الجريمة واللاعقاب.. صحفيو فلسطين بمرمى النيران الإسرائيلية

على مدى عقود من الاغتيالات والقتل الممنهج، تتذرع إسرائيل بالضرورات الأمنية وما تسميه "الخرق الأمني" لتضع جرائمها في دائرة الالتباس وتبقى دون محاسبة

استهداف الصحفيين الفلسطينيين
استهداف الصحفيين الفلسطينيين
الصحفيون في الأراضي المحتلة يتعرضون لتهديد دائم من قبل قوات الاحتلال (مواقع التواصل)
الصحفيون في الأراضي المحتلة يتعرضون لتهديد دائم من قبل قوات الاحتلال (مواقع التواصل)

كانت الراحلة شيرين أبو عاقلة تؤدي عملها بمهنية عالية، غالبت نفسها طوال نحو ربع قرن لتحقيقها والالتزام بمعايير العمل الصحفي وكبحت مشاعرها -كفلسطينية أولا- رغم ما تشاهده وتسجله يوميا من تعديات وجرائم قتل واغتيال طالت حتى زملاء لها، أمنت هي بنفسها تقارير وتغطيات عن استشهادهم، قبل أن تكون هي الخبر التالي.

اغتيال شيرين أبو عاقلة، كما تثبت التحقيقات الأولية والوقائع والأحداث، يأتي ضمن نهج إسرائيلي لإسكات الصحفيين وإرهاب وسائل الإعلام التي لا تتبنى السردية الإسرائيلية وتبحث عن الحقيقة في الميدان.

عشرات الاغتيالات نفذها الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية بحق الإعلاميين الفلسطينيين والأكاديميين والكُتّاب فضلا عن السياسيين والعلماء، وبقيت تلك الجرائم منذ عقود دون مساءلة جدية أو حساب، وهو ما تمعن إسرائيل فيه دون رادع.

جريمة كاملة

تشير اللقطات المصورة إلى أن الراحلة شيرين أبو عاقلة وطاقم الجزيرة -كما اعترفت حتى وسائل إعلام إسرائيلية- لم يكونوا وسط منطقة مواجهات ساخنة مباشرة بل مكشوفة، وقد أعلنوا عن وجودهم بوضوح بمعداتهم وخوذهم وستراتهم الواقية وعليها شارة الصحافة المتعارف عليها.

كما أن الرصاصتين القاتلتين كانتا موجهتين مباشرة في العنق والرأس بما يفيد أنهما صادرتان من بندقية قناص من نوع "إم 16" (M16) يملكها الجيش الإسرائيلي، وقد أطلقتا من موقع قريب، وأصيب المنتج المرافق علي السمودي، ومع ذلك لم يتوقف إطلاق الرصاص.

في مقابلة خاصة أجرتها معها الجزيرة، قالت الراحلة إن الموت كان دائما قريبا منها في ميدان التغطيات، وإن استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين، يكون عبر الادعاء بأن وجودهم في الأمكنة التي يفترض أن يعملوا فيها، وهذه طبيعة العمل الصحفي، تعد "خرقا أمنيا" وهو ما  يبرر توقيفهم أو استهدافهم بالقتل، في مخالفة لكل المواثيق والأعراف التي تحمي الصحفي.

وعلى مدى عقود من الاغتيالات والقتل الممنهج، تتذرع إسرائيل بالضرورات الأمنية وما تسميه "الخرق الأمني" وتضع جرائمها دائما في دائرة الالتباس وتبقى دون محاسبة أو عقاب يردعها عن عمليات القتل التي تنفذ بدم بارد تحت أعين العدسات.

