توسيع الاستيطان وتهويد القدس في ميزان صراعات اليمين الصهيوني

A view shows the Israeli settlement of Ramat Givat Zeev in the Israeli-occupied West Bank March 19, 2020. REUTERS/Ammar Awad
A view shows the Israeli settlement of Ramat Givat Zeev in the Israeli-occupied West Bank March 19, 2020. REUTERS/Ammar Awad
جانب من مستوطنة غيفعات زئيف في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جانب من مستوطنة غيفعات زئيف في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

منذ سيطر اليمين الصهيوني، برئاسة بنيامين نتنياهو، على الحكم وأنشأ حكومة "يمين كامل" ضمت رمزي التطرف بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، انطلقت الصرخات من أجل توسيع الاستيطان وتهويد القدس وفرض السيادة على الضفة الغربية. ووفرت الحرب الجارية فرصة لقطعان المستوطنين للعربدة في مدن وقرى الضفة الغربية بشكل غير مسبوق تحت سمع وبصر وتشجيع الجيش الإسرائيلي. كما أن احتلال الجيش الإسرائيلي لمناطق واسعة من قطاع غزة أحيا من جديد مشاريع إعادة الاستيطان في القطاع بعد فشل مشروع التهجير.

واليوم يدور صراع شديد بين معسكرين في إسرائيل، أحدهما يدعي القدرة على فرض إرادته والسيطرة على مزيد من الأرض لصالح الاستيطان مرورا بطرد وتهجير الفلسطينيين، وآخر يعدّ ذلك مستحيلا في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة. ومن المؤكد أن المعسكر الأول يعتقد أن بالوسع إدارة حرب بلا نهاية في القطاع خصوصا بعد إبرام اتفاق لوقف النار في لبنان.

وهؤلاء لا يأخذون بالحسبان القانون الدولي ولا مقومات الصمود لدى المجتمع الإسرائيلي حاضرا، ويؤمنون بأن بوسع إيمانهم المسيحاني تحقيق كل أهدافهم في الضفة والقطاع على حد سواء. فقد قال سموتريتش يوم الأحد الماضي في مؤتمر صحيفة "إسرائيل هيوم" الأمني "ما الذي يزعجكم في فتح غزة أمام أولئك الذين يريدون بناء حياة مختلفة في مكان آخر؟"، أما وزير الزراعة الليكودي آفي ديختر فقال في المؤتمر إن "على العالم العربي إيجاد حل لمشكلة الاكتظاظ السكاني في قطاع غزة".

JERUSALEM - SEPTEMBER 30: Israeli Minister of Internal Security Avi Dichter celebrates the holiday of Sukkot at the Western Wall September 30, 2007 in Jerusalem, Israel. Sukkot, also known as the Feast of Tabernacles, is a seven-day festival, which began this year on September 26. (Photo by Moshe Milner/GPO via Getty Images)
آفي ديختر قال إن معالجة مشكلة الاكتظاظ في غزة مسؤولية عربية (غيتي)

وفي هذا السياق، لا تضير هؤلاء الاتهامات الدولية بالإبادة الجماعية وارتكاب جرئم الحرب في القطاع، وهم يعتبرون حتى إقرار وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق الجنرال موشي يعالون بحدوث جرائم الحرب وأشكال إبادة جماعية مجرد نباح والقافلة تسير. ففي نظرهم لديهم حساب في القطاع يتمثل في إزالة عارين: الانفصال وتفكيك المستوطنات في عهد شارون، وكارثة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويرون أن تحقيق أهداف الاستيطان في قطاع غزة تتقدم على هدف وقف الحرب وإعادة الأسرى لدى حركة حماس.

