تقاطع على الطريق.. أيام كارلوس وأسامة بن لادن الأخيرة بالسودان

في ملاذه الآمن بالخرطوم -كما قدر واختار- كان الفنزويلي كارلوس المعروف بابن آوى يتمشى في حي الرياض الراقي وسط العاصمة، لمح في الجانب الآخر من الطريق شخصا ملتحيا وفارع الطول يبتسم له ويومئ برأسه، فبادله التحية ومضى في طريقه، عرف أنه أسامة بن لادن.

كان هذا هو اللقاء الأول العابر بين رجلين ملأ كل منهما الدنيا وشغل الناس في عصره، لكنهما يلتقيان في روابط مشتركة عديدة. عادت الذاكرة بكارلوس، الثوري العتيد والمطارد الموصوم بالإرهاب إلى المرة الأولى التي سمع فيها بهذا الرجل في سنوات خلت فأصبح هدفا له.

في 16 أغسطس/ آب 1993، حطت طائرة الخطوط الجوية الأردنية بالعاصمة السودانية الخرطوم قادمة من مطار الملكة علياء الدولي، كان على متنها مجموعة قليلة من المسافرين، وبينهم مسافر يحمل جواز سفر دبلوماسيا ألمانيا، لم يكن ذلك الشخص سوى إليتش راميريز سانشيز (كارلوس)، الذي كان هدفا ثمينا لكل أجهزة المخابرات الغربية.

خرج من الطائرة فلفحه هواء الخرطوم الحار المثقل بالرطوبة في ذلك الوقت من الصيف، دلف إلى الباص الذي حمله ومن معه إلى مبنى المطار، مسح بعين الخبير المدرب كل أركان المبنى ثم زوايا صالة الوصول، وتقدم إلى الشرطة، وختم جوازه بهدوء. لم يكن الرجل شديد الارتياب، لكنه كان ذا حس أمني عال اكتسبه بالفطرة وصقله بالتجربة، كان يعرف أن المطارات مليئة بالمخبرين والجواسيس ورجال المخابرات، ولم يكن الأمر يخلو من مفاجآت يعرفها أكثر من غيره.

كومبو يجمع بين عمر حسن البشير وحسن الترابي
حسن الترابي (يمين) وعمر البشير قادا السودان بعد الانقلاب (الجزيرة)

بلد لا يخفي ثوريته

استقر كارلوس في غرفة بفندق هيلتون في الخرطوم، وقضى بضعة أيام هادئا دون نشاط ملموس، قبل أن ينتقل إلى مسكن بحي الرياض الراقي شرق العاصمة، أمنه له أحد مسؤولي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي. كان المنزل قريبا من المطار والسفارة الفرنسية، ولا يبعد كثيرا عن بيتي أسامة بن لادن (1957-2011) وأيمن الظواهري (1951-2022)، وكذلك حسن الترابي (1932-2016) رجل السودان القوي آنذاك.

لم يكن وجود أسامة بن لادن ولا أيمن الظواهري بالخرطوم سرا، في ذلك الوقت -لم يصبحا بعد المطلوبين الأشهرين في العالم- فقد كان السودان يعج باللاجئين والهاربين والمجاهدين السابقين من "الأفغان العرب" والمتحفزين لأرض جهاد جديدة، والمستجيرين بالخرطوم من أنظمة وأجهزة مخابرات عربية تسعى وراءهم.

سوّق السودان لنفسه في عهد حكومة الإنقاذ (التي انبثقت عن انقلاب 30 يونيو/ حزيران 1989)، على أنه ملاذ آمن للجميع، من خلال المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي (تأسس عام 1991) الذي ضم معظم الحركات الإسلامية و"القوى المعادية للإمبريالية".

هكذا، وصل كارلوس إلى الخرطوم أيضا مستجيرا وهاربا ولاجئا. تغيرت الدنيا والواقع الفلسطيني والإقليمي والدولي، وانهار الاتحاد السوفياتي، وانتهى عصر الثورة والمد اليساري، وضاقت المدن بابن آوى كما يعرّفه الفرنسيون.