لم تتورع إسرائيل عن استهداف الصحفيين حتى داخل مقرات عملهم، وطالت عمليات القصف مكاتب إعلامية يعمل فيها عشرات الصحفيين من مؤسسات إعلامية دولية في أبراج غزة سنة 2014 و2018 و2021، وقبل ذلك في بيروت خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

وخلال العقود الماضية، استهدفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية واغتالت عددا من الصحفيين والأكاديميين والكتاب والمثقفين الفلسطينيين بكواتم صمت وعمليات تفجير وفرق اغتيالات خاصة، وهي غالبا تعزل هؤلاء عن صفتهم الإعلامية أو الأكاديمية أوالأدبية وتسبغ عليهم وصف "المخربين"، كما حصل مع كمال ناصر وكمال عدوان وغسان كنفاني وهاني جوهرية وماجد أبو شرار وغيرهم، وهي سياسة لطالما أتاحت لها الإفلات من المساءلة والعقاب بمعناه القانوني وفقا للأعراف واللوائح الدولية ذات الصلة.

طمس الحقائق

استمرت الانتهاكات الإسرائيلية من اعتقالات وإصابات بالرصاص المطاطي والحي في الأحداث الميدانية التي يغطيها الصحفيون على الأرض خلال الاجتياحات بالضفة الغربية في 2002 والحروب على قطاع غزة من 2008 إلى 2021 والاقتحامات في الأقصى والانتفاضات السابقة ومسيرات العودة، وحتى في الفعاليات السلمية الأسبوعية وتشييع الجنائز، ولم تسلم جنازة شيرين أبو عاقلة من الاعتداء على المشيعين.

جرائم قوات الاحتلال ضد الصحفيين الفلسطينيين

ووثقت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين 136 اعتداء تعرض لها الصحفيون من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية 2022، تركزت في القدس المحتلة ومخيم جنين، ووصل عدد الاعتداءات الموثقة على الصحفيين منذ عام 2014 وفق اللجنة إلى 838 اعتداء.

وخلال عام 2021، حصل ما يزيد على 368 انتهاكا، من بينها 155 انتهاكا مباشرا بين إصابات بالرصاص والغاز والقتل، واستشهد 3 صحفيين خلال العدوان على قطاع غزة عام 2021 وهم محمد شاهين، وعبد الحميد الكولك، ويوسف محمد أبو حسين.

وحسب تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود" تعرض أكثر من 144 صحفيا، فلسطينيا وأجنبيا لاعتداءات الجيش الإسرائيلي خلال تغطيتهم الأحداث بالأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأربع الأخيرة، وشملت تلك الاعتداءات إطلاق الرصاص والقنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية عليهم، والضرب بالعصي، والسحل، مما خلف إصابات بليغة نجمت عن أغلبها عاهات دائمة، كفقدان الأطراف والأعين، والتشوهات في الوجه.

ويشير التقرير إلى الصحفي يوسف الكرنز، الذي فقد ساقه اليسرى أثناء تغطيته أحداث مسيرة العودة سنة 2018 ومواطنه سامي مصران، الصحفي بتلفزيون القدس، الذي فقد إحدى عينيه بعد أن أصيب بالرصاص سنة 2019، ومراسل وكالة الأناضول علي جاد الله، الذي استهدف لثالث مرة برصاصة مطاطية في رأسه.

وفي 12 مايو/أيار عام 2021، قصفت الطائرات الإسرائيلية بشكل مباشر برج الشروق في مدينة غزة الذي يضم مكاتب عدد من المؤسسات الإعلامية، بينها قناة الجزيرة وأسوشيتد برس، إضافة إلى محال تجارية وشقق سكنية بـ8 صواريخ مما أدى إلى تدميره بالكامل.

وفي عدوان 2014 قصف الاحتلال 33 مقرا صحفيا في قطاع غزة، منها ما دُمر تدميرا كليا. وحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين استشهد أكثر من 46 صحفيا منذ عام 2000.

ووفقا لنادي الأسير الفلسطيني، يوجد في سجون الاحتلال 19 صحفيا، من بينهم الصحفي محمود عيسى المعتقل منذ عام 1993 والصحفية بشرى الطويل من مدينة البيرة، التي اعتقلت خلال السنوات الماضية 6 مرات، معظمها إداري.

