من المذبحة الرواندية إلى بيغاسوس. كيف تهدد إسرائيل حياة الأفارقة؟
في الداخل تحتجز تل أبيب السود الذين يهددون هويتها اليهودية، وفي الخارج تمنح الحكام الأفارقة أدوات تعزيز أنظمتهم الاستبدادية.
وقف المارة في إسرائيل في أحد الأيام يلقون البَيض على "سومية عمر"، المهاجرة من دارفور، التي سرعان ما وجدت نفسها في قبضة العنصرية الإسرائيلية لأنها مهاجرة سوداء ليس إلا، وسُرِقَت حقيبتها في وضح النهار، بعد أن ظنَّت أنها وجدت ملجأ من الاقتتال الأهلي في موطنها الأصلي. في مشهد آخر، يجلس أحد الضباط التوغوليين حديثي التخرج وهو يتدرَّب على برامج تجسس إسرائيلية حديثة اشتراها النظام في توغو لتتبُّع معارضيه. وفي صورة ثالثة يجلس عجوز في "كيغالي"، عاصمة رواندا، وهو يتذكر طفلته التي قُتلت في المذبحة الرواندية الشهيرة بسلاح إسرائيلي أيضا.
هذه بعض الصور التي يستحضرها الأفارقة حين يأتي ذكر دولة الاحتلال الإسرائيلي، لكن أيّا من هذه الصور لا يحظى بالقدر الكافي من الضوء حين يأتي الحديث عن إسرائيل وأفريقيا، والفضل يرجع إلى الدعاية المكثفة التي عكفت عليها تل أبيب طيلة السنوات الماضية، لا سيّما منذ قام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "بنيامين نتنياهو" بجولة في كينيا وأثيوبيا ورواندا وأوغندا بعد أن رفع الكنيست شعار "إسرائيل تعود إلى أفريقيا، وأفريقيا تعود إلى إسرائيل" عام 2016. لقد دأبت تل أبيب على الاهتمام بالتوغل الاقتصادي والسياسي -والعسكري أحيانا- داخل القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة، حتى صار الكثير من المحللين ومنهم عرب يعزفون نغمة البروباغندا الإسرائيلية نفسها، ويشيرون إلى النجاح الإسرائيلي في أفريقيا.
بيد أن التحليلات التي تُكتب عن هذا النجاح المزعوم عادة ما تتناسى عاملا مُهمّا، وهو خِبرات الأفارقة أنفسهم المباشرة مع إسرائيل، التي تشكل عنصرا فاعلا في تشكيل الرأي العام، إذ يتعامل البعض مع الأرقام فقط، ويتناسون أهمية التجارب الشخصية في صناعة المشهد التاريخي وما يمكن أن تمثله من تأثير على المدى الطويل. إن الفجوة بين الصورة اللامعة التي صنعتها إسرائيل عن علاقاتها مع النظم الحاكمة في أفريقيا، والتاريخ المُظلِم لعلاقة مشروعها الصهيوني بالأفارقة أنفسهم على مدار العقود الماضي، هو الثغرة الأبرز في رواية النجاح الإسرائيلي، والتي نسعى لتسليط الضوء عليها لفهم فقاعة الدعاية الإسرائيلية وحدودها، بل وكشف زيفها الواضح أحيانا.
الأفارقة والصهيونية.. الزيت والماء
في عام 2016، بدأت وسائل الإعلام العالمية الكبرى توجِّه الأنظار إلى ما تفعله السلطات الإسرائيلية مع المهاجرين الأفارقة الذين وصفتهم إسرائيل -واحة الانفتاح وسط صحراء التعصب كما تقول عن نفسها- بأنهم "متسللون" يهددون الشخصية "اليهودية" للدولة العبرية. وخيَّرت إسرائيل الأفارقة من طالبي اللجوء بين خيارين، إما الترحيل وإما السجن. وقد طردت تل أبيب بالفعل 20 ألف أفريقي آنذاك، ولكي يبرر المسؤولون الإسرائيليون أن الأمر لا علاقة له بالعنصرية ضد السود، زعموا أنهم طردوا 10 آلاف أوكراني أبيض في الوقت نفسه.