بات الرجل مطاردا من قبل أكثر من دولة وجهاز مخابرات، ولم تكن لديه خيارات كثيرة غير العراق وليبيا، أو اليمن الجنوبي أو السودان، واستبعد الخيارات الثلاثة الأولى لأسباب أمنية وشخصية.

كارلوس ورفاقه خلال نقل 32 رهينة بينهم 11 وزيرا للنفط من فيينا إلى الجزائر حيث تم إطلاق سراحهم بفدية (غيتي)

ظهور الشبح

في سبعينيات القرن الماضي، اشتهر الرجل الذي يعرّف نفسه على أنه "ثوري محترف" بعد "عملية أوبك" (عملية فيينا) يوم21 ديسمبر/ كانون الأول 1975. احتجز ومجموعة من مناضلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نحو 70 شخصا، بينهم 11 وزيرا من منظمة أوبك (الدول المصدرة للنفط) في مقرها بفيينا، ثم طاروا بهم إلى الجزائر، حيث جرى إطلاق سراح الوزراء مقابل "فدية"، -لم تكن أصلا ضمن الخطة- وضمان حرية الخاطفين.

مثلت السنوات الخمس الأولى في سبعينيات القرن الماضي الفترة الذهبية في عمليات المقاومة الفلسطينية بالخارج، أو "المجال الخارجي"، طبقا لمقولة "وراء العدو في كل مكان" لقائد العمليات الخارجية بالجبهة الشعبية وديع حداد. كان الهدف إثارة القضية الفلسطينية في الخارج، ولفت الرأي العام الدولي والضمير العالمي إلى مظلومية الفلسطينيين، وكذلك إلحاق خسائر بالإسرائيليين بمقاييس ذلك العصر.

انضم كارلوس، المنحدر من عائلة فنزويلية ثرية، مثل كثيرين غيره من الشباب من مختلف بلدان العالم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على أنها طليعة ثورة اشتراكية عالمية، وذلك في خضم المد اليساري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وإرهاصات حرب فيتنام وحلم الثورة الأممية.

قامت الجبهة ومنظمة "أيلول الأسود" بعمليات خطف لطائرات الخطوط الإسرائيلية "العال" وطائرات أخرى تقل إسرائيليين، واستهدفت السفارات الإسرائيلية وضباط الموساد في دول مختلفة، واختطاف الإسرائيليين من أجل مبادلتهم بأسرى ومعتقلين. ومن أشهر العمليات تلك التي نفذت خلال ألعاب ميونخ الأولمبية عام 1972، حين اقتحم مقاتلون فلسطينيون مقر البعثة الإسرائيلية وطالبوا بإطلاق 236 معتقلا، لكن العملية أدت إلى مقتل 11 رياضيا إسرائيليا وبعض الخاطفين، بعد تدخل الأمن الألماني عسكريا بإصرار من إسرائيل.

كارلوس في مطار الجزائر عام 1975 أثناء عملية أوبك (غيتي)

نفذ كارلوس عمليات ومحاولات اغتيال أشهرها العملية التي استهدفت "جوزيف سييف"، أحد أكثر رجال الأعمال اليهود المؤثرين في لندن وهو رئيس سلسلة متاجر "ماركس أند سبنسر" والرئيس الفخري للاتحاد الصهيوني البريطاني، داخل قصره، لكنه نجا بأعجوبة، كما نفذ عمليات أخرى وتفجيرات في عدد من البلدان.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، جسّد كارلوس نموذج العنف السياسي أو الثوري، ويصنفه خصومه على أنه رمز لما يسمونه "العصر الذهبي للإرهاب"، ويصفونه أيضا بكونه "الإرهابي الأول في العالم".

ينفي كارلوس كل ذلك ويقول: "إن كل من قتلتهم كانوا مرتزقة، أنا أقتل من هم أعداء للتحرير أينما كانوا". ولم تكن الجبهة الشعبية -التي انتمى إليها منذ عام 1969- راضية عن الكثير من عملياته، خصوصا بعد انفصاله عن وديع حداد واستقالته من الجبهة عام 1976.

