ففي حين استطاع الشيخ الأمين، كما يروي في مذكراته، أن يجمع مئات الليرات بناء على سمعته ومعرفته فقط، فإنّ الشيخ الشيرازي استأجر دارا صغيرة، أتبعها بشراء أرض سيقيم عليها "الحوزة الزينبية" المخصصة للتعليم الديني العالي. ستكون أول وأنشط حوزة دينية شيعية في سوريا، وثالث أهم حوزة شيعية في العالم بعد النجف وقم، ليكون إنشاء وتأسيس الحوزة في سوريا، كما ينقل أحد تلاميذه عنه، "جبراً للتاريخ الأموي والتاريخ الماضي… فلا بد أن نقيم ونبني حوزة علميّة لإحياء مذهب أهل البيت عليهم السلام  في عاصمة الأمويّين أعداء أهل البيت عليهم السلام".

ملف الشيعة - سوريا

بالطبع، لم يكن تأسيس الحوزة ولا إقامة المقام بعدها أمرا سهلا في منطقة سنيّة. من ذلك مثلاً، شكوى عدد من سكان القرية الصغيرة، من البطالة وقلة الأعمال التي سيطر الطلاب الأجانب على معظمها، فتجاوب معهم نظام حافظ الأسد الذي كان يشهد توترا طائفيا إثر أحداث الدستور، واعتقل منهم أربعة عشر طالبا، أفرج عنهم بعد أسبوعين بعد وساطة رئيس المجلس النيابي اللبناني.

بعد ذلك، بدأ الشيرازي بمزاحمة السنة بإقامة الصلاة الشيعية ووضع التربة الحسينية في مسجد المقام، مما أثار غضب السكان الأصليين الذين شتموه على المكبرات وحاولوا منعه بالقوة، بل وهاجموا بيته في حي الأمين، لدرجة أن طلابه طلبوا منه المغادرة، لكنه أصر وتشبث بمشروعه، إلى أن اكتمل بناء المقام بعمارته المهيبة عام 1990.

وعلى غرار "مقام السيدة زينب" الذي اكتشفه أو اخترعه الشيرازي، نشط المبشرون باستحداث مقامات أخرى تشابهه، والسيطرة عليها والتوسعة حولها، كما حصل في مقام الصحابي حجر بن عدي الكندي الذي عمل عبد الحميد المهاجر، تلميذ الشيرازي، على إقامته في عدرا بشكل يشابه طريقة شيخه، أو في حرم السيدة رقية الواقع في العمارة الجوانية داخل أحياء دمشق القديمة، حيث زاحم به الشيرازي أهل السنة الذين كانوا يؤمّونه لصلاة الجماعة إلى أن تركوه، ثم بدأت بشكل ممنهج، كما يقول الحاج في كتابه، عملية ممنهجة لإزالة البيوت المحيطة به تمهيدا لإقامة مقام كبير، انتهى بناؤه عام 1990؛ العام نفسه الذي قام به "مقام السيدة زينب"، أو مثلما جرى في مقام السيدة سكينة في داريا، التي لا يعرف عنها سكان المدينة السنة شيئا، والذي قام واكتمل بالطريقة نفسها.

هكذا، شهد النصف الأول من التسعينيات، توسع بناء الحوزات في محيط "السيدة زينب"، حيث قامت هناك أكثر من خمس حوزات علمية، وصولا إلى عام 1996، ثم توقفت إلى وفاة الأسد الأب عام 2000.

التحالف السوري الإيراني

إلى جانب نشاطه في الحوزة الزينبية التي استقبلت الطلاب من حول العالم، نشط الشاب الشيرازي بشكل موازٍ في جبال العلويين، تنفيذا لتوجيه أخيه المرجعية محمد الشيرازي، حيث أصدر من هناك بيانا شهيرا مطلع السبعينيات، قال فيه إن "العلويين شيعة... والعلويون والشيعة كلمتان مترادفتان مثل كلمتي الإمامية والجعفرية، فكل شيعي هو علوي العقيدة وكل علوي هو شيعي المذهب".

لم يكن صدى هذه الكلمات كبيرا خارج الدوائر المعنية حينها، إلى أن تلقفها المرجعية الشيعي اللبناني، موسى الصدر، وقدمها على شكل فتوى دينية، ذات أغراض سياسية، استخدمها صديقه حافظ الأسد ليشرعن رئاسته للجمهورية العربية السورية، تنفيذا لمواد الدستور الجديد الذي أثار في حينها موجة كبيرة من الاحتجاجات.