من يحمي الصحفي؟

الصحفيون في الأراضي الفلسطينية يبقون في دائرة الاستهداف الإسرائيلي المستمر (الفرنسية)
الصحفيون في الأراضي الفلسطينية يبقون في دائرة الاستهداف الإسرائيلي المستمر (الفرنسية)

النصوص الشكلية

تنص المادة 79 من البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف 1949 حول القانون الدولي الإنساني على أن الصحفيين الذين يؤدون مهامهم في النزاعات المسلحة يجب احترامهم وحمايتهم من كل أشكال الهجوم المتعمد.

ويكفل  القانون الدولي الإنساني  للصحفيين المدنيين الحماية نفسها المكفولة للمدنيين طالما أنهم لا يشاركون في الأعمال العدائية، وينطبق الشيء نفسه على حالات النزاع غير المسلح بمقتضى القانون الدولي العرفي.

وتؤكد المادة 34 من الفصل 10 من دراسة للجنة الدولية للصليب الأحمر عن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني  لعام 2005 على أنه "يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية بمناطق نزاع مسلح ما داموا لا يقومون بجهود مباشرة في الأعمال العدائية".

ونص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1738 لسنة 2006 على إدانة الهجمات المتعمدة ضد الصحفيين وموظفي وسائل الإعلام والأفراد المرتبطين بهم أثناء النزاعات المسلحة، ومساواة سلامة وأمن الصحفيين ووسائل الإعلام والطواقم المساعدة في مناطق النزاعات المسلحة بحماية المدنيين هناك، واعتبار الصحفيين والمراسلين المستقلين مدنيين يجب احترامهم ومعاملتهم بهذه الصفة، وكذلك اعتبار المنشآت والمعدات الخاصة بوسائل الإعلام أعيانا مدنية لا يجوز أن تكون هدفا لأي هجمات أو أعمال انتقامية.

وشدد إعلان جوهانسبرغ 2002 للأمن القومي وحرية الوصول للمعلومات على الحق في الوصول للمعلومات، باعتباره من الحقوق الضرورية لضمان التمتع بالحق في حرية الرأي والتعبير. وهو ما أكدت عليه أيضا المواثيق الدولية الكبرى كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية.

الراحلة شيرين أبو عاقلة استهدفت برصاصتين مباشرتين خارج نطاق الاشتباكات (الجزيرة)

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أيضا قد أصدرت قرارها عدد 69/185 سنة 2014 حول أمن وسلامة الصحفيين في مناطق النزاع. وفي عام 2012 اعتمدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة -اليونسكو- خطة الأمم المتحدة حول أمن وسلامة الصحفيين، والتي شاركت في وضعها وتنفيذها وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة والمنظمات الدولية والمحلية المعنية بحماية الصحفيين وحرية الصحافة، وبعض ممثلي الدول الأطراف.

لكن هذه النصوص بشكل عام لا تأخذ طابع الإلزام، ولا توجد قوانين تجرّم أو تحدد عقابا لمرتكبي الانتهاكات ضد الصحفيين، وعادة ما تترك الجرائم الإسرائيلية ضد الصحفيين ضمن دائرة الالتباس والتحقيقات الطويلة في محكمة الجنايات الدولية أو محاكم أخرى.

وحتى الآن، لم يحاسب جيش الاحتلال الإسرائيلي على اعتداءاته الموثقة ضد الصحفيين، وكان كل من الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين والمركز الدولي للعدالة للفلسطينيين (ICIP) قد أعلنوا في أبريل/نيسان 2022 تقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية يتهمون فيها إسرائيل بارتكاب جرائم حرب بحق صحفيين في الأراضي الفلسطينية دون تقدم يذكر في هذا الملف.

فولك برنادوت/ Folke Bernadotte - الموسوعة
الكونتت فولك برنادوت اغتالته عصابة "شتيرن" الصهيونية عام 1948 (الجزيرة)

الاغتيال عقيدة أمنية

حتى قبل قيام إسرائيل، نفذت عصابات "الهاغاناه" و"الشتيرن" و"الأرغون" -والتي كانت أدوات محورية في المشروع الصهيوني، وصارت بعد تأسيس إسرائيل عمودا فقريا في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية مثل الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) والموساد (جهاز الأمن الخارجي)- عمليات اغتيال ممنهجة طالت حتى وسيط منظمة الأمم المتحدة في فلسطين السويدي الكونت فولك برنادوت في 17 سبتمبر/أيلول 1948.