تمنح إسرائيل جنسيتها تلقائيا لأي يهودي يرغب بالهجرة إليها مباشرة بمجرد وصوله إلى أراضيها، لكنها لا تفعل الشيء نفسه لو كان ذلك اليهودي أوغنديّا، فقد رأت الحكومة الإسرائيلية أن يهود أوغندا الأفارقة غير مؤهلين للحصول على جنسيتها، فيما لم تمنح الدولة العبرية حق اللجوء إليها للأفارقة منذ عام 2006 سوى لرجل سوداني واحد و32 إريتريّا بحسب بيانات مكتب السكان والهجرة التابع لوزارة الداخلية الإسرائيلية. وحتى في عام 2007 حين منحت الحكومة استثنائيا حق اللجوء للمئات من السودانيين بموجب بند اللجوء الإنساني، لم تعترف به وزارة الداخلية إلا بعد سنوات.
للمقارنة، ربما علينا أن نذكر أن نسبة الموافقة على طلبات اللجوء في أوروبا بلغت 68% للسودانيين و86% للإريتريين عام 2019، طبقا لمكتب دعم اللاجئين الأوروبي، وهو معدل سخي مقارنة بنظيره الإسرائيلي القابع تحت عتبة 1% فقط. وكانت إحدى أهم خطوات إسرائيل للتعامل مع شبح الهجرة السوداء إيداع العديد من المهاجرين الأفارقة في سجن "سهرونيم" (حيث يمكنك التجول في النهار ولكن عليك أن تعود إلى السجن في المساء)، ثم في مركز احتجاز "حولوت"، الذي رزح فيه الآلاف من طالبي اللجوء دون أمل في الخروج، حتى يئسوا ووقَّعوا بأيديهم على إقرار بالعودة إلى حيث جاؤوا. وقد أغلقت إسرائيل مركز "حولوت" في نهاية المطاف عام 2018.

وحتى حين قررت محكمة العدل العليا في إسرائيل عام 2014 إسقاط قانون المتسللين (الذي وصفته "هيومان رايتس ووتش" عام 2012 بكونه قانون معاقبة للاجئين بالمخالفة للقانون الدولي)، ومُنِع احتجاز الأفارقة اللاجئين في سجون جنوب إسرائيل بصحراء النقب؛ صرح وزير الداخلية "جدعون ساعر" بأنه لا يستطيع تقبل قرار المحكمة، وأدلى بتصريح كاشف قائلا: "لن تكون لنا دولة يهودية ديمقراطية، لأن المتسللين سوف يجتاحون حدودنا"، بل قال أيضا إن المحكمة أخطأت، وإن الكنيست بصدد سَنِّ قوانين لمنع المحكمة من التدخل في تلك المسائل، وهو ما أيده وقتها العديد من الأعضاء المحسوبين على اليمين في البرلمان الإسرائيلي.
بالتزامن مع ذلك، اتخذت دولة الاحتلال الإسرائيلي مسلكا أثار الكثير من الجدل، وهو طرد طالبي اللجوء إلى أوغندا ورواندا. وفي الوقت التي لمَّحت فيه الدولة العبرية إلى وجود اتفاقيات بينها وبين الدولتين لإرسال اللاجئين إليهما وتخفيف الضغط الحقوقي على تل أبيب، أكَّدت رواندا وأوغندا عدم وجود أي اتفاقية بهذا المضمون، في حين تواترت شهادات المهاجرين المُرحَّلين إلى البلدين عن معاناة كبيرة واجهتهم أثناء تهريبهم من إسرائيل إلى أوغندا ورواندا، وكيف أُخِذَت منهم أوراقهم قبل الدخول، ومن ثم واجهوا صعوبات قانونية جمة داخلها، وأحيانا اضطروا إلى معاودة الهجرة إلى بلاد أخرى بعد ذلك. وقد أكَّدت الرواية الأوغندية الرسمية أنه إذا كان داخل البلاد مهاجرون قادمون من إسرائيل، فهم مهاجرون غير نظاميين، ولا يوجد أي اتفاقية بخصوصهم.
