عالمنا الذي يحترق.. كيف صنع الإنسان "القبة الحرارية"؟

يساهم الاحترار العالمي في زيادة حدة الجفاف جنوب الولايات المتحدة استخدام متاح من ماكسبيكسل ***مع ضرورة ذكر Max Pixel***

في افتتاح مؤتمر الأطراف حول المناخ "كوب 27" (COP 27) بمصر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "إن البشرية أمام خيار التعاون أو الهلاك؛ فإما يكون عهدا على التضامن المناخي أو عهدا على الانتحار الجماعي. نحن نسلك الطريق السريع نحو الجهنم المناخي ونواصل الضغط على دواسة السرعة".

ويؤكد الصيف اللاهب الذي يمر على البشرية في مختلف أنحاء العالم أن البشرية ما زالت تضغط بقوة على دواسة السرعة؛ فحسب بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية فإن مطلع يوليو/تموز الجاري كان الأسبوع الأشد حرارة على الإطلاق في كوكب الأرض، وشهر يونيو/حزيران الماضي كان الأعلى أيضا جراء "الاحتباس الحراري".

ويعود ارتفاع درجات الحرارة القياسي خلال هذه الفترة إلى ظاهرة القبة الحرارية التي تحدث في طبقات الجو العليا (ستراتوسفير) حيث تكون درجات الحرارة متدنية، في الوقت الذي تكون فيه درجات الحرارة مرتفعة في طبقات الجو الدنيا المعروفة بالتروبوسفير.

وأشارت المنظمة إلى أن الطقس المتطرف الناتج عن ارتفاع درجة حرارة المناخ "أصبح للأسف الوضع الطبيعي الجديد".

ولطالما حذّر العلماء من أن تغير المناخ المرتبط بالأنشطة البشرية سيؤدي إلى زيادة شدة وتواتر الظواهر الجوية القاسية. ورغم أن صيف عام 2023 كان استثنائيا في تأكيد التغيرات المناخية الخطيرة التي تعصف بالكوكب، فإنه أظهر مؤشرات كبيرة على المستقبل المعتم في السنوات والعقود القادمة.

وليست الحرارة المفرطة المظهر الوحيد للتغير المناخي؛ ففي مختلف القارات هناك أنهار وبحيرات تجفّ وأخرى تختفي، وحرائق هائلة غير مسبوقة، وفيضانات عارمة وتساقطات غزيرة في مناطق تعدّ جافة، وجفاف تام في أماكن أخرى، وارتفاع منسوب المياه في المحيطات، وحرارة غير مسبوقة في مناطق تعدّ باردة.

لقد تلاشى مفهوم الفصول الأربعة والمتغيرة، وحل محلها "المناخ المتطرف". ويعزى هذا التطرف في المناخ بالأساس إلى الأنشطة البشرية ورعونة النمط الاستهلاكي المفرط والبحث عن الرفاهية على حساب النظام البيئي وتوازنه والمستقبل الجماعي للبشرية.

Close-up of thermometer on the sand showing high temperature. shutterstock_1432977836
درجات الحرارة وصلت في عدة دول إلى مستويات قياسية (شترستوك)

حسب تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التابعة للأمم المتحدة؛ يشكل تغيّر المناخ بوتيرته الحالية تهديدا خطيرا لسلامة الأرض، بما يسببه من اضطرابات خطيرة في الطبيعة، ولتأثيره على حياة مليارات البشر، لا سيما مع تزايد وتيرة الأحداث المناخية المتطرفة وغير المسبوقة، بفعل زيادة الاحترار العالمي، وفق معظم التقارير ذات الصلة.

وفي آخر تقاريرها، تشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) إلى احتمال بنسبة 50% أن تصل درجة الحرارة العالمية مؤقتا إلى عتبة 1.5% في السنوات الخمس المقبلة، انعكاسا لظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيراتها الواسعة على البشر الذين يديرون الكوكب الأخضر وموارده ونظامه البيئي الحساس برعونة، بحثا عن مزيد من الرفاهية والتطور.

وتؤكد تلك التقارير أن درجة حرارة الأرض شهدت منذ عام 1970 حتى الآن ارتفاعا أسرع من أي 50 عاما أخرى طوال 6500 عام.

