وقائع مجزرة منسية.. حين أحرقت عصابات الصهيونية عجائز قرية الطيرة

في ذكرى النكبة الفلسطينية.. أفلام ننصحك بمشاهدتها

خارج قرية الطيرة الفلسطينية يوم 25 يوليو/تموز 1948 الموافق للـ19 من شهر رمضان 1367 هـ، أرغمت عصابات صهيونية عشرات من العجائز والنساء الفلسطينيين المرحّلين قسرا على الجلوس على صرر ملابسهم بشكل دائري داخل رقعة محصودة من حقل قمح على طريق العفولة، وأضرموا فيهم النار أحياء.

كان التعب قد أنهكهم بعد يوم طويل حار من الصوم، طلبوا ماء لإرواء عطشهم. ببرود المجرمين المحترفين، جلب رجال العصابة غالونات بنزين وسكبوه عليهم وحولهم، وتركوهم يحترقون مع الهشيم. أشار تقرير ملتبس لمنظمة الأمم المتحدة إلى استشهاد 28 فلسطينيا في تلك المحرقة، في حين يُرجح أن يكون العدد بين 55 و60 فلسطينيا.

سجلت محرقة الطيرة بوصفها واحدة من أبشع المجازر في أوج النكبة الفلسطينية، لكنها بقيت في غياهب الأرشيف، جرت أطوارها خلال الهدنة الثانية التي أقرتها الأمم المتحدة يوم 18 يوليو/تموز 1948، حين كان مراقبو الأمم المتحدة منتشرين لمراقبة خطوط الهدنة بعد أن أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين مع إعلان قيام إسرائيل يوم 15 مايو/أيار 1948.

ظلت الكثير من المجازر الإسرائيلية خلال حرب 1948 طي النسيان، أو خضعت وقائعها للتحريف والتزوير لطمس الوقائع وإسكات الحقائق وترسيخ السرديات الإسرائيلية. كان منهج العصابات الصهيونية اعتماد أسلوب الصدمة والترويع والوحشية في كل قرية يصلونها وتتراجع فيها المقاومة، كي تكون درسا للقرية التي تليها.

وفقا لمركز المعلومات الفلسطيني، سيطرت العصابات الصهيونية بهذا التكتيك الوحشي خلال النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، ودمرت 531 قرية بالكامل وطمست معالمها الحضارية والتاريخية، وأخضع ما تبقى منها إلى الكيان الإسرائيلي الوليد وقوانينه.

ارتكبت العصابات الصهيونية -التي شكلت لاحقا نواة الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية وصار قادتها ومنتسبوها من أبرز المسؤولين الإسرائيليين- أيضا أكثر من 100 مجزرة بشعة بحق الفلسطينيين، تصنّف كلها بمعايير القوانين الدولية السارية والأعراف جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية وإبادة الجماعية.

خريطة إحداثيات محرقة أهالي الطيرة من قبل العصابات الصهيونية عام 1948 (موقع الطيرة نت)

طيرة حيفا.. الجريمة الكاملة

في عدد من البحوث والتقارير، حاول الباحث الفلسطيني المرموق ورئيس هيئة "أرض فلسطين" الدكتور سليمان أبو ستة -الذي اشتهر بمشروعه الرائد لرسم خريطة فلسطين التاريخية- النبش في خفايا هذه المجزرة وحيثياتها، انطلاقا من روايات الشهود وبعض أقاربهم الأحياء وتقرير مراقبي الأمم المتحدة.

يشير تقرير الأمم المتحدة بعنوان "مزاعم إحراق 28 عربيا أحياء" (Alleged burning of 28 Arabs alive) إلى أن المحرقة حدثت وقائعها في قرية طيرة حيفا، وهي واحدة من 12 قرية في فلسطين تحمل الاسم نفسه، وعرفت أيضا بطيرة اللوز لانتشار أشجار اللوز فيها. وتقع هذه القرية على بعد 7 كيلومترات جنوب مدينة حيفا الساحلية، وقدّر عدد سكانها عام 1948 بنحو 6 آلاف نسمة، وفقا للإحصاءات البريطانية خلال الانتداب، التي لم تكن بريئة أو دقيقة، في حين تشير مصادر فلسطينية متعددة إلى أن عدد سكانها كان يربو عن 10 آلاف نسمة.