في السنوات اللاحقة اكتشفت إسرائيل -التي تعشق بناء الجدران الفاصلة- أن الحاجز الحدودي الذي أقامته على حدودها مع مصر حلَّ جزءا كبيرا من أزمتها مع الأفارقة، ومنع وصول أعداد جديدة منهم، ومن ثمَّ صار عدد المهاجرين الأفارقة عندها 31 ألف مهاجر (22 ألفا من إريتريا، و6 آلاف من السودان). وبعد السيطرة على الوضع حرصت تل أبيب على أن تترك هؤلاء الأفارقة الباقين بأقل قدر من الحقوق المدنية الممكنة عن طريق منحهم تأشيرات لا ترقى امتيازاتها إلى مرتبة "الإقامة المؤقتة"؛ ما ضيَّق الخناق عليهم ودفعهم لترك البلاد، وهو الغرض الحقيقي من تلك السياسات كما صرح مسؤولون إسرائيليون دون تجميل.
فوفقا لتحقيق موسع نشرته "تايمز أوف إسرائيل" في أكتوبر/تشرين الأول 2021، لا زالت إسرائيل تفرض ضريبة على أصحاب الأعمال الذين يوظفون طالبي اللجوء الأفارقة، وهي ضريبة "العمال الأجانب" التي تساوي 20% من راتب العامل الأجنبي، رغم أن المحكمة العليا الإسرائيلية قضت منذ عام 2011 بمنع تغريم الجهات التي توظِّف اللاجئين أو طالبي اللجوء، كما نصَّت على السماح للأجانب بالعمل. ليس هذا فحسب، بل كشف تقرير في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن أن الطلاب السود من أبناء المهاجرين الأفارقة في مدارس تل أبيب يُوضَعون في فصول خالية من أبناء الإسرائيليين؛ ما أعاد ذكريات الفصل العنصري في الولايات المتحدة، وقد ردت الحكومة حينذاك بأن السبب يعود إلى تقسيم الطلاب حسب أماكن سكنهم ليس إلا، على اعتبار أن المهاجرين يتكدَّسون في أحياء بعينها.
تفاقمت الأمور بشكل أكبر منذ عام 2019 مع تقلُّد "أيليت شاكيد" وزارة الداخلية، وهي عسكرية إسرائيلية سابقة من أصل عراقي، وكانت من قيادات الحزب اليميني المتطرف "البيت اليهودي"، ولها آراء سابقة معادية للمهاجرين الأفارقة ومؤيدة صراحة لسياسات تضييق الخناق عليهم وإجبارهم على الرحيل. ومنذ يومها الأول في المنصب، صرحت "شاكيد" بأنها لن تحيد عن توجه الحكومة السابقة فيما يتعلق بمن أسمتهم "المتسللين"، وأنها ستعمل على إعادتهم إلى بلدانهم أو دفعهم طواعية للمغادرة إلى بلدان ثالثة آمنة.
تل أبيب وأكذوبة اختراق أفريقيا
بالتزامن مع نبذ الأفارقة في الداخل، كثفت إسرائيل جهودها في السياسة الخارجية على مدار العقد الماضي من أجل تقوية العلاقات مع الأنظمة الحاكمة في القارة الأفريقية، وتبلور ذلك مع رفع الدولة شعار "عودة إسرائيل إلى أفريقيا" وجولة "نتنياهو" الأفريقية الكبيرة عام 2016، علاوة على خطابه الشهير في ليبيريا عام 2017 أمام المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، الذي تعهَّد فيه بتقديم المساعدة الاقتصادية والتكنولوجية للدول الأفريقية. وقد اتخذت إسرائيل في البداية قاعدة تكوَّنت من 5 دول انطلقت منها نحو تعميق حضورها في القارة، هي توغو ورواندا وجنوب السودان والكونغو والكاميرون. ولا شك أن تطبيع إسرائيل مع الإمارات والسودان والمغرب والبحرين عام 2020 قد منح وضعها الأفريقي قوة إضافية، إذ أصبح لسان حال العديد من الدول الأفريقية حيال القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي: "دعونا لا نكون ملكيين أكثر من الملك".