فمنذ أن بدأ الإنسان حرق المواد الأولية والأحفورية لتلبية حاجاته الأساسية، ثم الثانوية (الخشب ثم الفحم ثم النفط والغاز...)، والاستغلال النهم للثروات الطبيعية؛ تحول النشاط البشري إلى "وحش" يلتهم البيئة التي يعيش فيها، ويخلّ بشكل متسارع بالتوازن الهش للطبيعة، وينتج قدرا هائلا من الملوثات والغازات الدفيئة التي تسببت في معظمها الدول والكيانات الصناعية الكبرى.

الغازات الدفيئة هي غازات توجد في الغلاف الجوي لكوكب الأرض، وتتميز بقدرتها على امتصاص الأشعة تحت الحمراء التي تطلقها الأرض، فتحتفظ بها وترفع درجة حرارة الهواء، وبذلك تقلص ضياع الحرارة من الأرض إلى الفضاء فتسهم في تسخين جو الأرض، وبالتالي ظاهرة الاحتباس الحراري والاحترار العالمي، مثل ثاني أكسيد الكربون (CO2)، والميثان (CH4)، وأكسيد النيتروس (N₂O)، والغازات الصناعية، وسداسي فلوريد الكبريت (SF6).

ومنذ أول مؤتمر عالمي للبيئة في ستوكهولم عام 1972، وما تلاه من قمم ومؤتمرات دولية حول قضية المناخ، لم يفلح المجتمع الدولي في كبح جماح النزعة الاستهلاكية المفرطة لثروات الأرض، والتدمير الممنهج للنظام البيئي بحثا عن مزيد من الرفاهية غير المتوازنة عالميا، ولم تفرض الحلول اللازمة التي تجنب البشرية فعليا ذلك "الانتحار الجماعي" الذي تحدث عنه غوتيريش.

ويشير اللون الأحمر في الفيديو -وهو من إنتاج وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)- إلى معدل زيادة درجة حرارة الأرض من سنة 1880 إلى 2021، وكيف تسارعت وتيرتها خلال العقود الأخيرة جراء تكثف الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

تطرف الإنسان وتطرف المناخ

heat weather
ارتفعت درجات الحرارة في مختلف أنحاء العالم في السنوات الماضية (شترستوك)
ارتفعت درجات الحرارة في مختلف أنحاء العالم في السنوات الماضية (شترستوك)

منذ الثورة الصناعية في أوروبا منتصف القرن 18، واكتشاف معادن ومصادر طاقة جديدة، وتطور وسائل الإنتاج والتوسع في التصنيع والاختراعات، ازداد نهب موارد الطبيعة واستغلالها بشكل هائل وغير متوازن، مع كل قفزة جديدة يحققها البشر في اتجاه البحث عن الرفاهية المطلقة.

​تبعا لذلك، بدأت كميات هائلة من الملوثات والغازات الدفيئة تتسرب في الهواء، وأدى تركزها وتكثفها في الغلاف الجوي إلى تدمير النظام البيئي الهش، وزيادة درجات حرارة الأرض، ونشوء تقلبات مناخية غير متوقعة، وتحوّل الأرض تدريجيا إلى مكان يفقد قابليته للحياة.

ويبين الإنفوغراف التالي الزيادة الهائلة لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في العقود الأخيرة (1980-2020).

والغازات الدفيئة ضرورية لإبقاء الكوكب قابلا للحياة، فمن دونها قد تصل درجة حرارة الأرض إلى 20 درجة تحت الصفر، لكن تصاعد نسبتها يؤدي إلى نتائج عكسية تنتج عنها ظاهرة الاحتباس الحراري.

انفوغراف حجم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميا منذ سنة ١٩٠٠ حتى سنة ٢٠٢١ بالمليار طن

وتنشأ ظاهرة الاحتباس الحراري عندما تمتص الغازات الصاعدة من الأرض الأشعة دون الحمراء داخل غلافها الجوي، وتتحول بذلك إلى ما يشبه الزجاج الذي يرفع حرارة ما تحته عند تعرضه لحرارة من الأعلى.

ويؤدي وجود تلك الغازات ضمن الغلاف الجوي للأرض إلى ارتفاع حرارتها بسبب خاصية امتصاص الأشعة دون الحمراء التي توجد في الغلاف الجوي. ومع احتباس الحرارة ضمن الغلاف الجوي وعدم تشتتها تنشأ ظاهرة الاحتباس الحراري.