كانت هذه الفتوى، إحدى الأسباب التي أطلقت العنان للتحالف السوري- الإيراني الحذر، والذي وإن توسع سياسيا وعسكريا واقتصاديا، إلا أنه ظل محدودا ومحجما في الجانب الديني والثقافي، بين طرفين ينظر أحدهما للآخر على أنه "كافر" و"أصولي". الأمر الذي تُرجم إلى منع أي من أعضاء حزب الله وقياداته دخول سوريا حتى التسعينيات، ووضع إجراءات تقيد الوجود الإيراني وعملية التبشير، ومراقبة السفير الإيراني وملحقه الثقافي، كما يؤكد الحاج في كتابه "البعث الشيعي".

استمر هذا التقييد حتى مطلع التسعينيات، إذ أدى تغير الظروف السياسية الإقليمية والدولية، بانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية بسيطرة سوريّة، واندلاع حرب الخليج الثانية، إلى تراجع القبضة الأمنية على النشاط الشيعي الديني والثقافي، وهو ما ظهر بقدوم الأب الروحي لحزب الله محمد حسين فضل الله إلى "ضاحية السيدة زينب"، وفتح مكتب له هناك، وإلقائه الدروس في حوزاتها. وقد رافق ذلك قدوم الكثير من اللاجئين العراقيين عقب قمع "انتفاضة الجنوب" عام 1991، وكان منهم كثير من الناشطين الحركيين، من بينهم عبد الحميد المهاجر، والذي سمح له بإلقاء دروس دينية على التلفزيون الرسمي السوري عام 1991، والمبشر الشيعي علي البدري، الذي خرج بنشاطاته خارج دمشق إلى الأرياف السورية كلها، وتحديدا في شمال وشرقي البلاد، مفتتحا الحسينيات والمدارس الدينية.

وخلال ذلك، ومع هجرة آلاف العمال السوريين تحديدا من تلك المناطق، إلى لبنان عقب اتفاق الطائف، تشيّع المئات منهم إما باستغلال جهلهم أو فقرهم، فخلفيات هؤلاء العمّال العلمية والاقتصادية كانت متواضعة، ووضعهم الاقتصادي والثقافي مُهمّش، كما في حالة الأكراد المحرومين من الجنسيات.

ملف الشيعة - سوريا

التوسع والسيطرة

حين توفي حافظ الأسد عام 2000، لم تكن الاختراقات الكبيرة التي حقّقها المبشرون الشيعة بإقامة حوزات ومقامات وحسينيات للمرة الأولى، شيئاً يذكر، مقارنة مع فترة حكم ابنه بشار. ففي عام 2001، استؤنف بناء الحوزات بوتيرة غير مسبوقة، وبدون موافقة إدارية من وزارة الأوقاف أو التعليم العالي أو حتى أمنية من إحدى أجهزة المخابرات الكثيرة، ليتجاوز عددها اثني عشرة حوزة في السيدة زينب وحدها، إلى جانب ثلاث كليات للتعليم الشيعي، كما يوثقها عبد الرحمن الحاج في كتابه بالأسماء.

توازى ذلك مع انتشار كبير للحسينيات في القرى السورية من جنوب البلاد إلى شمالها، بتمويل من المرجعيات أو الحكومة الإيرانية أو المحسنين الخليجيين الشيعة، كما يرصد الحاج أيضاً، وصولا إلى إقامة "هيئة خدمة أهل البيت" النشطة على يد عبد الحميد المهاجر عام 2001، لتكون الذراع التبشيرية للحوزة الزينبية بمرجعيتها الشيرازية.

لم تستغرق الهيئة كثيرا لتظهر للعلن في أول موكب عزاء شيعي علني في دمشق، سار به ما يقارب ألفي شخص لمسافة عشرة كيلومترات من الحوزة الزينبية، مرورا بسوق مدحت باشا ثم سوق الحميدية، وصولا إلى حي العمارة حيث مقام السيدة رقية، وأخيرا إلى مقبرة باب الصغير. ولاحقاً، أصبح هذا الموكب عادة سنوية بالمناسبات الشيعية، ما أثار حفيظة الدمشقيين بهذه الطقوس العلنية، فرفعوا عريضة إلى رئاسة الجمهورية.