تمتلك إسرائيل علاقات دبلوماسية مع 46 دولة أفريقية من أصل 54، ولها 13 سفارة في القارة، علاوة على السفراء غير المقيمين بصفة دائمة في البلدان الأخرى. وقد ارتكزت أهداف السياسة الإسرائيلية النشطة في القارة طيلة العقد الأخير على أمرين: الأول كسب أصوات الأفارقة في القضايا المُثارة في مجلس الأمن حول إسرائيل، إذ تتركَّز الأصوات السمراء عادة على الضفة المقابلة بالنظر للترابط التاريخي بين القضية الفلسطينية وحركات التحرر الوطني الأفريقية. والثاني خلق أسواق جديدة لمنتجاتها، لا سيّما أن الأسواق الأفريقية توفر فرصا للتحايل على القواعد الصارمة الموجودة في أسواق الدول المتقدمة، بالإضافة إلى ما يشكله نهم الأنظمة الأفريقية تجاه المعدات العسكرية ومعدات التجسُّس من فرصة لإسرائيل كي تُصدِّر منتجاتها المتقدمة في هذا المجال. وقد بلغت صادرات إسرائيل العسكرية إلى أفريقيا حوالي 226 مليون دولار سنويا بين عامي 2009 و2019، وفي الوقف الذي تتراجع فيه صادرات السلاح الإسرائيلي لبقية دول العالم، نجدها ترتفع في أفريقيا. هذا ويُدرِّب الجيش الإسرائيلي العديد من الجيوش الأفريقية، أبرزها إثيوبيا وكينيا وزامبيا وتوغو والكاميرون والنيجر وأنغولا.

في النهاية، تُوِّج النشاط المكثف لإسرائيل في أفريقيا باختراق دبلوماسي بارز، بعدما أعلن "موسى فكي محمد"، رئيس المفوضية الأفريقية عام 2021، عن منح إسرائيل مقعد عضو مراقب في الاتحاد الأفريقي، وهو مقعد حاولت تل أبيب الحصول عليه منذ عام 2013، إذ يوفر لها إمكانية الوصول إلى مكتبة الوثائق الأفريقية، كما يتيح التواصل المباشر المكثف مع أعضاء الاتحاد. وكانت مبررات "فكي" أن العديد من الدول الأفريقية والعربية بدأت علاقات رسمية مع إسرائيل لما رأته من تحقيق ذلك لمصالحها الذاتية، ومن ثمَّ فما من تفسير لنُحرِّم على الاتحاد ما نُحِلُّه لتلك الدول. وأكَّد "فكي" أن هذا لا يتنافى مع عقيدة الاتحاد الراسخة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وأن العلاقات مع إسرائيل ستوفر فرصة للاتحاد لإثناء إسرائيل عن عنفها.
وقف مع إسرائيل من أجل الحصول على هذا المقعد كل من المغرب وتشاد والسنغال والكاميرون والغابون وساحل العاج ورواندا وأوغندا وجنوب السودان، لكن بفضل الاعتراض الفعال لكل من الجزائر ومصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا وليبيا وتونس وموريتانيا والسودان وجيبوتي وغامبيا وناميبيا وبوتسوانا والنيجر وإريتريا، عُلِّق القرار وتشكَّلت لجنة من 7 رؤساء دول في الاتحاد لمناقشة الأمر. وتكشف لنا تلك الأحداث والمعلومات عن تزايد نفوذ إسرائيل في القارة، وهو نفوذ قد يوحي للبعض بأن إسرائيل صنعت معجزة دبلوماسية وأن علاقاتها بأفريقيا يغلفها النجاح إجمالا، لكن الواقع مختلف عن ذلك.