سعت إسرائيل بدورها طويلا لاغتيال كارلوس، وكان ضمن لائحة اغتيال طويلة لعمليات "غضب الرب" التي وضعها الموساد. ونجحت فرقة "كيدون" (الرمح)، بقيادة الضابط مايكل هراري في اغتيال عدد من المناضلين والمسؤولين الفلسطينيين في بداية السبعينيات، بينهم غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار والجزائري محمد بودية، ولاحقا أسماء أخرى كثيرة، وتمت ملاحقة كارلوس كثيرا، لكنه كان "شبحا" يضرب ويختفي.

ألحت فرنسا بطلبه للمحاكمة لقتله شرطيين عام 1975 في باريس (قتل أيضا زميله السابق ميشيل مكربل، الذي اتضح أنه عميل للموساد وقاد الشرطة الفرنسية إلى مسكنه بإيعاز من الموساد)، وتتهمه أيضا بتنفيذ 4 اعتداءات بالمتفجرات أسفرت عن سقوط 11 قتيلا وحوالي 150 جريحا عامي 1982 و1983 في باريس ومارسيليا وفي قطارين.

بمقتضى هذه التهم بالذات، كان الجنرال فيليب روندو -وهو من أبرز رجال المخابرات والجواسيس الفرنسيين المخضرمين وخدم طويلا في لبنان والمنطقة العربية- يعتبر القبض على كارلوس وسوقه للمحاكمة في باريس معركته الخاصة، وقضى سنوات طويلة في تتبع آثاره بلا هوادة، وبث الجواسيس من أجله في كل مكان.

blogs كارلوس الثعلب
كارلوس خلال تحوله لإحدى جلسات المحاكمة بباريس (مواقع التواصل الاجتماعي)

خريف ابن آوى

في الفترة بين 1983 و1991، لم يكن فيليب روندو والمخابرات الفرنسية غافلين عن وجود كارلوس باستمرار في دمشق، كانا يعلمان أنه يقيم في فيلا فاخرة بحي المزة الراقي، ويعيش حياة هادئة وسط حراسه وإجراءات أمنية صارمة بإشراف المخابرات السورية. ولم يكن من الوارد أن تقوم باريس بتصفيته أو خطفه، أو أن تطلب من السلطات السورية تسليمه.

لم يتحدث كارلوس عن خروجه من سوريا كثيرا، لكن الأمر جاء ضمن ترتيبات ما بعد حرب الخليج الثانية وتكثف الضغوط على سوريا. أوائل أكتوبر/ تشرين الأول عام 1991 زاره مدير المخابرات (مكتب الأمن القومي) ماجد سعيد آنذاك، وطلب منه ضرورة الرحيل، فحزم حقائبه وغادر إلى عمّان بناء على دعوة وموافقة على استضافته.

كان الملك الراحل حسين بن طلال (1935-1999) على علم بأن كارلوس حاول اغتياله 3 مرات، الأولى في باريس والثانية في النمسا والثالثة في قصره الملكي بعمّان، كما ذكر كارلوس نفسه، لكنه غفر له، وهو يعرف أيضا أنه أنقذ حياة ابنه الأمير (آنذاك) عبد الله الثاني عام 1971 بعيد أحداث أيلول الأسود، عندما حاولت عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خطفه من مدرسته وهو ابن 9 سنوات، لكن كارلوس عارض ذلك بشدة فتراجعوا عن الخطة.

بعد أن أقام لنحو سنتين -كما يذكر- غادر "الثوري الشريد" عمّان إلى الخرطوم في 16 أغسطس/ آب 1993، بعد أن مارست الولايات المتحدة ضغوطا شديدة على الأردن لتسليمه، وفي تلك الفترة القصيرة من إقامته الأردنية، تزوج من الطبيبة الفلسطينية الأردنية الشابة لارا أدهم جرار، التي رافقته لاحقا إلى السودان.

يتحدث كارلوس عن ذلك في مجموعة حوارات طويلة أجراها مع الصحفي الفرنسي لازلو ليزيسكاي (Laszlo Liszkaï) الذي جمعها في كتاب أصدره عام 2017 بعنوان "العالم كما يراه كارلوس" "Le Monde selon Carlos"، تحدث فيه عن سيرته، ولا سيما المرحلة السودانية من حياته وعملية اختطافه من الخرطوم وعلاقته بأسامة بن لادن.