منذ إعلان قرار التقسيم رقم 181 يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 تعرضت قرية الطيرة لعدة هجمات وغارات صهيونية، وبعد سقوط حيفا بيد الصهاينة، أخلت القوات البريطانية بعض السكان على دفعات. ورغم أن معظم القرى الواقعة حول الطيرة قد سقطت بالفعل، وباتت القرية أشبه بجزيرة عربية محاطة باليهود، فإن العصابات الصهيونية لم تستطع احتلالها إلا يوم 16 يوليو/تموز 1948، بعد مقاومة شرسة استشهد خلالها 13 مقاوما، وانسحب المقاتلون الشباب خارجها.

وبعيد سقوط حيفا في أبريل/نيسان 1948 اشتدت الهجمات، وغادر معظم السكان، في حين بقي عناصر المقاومة من الشباب للدفاع عنها، وقد احتل اليهود التلال المحيطة بالقرية حتى سقطت القرية يوم 16 يوليو/تموز خلال معارك الأيام العشرة التي فصلت بين هدنتي الحرب، وفق ما ورد في موسوعة القرى الفلسطينية.

تشير الوقائع والشهادات المرتبطة بها إلى أنه في حدود الساعة الثامنة مساء من يوم 25 يوليو/تموز 1948، بدأت العصابات الصهيونية بنقل من تبقى من الأهالي البالغ عددهم نحو 60 إلى 80 شخصا، وجلهم من النساء والشيوخ العجزة وبينهم من هو ضرير، في حافلات تحت حراسة شديدة تتكون من 10 إلى 15 عنصرا إلى منطقة شرق قرية اللجون على طريق العفولة.

ويؤكد التقرير الأممي -الذي استند إلى شهود ممن بقوا أحياء ووردت أسماؤهم في التقرير- أن الحافلات توقفت على طريق العفولة قرب بعض البيوت التي هدمها الاحتلال، وأجبرت العصابات اليهودية الركاب على النزول في حقل قمح محصود لم يكن يبعد كثيرا عن الطريق العام، وأن يحمل كل منهم صرة ملابسه، ويجلسون في حلقة ليتم إحراقهم أحياء.

***داخليه**** العنوان: تقرير محرقة الطيرة المصدر: أرشيف الأمم المتحدة
من تقرير محرقة الطيرة (أرشيف الأمم المتحدة)

تقرير أممي ملتبس

عقب المجزرة، تمكّن مراقبو الهدنة من تسجيل شهادة 10 أشخاص من أصل 15 يرجح أنهم نجوا، وقد استشهد في المحرقة 55 شخصا وفق الشهادات، في حين تحدث تقرير مراقبي الأمم المتحدة، الذي سلم لاحقا إلى الوسيط الدولي السويدي الكونت فولك برنادوت (Folke Bernadotte) وخلفه الأميركي الدكتور رالف بنش (Ralph Bunche)، عن 28 ضحية. وسجل التقرير الكامل في أرشيف الأمم المتحدة تحت الرقم (DAG - 13/3.3.1:10).

يشير الشهود أيضا إلى أن عصابات الاحتلال خدعتهم وأخبرتهم أنهم قريبون من الخطوط العربية، وأنهم سيصلون إليها، لكن تم تسليمهم إلى حراس يهود من مستوطنة قريبة اتضح أنها مركز شرطة احتله اليهود، وكانت قبعاتهم تماثل قبعات الشرطة.

تؤكد الشهادات المتطابقة التي أوردها التقرير أن بعض الأهالي حين نزلوا من الحافلات وطُلب منهم أن يجلسوا في دائرة على صرر ملابسهم، طلب بعضهم ماء ليشربوا بعد صيام يوم طويل وسفر شاق، وليعود العناصر بغالونات من البنزين وسكبوه على الأهالي الجالسين على صررهم وعلى الهشيم الجاف حولهم، وأشعلوا فيهم النيران، وتركوهم يحترقون.

ولم يكتف عناصر الاحتلال بحرق الفلسطينيين، بل أطلقوا النار عندما حاول بعضهم الهرب، وأصيب الأهالي بالذعر والنار تأكلهم، ولم يعرفوا أين يتجهون في الظلام، ومعظمهم عاجز عن الحركة لكبر السن أو للإصابة بالعمى، فصاروا يصرخون ويستغيثون، واليهود يراقبونهم، أما الحراس الذين يتكلمون بعض العربية، فكانوا يرددون وهم ينظرون إلى الأهالي الذين كانوا يستنجدون بالله: "ما في الله" (لا يوجد الله).

أكدت الشاهدة رحمة إبراهيم الحاج كل هذه الوقائع في إفادتها قائلة إنها بعدما اشتمت رائحة البنزين، اختبأت تحت صخرة حتى الصباح، وكانت تسمع أصوات العجزة وهم يتألمون ويستغيثون، وذهبت صباحا إلى موقع المحرقة، فشاهدت الجثث المتفحمة، واستبد بها الذعر الشديد، وهربت من المكان، ولم يكن باستطاعتها عدّ الجثث.