وفي الوقت نفسه، شجعت المرجعيات الشيعية المتنافسة على تأسيس مزيد من الهيئات التبشيرية، خصوصا مع لجوء المزيد من العراقيين إلى سوريا عقب الغزو الأمريكي، مثل "علي الأصغر لشباب كربلاء" و"هيئة المختار الثقفي" و"هيئة شباب البتول الطاهرة" و"هيئة شباب جعفر الطيار" و"هيئة خيام الإمام الحسين" و"هيئة شباب أهل البيت"، إلى أن أصبحت منطقة السيدة زينب "مستعمرة شيعية عراقية" بتلك الفترة، كما يصفها الحاج، وهو ما تؤكده الأنثروبولوجية إديث زانتو التي زارت "السيدة زينب" وأقامت هناك لسنوات، واصفة الطريق إليها بأنه "مكتظ بالحوزات والأسواق المليئة بالسياح الإيرانيين والخليجيين" بجانب اللاجئين العراقيين.

وبالتوازي مع الشيرازيين، عزز الخمينيون – الذين كانوا على خلاف معهم – حضورهم في سوريا عن طريق حزب الله، فقد شارك الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، في نهاية مايو/ أيار 2002، بمناسبة المولد النبوي الشريف و"أسبوع الوحدة الإسلامية" الإيراني بمشهد النقطة في مدينة حلب، لأول مرة بنشاطات دينية في الأراضي السورية، رافقها "زواج جماعي" هو الأول من نوعه في حلب.

هكذا، حتى بلغ حضور حزب الله في سوريا ذروته، عقب "النصر الإلهي" كما يسميه في عام 2006، فرفعت أعلام الحزب على البيوت والسيارات، وألصقت صور حسن نصر الله على السيارات، وبات رمزا عربيا للانتصار.

أثارت نشاطات التشيع هذه "هلع" السنة، على اختلاف مواقفهم وتوجهاتهم السياسية، فأصدر العلماء الكبار منهم بيانا إلى رئيس الجمهورية ينتقدون فيه انتشار الحوزات دون ترخيص. ترافق ذلك مع تحذيرات سياسية ودينية داخل سوريا وخارجها، ربما كان أشهرها هجوم الشيخ السوري الشهير محمد سعيد رمضان البوطي على المنبر، على سيطرة الشيعة على المقامات، وما وراء ذلك من أهداف سياسية، معتبرا إياها منطلقا لإثارة الفتن. وكذلك تحذير العاهل الأردني عبد الله بن الحسين من "الهلال الشيعي"، الذي تسير به التحالفات السياسية والعسكرية والاتفاقات الاقتصادية جنبا إلى جنب مع التشييع.

ارتفع التشيع أضعافا مضاعفة عما كان عليه قبل وصول حافظ الأسد للسلطة، من عدد لم يتجاوز الألف شخص خلال الفترة الممتدة بين 1919-1970، إلى 76 ألف شخص تقريبا بين عامي 1970 و2007، منهم 21% من السنة، وغالبيتهم من منطقة الجزيرة السورية (في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة)، كما وثق ذلك الحاج في كتابه.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، لن تختلف هذه المسارات بشكل نوعي، لكنها ستتضاعف، لتسرع الغاية النهائية بـ"الاستعمار الاستيطاني" في مناطق أخرى على غرار السيدة زينب.

ملف الشيعة - سوريا

أوجه التشيع الثلاثة

قبل ما يقارب القرنين، وضع المنظر والجنرال البروسي كارل فان كلاوفيتز مقولته الشهيرة "عن الحرب"، بأنها "استمرار للسياسة بوسائل أخرى". بعد ذلك بقرن تقريبا، قال ماكس فيبر، أحد أبرز منظري علم الاجتماع، إن "السياسة بجوهرها تحوم حول النزاع لفرض القوة، التي تجعل فاعلا ما في علاقة اجتماعية قادرا على فرض إرادته على الآخرين رغم مقاومتهم".

بعد ذلك بقرن آخر، وتحديداً عام 2004، قال المنظر الأمريكي جوزيف ناي إن هناك "قوة ناعمة" تلجأ لها السلطة لجعل الآخرين يريدون ما تريده، بالإقناع والإغراء، بدلا من الفرض والإكراه، ثم أتبعها بحديث عن "القوة الذكية"، التي تجمع القوتين الناعمة (التشيع وغيره من النشاطات الدينية والتعليمية والثقافية) والخشنة (العسكرية والسياسية)، كما هو الحال مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سوريا، وخصوصا بعد الثورة السورية.

