"الذخيرة المتسكعة".. سلاح نوعي يغير وجه الحروب ويثير المخاوف

هل تحتاج روسيا إلى المسيّرات الإيرانية؟ سلاح رخيص وفعّال ومشاع

تظهر الطائرات المسيّرة في الكثير من الحروب والصراعات المسلحة كسلاح غير مكلف وفعّال، قد لا يؤدي إلى كسب الحروب بصفة نهائية في ظل تفاوت الموازين العسكرية، لكنه يعد سلاحا رادعا ومربكا للعدو.

ومع كسر احتكاره عالميا -كما تظهر النزاعات الأخيرة- تسعى القوى العظمى لتطويره ليصبح سلاحا خارقا وحاسما، كما نشأت مخاوف من كونه سلاحا مشاعا ومنفلتا وخطيرا.

قبل حرب أوكرانيا، لم تكن الطائرات الإيرانية المسيّرة سوى أشباح إعلامية لا تظهر إلا في لقطات اعتبرت مجرد دعاية في الإعلام الإيراني، أو بنسخ محلية على الأغلب استعملها الحوثيون، كما ظهرت أثناء معارك محدودة في سوريا دون أن تثير اهتماما كبيرا. وفي المقابل، كانت الطائرات التركية المسيّرة ملء السمع والبصر، مستفيدة من مشاركتها في الحروب الإقليمية من سوريا إلى ليبيا وأذربيجان.

وتلتقي النسختان حاليا في الحرب الأوكرانية على طرفي نقيض، في رسالة مهمة مؤداها كسر الاحتكار في أسلحة نوعية ملائمة تماما للحروب الحديثة.

تكذّب طهران وموسكو باستمرار التقارير الأوكرانية والغربية التي تتحدث عن مشاركةٍ للمسيّرات الإيرانية في الحرب الدائرة بأوكرانيا، لكن الثابت أن تركيا ثم إيران كسرتا احتكار صناعة المسيرات الحربية (العسكرية) وتشغيلها، والتي كانت حكرا على الولايات المتحدة بدرجة أولى ثم إسرائيل والصين، في حين لا تملك دول كبرى بنية صناعية متطورة لطائرات مسيّرة مقاتلة، وإن كانت تمتلك الإمكانيات اللازمة لذلك.

طائرات مسيّرة إيرانية في مخابئ تحت الأرض (الفرنسية)

ما الطائرات المسيّرة؟

الطائرات المسيّرة (unmanned aerial vehicle) هي أجسام طائرة موجّهة لاسلكيا، يتم تشغيلها والتحكم بها عن بُعد عبر جهاز بسيط أو منظومة متكاملة أو ببرمجتها مسبقا، ويمكن إطلاقها من الأرض أو من السفن أو إسقاطها من طائرات أخرى، وباستطاعتها الطيران باتجاهات وارتفاعات مختلفة وتعديل مسارها أثناء الطيران وفق إحداثيات الهدف، كما يمكن توجيهها مرة أخرى إلى مكان الإطلاق أو أي مكان آخر بعد الانتهاء من مهمتها، وبعضها يستعمل مرة واحدة فقط.

تختلف المسيّرات من حيث الشكل والحجم والوظائف، فبعضها يستعمل لأغراض مدنية، فيما تم تطوير أنواع أخرى للمهام العسكرية المختلفة، ومنها ما هو خفيف، بحمولات صغيرة لا تتجاوز كيلوغرامات قليلة، وهي بطيئة نسبيا، كما توجد طائرات مسيّرة ثقيلة أقرب إلى المقاتلات، يتجاوز وزنها 20 طنا وتحمل آلاف الأطنان من الأسلحة والمعدات، وتتجاوز سرعتها ألف كيلومتر في الساعة، كما تتميز أخرى (بعض الطائرات الأميركية والروسية) بخاصية التخفي.

