حرب أكتوبر 1973.. كيف سقطت "أبراج الحمام" الإسرائيلية في ساعات؟

حرب أكتوبر.. يومَ اتحد العرب ضد إسرائيل المصدر: الجزيرة الوثائقية

مساء يوم الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1973، كان الرئيس الراحل أنور السادات يدخن غليونه بقلق باد ويتمشى بغرفة مكتبه في بيته بالجيزة كعادة من ينتظر خبرا فارقا، كان هناك أمر واحد يلح عليه بعد أن أصدر التوجيه الإستراتيجي بشن الحرب في السادس من أكتوبر/تشرين الأول. هل اكتشفت إسرائيل التحركات المصرية؟ وكيف سترد إن حصل ذلك؟

كان قد اتصل قبل فترة قصيرة بوزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل مستفسرا، لكنه عاود الاتصال برئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي سائلا بكلمات مشفرة "هيه..مم.. مم"، فطمأنه بأن لا شيء يدل أو يشير إلى تسرب أي معلومات، وأن الاستعدادات وخطة الخداع المصرية تمضي حتى تلك اللحظة في أكمل صورة.

بدا الرئيس شديد الارتياح لما قاله الفريق الشاذلي، لكنه لم يخف تعجبه ودهشته أمام ضيفه قائلا "الله.. جرى إيه لسة نايمين في العسل باين عليهم.. وإلا راقديلي في الذرة"، في إشارة إلى أن الإسرائيليين كانوا إما مطمئنين ولم يعرفوا بموعد الهجوم فعلا، وإما أنهم علموا ويتحيّنون الفرصة للانقضاض.

midan - أنور السادات
الرئيس الراحل أنور السادات أصدر الأمر التوجيهي بكسر وقف إطلاق النار (مواقع التواصل)

قلق الساعة صفر

انشغلت كل القيادات العسكرية والسياسية المصرية والسورية قبيل 3 أيام من موعد الهجوم برد الفعل الإسرائيلي، خوفا من إجهاض الخطة بضربة استباقية. ارتكزت خطة الحرب بالأساس على عامل المفاجأة الإستراتيجية، وقد تحقق الجزء الأهم منها حتى ذلك اليوم، ولم تكتشف إسرائيل النوايا المصرية والسورية، رغم مؤشرات عديدة كانت يمكن أن تقودهم إلى ذلك.

في 22 أغسطس/آب 1973 اتُخذ قرار الحرب بعد اجتماع في الإسكندرية للقيادات العسكرية المصرية والسورية أحيط بسرية بالغة، وضم وزراء الدفاع ورؤساء الأركان وهيئة العمليات وقادة القوات الجوية والبحرية والمخابرات الحربية للبلدين.

وفي 11 سبتمبر/أيلول، بعد اجتماع بين الرئيسين حافظ الأسد وأنور السادات بالقاهرة حدد في السادس من أكتوبر/تشرين الأول موعدًا لبدء تنفيذ الخطة "بدر"، وترك تحديد ساعة الصفر لتقديرات العسكريين، وتم الاتفاق على الساعة السادسة مساء، تم تقديمه لاحقا (في الثالث من أكتوبر) إلى الساعة الثانية ظهرا بناء على طلب سوري.

كانت إسرائيل غافلة عن كل ذلك، فقد ساهمت خطة الخداع الإستراتيجي المصرية والسورية المعقدة والمحكمة والتكتيكات العسكرية المعتمدة في إخفاء الاستعدادات والتحركات الحقيقية للهجوم، وساعدت عقدة التفوق الإسرائيلية وغرور قياداتها، والتحصينات الضخمة التي أقامتها في خطي "بارليف" و"آلون" في منحهم ثقة زائدة، وفسروا ما يحصل كما أرادت القيادات العسكرية والسياسية المصرية والسورية تماما.

ففي يوم 13 سبتمبر/أيلول، دارت معركة جوية على الحدود السورية الإسرائيلية، خسرت فيها سوريا 13 طائرة من طراز "ميغ 21" مقابل مقاتلة "ميراج" إسرائيلية، ورغم بعض الشكوك فسرت إسرائيل الأمر على أن سوريا ليست قادرة على شن حرب، وفي المقابل تحملت سوريا الخسائر المحسوبة، رغم ثقلها، وأحجمت عن استعمال صواريخ الدفاع الجوي "سام 6" (كوادرات) لأنها مثلت الركن الأساسي في معركة اقتحام خطي "آلون" و"بارليف"، وتحييد سلاح الطيران الإسرائيلي المتفوق كمّا وكيفا.