رغم تبدل الظروف ووصمة الإرهاب التي تلاحقه، استمرت الرومانسية الثورية هاجس كارلوس، وظل يحلم بإنشاء قاعدة لتنظيم "منظمة الثوريين الأمميين"، التي كانت مجرد اسم بلا فاعلية، و"إحداث اختراق إستراتيجي في مجال العلاقات مع الجهاديين"، كما يقول. اعتبر السودان المكان الأنسب، ولم يكن بحاجة إلى طلب ضمانات رسمية للذهاب إلى بلد لم يكتم ثوريته، وفق تعبيره.

FILE - This undated file photo shows al Qaida leader Osama bin Laden in Afghanistan. After U.S. Navy SEALs killed Osama bin laden in Pakistan in May 2011, top CIA officials secretly told lawmakers that information gleaned from brutal interrogations played a key role in what was one of the spy agency’s greatest successes. CIA director Leon Panetta repeated that assertion in public, and it found its way into a critically acclaimed movie about the operation, Zero Dark Thirty, which depicts a detainee offering up the identity of bin Laden’s courier, Abu Ahmad al- Kuwaiti, after being tortured at a CIA “black site.” As it turned out, Bin Laden was living in al Kuwaiti’s walled family compound, so tracking the courier was the key to finding the al-Qaida leader. (AP Photo/File)
أسامة بن لادن حل بالسودان عام 1991 وغادره عام 1996(أسوشيتد برس)

ملاذ الشيخ والثعلب

في شوارع العاصمة السودانية، كان كارلوس يصادف بين الحين والآخر الزعيمين المؤسسين لتنظيم القاعدة، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، "نتعرف على بعضنا البعض ونحيي بعضنا البعض بإيماءة، كان كل منا يعرف من هو الآخر، لكننا لم نتوقف (للحديث)". يضيف كارلوس: "لم نكن في الجانب نفسه".

تأمل الدكتور عبد الله بركات (الاسم الحركي الجديد لكارلوس) الشيخ أسامة وهو يمضي في طريقه بخطى وئيدة، وفكر في أوجه الشبه بينهما، وكيف أصبحا لاجئين في المكان نفسه، ربما لم يكن هذا ليحصل لو نفذ كارلوس قبل نحو عقدين مخططه بخطف هذا الرجل الذي يمر من جانبه ويقيم معه بالحي ذاته.

في سبعينيات القرن الماضي، كان أسامة بن لادن، ابن الملياردير السعودي محمد بن لادن والسورية علياء غانم، يحب السفر والمغامرات ويعيش حياة باذخة ويمضي بعض عطلاته في اللاذقية، مسقط رأس والدته، أو في لبنان، وكان كارلوس ماركسيا حركيا وثائرا أمميا ينتسب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بدا بن لادن الملياردير الشاب هدفا مناسبا، ففكر في اختطافه وطلب فدية ضخمة لتمويل عمل الجبهة.

يذكر كارلوس أن زيارات بن لادن وإخوته المتكررة إلى لبنان، حيث كانوا يأتون للتزلج في جبال الشوف، استرعت انتباه جماعته عام 1974، فراقب الفتى وعائلته طوال أسابيع تمهيدا لخطفه، لكن أمرا طارئا جعله يسارع إلى باريس، ونفذ الشاب الملياردير من الخطف، وقيّض للرجلين أن يلتقيا لاحقا لاجئين ومطاردين في الملاذ الأخير بالسودان.

courtroom sketch made on November 7, 2011 shows Venezuelan militant Ilich Ramirez Sanchez aka Carlos gesturing during a hearing on the opening day of his trial for four deadly bombings carried out almost 30 years ago. These attacks in 1982 and 1983 billed as part of a private war Carlos waged against France to free two comrades, including his future wife
رسم كرتوني لكارلوس إثناء إحدى المحاكمات (الفرنسية)

في المصيدة

في حواراته التي أوردها الصحفي لازلو ليزيسكاي، يذكر كارلوس أن مسؤولا سودانيا تفاوض معه حول المجيء للسودان ورافقه إلى الخرطوم على الرحلة نفسها، وقد دخل السودان بشكل شرعي. لم تكن هناك دعوة أو علاقات مع الحكومة السودانية، لكن التواصل كان أساسا مع المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، الذي كان الراحل حسن الترابي أمينه العام.