بشكل عام، تتوافر تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة على نطاق واسع، ولا تعد صناعتها بشكلها التقليدي للاستطلاع أو التصوير أو الرصد مشكلة كبرى، وهي تنتج وتباع من قبل عشرات الشركات حول العالم، كم يمكن تصنيعها بتكلفة زهيدة.

أما تكييفها عسكريا على مستوى الحجم لحمل الأسلحة بمختلف أنواعها وتعزيز سرعتها وقدرتها على المناورة والتحمل والطيران لارتفاعات عالية ومسافات أطول، والبقاء مدة طويلة في الجو وتجنب التشويش والهبوط السلس في مختلف الظروف الجوية؛ فيتطلب تكنولوجيا مختلفة ودقيقة.

Drone Maker DJI Debuts Latest Product In New York
تحول استخدام المسيّرات من الأغراض المدنية لتصبح سلاحا مهما في الجيوش (وسائل التواصل)
epa01969452 (FILE) An undated handout picture by the US Air Force shows a MQ-1 Predator unmanned aircraft in flight at an undiclosed location. According to reports insurgents in Afghanistan and Iraq have used inexpensive software to intercept the video feeds from the aircraft allowing them to see key targets and other intelligence information.
طائرة "إم كيو-1 بريدتور" التابعة لسلاح الجو الأميركي (الأوروبية)

المزايا.. فعّالة وغير مكلفة

يمكن القول إن ظهور المقاتلات المسيّرة شكل مرحلة جديدة في الحروب، تماما كما حصل سابقا مع الدبابات والعربات المدرعة والقنابل اليدوية والبنادق الآلية والطائرات المقاتلة والصواريخ، والتي أحدثت كلها طفرة في الخطط العسكرية ومسار العمليات القتالية ونتائجها.

وبخلاف النماذج الأولى التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، تطوّر استعمال الطائرات المسيّرة تقريبا في الثمانينيات من القرن الماضي لأغراض الاستطلاع الجوي والتصوير والمراقبة، ثم استُعملت سلاحا من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الرائدتين في هذا المجال.

استخدمت الطائرات من فئة "إم كيو بريديتور" (MQ Predator) الأميركية منذ التسعينيات صواريخ موجهة في حروب كوسوفو وأفغانستان، وفي عمليات خاصة باليمن والعراق وسوريا ومناطق أخرى، قبل أن يتم تصميم النموذج الثاني منها تحت اسم "إم كيو ريبر" (MQ Reaper) التي استُغلت في عدة عمليات خاصة واغتيالات.

ويشبّه الخبراء العسكريون الطائرات المسيّرة بالنسر الذي يحوم مدة طويلة في مجال وجود فرائسه لينقض عليها بمجرد ظهورها أو خروجها من مكمنها، فالمسيرات تطير مدة طويلة وترصد تحركات وتمركزات الأهداف ثم تقوم بتدميرها.

  • تكمن الأهمية الرئيسية لاستعمال الطائرات المسيّرة في أنها غير مأهولة، وبالتالي لا يؤدي إسقاطها إلى أي أضرار بشرية، ففقدان العنصر البشري في المعارك -وخصوصا الطيارين المحترفين- تعد خسارة فادحة يصعب تعويضها مع طول الحرب.
  • بوجود الطائرات المسيّرة لم تعد الجيوش بحاجة إلى كشافة وفرق لاستطلاع الجبهات وسير المعارك وخطوط القتال، وبالتالي المجازفة بفقدان المقاتلين، فهي قادرة على مسح كامل خطوط الجبهات وإرسال تمركزات القوات والوحدات القتالية والإحداثيات بشكل مستمر، ومنح القادة صورة شاملة ودقيقة عن سير العمليات من دون تضحيات بشرية.
  • تمكّن المسيّرات الجيوش من التسلل وتوجيه ضربات دقيقة ومفاجئة للخطوط الأمامية والخلفية للعدو، بسبب صعوبة إسقاطها بوسائل الدفاع الجوي، نظرا لطيرانها المنخفض أو صغر حجمها وسرعة انقضاضها. وإذا استعملت -خصوصا الانتحارية منها- ضمن أنساق هجومية وبأعداد كبيرة (أسراب)، فإنها يمكن أن تكون مؤثرة بشكل كبير على سير المعركة على الأقل.
  • تكلفة صناعة المسيّرات أقل بكثير من الطائرات المقاتلة الحربية والصواريخ، كما يمكّنها حجمها الصغير وصعوبة اكتشافها من الرادارات إنجاز عدد من المهمات التي تصعب أحيانا على المقاتلات الضخمة التي يمكن رصدها بسهولة والتعامل معها بوسائل الدفاع الجوي المناسبة.
  • تستطيع المسيّرات البقاء مدة طويلة في الجو (تصل إلى أكثر من 35 ساعة) مما يمكّن الجيوش من الحصول على معلومات مستمرة ومحيّنة ودقيقة عن أوضاع الجبهات.
  • غالبا تكون كلفة المسيرات أقل من كلفة الصاروخ الذي يسقطها، فهي بشكل عام من الأسلحة الرخيصة والفعالة في إرباك العدو، خاصة إذا استعملت بدفعات وأنساق هجومية كبيرة بقطع النظر عن وزن حمولتها.