قبل يوم من اندلاع الحرب، لاحظ الإسرائيليون تحركات غير عادية على الجبهتين المصرية والسورية، لكنهم لم يتوقعوا هجوما وشيكا، ففي صباح الخامس من أكتوبر، كان رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق سعد الدين الشاذلي يزور مواقع الجيش الثاني بقيادة اللواء سعد مأمون، ويذكر في كتابه "حرب أكتوبر.. مذكرات الشاذلي" (الطبعة الأولى، أكتوبر/تشرين الأول 2011، ص: 361): "تحركت ومعي اللواء سعد مأمون إلى نقطة ملاحظة لنا لا يفصلها عن مواقع العدو سوى 200 متر، كان كل شيء هادئا تماما، ولا توجد أي مظاهر تدل على أن العدو قد شعر باستعداداتنا أو أنه يقوم بإجراءات مضادة".

وفي النهاية، علمت إسرائيل بموعد الهجوم فجر يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول من مصدرين مهمين، أحدهما سكرتير الرئيس السادات للمعلومات أشرف مروان، الذي أطلق عليه الإسرائيليون لقب "الملاك"، وكان الأوان قد فات، واستبعد مجلس الوزراء الإسرائيلي الذي انعقد على عجل خيار توجيه ضربة استباقية، وأصبحت الخطة "بدر" المصرية والسورية في مواجهة خطة "شوفاخ يونيم" (أبراج الحمام) الإسرائيلية.

غولدا مائير استنجدت بهنري كيسنجر بعد تأكد معلومات الهجوم (غيتي)

صدام الخطط والسلاح

في صباح يوم 6 أكتوبر، كان مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يعقد اجتماعات مستمرة وعاصفة لمناقشة خططهم العسكرية على الجبهتين، وإمكانية توجيه ضربة وقائية قبل الساعة السادسة مساء (وفقا المعلومة الذهبية للملاك)، لكنهم فوجئوا ببدء عمليات الخطة "بدر" على الجبهتين المصرية والسورية في الساعة الثانية ظهرا.

كانت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير قد بعثت برسالة لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر عن طريق كينيث كينغ السفير الأميركي في تل أبيب، وكان محتوى رسالتها "أن هجوما مصريا سوريا سيحصل بعد ساعات وأن إسرائيل في وضع حرج".

وفي انتظار الرد الأميركي، بدأ العسكريون الإسرائيليون يراجعون خططهم في سيناء والجولان، كانت خطة "شوفاخ يونيم" تقسم جبهة قناة السويس (شرق القناة) إلى 3 قطاعات رئيسية (أنساق)، ويتم الدفاع عن خط بارليف (على القناة) بواسطة لواء مشاة داخل 35 حصنا قويا ونقاطا تضم مرابض دبابات بمعدل مربض كل 100 متر.

وأما النسق الثاني فيبعد من 5 إلى 8 كيلومترات عن القناة، ويضم 3 كتائب قوامها نحو 130 دبابة. وتتمركز 3 ألوية على مسافة 25 إلى 30 كيلومترا مع 240 دبابة، وفي حالات الحرب يندفع النسق الثاني لدعم النسق الأول على خط بارليف، ويندفع الاحتياط ليحتل مكان النسق الثاني.

واستندت هذه الخطة على سلسلة من التحصينات التي عرفت بخط بارليف تبدأ من قناة السويس إلى حدود 12 كيلومترا داخل سيناء المحتلة على امتداد الضفة الشرقية وبطول 170 كيلومترا، ويتكون من ساتر ترابي بارتفاع يتراوح بين 20 و22 مترا على القناة، إضافة إلى عشرات الحصون المبنية تحت الأرض والمواقع الدفاعية والنقاط الخرسانية الحصينة والخنادق ومرابض الدبابات والمدفعية والأسلاك الشائكة وحقول الألغام، بالإضافة إلى المانع المائي الذي ركبت فيه مواسير السائل الملتهب الذي يحوّل مياه القناة إلى كتلة من اللهب في حالة العبور.

وعلى الجبهة الشمالية، كان خط "آلون" يمتد على طول جبهة الجولان (70 كيلومترا)، ويضم عشرات التحصينات القوية المماثلة وسلسلة من الخنادق العميقة والأسلاك الشائكة ومرابض المدفعية وحقول الألغام المضادة للأفراد والآليات على طول الجبهة، كما يضم تلالا اصطناعية وسواتر من الإسمنت المسلح ومراصد قوية للمراقبة.

كانت تفاصيل الخطة "بدر" المتفق عليها بين الجانبين المصري والسوري تقوم على اقتحام قناة السويس بالجيشين الأول والثاني على طول مواجهة القناة (نحو 175 كيلومترا) انطلاقا من أوضاعها الدفاعية، وإنشاء رؤوس كباري بقوة 5 فرق مشاة، وتدمير خط بارليف وتحصيناته.