نقمة الرفاهية

ازدادت نسبة الانبعاثات الكربونية بتطور الأنشطة البشرية وتنوعها، ووفق التقارير التي ترصد حجم الانبعاثات حسب القطاعات، تنتج أكبر زيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة أساسا عن قطاع التزود بالطاقة والوقود الأحفوري، ثم قطاعات النقل، والصناعة، والزراعة وتربية الماشية، والبناء، والنفايات النووية والكيميائية، ووسائل التكنولوجيا الحديثة وكذلك آثار الحروب، إضافة إلى الكوارث الطبيعية.

ويشمل التلوث الهواء والتربة والمياه، إضافة إلى التلوث الضوئي أو الكهرومغناطيسي وحتى التلوث الفضائي.

​​وأظهرت دراسة أن 100 شركة عالمية في مجال النفط والغاز والوقود الأحفوري تتحمل نسبة 70% من الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

وفي مؤتمر المناخ (كوب 27) في مصر، أكدت منظمة "تحالف الدول الجزرية الصغيرة" (AOSIS) في مداخلة مندوبها أن "​​صناعة الوقود الأحفوري تجني 3 مليارات دولار يوميا لمدة 30 سنة.. لا يزال الحصول على المال لتدمير الكوكب أرخص وأسرع من إنقاذه​".

ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية تلقى يوميا في المحيطات (شترستوك)

ومنذ أن بدأت صناعة البلاستيك عام 1907، انتشر تدريجيا وأصبح من أخطر أسباب التلوث. وينتج العالم اليوم نحو 367 مليون طن من البلاستيك سنويا، تتم إعادة تدوير 10% منها فقط، ومن المنتظر أن يصل الإنتاج إلى 1.1 مليار طن بحلول عام 2050. ويستهلك العالم نحو 5 آلاف مليار كيس بلاستيكي​ سنويا وفق تقديرات موقع ستاتيستا.

و​تشير منظمة "تحرروا من البلاستيك" (Break Free From Plastic​) إلى أن بضع شركات كبرى للمشروبات وغيرها تجني مليارات الدولارات، لكنها تعد ​المصدر الرئيسي للتلوث البلاستيكي في العالم، في حين اعترفت شركة كوكا كولا -التي ضمّتها القائمة- عام 2019 بأنها تستخدم نحو 2.9 مليون طن من العبوات البلاستيكية سنويا، متعهدة باتخاذ إجراءات لحماية البيئة. وأكدت منظمة "السلام الأخضر" (Greenpeace) في تقرير لها هذه المعطيات، مشيرة إلى دور الشركات العالمية العملاقة في تلويث البيئة.

ووفق بعض الإحصاءات، فإن هناك نحو 5.25 تريليونات قطعة من النفايات، بمعدل 269 ألف طن منها، تطفو على السطح، بما يشمل 1.8 تريليون قطعة بلاستيكية. وفي كل عام، يدخل ما لا يقل عن 14 مليون طن من النفايات البلاستيكية محيطات العالم، وتلحق هذه النفايات أضرارا جسيمة بالحياة البحرية، وتدمر التنوع البيئي.

العداوة مع البيئة

Power plant, smoke from the chimney. Air pollution environmental contamination, ecological disaster earth planet problems concept. Photo taken in Spain, Espana

تشير الدراسات أيضا إلى أن الأجهزة الإلكترونية والإنترنت والأنظمة الداعمة له، تسهم بنحو 3.7% من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وينتظر أن تصل إلى 7% بحلول 2025.

فكل تفاعل على الأجهزة الرقمية يمارسه الفرد كعادة يومية يؤثر بشكل مباشر على الانبعاثات. وتبلغ البصمة الكربونية (carbon footprint) -مقدار ثاني أكسيد الكربون والميثان المنبعث في الغلاف الجوي- للهاتف المحمول 70 كيلوغراما من ثاني أكسيد الكربون في المتوسط سنويا.

