الاغتيال عقيدة أمنية
حتى قبل قيام إسرائيل، نفذت عصابات "الهاغاناه" و"الشتيرن" و"الأرغون" -والتي كانت أدوات محورية في المشروع الصهيوني، وصارت بعد تأسيس إسرائيل عمودا فقريا في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية مثل الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) والموساد (جهاز الأمن الخارجي)- عمليات اغتيال ممنهجة طالت حتى وسيط منظمة الأمم المتحدة في فلسطين السويدي الكونت فولك برنادوت في 17 سبتمبر/أيلول 1948.
وأدرجت تلك الجريمة التي نفذتها عصابة "شتيرن" في المنطقة الواقعة تحت السيطرة الصهيونية بالقدس ضمن خانة قتل الشاهد، وطمس معالم الحقيقة وتمرير المشروع الصهيوني. وتم بسبب اقتراح الكونت برنادوت وضع حد للهجرة اليهودية ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية الأمر الذي أغضب اليهود.
ويورد كتاب "جريمة اغتيال الوسيط الدولي في فلسطين: الكونت فولك برنادوت" للسويدي يوران بورين والصادر عن دار سامح للنشر 2022 عن تقرير القنصل السويدي فيدار ياغي أن "حملات الكراهية ضد الوسيط مهّدت بشكل مباشر للجريمة وأن بعض السلطات الحكومية الإسرائيلية نفسها ربما كانت متورطة في الأمر" (ص 197).
ويشير الكتاب إلى أن بعض الجناة ظهروا ليتحدثوا علنا حول ما حدث -في في تحقيق لصحيفة يديعوت أحرونوت عام 1988- وقد ورد اسم إسحاق شامير (يزيرنيتسكي سابقا) كواحد من الذين أصدروا الأوامر بارتكاب الجريمة، وكان رئيسا للوزراء حين نشر تقرير يديعوت أحرونوت، وناشطا سابقا في عصابة "شتيرن".
وإضافة إلى شامير، ترأست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة شخصيات انضوت تحت لواء عصابات "الهاغاناه" و"الشتيرن" و"الأرغون" وغيرها من العصابات الصهيونية. مثل أرييل شارون، وشمعون بيريز، ومناحيم بيغن، وإسحاق رابين، وإيهود باراك، الذي كان على رأس وحدة تولت يوم 10 أبريل/نيسان 1973 اغتيال القادة في حركة فتح، كمال ناصر وكمال عدوان ( وكلاهما يعملان في مجال الإعلام) وأبو يوسف النجار ضمن ما عرف بعملية "فردان".
ويحظى نهج الاغتيالات بصبغة إسرائيلية رسمية، وتصدر التعليمات بشأنها من أعلى هرم السلطة، ففي 3 يوليو/تموز2001، صدّق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على مواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد من يسميهم الناشطين الفلسطينيين، وأكد مجددا في أغسطس/آب 2001 أنه قرر اتباع هذا النهج، وأن لا أحد من الفلسطينيين محصن أمام الاغتيال، ويتضح أن ذلك يشمل الصحفيين أيضا.
وحول اغتيالات الموساد يكشف الصحفي والكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان في كتاب صدر عام 2018 بعنوان "انهض واقتل أولا: التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة في إسرائيل" ( Rise and Kill First The Secret History of Israel's Targeted (Assassinations -وهو عنوان مستوحى من نصوص التوراة- أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اغتالت منذ الخمسينيات نحو 2700 من العلماء والسياسيين والأدباء والمفكرين والفنانين العرب، خاصة من الفلسطينيين، ومعظم هذه العمليات غير معلومة.
ووفق النهج الإسرائيلي الذي يرتقي إلى مرتبة العقيدة الأمنية والعسكرية فإن عمليات الاغتيال التي ضمت قافلة من الصحفيين والمفكرين والعلماء (فلسطينيين وعربا) فضلا عن السياسيين والقادة، تندرج ضمن "الحرب الاستباقية" و"الضرورات الأمنية" وطمس الحقائق لتسود السرديات الإسرائيلية، وإسكات الأصوات الفلسطينة والأصوات الحرة.