ينفي حسن الترابي بدوره توجيه دعوة لكارلوس أو أنه التقاه في الخرطوم، وهو ما يؤيده كارلوس نفسه، لكن وجود الرجل أصبح مزعجا وسط انقسام بين أطراف النظام وضغوط أميركية، بلغت أوجها في عام 1993 حين أدرج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، فقد اتهمت حكومة الإنقاذ "برعاية أنشطة إرهابية، وفتح أراضي البلاد للجماعات المتطرفة من شتى أنحاء العالم".

سوّق البعض في أجهزة النظام أيضا أن "الثائر الأممي" ملأ ليالي الخرطوم صخبا وضجيجا ومجونا. وأراد بعضهم تسليمه للفرنسيين بسرعة، لأنه "يعتبر إرهابيا حتى في السودان، وقد دخل البلاد بشكل غير قانوني بهوية مزورة".

يقول كارلوس إن أطرافا ما طلبت منه الذهاب إلى كينيا، فأجابهم بسخرية: "ما رأيكم أن تقطعوا لي تذكرة إلى تل أبيب سيكون الأمر أفضل". لم يكن يخفى عليه أن كينيا مليئة بالعملاء والجواسيس الإسرائيليين، طلب مهلة للتفكير في بديل، وفي الوقت نفسه كانت مفاوضات تسليمه لفرنسا تجري تحت الطاولة.

تشير معلومات ذكرها كارلوس نفسه، إلى أن مسؤولا سودانيا رفيعا تحول إلى فرنسا وقابل وزير الداخلية آنذاك شارل باسكوا والجنرال فيليب روندو، وتم التوصل إلى صفقة لتسليمه، مقابل تقديم فرنسا دعما عسكريا ودبلوماسيا وماليا للنظام السوداني الذي كان يمر بأزمة، لاحقا نفى الراحل حسن الترابي أن يكون هو هذا المسؤول.

أكد الترابي أنه أشار على السلطات السودانية بنصح كارلوس باختيار وجهة ما يحددها بنفسه ويقصدها، لأن البلد لا يحتمل وجوده، غير أن الأمن السوداني قام بخطف كارلوس من مستوصف، بينما كان يتعافى من عملية جراحية، ونقل على متن طائرة فرنسية كانت مجهزة لذلك، كما يذكر الترابي.

رغم كل ما يثار حوله، أحس كارلوس أخيرا بالاستقرار، كان يشارف على الـ 45 عاما، وقد قرر مع زوجته لارا ذات الـ26 إنجاب طفل، ولذلك زار مستشفى ابن خلدون بالخرطوم يوم 13 أغسطس/ آب 1994 لإجراء عملية جراحية بسيطة في الخصية اليسرى، تستغرق أقل من ساعة وتتطلب تخديرا موضعيا فحسب.

وفي الأثناء وصل ضباط مخابرات سودانيون إلى غرفته وأخبروه أن "قوات أجنبية تلاحقه ولا بد من نقله إلى مستشفى عسكري لتوفير حماية أفضل له". لكن السيارة التي أقلته توجهت مباشرة إلى فيلا شرق العاصمة ودخل عشرات الرجال إلى غرفته وقيدوه بالأصفاد وأعطي حقنة مخدرة، ثم تم نقله وتسليمه على مدرج المطار إلى رجال المخابرات الفرنسية بحضور غريمه الجنرال فيليب روندو.

غادرت الطائرة إلى مطار فيلاكوبلاي العسكري بضواحي باريس، ظل الجنرال فيليب روندو يتأمل ابن آوى الذي أتعبه وحيّره طويلا مقيدا ومستسلما، أرسل إلى باريس الرسالة التي طالما حلم بها: "نهاية المطاردة.. ابن آوى في المصيدة".

بالنسبة لكارلوس كانت الصفقة واضحة: "لقد تم بيعي مقابل ملايين الدولارات"، خضع لمحاكمات عدة على مدى سنوات، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة 4 مرات في أعوام 1997 و2011 و2013 و2017.