غير أن هناك من يشدد على الفشل الكبير لليمين المسيحاني في مخططاته وخصوصا في عجزه عن تهجير الفلسطينيين من ناحية وفي حشد اليهود للاستيطان في قلب المراكز السكانية الفلسطينية. وحسب تحقيق نشرته "هآرتس" للباحثين شاؤول أرئيلي وسيون هيرش هافلر وجلعاد هيرش بيرغر، فإن نسبة المستوطنين في الضفة لا تزال تشكل 5% من سكان إسرائيل، ونسبتهم من عديد سكان الضفة لا تزيد عن 14%. وطبعا يحصل هذا، رغم كل الجهود الحكومية والشعبية والتسهيلات والعربدات التي تقوم بها القوى اليمينية وفتية مستوطني التلال. ويقول الباحثون في تقريرهم إن "الخطة الرئيسية" التي يدفع بها اليمين المسيحاني القومي بكامل قوته، وبهدف منع حل الدولتين والضم المستقبلي، تصطدم بواقع ديمغرافي معاكس. ويرون أن رفض سموتريتش وبن غافير إنهاء الحرب يكمن في رغبتهما في كسب الوقت لتحقيق "الخطة الرئيسية" لمنع حل الدولتين.

8 أهداف

وبحسب "هآرتس"، فإن تحقيقا متعدد السنوات أجرته مجموعة "تمرور" شخّص ثمانية أهداف في الخطة الإستراتيجية لليمين وهي:
1- خلق تواصل بين المستوطنات اليهودية ضمن خطة ألون بين، وحول مدينتي نابلس ورام الله.
2- خلق تواصل استيطاني على طريق يربط المدن الفلسطينية من الخليل جنوبا حتى جنين في الشمال، مما يسمح بالسيطرة على طرق الوصول إلى هذه المدن وقطع أوصالها وقت الحاجة، وبالتالي منع قيام دولة قابلة للحياة فيها.
3- ربط المستوطنات المعزولة لمنع تكرار تقديم مشاريع لإخلاء هذه المستوطنات، وذلك عبر تشريع إقامة خمس بؤر استيطانية شرقي ألون موريه وست بؤر شرق إيتمار، وإنشاء طرق رئيسية للوصول إليها مثل الشارع الالتفافي حول حوارة.
4- خلق تواصل استيطاني بين أرئيل ومستوطنات عيلي وشيلو، وإنشاء 21 بؤرة استيطانية تمت شرعنة بعضها كأحياء في مستوطنات قائمة أو كمستوطنات جديدة.
5- عدم الاكتفاء بالكتل الاستيطانية القائمة، والعمل على خلق أربع كتل جديدة في أنحاء الضفة الغربية.
6- خلق تواصل جغرافي بين غوش عتسيون والقدس، وبالتالي فصل قرى بتير وحوسان والولجة ونحالين ووادي فوكين عن بيت لحم.
7- استكمال المناطق العازلة الاستيطانية عبر عزل رام الله عن القدس وبيت لحم عن القدس وبيت صفافا عن بيت لحم وما شابه.
8- خلق تواصل استيطاني بين القدس وغور الأردن مرورا بمعاليه أدوميم عبر إنشاء 14 بؤرة استيطانية.

جانب من مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ووفق تحقيق "تمرور"، فإن "تكتيك اليمين المسيحاني يشمل خطة عمل متنوعة، لكنها خطة كررت نفسها في العشرين سنة الأخيرة من خلال سحق القانون الدولي والقانون الإسرائيلي بقدم فظة: إقامة بؤر استيطانية غير قانونية، وشرعنة بؤر قائمة غير قانونية، وشق الشوارع وإقامة البنى التحتية، وهدم بيوت الفلسطينيين، وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين بدءا بالازعاج اليومي وحتى المس بالممتلكات وطرد التجمعات والإصابة وحتى القتل".

ميزان هجرة سلبي إلى الضفة ورهان على ترامب

ترامب (يسار) ونتنياهو خلال لقائهما بفلوريدا في يوليو/حزيران الماضي والمستوطنون يراهنون على التوسع في البناء خلال عهده (وكالة الأناضول)
ترامب (يسار) ونتنياهو خلال لقائهما بفلوريدا في يوليو/حزيران الماضي (وكالة الأناضول)

ولاحظ التحقيق أنه رغم سيطرة مستوطنين على مراكز القرار الرئيسية في الحكومة والإدارات المحلية، فإن غايات الاستيطان لم تحقق كما يريد أصحابها. وهكذا مثلا صاروا يتوجهون إلى الجهات الأضعف في المجتمع اليهودي وخصوصا الحريديم والشبان الصغار.