وتفرز مكالمة هاتفية مدتها دقيقة واحدة 0.1 غرام من ثاني أكسيد الكربون، مقابل 0.014 غرام لكل ​رسالة نصية، و0.3 كيلوغرام​ عند استخدام 1 غيغابايت من الإنترنت وفق موقع (The Conversation)​.​ وبشكل عام يبلغ المتوسط العالمي للبصمة الكربونية للفرد 7 أطنان سنويا، مقابل 16 طنا للفرد في الولايات المتحدة. وتشير بعض الدراسات أيضا إلى أن:

كل شخص ينتج في المتوسط أسبوعيا كتلة مواد ناتجة عن أنشطته البشرية تفوق وزن جسمه، وأن كتلة المواد التي صنعها وأنتجها البشر تعادل وزن جميع الكائنات الحية على وجه الأرض، بما يؤكد أن البشر بأنماط حياتهم وسلوكهم يسهمون بالدور الرئيسي في تغيير شكل كوكب الأرض وتحديد مستقبله.

ومع ذلك، يرفض نشطاء البيئة تحميل الفرد المسؤولية المباشرة عن الانبعاثات؛ فالشركات التي تصنّع المواد والأدوات الاستهلاكية وتنتج أشكالا جديدة منها بشكل دوري، وتروّج للاستهلاك المفرط وتشجع عليه بحثا عن مراكمة الأرباح؛ تتحمل الجانب الرئيسي من المسؤولية.

ووفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، تستهلك المدن -وهي المراكز الرئيسية للنشاط البشري- 78% من طاقة العالم، وتنتج أكثر من 60% من غازات الاحتباس الحراري، رغم أن مساحتها تمثل أقل من 2% من مساحة سطح الأرض. ومع الزيادة السكانية الهائلة في المدن خلال العقود الماضية، ارتفعت نسبة الانبعاثات من 5 مليارات طن متري عام 1940 إلى 36.4 مليار طن متري عام 2021، أي أنها تضاعفت 7 مرات خلال نحو 80 عاما.​

وبفعل الأنشطة الصناعية للشركات الكبرى والاحتطاب، تقدّر الدراسات أنه تم تدمير نحو 17% من غابات الأمازون المطيرة عام 2018، التي تشكل إحدى "رئات" العالم، وتمتص ما بين 25 و30% من الغازات الدفيئة الناجمة عن الأنشطة البشرية.

يؤدي تدمير الغابات إلى هجرة الكائنات من موائلها الطبيعية لتعيش بالقرب من البشر
يؤدي تدمير الغابات إلى هجرة الكائنات من موائلها الطبيعية (شترستوك)

فبين عامي 2010 و2019، فقدت هذه الغابة كتلة حيوية منها، وبالتالي فإن كمية الكربون المنبعثة من الجزء البرازيلي من الأمازون أصبحت تفوق بنسبة 18% من الكمية التي امتصها، إذ بلغت 4.45 مليارات طن، في مقابل 3.78 مليارات طن خزنتها، وهو ما يؤشر إلى خلل كبير قد يستمر في التفاقم.

ووفق موقع "جلوبال فورست" (Global forest) فقد أدت التأثيرات البشرية فعليا إلى فقدان نحو 40% من غابات العالم، وتتعرض منطقة بحجم ملعب كرة القدم للتدمير كل ثانية (نحو هكتار ونصف الهكتار)، ويتم قطع 15 مليار شجرة سنويا بشكل جائر، بينما يعتمد أكثر من 1.5 مليار شخص على الغابات لكسب الرزق.

من عام 2002 إلى عام 2021، فُقدت 68.4 مليون هكتار من الغابات الأولية الرطبة، أي 16% من إجمالي الغطاء الشجري في الفترة الزمنية نفسها، وتراجع إجمالي مساحة الغابات الأولية الرطبة على مستوى العالم بنسبة 6.7%. ويؤثر ذلك بشكل كبير على التوازن البيئي وامتصاص الغازات الدفيئة.

كما أدى تقلص الغابات إلى تدمير الموائل الطبيعية للكائنات التي تعيش في هذه الغابات. وجاء في تقرير صادر عن الصندوق العالمي للطبيعة البرية أن عدد الثدييات والطيور والزواحف والأسماك على الأرض انخفض بنسبة 69% خلال 50 عاما الماضية، كما أن عدد حيوانات المياه العذبة في الأنهار والبحيرات تراجع بنسبة 84% مقارنة بعام 1970.