ورغم فارق الحمولة والقوة التدميرية، فإن كلفة صاروخ "كاليبير" (Kalibr) الروسي الجوال مثلا تقدر بأكثر من مليون دولار، مقابل مليوني دولار لصاروخ توماهوك (Tomahawk) الأميركي، بينما لا تتجاوز كلفة الطائرة المسيّرة الواحدة -بما في ذلك مسيرّة "شاهد" الإيرانية- بضعة آلاف من الدولارات، وبالتالي يمكن استخدام العشرات منها دفعة واحدة.

  • تعد المسيّرات فعّالة بشكل كبير في الحرب الإلكترونية وعمليات التشويش والإعاقة، خصوصا إذا ما تم دمجها مع الوحدات القتالية أو منظومات الدفاع الجوي.
  • تستعمل المسيّرات في خداع أنظمة الدفاع الجوي وتكبيد العدو خسائر كبيرة في الصواريخ الباهظة الثمن بلا فائدة حربية أو عسكرية.
  • لا تستهلك المسيّرات الكثير من الوقود، وبعضها (الصغيرة الحجم) مزودة ببطاريات كهربائية، بينما تعمل الأكبر حجما بالوقود والكهرباء.
  • لا تحتاج المسيّرات إلى شبكة معقدة ومكلفة من منظومات الصيانة والدشم والحماية والمطارات المجهزة والتقنيات، فمعظمها يطلق من أي مكان وفي مختلف الظروف، ويمكن نقلها بسهولة وتخزينها ونشرها وإطلاقها لاحقا، وهو ما يوفر الكثير من الموارد والأموال.
  • بشكل عام لا يتطلب تشغيلها كوادر شديدة التأهيل، ويمكن التدرب بسهولة على التعامل معها، على عكس الطائرات المقاتلة الأخرى التي يتطلب إتقان تشغيلها كفاءة عالية ومراكز تأهيل ضخمة وموارد كبرى.
  • تعد الطائرات المسيّرة القتالية بشكل ما "سلاح الفقراء"، ففي النهاية يمكن تصنيع أنواع بسيطة منها وتزويدها بالمتفجرات واستعمالها بشكل موجه أو عشوائي، ويلحظ استعمالها من قبل الحوثيين (ويرجح أنها بتقنيات إيرانية معدلة محليا) في ضرب أهداف في السعودية، أو استعمالها من قبل مسلحي المعارضة في سوريا في مهاجمة قاعدة حميميم الروسية باللاذقية وأهداف أخرى.
طائرة "بيرقدار- تي بي 2" التركية نالت شهرة اسعة بفعل مشاركتها في عدد من النزاعات (الأوروبية)
طائرة " آر كيو-4 غلوبل هاوك" التابعة للبحرية الأميركية (رويترز)