ويكشف أن "نسبة الحريديم في أوساط المستوطنين في الضفة هي 35% (ثلاثة أضعاف نسبتهم في إسرائيل)، ويوجد لذلك تداعيات أهمها:

  • نسبة الأطفال حتى جيل 19 سنة هي 50% من إجمالي السكان بالضفة، الأمر الذي يستتبع ارتفاعا مستمرا في مدفوعات التأمين الوطني والرفاه.
  • نسبة الإسرائيليين في الضفة ممن يوجدون في العنقود الاقتصادي الاجتماعي المتدني (العنقود 1) تواصل الارتفاع (42%)، الآن تقريبا نصف السكان بحاجة إلى الدعم الحكومي.

وبين أن "الفشل الديمغرافي والجغرافي (إجمالي المساحة الاستيطانية المبنية هي 1.5% فقط من أراضي الضفة الغربية)، نتجت عنه في السنوات الأخيرة ظاهرة المزارع (التي هي جزء من البؤر الاستيطانية غير القانونية). حسب معطيات حركة "السلام الآن" و"كيرم نبوت"، فإنه يوجد الآن ليس أقل من 108 "مزارع"، التي يعيش فيها عدد قليل من الأشخاص، معظمهم من الشباب الذين سيطروا على حوالي 650 ألف دونم (12% من مساحة الضفة) عن طريق إبعاد الفلسطينيين بوسائل قانونية وغير قانونية".

محاولة يائسة

ورغم كل الجهود الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، فإن مشروع الاستيطان في الضفة بعيد عن أن يحقق أهدافه. ومن معطيات دائرة الإحصاء المركزي وحسب "هآرتس"، فإنه "في أغسطس/آب 2024 يبدو أن جميع هذه الخطوات تدل على محاولة يائسة لمنع إمكانية تحقيق حل الدولتين، وشرعنة ضم الضفة الغربية أو معظمها (مناطق ج). هذه محاولة يائسة لأن جميع الخطوات التي يقوم بها المستوطنون فشلت إزاء التوجهات الديمغرافية السلبية التي توجد في أوساط السكان الإسرائيليين في الضفة الغربية.

وللمفارقة، الاحتكاك الذي يبادر إليه المستوطنون من أجل إشعال الضفة واستغلال ذلك لطرد الفلسطينيين، يؤدي إلى نتيجة عكسية. فحسب الأرقام منذ بداية السنة، غادر الضفة الغربية 791 إسرائيليا أكثر ممن انتقلوا إليها (ميزان هجرة إجمالية سلبي) و623 غادروا إلى إسرائيل (ميزان هجرة داخلية سلبي)، وللمرة الأولى في العقد السابق غادر إلى الخارج 168 أكثر ممن جاؤوا (ميزان هجرة دولية سلبي)".

An ultra-Orthodox Jew holds Israel's national flag near the scene of a stabbing in the West Bank Jewish settlement of Beitar Illit, November 8, 2015. A Palestinian woman stabbed and lightly injured a security guard who than shot and wounded her at the entrance to the settlement in the occupied West Bank, an Israeli military spokeswoman said. REUTERS/Ronen Zvulun
صهيوني متطرف يحمل علما قرب مستوطنة بيتار عليليت بعد طعن زميل له عام 2015 (رويترز-أرشيف)

ورغم أن الوقائع عنيدة، فإن الجهات الاستيطانية لا تمل ولا تتوقف عن محاولاتها وهكذا يبدو مما كشفته صحيفة "إسرائيل اليوم" اليمينية عن "الخطة العملية للاستيطان في الضفة في عهد ترامب". وأفادت الصحيفة بأنه في الأسبوع الفائت عقد في فندق "رمادا" في القدس مؤتمر نظمه مجلس المستوطنات لبحث تجسيد خطة الاستيطان، التي تتضمن بناء أربع مدن استيطانية في الضفة بينها مدينة درزية، والسيطرة على أراض وإنشاء سلطات إقليمية تحت السيطرة الإسرائيلية خلال عهد ترامب.