ففي ورقة بحثية مطولة كتبها "جين لوب سامان"، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، استنتج أن العلاقات العسكرية كانت الأولوية الرئيسية للسياسة الخارجية الإسرائيلية في القارة، وأنها لم تترك مساحة لمبادرات تنموية حقيقية. ويرجع ذلك إلى أن السياسة الخارجية الإسرائيلية تُصَاغ أساسا عبر الجيش والمخابرات، لا وزارة الخارجية التي تعاني من نقص الموارد (يفسر هذا قلة عدد السفارات الإسرائيلية في القارة الذي ذكرناه سابقا رغم تزايد العلاقات الرسمية). وبحسب "فينسِنت دوهيم"، الصحافي بموقع "أفريكا ريبورت"، فإن إسرائيل بنت علاقاتها مع أفريقيا طيلة العقود الماضية عبر رجال الأعمال والوسطاء الإسرائيليين الذين يستخدمون السماسرة المحليين للأنظمة الأفريقية الحاكمة من أجل خدمة مصالح إسرائيل.
لم تستثمر إسرائيل في دبلوماسيتها الرسمية إلا قليلا، وعلى عكس الصورة التي يتخيلها البعض عن حضور إسرائيل السخي في القارة، فإن الدولة اليهودية الغنية نسبيا لا تُخصِّص إلا 0.1% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي للمساعدات الدولية. وجدير بالذكر هنا أن الدولة "اليهودية الديمقراطية" ألغت جميع برامج المساعدات للسنغال عام 2016، والتي روَّجت لها على أنها مساهمة إسرائيلية خيرية لمحاربة الفقر في أفريقيا عندما أيدت السنغال قرار الأمم المتحدة بعدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية عام 2016.

رغم ما نجده على العديد من المنصات العربية عن استثمارات إسرائيل الاقتصادية الهائلة في أفريقيا، وهي تقارير يعود أغلبها إلى معلومات غير دقيقة ناجمة عن أخطاء في الترجمة تارة، وتكرار ما تنشره بعض المنابر الدعائية العبرية؛ تشير الدراسات الحكومية الإسرائيلية نفسها إلى أن الصادرات الإسرائيلية لأفريقيا جنوب الصحراء (باستثناء الماس) انخفضت خلال العقد الأخير من 1.1 إلى 0.6 مليون دولار، في حين نمت صادرات إسرائيل الكلية في الفترة نفسها بنسبة 30%، وهو ما يعني فشل إسرائيل في استغلال النمو الاقتصادي السريع لأفريقيا جنوب الصحراء في السنوات الأخيرة.
باختصار، يمكن القول إن قصة النجاح الإسرائيلي في أفريقيا هي قصة نجاحها في دعم جيوش الأنظمة الدكتاتورية في القارة، وهي سياسة وإن كانت مجدية على المدى القصير، فإنها قد لا تكون كذلك على المدى الطويل، وبخاصة أننا نتحدث عن دولة من الدول القليلة في العالم التي تواجه أسئلة صعبة حول شرعية وجودها من الأساس وسياساتها الاستيطانية، في حين نرى على الطرف المقابل تلك الجماهير السمراء المتحمسة تجاه القضية الفلسطينية ومعظم القضايا المرتبطة بمناهضة العنصرية. لذلك، فإن تصدير الأسلحة وبرامج التجسس للأنظمة التي تقمع مواطنيها الأفارقة، ورغم أنه سيعزز مصالح تل أبيب مع الأنظمة الحاكمة، فإنه يستجلب المزيد من كراهية الأفارقة أنفسهم لإسرائيل مع الوقت.
دبلوماسية التجسس.. كيف تقمع إسرائيل سكان القارة؟
"تزود إسرائيل الأنظمة الاستبدادية في أفريقيا بأدوات التجسس، وتزود حركات التمرد بالأسلحة تحت غطاء الأدوات الزراعية، وتغذي الحروب الأهلية في جنوب السودان والكاميرون وغينيا".