من جهته، قال الشاهد يوسف عبد الفتاح سلوم إنه هرب من النار، فأطلق عليه الصهاينة الرصاص، وأصابوه في فخذه، وظل يمشي في الظلام لمدة ساعة ونصف الساعة إلى أن اشتد به التعب، فغلبه النوم تحت شجرة زيتون شمال قرية رمانة. في حين أكد الشاهد الحاج حسن سلوم أنه "هرب باتجاه قرية زلفة، وأمضى الليلة فيها".

***داخليه**** العنوان: تقرير محرقة الطيرة المصدر: أرشيف الأمم المتحدة
من تقرير محرقة الطيرة (أرشيف الأمم المتحدة)

يؤكد الباحث الدكتور إسماعيل أبو ستة أن بعض الناجين وصلوا إلى نابلس، وكانوا أول من أبلغ عن المحرقة، فراسل قائد القوات العراقية اللواء إسماعيل رجب هيئة أركان الحرب العراقية بتفاصيل ما سمع بتاريخ السابع من سبتمبر/أيلول. وقامت الهيئة بمخاطبة الجامعة العربية والأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت، ولجنة الصليب الأحمر الدولي.

وحسب أبو ستة، لم يتخذ مراقبو الأمم المتحدة إجراءات خاصة بهذه المحرقة لنحو 3 أسابيع، فقد ورد أول تقرير للمراقبين في الثامن من أغسطس/آب بعد التحقيق مع اثنين من الناجين من المحرقة وصلا إلى مدينة صيدا اللبنانية، وحضره محافظ المدينة آنذاك الأمير عبد العزيز شهاب. وفي 11 سبتمبر/أيلول بدأت لجنة خاصة من مراقبي الأمم المتحدة التحقيق في الجريمة، واستدعت الشاهدة رحمة إبراهيم الحاج.

طمس معالم الجريمة

Omran Abdullah - النكبة الفلسطينية، الجزيرة - اسمي آدم.. رواية مآسي "غيتو" النكبة الفلسطينية وصمتها المهيب

في الوثيقة بعنوان "دراسة حالة من الأوراق المتوفرة حول القضية المزعومة المتعلقة بحرق 28 عربيا أحياء" (Case study of available papers on the case of alleged burned alive of 28 Arabs) الموقعة من الرائد بقوات مراقبة الهدنة "روبرت أف هافل" إلى المستشار القانوني السيد كنغيتون بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 1948، والتي تبعها التقرير الخاص الموقع من كبير ضباط مراقبي الهدنة العقيد الفرنسي كاردين يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1948، ترد تفاصيل المحرقة وشهادات 10 شهود أكدوا جميعهم حصول الوقائع المذكورة.

***داخليه**** العنوان: تقرير محرقة الطيرة المصدر: أرشيف الأمم المتحدة
من تقرير محرقة الطيرة (أرشيف الأمم المتحدة)

يغرق التقرير في الكثير من التفاصيل لإثبات تناقض الشهادات من قبيل الخلاف حول موعد الوصول إلى اللجونة في فترة ما بعد الظهر (بين الساعة 14 والساعة 15) أو بين الثامنة والتاسعة مساء، وكذلك الاختلاف حول عدد الأشخاص الذين تم إجبارهم على النزول، وأيضا عدد الحافلات التي حملتهم، وطول المسافة، وموقع الجريمة.

يقر تقرير العقيد كاردين بأن "جلسة الاستماع للشاهدين الأولين أعلاه في نابلس (رقمي 11 و12 في التقرير) تركا انطباعا قويا بالصدق، خاصة وأنهما لم يكونا قادرين على تلقي أي توجيهات بشكل مسبق من الجانب العربي بشأن الردود التي يتعين  التصريح بها".

يضيف التقريرأنه "خلال جلسة الاستماع هذه، كانت الإجابات على الأسئلة التي طرحها الفريق تتم بشكل عفوي دون أي تردد، وبطريقة متطابقة، دون أن تتمكن الأطراف المعنية (الشهود) من التشاور مع بعضهم بعضا مسبقا منذ جلسة الاستماع للشاهد الثاني (أحمد يوسف) تبعه على الفور تقريبا الشاهد الثاني (محمد الحاج)، كما أن أقوال شاهدي صيدا (يحملان  رقم 5 و6 في التقرير) في عدة نقاط مشتركة، تدعم بشكل كبير تلك التي أدلى بها شهود نابلس".