وحسب "إسرائيل اليوم" فإن "أحد المواضيع الأهم في الخطة يتصل بمستقبل السيطرة على المنطقة. إذ أن تعبير فرض السيادة رغم وجوده على الطاولة بشكل بارز في هذه الخطة، لكن التفاصيل التي تمت مناقشتها من هذه الشخصيات المعنية بتخطيط الاعمال، لا تتضمن ذلك صراحة وإن كانت تفترضه عمليا. الشخصيات العامة تقترح "العودة الى نقطة القرار – إلى واقع ما قبل أوسلو، بدلا من "الثرثرة". أو بكلمات أخرى: إلغاء السلطة الفلسطينية بالأمر الواقع.

وفي الطريق خطة لتوسيع سيطرة المجالس الإقليمية للمستوطنات والسيطرة على القرى العربية خصوصا في المنطقة "ج"، ومنح العرب في هذه المناطق مكانة "مقيم" كحال الفلسطينيين في شرقي القدس.

ومن الاقتراحات التي نوقشت مستقبل المنطقة بأسرها، حيث كان أحد الاقتراحات البارزة إلغاء السلطة الفلسطينية وبدلا منها تتم إقامة سلطات بلديات عربية، مما يجعل إسرائيل بمفاهيم معينة فدرالية. "حل الدولتين يجب أن يشطب إلى الأبد، حسب توجه واضح للمستوى السياسي"، وفقما كتبت "إسرائيل اليوم".

أملاك القدس

وإذا لم يكن هذا كافيا فإن سموتريتش -إضافة إلى توليه وزارة المالية هو وزير لشؤون الاستيطان في وزارة الدفاع- عيّن أحد الناشطين في مجال تهويد القدس مديرا لأملاك الفلسطينيين في القدس الشرقية. وحسب "هآرتس" أعاد سموتريتش تشكيل مكتب القيم على أملاك الغائبين بتعيين متطرف من مؤسسي جمعية تهويد القدس يدعى حنانئيل غورفنكل رئيسا لهذا القسم.

وهذا يعني وضع أملاك الفلسطينيين في شرقي القدس، وكثير منهم يعتبرون غائبين، تحت إمرته. وحسب القانون الإسرائيلي، فإن كل أملاك العرب الذين غادروا المناطق المغتصبة عام 1948 توضع تحت إشراف القيم على أملاك الغائبين وتدار لصالح الدولة اليهودية. وفي القدس، فإن ملاك العقارات حتى الذين يعيشون في الضفة المحتلة يعتبرون غائبين وتخضع عقاراتهم للقيم على أملاك الغائبين.

وزير المالية الإسرائيلي المتطرف سموتريتش يجهش بالبكاء منصة اكس - @bezalelsm
سموتريتش عيّن قيما على أملاك الغائبين (مواقع التواصل الاجتماعي)

ومعروف أن غورفنكل سبق أن دعا إلى منع استمرار "الاحتلال العربي" للقدس، وطالب بطرد الطلاب العرب من  جامعة التخنيون. ومعروف أنه من خلال وظيفته في وزارة العدل حرم العرب من كثير من أملاكهم، وسهل للمستوطنين الاستيلاء على الكثير من العقارات بدعوى أنه سبق ليهود أن كانوا في الماضي مالكين لها.

ومن المؤكد أن هذا التعيين سيسهل عمليات سلب أرضي وعقارات المقدسيين وتسريبها إلى الجمعيات الاستيطانية خدمة لمشروع تهويد المدينة المقدسة، والتي تصاعدت في ظل الحرب وبرعاية حكومة اليمين المتطرف.

المصدر: الجزيرة