"ماندلا مانديلا"، حفيد نيلسون مانديلا، وعضو البرلمان الجنوب أفريقي
بعد أن عرفنا طبيعة العلاقة التي تستهدفها إسرائيل مع أفريقيا، والتي تقوم بالأساس على دعم الأنظمة الأفريقية على المستوى العسكري والاستخباراتي، يمكننا الآن أن ننتقل إلى فصل بعينه في ملف العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية، وهو ما يعرف بدبلوماسية التجسُّس، أي بيع أدوات تجسس متطورة تُستخدَم عادة في أفريقيا ضد المعارضين، ومن ثمَّ تتيح لإسرائيل الاستفادة سياسيا بعد ذلك من علاقاتها بتلك الدول. ويُعَد هذا الملف حلقة جديدة من مسلسل انتهاكات إسرائيل ضد المدنيين في القارة، الذي يحوي فصولا وحشية، بدءا من ضرب الأطفال في مدرسة "بحر البقر" في مصر، مرورا بدعم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا طيلة الحرب الباردة، وحتى بيع برنامج "بيغاسوس" للتجسس على الناشطين والمعارضين الأفارقة.
"بيغاسوس" هو برنامج تجسس من صناعة الشركة الإسرائيلية "إن إس أو (NSO)"، ويستطيع اختراق أي هاتف ذكي والوصول إلى الكاميرا والمكالمات والصور والميكروفون والبريد الإلكتروني، ومن ثمَّ يتيح مراقبة الشخص المستهدف دون علمه. وقد ساعد البرنامج في التجسس على حوالي 180 صحافيا حول العالم بعد أن اشترته العديد من الأنظمة الأفريقية وغير الأفريقية على السواء. وقد وافقت وزارة الدفاع الإسرائيلية على مبيعات "بيغاسوس"، ولعبت دورا حاسما في انتشاره واستخدامه، إذ تدرك الحكومة الإسرائيلية الفوائد الدبلوماسية لتصدير برامج التجسس، وترفض حظر بيعها تماما، كما تُبقي عمليات ترخيص تصدير الأسلحة مبهمة وسرية، رغم التاريخ الدموي الموثَّق جيدا لصادراتها تلك، الذي أورده "يوتام جيدرون" في كتاب "إسرائيل في أفريقيا: الأمن والهجرة والسياسات بين الدول (Israel in Africa: Security, Migration, Interstate Politics)".

في الواقع، ينبغي على شركة "إن إس أو" قبل أن تبيع البرنامج إلى أي دولة أن تأخذ إذن الحكومة الإسرائيلية أولا. وقد ذكرت بعض التقارير الصحافية أن الدبلوماسيين الإسرائيليين عرضوا بيع المساعدات الاستخباراتية وأجهزة المراقبة إلى دول أفريقية في إطار محاولة الحصول على مواقف داعمة منهم للحصول على صفة المراقب في الاتحاد الأفريقي. كما أشار تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن دولا مثل بنما والمكسيك غيّرت موقفها إلى التصويت لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة بعد أن بيع لها "بيغاسوس". ورغم أن بعض الأنظمة في أفريقيا كانت من أهم زبائن "بيغاسوس" للتجسس على معارضيها، فإن المفارقة أنه أيضا استُخدم ضدهم، فنصف الرؤساء الذين استُخدِم "بيغاسوس" ضدهم من دول أخرى معادية لهم كانوا أفارقة، وفيما يلي سنتقفى أثر "بيغاسوس" في أفريقيا.
في غانا المشهورة بديمقراطيتها مقارنة بجيرانها، وهي أحد أبرز الداعمين السياسيين لإسرائيل داخل الاتحاد الأفريقي، اشترت هيئة تنظيم الاتصالات الغانية برنامج "بيغاسوس" بمبلغ 8 ملايين دولار عبر وسيط غاني آخر، وتم تثبيت البرنامج في شقة مستشار الأمن القومي الغاني قبيل انتخابات عام 2016. وقال بعد ذلك مؤسس حركة "أصلحوا البلاد (Fix the Country)" المعارضة إن السلطة كانت تراقب هاتف أحد أعضاء الحركة، ورغم نفي الحكومة، كشفت مجموعة من الصحافيين الاستقصائيين اسمها "القصص المُحرَّمة (Forbidden Stories)" عن أن السلطات الغانية تراقب بالفعل المواطنين الغانيين بشكل مخالف للقانون عن طريق "بيغاسوس". وبعد أن حدثت تلاعبات مالية، وصل الأمر إلى القضاء الغاني وانكشف أمر "بيغاسوس"، وأدانت المحكمة رجلين من السلطات الغانية، وأكَّدت أن استخدام "بيغاسوس" غير قانوني.