حدود الفعالية

  •  لا يمكن للطائرات المسيّرة الخفيفة والمتوسطة حسم الحروب والمعارك الكبرى، فقوة تأثيرها نسبية نظرا لمحدودية حمولتها من الأسلحة والذخائر، فيما يمكن للمقاتلات الحربية حمل آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ ذات التأثير الكبير في الحروب.
  • تعد المسيّرات في النهاية أسلحة تكتيكية محدودة، تزداد أهميتها بفعالية القدرات العسكرية الأخرى للطرف الذي يستعملها، وكذلك بمدى قدرات العدو وإمكانياته اللوجستية.
  • في معارك طرابلس بليبيا، تشير التقارير إلى أن طائرة "بيرقدار 2" التركية حسمت المعارك  بشكل كبير، بقطع النظر عن إمكانياتها، مع ضعف قدرات الطرف الآخر (قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر) التقنية والنارية. كما لم تكن أرمينيا تمتلك الدفاعات الجوية اللازمة للتعامل مع طائرات "بيرقدار 2" التي حسمت معارك ناغورني قره باغ.
  • من الصعب على الطائرات المسيّرة التقليدية إصابة أهداف حيوية عالية الأهمية مؤمّنة جيدا بوسائل الدفاع الجوي الحديثة والمتطورة.
  • تبقى الطائرات المسيّرة التقليدية البطيئة عرضة للتدمير حتى بواسطة الرشاشات الثقيلة والمضادات الأرضية البسيطة.
  • يمكن التشويش على الطائرات المسيّرة بأنظمة الحرب الإلكترونية والسيطرة عليها وإنزالها، وهو ما فعلته إيران مثلا عندما سيطرت على بعض الطائرات الأميركية، من بينها "إم كيو-9"، وكذلك "آر كيو-170 سينتينيل" (RQ-170 Sentinel) الأكثر تقدما، وهو أكدته تقارير أميركية.
طائرات مسيرة إيرانية داخل تحصينات تحت الأرض (الفرنسية)

إيران.. الحاجة أمّ الاختراع

ساهمت فترة الحظر الطويلة التي فرضت على إيران في تعديل توجهاتها العسكرية، والاعتماد على مواردها الذاتية، فصناعة الطائرات الحربية المقاتلة تتطلب موازنة كبيرة وتكنولوجيا متطورة لا تمتلكها، لذلك تحولت طهران إلى قوة الردع الصاروخية الأقل كلفة وموارد، ثم إلى الطائرات المسيرة.

  • قد تكون إيران استفادت بشكل ما من التكنولوجيا الصينية المتعلقة بصناعة الطائرات المسيّرة، وطوعتها لإنتاج نسخ محلية، ثم توسعت في ذلك بفعل تراكم الخبرات.
  • تشير التقارير إلى أن إيران استفادت بشكل واضح من الطائرات الأميركية التي أسقطتها أو سيطرت عليها في مياه الخليج أو أثناء اختراقها مجالها الجوي أواخر 2012 وعام 2019، وفحصت معداتها ومكوناتها، ثم استفادت منها في تطوير نسخ محلية.
  • بشكل عام، تخصص القوات المسلحة الإيرانية موازنة معقولة للبحوث والتصنيع، وكذلك تستثمر عدة جامعات إيرانية في البحوث والدراسات والبحث العلمي، مما أوجد كوادر مؤهلة في هذا المجال.
  • وفق التقارير الإيرانية والغربية، تمتلك إيران عدة أنواع وفئات من الطائرات المسيّرة، أبرزها من فئة شاهد (البرق) 129 وشاهد 136 وشاهد 191، وكذلك مهاجر 6، وعرش 1 و2 وغيرها.
سلجوق بيرقدار مدير شركة "بايكار" يتابع سير تجربة طائرة مسيرة من غرفة التحكم (مواقع التواصل)
نماذج من طائرة بيرقدار التركية وأسلحتها (مواقع التواصل)