وأدرجت تلك الجريمة التي نفذتها عصابة "شتيرن" في المنطقة الواقعة تحت السيطرة الصهيونية بالقدس ضمن خانة قتل الشاهد، وطمس معالم الحقيقة وتمرير المشروع الصهيوني. وتم بسبب اقتراح الكونت برنادوت وضع حد للهجرة اليهودية ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية الأمر الذي أغضب اليهود.

ويورد كتاب "جريمة اغتيال الوسيط الدولي في فلسطين: الكونت فولك برنادوت" للسويدي يوران بورين والصادر عن دار سامح للنشر 2022 عن تقرير القنصل السويدي فيدار ياغي أن "حملات الكراهية ضد الوسيط  مهّدت بشكل مباشر للجريمة وأن بعض السلطات الحكومية الإسرائيلية نفسها ربما كانت متورطة في الأمر" (ص 197).

ويشير الكتاب إلى أن بعض الجناة ظهروا ليتحدثوا علنا حول ما حدث -في في تحقيق لصحيفة يديعوت أحرونوت عام 1988- وقد ورد اسم إسحاق شامير (يزيرنيتسكي سابقا) كواحد من الذين أصدروا الأوامر بارتكاب الجريمة، وكان رئيسا للوزراء حين نشر تقرير يديعوت أحرونوت، وناشطا سابقا في عصابة "شتيرن".

وإضافة إلى شامير، ترأست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة شخصيات انضوت تحت لواء عصابات "الهاغاناه" و"الشتيرن" و"الأرغون" وغيرها من العصابات الصهيونية. مثل أرييل شارون، وشمعون بيريز، ومناحيم بيغن، وإسحاق رابين، وإيهود باراك، الذي كان على رأس وحدة تولت يوم 10 أبريل/نيسان 1973 اغتيال القادة في حركة فتح، كمال ناصر وكمال عدوان ( وكلاهما يعملان في مجال الإعلام) وأبو يوسف النجار ضمن ما عرف بعملية "فردان".

إعلان

ويحظى نهج الاغتيالات بصبغة إسرائيلية رسمية، وتصدر التعليمات بشأنها من أعلى هرم السلطة، ففي 3 يوليو/تموز2001، صدّق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على مواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد من يسميهم الناشطين الفلسطينيين، وأكد مجددا في أغسطس/آب 2001 أنه قرر اتباع هذا النهج، وأن لا أحد من الفلسطينيين محصن أمام الاغتيال، ويتضح أن ذلك يشمل الصحفيين أيضا.

وحول اغتيالات الموساد يكشف الصحفي والكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان في كتاب صدر عام 2018 بعنوان "انهض واقتل أولا: التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة في إسرائيل" ( Rise and Kill First The Secret History of Israel's Targeted (Assassinations -وهو عنوان مستوحى من نصوص التوراة- أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اغتالت منذ الخمسينيات نحو 2700 من العلماء والسياسيين والأدباء والمفكرين والفنانين العرب، خاصة من الفلسطينيين، ومعظم هذه العمليات غير معلومة.

ووفق النهج الإسرائيلي الذي يرتقي إلى مرتبة العقيدة الأمنية والعسكرية فإن عمليات الاغتيال التي ضمت قافلة من الصحفيين والمفكرين والعلماء (فلسطينيين وعربا) فضلا عن السياسيين والقادة، تندرج ضمن "الحرب الاستباقية" و"الضرورات الأمنية" وطمس الحقائق لتسود السرديات الإسرائيلية، وإسكات الأصوات الفلسطينة والأصوات الحرة.

كمال عدوان
كمال عدوان اغتيل في بيروت مع زميليه كمال ناصر وأبو يوسف النجار عام 1973 (الجزيرة)
المصدر: الجزيرة + وكالات