وفي توغو استخدمت تقنيات التجسس أيضا لتعقب المعارضين، ومنهم الناشط الحقوقي والصحافي التوغولي "كوملانفي كيتوهو" الذي فرَّ من البلاد بعد خروجه من المعتقل، إذ اعتُقِل الرجل بعد استهداف جهازه. وأشار تقرير لجامعة "تورونتو" الكندية إلى استخدام تقنيات التجسس الإسرائيلية "سِركلز (Circles)" ضد النشطاء والصحافيين في كل من نيجيريا وغينيا الاستوائية وبوتسوانا وكينيا. أما في زامبيا، وبعد الكشف عن استخدام السلطات برامج تجسس أجنبية ضد المعارضة، يُرجَّج أن "بيغاسوس" كان هو المتهم أيضا. وبدورها، استخدمت السلطات في رواندا -صاحبة العلاقة الوطيدة مع إسرائيل- "بيغاسوس" لاستهداف أكثر من 3500 ناشط وصحافي رواندي بحسب منظمة العفو الدولية، منهم ابنة "بول روسساباجينار" الذي أنقذ حياة 1200 شخص أثناء الإبادة الجماعية في رواندا في التسعينيات، وصُنع فيلم هوليودي عنه بعد ذلك. ويُذكِّرنا كل هذا بقصة أخرى من التاريخ القريب يمكنها أن تشرح لنا طبيعة تحركات إسرائيل في القارة.
فلاش باك.. إسرائيل شريكة الإبادة في رواندا
من تدريب ميليشيات الدكتاتور "بينوشيه" في شيلي بأقصى جنوب أميركا اللاتينية، ثمَّ بيع الأسلحة إلى أطراف الحرب الأهلية في سريلانكا، الجزيرة الواقعة إلى جنوب الهند، وبيعها أيضا إلى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وصولا إلى إبرام الصفقات المسلحة مع القوات الصربية أثناء إبادة البوسنة في البلقان، ومع ميانمار أثناء إبادة الروهينغا، وبيع السلاح نظام "ماركوس" في الفلبين، تبدو بصمات إسرائيل على جثث ضحايا أشهر مذابح وصراعات العالم دموية باقية يصعب محوها، وهنا تبرز قصة دور الأسلحة الإسرائيلية في الإبادة الجماعية الشهيرة في رواندا شاهدة على دورها في قلب القارة الأفريقية.
في السابع من أبريل/نيسان 1994، بدأت الإبادة الجماعية من طرف متطرفي جماعة الهوتو العرقية بقتل أفراد من جماعة التوتسي ومن الهوتو المعتدلين. وقد كشفت الوثائق بعد ذلك أن دولا كبرى في العالم مثل الولايات المتحدة عرفت باحتمالية وقوع المذبحة لكنها لم تلق لها بالا. وقد ذُبِح مليون شخص رواندي في تلك الإبادة، التي يصفها البعض بأنها ربما الإبادة ذات الوتيرة الأسرع في التاريخ الحديث. وبينما تُظهر الرواية الرسمية للأحداث أن إسرائيل كانت أول دولة تسهم بإنشاء مستشفى ميداني في رواندا أثناء الإبادة الجماعية، يحكي "يائير أورون"، المؤرخ الإسرائيلي ورئيس قسم الاجتماع والعلوم السياسية في جامعة إسرائيل المفتوحة سابقا، رواية أخرى مسكوتا عنها عن دور إسرائيل في المذبحة.