تركيا.. هبة سلجوق بيرقدار

رغم ريادة شركة "أسيلسان" (Aselsan) الحكومية التي تأسست عام 1975، ومؤسسة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) التي تأسست عام 1984؛ تصف وسائل الإعلام التركية والعالمية المهندس التركي الشاب سلجوق بيرقدار (1979) بأنه "الأب الروحي للطائرات المسيّرة التركية". فهو خريج قسم هندسة الإلكترونيات والاتصالات في جامعة إسطنبول، وحاصل على درجتي ماجستير من جامعة بنسلفانيا (2004) ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المرموق بالولايات المتحدة (2006) في مجالات هندسة أنظمة إلكترونيات الطيران والتحكم بالطيران الآلي وتطوير خوارزمية الملاحة. عاد إلى تركيا ليصبح المدير الفني والتقني لشركة "بايكار" للصناعات الدفاعية (Baykar Savunma) منذ عام 2007، وكبير مهندسي تصميم وتشغيل أول أنظمة الطائرات من دون طيار (المسيّرات) في تركيا.

وكانت طائرة "بيرقدار ميني يو إيه في" (Bayraktar MINI UAV) قد طورتها شركة "بايكار للصناعات الدفاعية" تحت إشراف سلجوق بيرقدار، كأول مسيّرة محلية في تركيا، كما طوّر منظومة "بيرقدار تي بي 2"  (Bayraktar TB2 S/UAV) التي دخلت الخدمة عام 2014، واشتهرت على نطاق واسع.

وظهرت النسخ الأولى من طائرة "بيرقدار أقنجي" (Bayraktar Akıncı) الثقيلة التي طورتها شركة بايكار، وساهم المهندس الشاب -الذي تزوج لاحقا ابنة الرئيس رجب طيب أردوغان- في وضع تركيا ضمن أهم 5 مصنعين للطائرات المسيرة عالميا.

وبالإضافة إلى فئة بيرقدار بأنواعها، تصنع تركيا طائرات مسّيرة من فئتي "أنكا" (ANKA) و"أكسنغور" (Aksungur) في معامل مؤسسة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI)، كما أطلقت شركة بايكار مؤخرا تجارب لطائرة "بيرقدار-قزل إلما" (Bayraktar-kizilelma ) التي تتميز بخاصية التخفي والمناورة السريعة.

Turkish combat drone Bayraktar AKINCI B meets the sky
طائرة "بيرقدار أقنجي بي" من آخر تصميمات شركة بايكار (وسائل التواصل)
السلطات الأوكرانية اتهمت روسيا باستخدام مسيّرات انتحارية إيرانية (الفرنسية)

هل تحتاج روسيا إلى مسيّرات إيران؟

من منظور عسكري وتكنولوجي، وبحكم التراكم في التجربة العسكرية، لا تبدو روسيا -باعتبارها قوة عسكرية كبرى- عاجزة عن صناعة طائرات مسيّرة بكفاءة عالية، وهي التي تصنّع طائرات مقاتلة فائقة التطور وأسلحة فرط صوتية عالية الدقة.

لكن روسيا لا تركز كثيرا على صناعة المسيرات رغم امتلاكها مسيرات خفيفة، من بينها: "أورلان 10" (Orlan-10)، و"أوريون إي" (Orion-E)، و"كرونشتات أوريون" (Kronshtadt Orion)، وغيرها من فئة كرونشتات، و"ألتيوس آر يو" (Altius-ru)، وأخرى ثقيلة ومتطورة مثل طائرة "أوخنتيك إس 70" (S-70 Okhotnik) وتعني الصياد الضارب، وقد اجتازت مرحلة التجارب بنجاح عام 2019، وتعد الأضخم والأكثر تطورا في العالم.