صورة نشرت في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2001 لأسامة بن لادن (يسار) وأيمن الظواهري في أفغانستان (غيتي)

أيام الشيخ الأخيرة

كان أسامة بن لادن بدوره يعيش أيامه الأخيرة في الخرطوم، كان وجوده في السودان معلوما وبرعاية الحكومة وكل رجال السلطة الذين لم يترددوا في التوافد عليه في بيته أو مجلسه، استثمر الرجل بعضا من أمواله في مشاريع زراعية وخدمية. كانت المخابرات المركزية أيضا تراقبه باستمرار عبر فريق خاص بالخرطوم.

يذكر كارلوس أنه في تلك الفترة كان رجال المخابرات الأميركية بقيادة بلاك كوفر يتعقبونه أيضا، وأن بن لادن أرسل مرة رجاله وطردوهم. وتشير بعض التقارير إلى أن بن لادن ومرافقيه وحراسه ورجال "سي آي إيه" كانوا يتبادلون المراقبة وأحيانا المطاردات في شوارع الخرطوم، وكان عملاء الوكالة يسكنون قريبا من بيت بن لادن بحي الرياض.

وصل بن لادن إلى السودان عام 1991 في ثوب المستثمر، لكن خلافا كان يعتمل مع العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، حول دعمها للولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية ضد العراق (1991)، وخصوصا بعد إصدار بيانه الشهير "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".

كان أسامة بن لادن قد أسس عام 1988 -مع أيمن الظواهري وعبد الله عزام- إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان تنظيم "قاعدة الجهاد" أو "تنظيم القاعدة"، لكن نهاية الجهاد ضد السوفيات، ثم سقوط الاتحاد السوفياتي نفسه، جعل الكثير من المجاهدين وخصوصا من "الأفغان العرب" يبحثون عن ملاذات أخرى، وبدأ نشاط التنظيم يمتد إلى مناطق أخرى في العالم مثل العراق وسوريا وشبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا.

افتتح بن لادن فعليا عدة مشاريع في السودان، كان أكبرها شركة "الهجرة" للإنشاء والتعمير، وشركة "وادي العقيق" الزراعية. وكان الاستثمار الأولي لبن لادن في السودان حوالي 10 ملايين جنيه إسترليني، معظمها في استيراد الآلات الثقيلة، وفق تصريحات لوزير الإعلام والخارجية السابق مهدي إبراهيم محمد.

لا شك أن بن لادن علم بمصير كارلوس، لم يفكر في أن يكون مصيره مماثلا، تناهى إلى علمه أن ضغوطا شديدة تسلّط على الحكومة السودانية لتسليمه أو طرده، خصوصا بعد أن سحبت منه المملكة العربية السعودية الجنسية عام 1994، كان يعرف أيضا أن أطرافا من السلطة مستعدون للقيام بذلك أو هم بصدد عقد صفقة.

تشير المعطيات إلى أن صفقة كانت تطبخ فعلا في هذا السياق. في عام 2007 نشرت مجلة vanity fair الأميركية رسالة من مدير جهاز المخابرات السوداني وقتها قطبي المهدي، إلى مدير وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA)، يعرض استعداد السودان لتسليم بن لادن، لكن الولايات المتحدة لم تكن مهتمة، فلم يكن بن لادن في قائمة المطلوبين بعد.

ترويج شاهد على العصر- حسن الترابي ج14
الترابي أكد أن السودان عرض على واشنطن تسليمها بن لادن (الجزيرة)

وفي لقاء مع قناة الجزيرة عام 2010، كشف حسن الترابي بدوره أن خبيرا في جهاز الأمن تولى لاحقا منصب سفير السودان لدى الولايات المتحدة عرض على الأميركيين تسليمهم بن لادن، لكنهم رفضوا ذلك بحجة أنهم لا يملكون عليه أي جناية.

يضيف الترابي أن السلطات السودانية تعرضت لضغوط شديدة جدا من الغرب من أجل إخراج بن لادن من السودان بحجة خطره على السعودية، وأنه نصح الأميركيين والبريطانيين وحاول إقناعهم بضرورة ترك الرجل ومن يحيطون به ليصرفوا طاقتهم في أعمالهم واستثماراتهم في السودان بدل ترحيلهم إلى أفغانستان.