"ShutterStock, Shutter Stock, heat, death, sustainable, breakdown, global, sadness, pollution, disaster, problem, world, dying, atacama region, atacama desert, temperature, aridity, land, warning, dehydration, dust, destruction, climate change, africa, grunge, crisis, texture, arid climate, change, impact, dramatic, resources, environment, atacama, footprint, global warming, drought, future, sowing, effect, warming, risk, depression, desert, despair, moorland., wind"
الأنشطة البشرية غير المهتمة بالبيئة أدت إلى تغيرات مناخية تسببت في تزايد الكوارث الطبيعية (سترستوك)

وفي سياق التغيرات المناخية، أكد المركز الأميركي للمعلومات في دراسة له أن 20% من ثلوج المحيط المتجمد الشمالي قد اختفت خلال عامين فقط. ويتوقع علماء أن يخلو كامل القطب الشمالي من الثلوج خلال نحو 25 سنة من الآن فقط.

ويعني ذلك تحول المحيط إلى ماء سائل متصل ببقية المحيطات، إضافة إلى رفع منسوب هذه المياه المتصلة؛ وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى البحار وإمكانية اختفاء مدن ساحلية بأكملها، وفق بعض الاحتمالات، وكذلك الجزر ودلتا الأنهار، كما أن ذوبان الأنهار الجليدية سيشكّل كارثة لأنها مصدر مياه الشرب لجزءٍ كبير من سكان الأرض.

وتكشف عمليات رصد الأقمار الصناعية الأخيرة ودراسات علمية عن أن الصفائح الجليدية في غرينلاند والمحيط المتجمد الشمالي تفقد الكثير من الجليد. وتشير التقديرات إلى أن الفقدان الجزئي لهذه الصفائح الجليدية قد يتسبب في ارتفاع مستوى سطح البحر مترا واحدا في حالة فقدها تماما، وتحتوي الصفيحتان الجليديتان على كتلة قد تتسبب في رفع مستوى سطح البحر بمعدل 66 مترا.

بدورها، تشهد كتلة الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي تراجعا بنسبة 149 غيغاطنا (149 مليار طن) سنويا منذ عام 2002. ​وبالإضافة إلى الفيضانات والعواصف، يوجد كثير من الكربون المخزن في الجليد وبذوبانه ستنطلق كميات كبيرة منها في الغلاف الجوي بما يفاقم التغير المناخي.

وقد تقلص سطح الجليد البحري بمعدل 9% في الشتاء و48% في الصيف منذ أولى الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية عام 1979، كما انخفضت سماكته بنسبة 66%، وفق إحدى الدراستين.

وتيرة الحرائق الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة زادت بشكل كبير خلال السنوات الخمس الماضية (سترستوك)

اللاعدالة المناخية

التقديرات تشير إلى أن دول شرق المتوسط والشرق الأوسط ستشهد ارتفاعا غير مسبوق في درجات الحرارة خلال القرن الحالي (شترستوك)
التقديرات تشير إلى أن دول شرق المتوسط والشرق الأوسط ستشهد ارتفاعا غير مسبوق في درجات الحرارة خلال القرن الحالي (شترستوك)

رغم أن التغيرات المناخية تشمل مختلف دول العالم بنسب مختلفة، تؤكد معظم التقارير والدراسات أن الدول الصناعية الكبرى تتحمل مسؤولية رئيسية في تلويث المناخ. ووفق تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن هناك 4 دول وكيانات -هي: الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي- أسهمت بأكثر من 55% من إجمالي الانبعاثات خلال العقد الماضي. وتشير دراسة أخرى إلى أن 1% من أغنياء العالم يسهمون بنسبة 50% من التلوث عالميا.

ويؤدي التلوث -حسب منظمة الصحة العالمية- إلى أكثر من 7 ملايين وفاة مبكرة سنويا، من بينها 400 ألف وفاة مبكرة سنويا في شرق المتوسط، بينما أكدت المنظمة أن موجة الحر التي ضربت أوروبا صيف 2022 أدت إلى وفاة 60 ألف شخص، رغم التقدم الاقتصادي والاجتماعي لدول القارة.