ومع ذلك، لا تعد روسيا دولة رائدة في صناعة المسيّرات، ولا تنتجها بكميات كبيرة، وقد تكون لجأت إلى إيران لعدة أسباب من بينها:

  • تعاني روسيا من عوامل قصور تتمثل في شرائح التوجيه لصناعة عدد كبير من الطائرات، ولم تكن مؤهلة لتغطية حاجيات حرب أوكرانيا المتزايدة.
  • تحتاج في خضم الحرب الدائرة إلى أعداد كبيرة من الطائرات، لمجاراة سير المعارك بعد الفشل في الحرب الخاطفة وفعالية الهجمات المضادة الأوكرانية.
  • تبقى في حاجة إلى أنواع معينة، من بينها الطائرات الانتحارية (الكاميكازي) بأعداد كبيرة تتوافق مع حجم الأهداف العسكرية في أوكرانيا. وفقدان عدد كبير من المسيّرات جعلها تلجأ إلى إيران.
  • قد يكون المخزون الروسي من المسيرات تآكل بفعل استخدامه المكثف في العمليات العسكرية بأوكرانيا.
  • لم تلجأ روسيا إلى تركيا لتزويدها بالمسيّرات نظرا لوجودها لدى الجيش الأوكراني، والتعاون الأوكراني مع تركيا في إنتاج بعض أجزائها، كما لم تستعمل مسيّرات إسرائيلية كانت قد اشترتها لرفض إسرائيل ذلك.
An undated handout photo supplied by Israel Aerospace Industries (IAI) on 17 December 2014 shows a Heron unmanned aerial system, or done, which the Israeli manufacturer says was selected over the competition to be purchased by the Republic of Korea (ROKA). EPA/ISRAEL AEROSPACE INDUSTRIES/HANDOUT
تعد "هيرون" من أبرز الطائرات المسيرة الإسرائيلية (الأوروبية)

إسرائيل.. الحاضر الغائب

تعدّ إسرائيل من أهم مصنعي ومصدري الطائرات المسيّرة في العالم، ويمتلك سلاح الجو الإسرائيلي مجموعة متنوعة منها بأحجام وقدرات مختلفة، من بينها الثقيلة الحاملة لصواريخ جو أرض، وجو جو والقذائف الموجهة بالليزر، مثل: "هيرمس 450" (Hermes 450)، و"هيرمس 900" (900 Hermes)، و"إيتان" و"هيرون 1و 2" (Heron)، و"نيتسوس". ومن أبرز المسيرات الإسرائيلية "هيرون ماتشاتز-1" (Heron Machatz-1) التي يمكنها الطيران لمدة 52 ساعة متواصلة بمدى يبلغ نحو 3 آلاف كلم، كما تشير بيانات إسرائيلية.

وأثارت التقارير بشأن استعمال روسيا طائرات مسيّرة إيرانية في حرب أوكرانيا قلقا إسرائيليا، ولا سيما مع التوتر في العلاقات بين موسكو وتل أبيب. ونقلت وكالة الأناضول عن إيمانويل نافون أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، أن "هذه التغييرات في الحرب تسهل على إسرائيل أن تكون أكثر فاعلية في توفير الأسلحة لأوكرانيا، لأنها -بخلاف بداية الحرب- واضحة اليوم إلى أين تتجه".

وينظر الإسرائيليون إلى الحضور المزعوم للطائرات المسيّرة الإيرانية في حرب أوكرانيا على أنها فرصة كبيرة لطهران، ستتيح لها التحقق من أدائها ميدانيا وتطويرها لاحقا، مما "يشكل خطرا كبيرا على أمن إسرائيل".

سلاح المستقبل الخطر

تعدّ الولايات المتحدة الأميركية الدولة الرائدة في مجال تصنيع المسيّرات الحربية واستعمالها، ومن أهم الطائرات العاملة في القوات المسلحة الأميركية بفئاتها المختلفة: "إم 25 ستينغراي" (M25 STINGRAY)، و"إكس كيو فالكيري" (XQ 58 VALKYRIE)، و"إم كيو 9 ريبر" (MQ9 REAPER)، و"بريداتور سي أفنجر" (PREDATOR C AVENGER)، و"إكس 47 بي" (X47B)، و"آر كيو 4 غلوبال هاوك" (RQ4 GLOBAL HAWK).