ونصت الخطة على تطوير الهجوم شرقا حتى مضايق سيناء الجبلية (بعد وقفة تعبوية أو من دونها) لاحتلالها والتشبث بها وتأمينها لتكون خطا دفاعيا تصد فيه الهجمات الإسرائيلية المرتقبة، في حين تندفع القوات السورية نحو هضبة الجولان للسيطرة عليها بشكل كامل لتشرف على الجليل الأعلى، ثم تنتظر متغيرات المعركة (مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي حرب أكتوبر 1973، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001، ص: 211)

الصور الرسمية لغرفة عمليات حرب أكتوبر (موقع السادات/ جامعة الإسكندرية)
الرئيس السادات (الثالث من اليمين) وقادة الجيش بغرفة العمليات (موقع السادات/جامعة الإسكندرية)

وفي تمام الساعة الثانية و5 دقائق، بدأ تنفيذ الخطة "بدر" بضربة جوية قامت بها 200 طائرة مصرية وأكثر من 100 طائرة سورية على الأهداف الإسرائيلية، تلاها قصف مدفعي ثقيل ومكثف على المواقع والتحصينات بأكثر من ألفي مدفع على الجبهة المصرية وألف مدفع على الجبهة السورية، وبدأ تقدم قوات المشاة تحت الغطاء الناري وحائط صواريخ الدفاع الجوي، الذي حيّد التفوق الجوي الإسرائيلي ومنع الطائرات الإسرائيلية من الاقتراب إلى مسافة فعالة.

أكثر من ألفي مدفع مصري دكت التحصينات الإسرائيلية شرقي القناة (الصحافة العربية)

سقوط "أبراج الحمام"

استطاعت القوات المصرية في ساعات قليلة اقتحام أحد أقوى الموانع الدفاعية في تاريخ الحروب، بعد إغلاق قوات الصاعقة مواسير اللهب التي أنشاها الإسرائيليون، وفي ظرف ساعة واحدة عبر نحو 800 ضابط وأكثر من 13 ألف جندي على القوارب المطاطية قبل تركيب الجسور والكباري وقبل فتح الثغرات في الساتر الترابي وتركيب الجسور والكباري الثقيلة، وبعد نحو 3 ساعات عبرت 45 كتيبة قوامها ألفي ضابط و30 ألف جندي ووصلوا إلى عمق تراوح بين 5 و8 كيلومترات شرق القناة، وبدأت النقاط الإسرائيلية الحصينة تسقط تباعا.

بعد 18 ساعة، يصف الفريق سعد الدين الشاذلي المعركة في مذكراته (مصدر سابق، ص: 388) بقوله: "كانت قواتنا قد حققت نجاحا حاسما في معركة القناة، فقد عبرت أصعب مانع مائي في العالم وحطمت خط بارليف.. وقد تم ذلك بأقل خسائر ممكنة، فقد بلغت خسائرنا 5 طائرات و20 دبابة و280 شهيدا، أما العدو ففقد 30 طائرة و300 دبابة وآلافا من القتلى، وخسر معهم خط بارليف بكامله، لقد تم سحق 3 ألوية مدرعة ولواء مشاة..".

وعلى الجبهة السورية كانت القوات السورية قد اخترقت خط "آلون" من نقطتين رئيسيتين إلى عمق نحو 20 كيلومترا داخل الجولان المحتل، وبدأت في التقدم نحو مدينة القنيطرة والسيطرة عليها، كما سيطرت قوات المظليين على مرصد جبل الشيخ.

أسرى من الجيش الاسرائيلي في الجبهة السورية - غيتي
ضباط إسرائيليون تم أسرهم على الجبهة السورية في حرب 1973 (غيتي)

طوال يومي 6 و7 أكتوبر، كانت القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية في حالة ارتباك، يصفها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ديفيد بن أليعازر في مذكراته بقوله: "لقد كانت الإشارات تتوالى بشكل مذهل، كنا بقدر الإمكان نحاول المحافظة على هدوء أعصابنا.. لم نستطع أن نتوازن بشكل دقيق أو نفكر في أي شيء، بل سيطر علينا الذهول المقرون بخيبة الأمل.." (مذكرات المشير الجمسي، مصدر سابق، ص: 315).

انهارت خطة "شوفاخ يونيم" الإسرائيلية في اختبار النار بسرعة، وسقطت حصونها ومواقعها المنيعة ومعها نظرية الأمن الإسرائيلية برمتها، ومثلت الأيام الأربعة الأولى من حرب أكتوبر ذروة الأداء العسكري للمقاتل العربي وقياداته العسكرية، قبل أن تتزعزع الجبهات تدريجيا، وتدخل خطط المعركة وتفاصيلها نفق السياسة، حيث كان ينتظر رجل مثل هنري كيسنجر ليرجّح الكفة للجانب الإسرائيلي وتتغير الموازين.

المصدر : الجزيرة