***داخليه**** العنوان: تقرير محرقة الطيرة المصدر: أرشيف الأمم المتحدة
من تقرير محرقة الطيرة (أرشيف الأمم المتحدة)

قبل ذلك وفي تقريرها المؤرخ يوم 12 سبتمبر/أيلول، قالت اللجنة إنها توصلت إلى قناعة بأن الشهود أدلوا بالحقيقة، وأن هذا العمل (حرق الأهالي) عمل شبه حربي ومخالف لبنود الهدنة.

ورغم أن التقرير يؤكد أن 7 من بين 10 شهود أدلوا بأقوال متطابقة تماما في كل تفاصيل الجريمة على مستوى الزمان والمكان والوقائع، فإن مراقبي الأمم المتحدة لم يصدروا أي حكم قاطع في هذه الجريمة النكراء، ولم تتم زيارة الموقع على الإطلاق.

في المقابل، اجتمع فريق التحقيق مع العسكريين اليهود يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 1948، وأقروا بترحيل الفلسطينيين وفق الوقائع المذكورة نفسها في الشهادات، لكنهم أكدوا أنهم ساعدوهم فقط للوصول إلى المناطق العربية.

أما وزارة الخارجية الإسرائيلية فقد ردت على اتهام الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام برسالة مدير الخارجية الإسرائيلية والتر إيتان بالقول: "إن هذا الاتهام مقزز ولا يمكن تصديقه وليس له أساس من الصحة، واختراع من وحي الخيال الشرقي"، وأصبحت هذه الردود نسخة مكررة ومنقحة أحيانا عند كل اتهام يوجّه إلى إسرائيل.

في المحصلة، ينسف التقرير الأخير كل إمكانية للبحث الجدي في المحرقة ومحاسبة مرتكبيها بالقول: "ليس من الممكن بكل ضمير أن يُستنتج أن اليهود مذنبون رسميا وبشكل قاطع، ولكن هناك افتراضات واحتمالات جادة تلقي بثقلها في هذه الحالة (القضية)"، وبذلك طويت صفحة هذه المحرقة، وسجلت في الأرشيف المهمل لمنظمة الأمم المتحدة، وفي الأرشيف المثقل لجرائم العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين.

2-مجموعة من المناضلين في الجيوش العربية عام 1948 في القدس(وكالة اسوشيتدبرس)
مجموعة من المقاومين في الجيوش العربية عام 1948 في القدس (أسوشيتد برس)

الجريمة عقيدة أمنية وسياسية

منذ العشرينيات، برزت في فلسطين أكثر من 30 عصابة صهيونية متطرفة عسكريّة ومدنية، لكن مهمتها الرئيسية جميعا كانت الحشد والتمهيد للاستيلاء على أرض فلسطين. كان أهمّ هذه العصابات وأكثرها شهرة "الهاغاناه" (الدفاع)، و"جبل الهيكل"، و"غوش إيمونيم"(حركة دينية قومية يهودية متطرفة)، و"بيتار" (منظمة شبيبة الصهيونيين التصحيحيين)، و"الإرغون" (المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل)، و"شتيرن" (المحاربون من أجل حرّية إسرائيل) و"البلماخ" (جند العاصفة).

ظهرت "هاشومير" (الحارس) عام 1909 كأول منظمة صهيوينة لتأسيس وحماية المشروع الصهيوني، وكان ديفيد بن غوريون من أبرز مؤسسيها، ويبرز من خلال شعارها "بالدم والنار سقطت يهودا، وسترتفع يهودا بالدم والنار"، الطابع العنصري والإجرامي المرتبط بأهداف المشروع الصهيوني. لاحقا فرّخت "هاشومير" عصابات عدة، منها منظمة "الإرغون" ومنظمة "الهاغاناه"، وكان للأخيرة الدور الأبرز في أهم الجرائم التي تصنف في خانة التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وقد كانت قيادتها مدنيّة سرّية، تصرّفت بتفويض كامل من جانب المؤسسات السياسية الشرعية للمجتمع اليهودي في فلسطين، ومن ضمنها هيئة أركان الحرب العامة والحكومة المؤقتة.

الموسوعة - إعلان قيام إسرائيل عام 1948 Israel state declaration(هناك صور لبن غوريون ورفاقه يعلنون قيام إسرائيل داخل الكنيست)
بن غوريون يعلن قيام إسرائيل داخل الكنيست (ناشطون)

بعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948، أصبحت "الهاغاناه" أقوى العصابات الإسرائيلية المسلحة وأكبرها، فأصدر ديفيد بن غوريون -أول رئيس وزراء لإسرائيل ووزير الدفاع حينها- قرارا بحلها والعصابات الصهيونية الأخرى، وتحويلها إلى ما عرف بجيش الدفاع الإسرائيلي، فأصبح بذلك الجيش الوحيد في العالم الذي بني على مجموعة عصابات ارتكبت مجازر بشعة بحق الشعب الفلسطيني.