ويتوقع أن يسبب تغير المناخ في الفترة من عام 2030 إلى عام 2050 نحو 250 ألف وفاة كل عام، بسبب سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري، دون اعتبار الوفيات المباشرة الناجمة عن الكوارث المتزايدة التي يسببها التغير المناخي، وستكون الدول الفقيرة الأكثر تضررا في هذا السياق.

في أبريل/نيسان 2022، قدّرت دراسة نشرها المنتدى الاقتصاد العالمي أن التغيرات المناخية ستؤدي إلى خسارة 4% من الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050، ومن المتوقع أن تسبب الفيضانات والجفاف وحدهما خسائر للاقتصاد العالمي تقدر بـ5.6 تريليونات دولار، ستتكبد معظمها الدول الفقيرة والنامية.

​​​ورغم أن الدول الصناعية الكبرى تسهم في النصيب الأكبر من الانبعاثات وبالتالي الاحتباس الحراري، فإن دولا نامية أو فقيرة تدفع ثمنا غاليا لذلك، رغم أنها الأقل مساهمة في الاحتباس الحراري.

وتؤكد منظمة جيرمن ووتش (Germanwatch) في تقرير لها أن 5 دول تعد الأكثر تأثرا بالتغيير المناخي خلال هذين العقدين من القرن 21، وهي: ميانمار (آسيا)، وهايتي (منطقة الكاريبي)، وباكستان (جنوب آسيا)، وجزر بورتوريكو (منطقة الكاريبي)، والفلبين (جنوب شرق آسيا).

​أما الدول العشر الأكثر تضررا عام 2019، فهي: موزمبيق (شرق أفريقيا)، وزيمبابوي (جنوب أفريقيا)، وجزر الباهاما (المحيط الأطلسي)، وبوليفيا (غرب أميركا الجنوبية)، والهند وأفغانستان واليابان (آسيا)، وملاوي (جنوب شرق أفريقيا)، والنيجر وجنوب السودان (غرب أفريقيا). ومعظم هذه البلدان -وغالبيتها في أفريقيا- تعاني من قلة الموارد التي تساعدها على التصدي لتأثيرات التغير المناخي، كما تؤكد هذه المعطيات النتائج غير المتساوية وغير العادلة لهذه الظاهرة، إذ "يدفع الفقراء ثمن رفاهية الأغنياء" في مسألة حجم الانبعاثات والتغيير المناخي.

ففي وقت تسهم فيه القارة الأفريقية (54 دولة) بهذه النسبة الضئيلة من غازات الاحتباس الحراري،​ تعاني دولها بشكل كبير من التغيرات المناخية. وتكلف التغيرات المناخية القارة نحو 50 مليار دولار سنويا، كما أدى ارتفاع درجات الحرارة والجفاف إلى تراجع بنسبة 34% في الإنتاجية الزراعية منذ عام 1961، ومن المتوقع أن يؤدي الإجهاد المائي إلى تشريد نحو 700 مليون شخص بحلول عام 2030، حسب تقرير المنظمة الدولية للأرصاد الجوية (WMO​).

​وتشير أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (أوكسفام) إلى أن 34% فقط من تمويلات التكيف مع التغير المناخي التي تمّ رصدها تخصص حاليا لمساعدة الدول النامية، كما أن 71% منها ما زالت تقدم قروضا، بما يفاقم أعباء ديون هذه الدول.

وكان اتفاق باريس عام 2015 وضع سقفا يهدف إلى خفض الانبعاثات بنسبة 45% بحلول عام 2030. لكن تقريرا "متشائما" أصدرته الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، أكد أنه في ظل التعهدات المناخية الحالية للدول، فإن من المتوقع زيادة غازات الاحتباس الحراري بنسبة 10.6%، وارتفاع درجات الحرارة في العالم بنحو 2.8 درجات، أو 2.4% درجات إذا تم تطبيق الخطط الموضوعة.

وتدفع البشرية في الوقت الراهن ثمنا باهظا للبحث المحموم عن الرفاهية وصناعة المستقبل من دون احترام توازنات الطبيعة والبيئة من حولها، وفي حين تشير التقديرات إلى زيادة الوعي بمخاطر التلوث والانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري ومحاولات  التدارك، تزداد المخاوف من أن يكون الأوان قد فات.

المصدر : الجزيرة