وتمتلك الصين أيضا عدة أنواع من المسيّرات، من أهمها: "وينغ لونغ" (Wing Loong) بفئاتها المختلفة، و"تساي هونغ" (Cai Hong) بفئاتها الخمس، و"كاسك رينبو سي إتش" (CASC Rainbow CH) بفئاتها الأربع، و"دبليو زي 7" (WZ-7 Soaring Dragon)، و"هونغدو جي جاي 11" (Hongdu GJ-11) وغيرها، لكن الصين إلى -جانب الولايات المتحدة- تطور مسيرات شبحية ثقيلة، تقارب في مهامها المقاتلات المتطورة مثل المسيرة "سي إتش7" (CH7).

ورغم سهولة إنتاج وتطوير واستعمال المسيّرات، تسعى القوى العسكرية الكبرى إلى جعلها سلاحا فتاكا يؤدي نفس وظائف الطائرات المقاتلة أو الإستراتيجية، من خلال زيادة مداها وقدرات عملها في مختلف الظروف الجوية، وتطوير السرعة والحمولة النووية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وخصوصا تقنية التخفي والتحكم الذاتي (Unmanned Combat Aerial Vehicle).

وقد طورت روسيا طائرة "أوخنتيك إس 70" (S-70 Okhotnik)، وهي مسيّرة خفية ذاتية التحكم (ucav) تعمل كقاذفة ثقيلة من الجيل الخامس، يصل وزنها إلى 22 طنا بمدى 5 آلاف كيلومتر، وتصل سرعتها إلى 1400 كيلومتر في الساعة، ويمكن أن تحمل نحو 3 أطنان (8 أطنان وفق بعض المصادر) من الذخائر بمختلف أنواعها، وهي مزودة بقدرات الحرب الإلكترونية المعقدة، بما فيها قيادة سرب طائرات مسيرة ومقاتلات الجيل الخامس "سو 57".

وطورت الولايات المتحدة طائرة "إكس 47 بي" (X47B) التي تعمل مسيّرة للقوات البحرية، وهي مقاتلة خفية ذاتية التحكم من الجيل الخامس، تستخدم لضرب الأهداف البحرية والجوية والبرية، يصل وزنها فارغة إلى نحو 6 أطنان، ووزن الإقلاع أكثر من 20 طنا، وتحمل نحو 8 أطنان من الصواريخ والقنابل بسرعة 900 كيلومتر في الساعة وإلى مدى 4 آلاف كيلومتر وارتفاع 18 كيلومترا، دون التزود بالوقود. كما طورت شركة بوينغ طائرات "بوينغ إكس 40" و"بوينغ إكس 45" بقدرات مماثلة.

وطورت الصين طائرة "سي إتش7" (CH7): وهي مسيّرة خفية ذاتية التحكم تشبه الطائرة الأميركية "إكس 47 بي"، ويمكن أن تطير بسرعة 920 كيلومترا في الساعة وعلى ارتفاع 13 كيلومترا وبمدى ألفي كيلومتر. ويبلغ وزنها فارغة 6.5 أطنان، ووزن الإقلاع 12 طنا، وتحمل طائفة واسعة من الصواريخ والقنابل للقتال الأرضي والجوي، إضافة إلى مهام الاستطلاع، وقد بدأت رحلاتها التجريبية الأولى عام 2019 والإنتاج عام 2022.

ومع سعي الدول العظمى إلى تطوير المسيّرات نحو بعد آخر، لتصبح مقاتلات تفوق جوي وقاذفات بعيدة المدى غير مأهولة بمميزات تكنولوجية فائقة، تتنامى المخاوف من سرعة انتشار "الذخائر المتسكعة"، حيث يمكن لأيٍّ كان مع التكنولوجيا المشاعة تصنيع مسيّرات هجومية بكلفة زهيدة، وإطلاقها دون روادع أخلاقية أو قانونية.

المصدر : الجزيرة