كانت هذه العصابات أدوات محورية في المشروع الصهيوني منذ بدايته، وصارت بعد تأسيس إسرائيل عمودا فقريا في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية مثل الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) والموساد (جهاز الأمن الخارجي)، ونفذت اغتيالات ممنهجة، طالت وسيط منظمة الأمم المتحدة في فلسطين الكونت فولك برنادوت يوم 17 سبتمبر/أيلول 1948.

فولك برنادوت/ Folke Bernadotte - الموسوعة
فولك برنادوت اغتيل  من قبل عصابة شتيرن (ناشطون)

وجاءت تلك الجريمة -التي نفذتها عصابة "شتيرن" في المنطقة الواقعة تحت السيطرة الصهيونية بالقدس- ضمن خانة قتْل الشاهد وطمس معالم الحقيقة وتمرير المشروع الصهيوني. فقد كان الكونت برنادوت -الذي ينحدر من العائلة المالكة السويدية- قد اقترح إيقاف الهجرة اليهودية ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية، كما انتقد بشدة تحركات العصابات الصهيونية خلال الهدنة الأولى والثانية وتوسيع سيطرتها وسط انهيار الجيوش العربية، وهو الأمر الذي أغضب اليهود.

في كتابه "جريمة اغتيال الوسيط الدولي في فلسطين.. الكونت فولك برنادوت" الصادرفي نسخته العربية عام 2022 عن دار سامح للنشر، يورد الكاتب السويدي يوران بورين عن تقرير القنصل السويدي فيدار ياغي حول الاغتيال، أن "حملات الكراهية ضد الوسيط مهّدت بشكل مباشر للجريمة، وأن بعض السلطات الحكومية الإسرائيلية نفسها ربما كانت متورطة في الأمر" (ص: 197).

ويشير الكتاب إلى أن بعض الجناة ظهروا ليتحدثوا علنا حول ما حدث -في تحقيق لصحيفة يديعوت أحرونوت نشر عام 1988- وقد ورد اسم إسحاق شامير (يزيرنيتسكي سابقا) ضمن من أصدروا الأوامر بارتكاب الجريمة حين كان ناشطا في عصابة "شتيرن"، وأصبح لاحقا رئيسا للوزراء من 1983 إلى 1984، وفي فترة ثانية من 1986 إلى 1992.

وإضافة إلى شامير، ترأست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة شخصياتٌ انضوت تحت لواء عصابات "الهاغاناه" و"شتيرن" و"الإرغون" وغيرها، مثل أرييل شارون (الهاغاناه)، وشمعون بيريز (الهاغاناه)، ومناحيم بيغن (منظمة بيتار) وإسحاق رابين (انتمى والداه إلى الهاغاناه)، وإيهود باراك (ولد عام 1942)، وغيرهم.

ويعد أرييل شارون مسؤولا عن مجزرة قرية الطنطورة الواقعة على بعد 24 كيلومترا جنوب مدينة حيفا والتي اقترف فيها لواء ألكسندروني -الذي كان شارون قائد فصيل فيه- جريمة ليلة 22 مايو/أيار 1948 بحق 200 من أهالي القرية إثر احتلالها، ثم تم تهجير بقية السكان. وفي 16 سبتمبر/أيلول 1982 بات شارون مسؤولا عن مجزرة صبرا وشاتيلا وهو وزير للدفاع، بمشاركة مليشيا جيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية (الجناح العسكري لحزب الكتائب)، بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي بيروت وعلى رأسه شارون.

وتؤكد هذه الحالة أن الجرائم الإسرائيلية تتكرر بالأشخاص أنفسهم والأدوات ذاتها أحيانا، قبل النكبة أو بعدها، وتترافق مع إفلات كامل من المحاسبة والعقاب لمرتكبيها، وتشير ايضا بوضوح إلى الفشل الذريع والمزمن للمجتمع الدولي في تطبيق اتفاقية جنيف والاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة على إسرائيل، مما أدى لتقويض سلطة القانون الدولي في ما يتعلق بإسرائيل، ومنح بالتالي "تصريحا" ممتدا بالقتل لسلطات الاحتلال، وارتكاب سلسلة طويلة من جرائم الحرب، ليست محرقة الطيرة أو مذبحة الطنطورة إلا نماذج بشعة منها.

المصدر : الجزيرة