عندما اندلعت الثورة السورية وتدخلت إيران بكل قوتها، لإنقاذ حليفها النظام السوري من السقوط والحفاظ على موطئ قدم لها في "حلقة المحور الذهبية"، ورغم أن الهدف المعلن كان دينيا وثقافيا بامتياز متمثلا بـ"حماية المراقد"، كان واضحا تماما لدى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الذي هندس هذا المحور وأشرف عليه بداية، أن الأولوية الكاملة الآن للجوانب العسكرية والأمنية، "لإخراج النظام من السقوط، وبعدها يمكن أن ننظفهم ونلبسهم ونطعمهم ليقرؤوا دروسهم ويؤدوا عباداتهم". بل وعملت إيران على الاستفادة مما استثمرته من قوتها الناعمة في مسار قوتها الخشنة، وهو ما برز مثلا بتحول "مدينة السيدة زينب" لقاعدة عسكرية انطلقت منها منذ بداية الثورة العديد من المليشيات المشتركة بين العراقيين والسوريين، مثل "لواء أبي الفضل العباس" و"أسد الله الغالب" ، أو "لواء الباقر" المشكل من عشيرة البكارة المحلية في حلب ودير الزور.

ولذا، وبعد أن أقامت إيران نقاط قوتها الخشنة الستمئة تقريبا، أي قواعدها العسكرية ونقاطها ومراكزها الأمنية، سواء لقواتها النظامية أو لميليشياتها المحلية والأجنبية الممتدة على طول البلاد؛ باتت قادرة اليوم على قبض ثمن استثمارها المكلف، عسكريا وبشريا وماليا، فهي تنشر في مناطق سيطرتها أكثر من مئة "مركز نفوذ غير عسكري"، ذات أغراض دينية وإغاثية وتعليمية وثقافية واقتصادية، على غرار المقامات والحوزات والحسينيات والكليات الدينية والجمعيات الخيرية والمستوصفات والمشافي والمصانع، يتركز معظمها في حلب ودمشق (وريفها) ودير الزور. ويمكن اعتبار كل منطقة من هذه المناطق نموذجا فارقا لأحد جوانب التشيع الثلاثة المتداخلة بدرجات متفاوتة: التشيع الثقافي، والتشيع الاجتماعي، والتشيع الجغرافي.

في دمشق وريفها، حيث لم تستطع إيران أن تخترق النسيج الشامي المحلي بتشييع السكان، عمدت إلى فرض ثقافة شيعية على المكان، أظهرتها بتوسع بناء الحسينيات والحوزات والمقامات، وبالاستعراض لمواكب العزاء في شوارع المدينة وريفها وطقوس اللطم والجلد، مترافقة مع جانب من "التشيع المكاني" بتكرار ما قام به الشيرازي وأتباعه، باستيلائهم على الأراضي والبيوت المحيطة بمقام السيدة زينب أو السيدة رقية، خصوصا في الأماكن الاستراتيجية دينيا أو سياسيا، كما في شريط الحدود السورية اللبنانية أو في قلب دمشق القديمة، مستفيدة من قوانين الملكية التي يتملك بها النظام أملاك المهجرين، بحيث يبدو المكان لمن يراه من الخارج شيعيا، وإن لم يكن كذلك.

وفي موازاة ذلك، وخصوصا في تلك البيوت أو الأحياء التي لم تستطع إيران أو وكلاؤها السيطرة عليها، شراء أو تملكّا، في دمشق القديمة، وقعت عدة حرائق "عرضية" متتالية منذ عام 2016، أبرزها "سوق العصرونية" قرب "مقام السيدة رقية" و"سوق الحميدية"، ثم منطقة "باب الجابية" و"سوق البزورية" الشهير عام 2017. وبشكل طبيعي، توجهت أصابع الاتهام للمستفيد الرئيسي من هذه الحرائق: إيران ومليشياتها.

ملف سورا

أما في الجزيرة السورية، فقد واصل النظام ما بدأه قبل الثورة بتشييع السكان المحليين، متكئاً على حاجات الناس المادية أو جهلها، إذ يستهدفهم من خلال تقديم الإعانات النقدية والخدمات العامة والتعليم المجاني، كما يعمل على توفير بطاقات شخصية ورواتب مقابل الانضمام للمليشيات الإيراني. يروي أحد عمال الإغاثة في القامشلي: "إذا كنت طالبا فإنهم يقدمون المنح، وإذا كنت فقيرا فإنهم يقدمون لك المساعدة، ومهما كانت حاجتك فهم على استعداد لتلبيتها، حتى تصبح شيعيا".