تشير المعلومات أيضا إلى أن محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك في أديس أبابا يوم 26 يونيو/ حزيران 1995 كانت علامة فارقة في علاقة السودان بالتنظيمات الجهادية وأسامة بن لادن نفسه، مع الضغوط الكبيرة التي خلفتها على الخرطوم.

وأكد الترابي أن علي عثمان طه نائب الرئيس البشير آنذاك أخبره بضلوع بن لادن في العملية، وطلب منه البحث عن مخرج. كما قال مدير جهاز الأمن والمخابرات الأسبق قطبي المهدي إن طه وفر دعما لوجيستيا وتمويلا للمجموعتين اللتين نفذتا العملية من عناصر "الجهاد المصري" و"الجماعة الإسلامية".

كان المخرج بالنسبة للنظام هو محاولة التخفيف من تبعات العملية وآثارها، فتم عزل ﻣﺪﻳﺮ ﺟﻬﺎﺯ ﺍﻷﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ ﻧﺎﻓﻊ ﻋﻠﻲ ﻧﺎﻓﻊ ونائبه ﻣﻄﺮﻑ ﺻﺪﻳﻖ، وﻣﺪﻳﺮ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺑﺠﻬﺎﺯ ﺍﻷﻣﻦ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻲ ﺍﻟﻤﻘﺪﻡ ﺻﻼﺡ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻗﻮﺵ.

تطلبت الخطة أيضا التخلص تدريجيا من أشخاص وجماعات باتوا عبئا على البلاد وطلبت الولايات المتحدة ترحيلهم، وتبعا لذلك اعتقل جهاز المخابرات السوداني الكثير من الإسلاميين الأجانب، وتم تسليم بعضهم لبلدانهم، فيما طُلب من آخرين المغادرة أو تم طردهم، وكان أسامة بن لادن أحدهم.

كانت المفاوضات جارية حول طرد بن لادن أو تسليمه، وأخيرا أصدرت وكالة المخابرات المركزية تعليمات للواء الفاتح عروة -الذي كان يقود الوفد السوداني-: "اطلب منه مغادرة البلاد.. فقط لا تسمح له بالذهاب إلى الصومال"، يقول عروة: "قلنا سيذهب إلى أفغانستان، فقالوا اتركوه يفعل".

يتحدث وزير الإعلام الأسبق مهدي إبراهيم محمد لصحيفة الغارديان البريطانية عام 2001 عن بن لادن بقوله: "كان يستثمر بكثافة، وكان يقدم الكثير من الخير للبلاد.. لكن عندما طلب منا الأميركيون تسليمه (طرده)، فعلنا ذلك، ليس لأنهم قدموا دليلا على تورطه في الإرهاب".

في مايو/ أيار 1996، زار الرئيس المخلوع عمر البشير ونائبه علي عثمان طه -الذي لم يطله العزل- بن لادن في منزله بحي الرياض في الخرطوم، وأبلغاه بأن ترتيبات نقله إلى أفغانستان قد تمت، وأن طائرة عسكرية جاهزة في انتظاره.

أجاب الرجل وهو يهم بالمغادرة "ها أنذا أفعل، ولكن لا أعتقد أن هذا سيحل مشاكلكم". ولم تحل تلك المشاكل فعلا، بل ازدادت وتيرتها بوقف الولايات المتحدة عمل سفارتها بالسودان عام 1996، وفي الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 1997 أصدر الرئيس بيل كلينتون قرارا بفرض عقوبات مالية وتجارية قاسية على السودان.

سأل بن لادن أيضا عن مصير أملاكه واستثماراته، فأخبراه أنها محفوظة وسيتم تصفيتها وجردها، وستصله حقوقه منها كاملة. ولا تتوفر معطيات واضحة حول مصير هذه الممتلكات والاستثمارات، لكن معلومات تشير إلى أن بن لادن فقد نحو 30 مليون جنيه إسترليني في السودان، كما أن وثيقة -مكتوبة بخط يده- في شكل وصية رفعت عنها السرية ونشرتها المخابرات الأميركية عام 2016، أظهرت أنه كان لدى بن لادن 29 مليون دولار في السودان.