لذا، تتواجد مراكز التجنيد والمراكز التعليمية والجمعيات الخيرية والحسينيات جنبا إلى جنب على طول القواعد العسكرية الممتدة على نهر الفرات في شمال شرقي سوريا. وهناك، يحصل التجنيد للسكان الأصليين بعد تعليمهم وتشييعهم، أو التجنيس للأجانب المقاتلين، خصوصا أن هذه المنطقة تقع تحت سيطرة وكلاء من مليشياتها الأجنبية، وعلى رأسها زينبيون الباكستانية وفاطميون الأفغانية.

بطبيعة الحال، لا توجد إحصائية دقيقة لأعداد المتشيعين دينيا، لكن إحصائية أجريت عام 2020 لأعداد المنتسبين من السكان الأصليين لـ "فصيل زينبيون"، إذ بلغت ثلاثة آلاف و150 منتسبا في البوكمال، وثمانية آلاف في الميادين، يقبض المنتسبون منهم للتعلم الديني واللغة الفارسية 150 ألف ليرة سورية، بينما يحصل المقاتلون على 200 دولار.

أخيرا، وكما حصل في حلب وريفها، يحصل في ما شابهها من مناطق فرغت من سكانها عقب معارك طويلة وطاحنة جعلتها أثرا بعد عين. سواء أكان ذلك باتفاقيات التهجير (كما في مدينة حلب وداريا) حيث أخرج المقاتلون وعائلاتهم بالباصات الخضراء، أو باتفاقات التبادل (كما في الزبداني ومضايا)، أو بدرجة أقل ضمن ما عرف باتفاقيات المصالحة، مثلما احتلت حلب الشرقية المليشيات الشيعية المحلية أو الأجنبية على السواء، كما في حالة "لواء الباقر" أو "لواء النجباء" أو "عصائب أهل الحق" المقربين من إيران، أو كما في حالة سيطرة "حزب الله" الكاملة على منطقة القصير الاستراتيجية بين سوريا ولبنان، وإحضار عائلات المقاتلين للعيش بها هناك.

تكتفي هذه المليشيات باحتلال هذه المناطق الفارغة من سكانها اليوم، والاستيلاء عليها وبما فيها من ممتلكات، والتوسع بها شيئا فشيئا، في سعي لإحياء الخراب – حرفيا –، مثلما فعل الشيخ الأمين، واستنساخ نموذج "بلدة السيدة زينب"، كما فعل الشيرازي.

الاستعمار الاستيطاني

ليس من الصعب تعريف الاستعمار الاستيطاني، إذ يكفي النظر لنماذجه التاريخية الشهيرة كما في الولايات المتحدة أو أستراليا قديما، أو حتى "إسرائيل" حديثا، التي قامت على إبادة ملايين السكان الأصليين والسيطرة على أراضيهم وممتلكاتهم، وجعل من تبقى منهم يشبه المُستعمَر أو بدرجة دونه. في هذا النوع من الاستعمار، هناك عنصران مستهدفان، هما: العمران بما فيه من الأرض والممتلكات، والإنسان بما فيه من ثقافة وهوية ودين.

هكذا، وبجمع جوانب القوة الناعمة الثلاثة معا، من تشيع ثقافي وتبشير واحتلال، ثم وضعها جنبا إلى جنب مع القوة الخشنة، يكتمل النموذج في سوريا ليقارب نموذج الاستعمار الاستيطاني. لقد توافقت إيران في ذلك مع هدف النظام السوري في خلق "مجتمع متجانس"، بل وتفوّقت عليه بالتغيير والهندسة الديمغرافية، اللذين عملت بهما على إفراغ مناطق بأكملها من سكانها، وإحلال سكان آخرين يشبهونها مكانهم. جرت هذه العملية أما عبر تشييع السكان الأصليين وإما بجلب السياح والأجانب والمقاتلين الشيعة والعمل على تجنيسهم، في توسيع وتكرار لما قامت به أول الأمر، حين حوّلت "قرية راوية" السنية التي كانت تضم مقاما يقال إنه للسيدة زينب، إلى "مستوطنة" أو "مستعمرة" تسمى "بلدة السيدة زينب"، والتي لم يعد يوجد فيها سني واحد.

البداية
المقدمة

المصدر : الجزيرة