حلقت الطائرة العسكرية التي تقل أسامة بن لادن وزوجاته الأربع وأبناءه وبعض رجاله في اتجاه "تورا بورا"، بأفغانستان. بعد نحو عامين من مغادرته السودان توالت عمليات تنظيم القاعدة، بدءا بتفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس/ آب 1998، ثم الهجوم على المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" بميناء عدن في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2000، فالهجمات داخل الولايات المتحدة نفسها في 11 سبتمبر/ أيلول2001.

epa01398448 (FILE) File picture dated 03 March 2004 of convicted Venezuelan terrorist Ilich Ramirez Sanchez, known as Carlos the Jackal. Carlos, who was captured in Sudan in 1994 and sentenced to life imprisonment in 1997, gave an exclusive interview to Italian news agency ANSA in Paris, France, where he is jailed, on 28 June 2008.
كارلوس أشهر إسلامه عام 2001 (الأوروبية)

كارلوس "المسلم الثوري"

في الوقت الذي كانت فيه طائرة بن لادن تحلق في اتجاه معقله الجديد في أفغانستان، كان كارلوس نزيلا في غرفة منفردة بسجن "سان مور بلاير"، لا شك أيضا أنه سمع بنهاية المرحلة السودانية، للرجل الذي جاوره في الحي نفسه بالخرطوم، والتي لم تختلف كثيرا عما حصل له.

لم يكن كارلوس متدينا أو ملتزما، لكنه كان قد أشهر إسلامه عام 2001 -قال سابقا إنه أسلم فعليا عام 1975 في لبنان- وفي مرحلة السجن، تفكّر الرجل الذي تشرب الفكر اليساري بتجربة بن لادن، وبما سماه "الإسلام الثوري"، وأصدر كتابا بالعنوان ذاته عام 2003 عن دار "روشيه" الفرنسية، تم تسريبه من السجن، يتضمن الكثير من الحماس لأفكار زعيم تنظيم القاعدة.

بدا الرجل الذي كان "ماركسيا متشددا"، في كتابه مؤيدا لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول، حيث يقول: "إن حوادث 11 سبتمبر تمثل نهاية عالم الكذب واللاوعي والتهور وسقوط برجي التجارة اللذين كانا يمثلان تحديا لبؤس العالم الثالث ووضعت حدا لغفلة الغرب، والإسلام هو القوة الوحيدة العالمية القادرة على حماية الأمم المقهورة استنادا لروحه الثورية".

وللمفارقة، يذكر كارلوس في حواراته أنه فكر ومجموعة من الثوريين خلال اجتماع "لمنظمات معادية للإمبريالية" في بغداد عام 1991 في الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك عبر تفجيرهما بطائرة، جاءت الفكرة -كما يقول- بشكل عفوي بينما كان النقاش يدور حول الرد على الغارات الأميركية الكثيفة والقصف الذي كان يشهده العراق.

في كتاب "لغز أسامة بن لادن" الصادر عام 2008 للصحفي الفرنسي يان هاميل، قال كارلوس متحدثا عن أسامة بن لادن: "إن الشيخ أسامة بفضل شخصيته الجذابة يعتبر حالة متفردة في التاريخ المعاصر.. أود أن أكون قادرا على تشجيعه على مواصلة قتاله الرائع، وأحثه أيضا على حماية حياته، لأنه أصبح الرمز الحي للجهاد".

في الثاني من مايو/ أيار عام 2011، قضى أسامة بن لادن إثر هجوم لقوات خاصة أميركية على ملاذ آخر عدّه آمنا في أبوت آباد الباكستانية (نحو 130 كيلومترا شمال إسلام آباد)، وما زال إليتش راميريز سانشيز (74 عاما) يقضي 4 أحكام بالسجن المؤبد في فرنسا، ويصرّ في آخر ظهور أمام المحكمة في سبتمبر/ أيلول 2021 أنه "فخور برحلته الثورية".

كانت الخرطوم نقطة تقاطع على الطريق بين رجلين "إرهابيين" أو "مقاومين للاستكبار العالمي"، كما يرى أنصارهما، أحدهما انتهى عصره ودوره بنهاية مرحلة من التاريخ العالمي وبات محكوما بالمؤبد، وآخر طبع بداية الألفية الجديدة مع بروز عالم جديد، شكلت الحرب على "الإرهاب" وذيولها محورا رئيسيا فيه.

المصدر : الجزيرة