بدأ "أورون" عام 2004 دعوته إلى إجراء تحقيق حول بيع إسرائيل أسلحة إلى رواندا في شهر أبريل/نيسان 1994 بالتزامن مع المذابح. وأكَّد "أورون"، المتخصص في دراسة تاريخ إسرائيل مع الإبادات الجماعية للشعوب الأخرى، أن لديه وثائق تؤكد دور تجار السلاح الإسرائيليين في قتل الروانديين عبر بيع أسلحة حصلت عليها الدولة العبرية في حربها مع مصر عام 1973. ووصلت دعوة البروفيسور الإسرائيلي في النهاية إلى المحكمة في تل أبيب، حيث وقف مرتجفا وهو يتحدث عن حِمْل التاريخ الواقع على كتفيه، لكن المحكمة رفضت إجبار الدولة على إصدار الوثائق الخاصة ببيع الأسلحة إلى جماعة الهوتو في تسعينيات القرن الماضي، إذ إن "الكشف عن المعلومات قد يضر بأمن دولة إسرائيل وعلاقاتها الخارجية" على حد قولها.

قال "أورون" آنذاك إن تقريرا لمنظمة العفو الدولية نُشر عام 1995 أكد تحميل الأسلحة في مطار "بِن غوريون" تحت إشراف ضباط إسرائيليين، وهو ما أكده أيضا تقرير "سماسرة السلاح" الذي نشرته مؤسسة أوسلو لأبحاث السلام عام 2000، علما بأنه لا يمكن إخراج الأسلحة من المطار دون علم وزير الدفاع ورئيس الوزراء الإسرائيليَّيْن. وعلمت الأجهزة الإسرائيلية تماما منذ ستينيات القرن الماضي طبيعة التوترات العرقية الخطيرة في رواندا، وأدركت اضطهاد التوتسي آنذاك. وقد علَّق رجال الدولة في برقياتهم على أن مشكلة التوتسي في أجزاء منها تتشابه مع مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما حفَّز الدعم العربي للتوتسي في القاهرة والجزائر والرباط. وهذا التشابه بحسب الدبلوماسيين الإسرائيليين جعل حكومة رواندا حليفا طبيعيا لتل أبيب.
لا يزال دور إسرائيل في رواندا منذ وقت الإبادة وحتى تصدير تقنيات التجسُّس على المعارضين (ومنهم ابنة أحد أبطال المذبحة) شارحا ربما لجزء كبير من طبيعة الدبلوماسية الإسرائيلية في القارة ورؤية تل أبيب للأفارقة. في الواقع، ورغم أن إسرائيل حققت نجاحات نسبية في أفريقيا يراها البعض كبيرة في الفترة الماضية، لكنها على المدى الطويل لم تكسب سوى أعداء جدد في صفوف الأفارقة للكيان الصهيوني الذي يسوغ أي وسيلة من أجل بقائه، من احتجاز السود الذين "يُهدِّدون" هويته اليهودية، إلى دعم الاقتتال الأهلي والنظم العنصرية والدكتاتورية، وليس انتهاء بمنح حُكام القارة أدوات تعزيز أنظمتهم الاستبدادية ضد الملايين من مواطنيهم.
------------------------------------------------------------
المصادر:
1- Why is Israel kicking out thousands of African refugees? | Inside Story
2- يهود أوغندا غير مؤهلين للهجرة إلى إسرائيل
3- Offered little hope, African migrants despair of Israel as a refuge
4- Israel 'sending away African migrants'
5- في قرار جدلي، المحكمة العليا ترفض سياسات إسرائيل حول اللاجئين
6- أوغندا تدرس بشكل جدّي طلب إسرائيل بإستيعاب 500 مهاجر أفريقي
7- Scenarios for Israel’s role in Africa
8- ورقة علمية: التغلغل الأمني الإسرائيلي في أفريقيا جنوب الصحراء … أ. د. وليد عبد الحي
9- insight/the long history of israels outreach to africa
9- Israel’s Spyware Diplomacy in Africa
10- الإجراءات الإسرائيلية ضد دول أدانت الاستيطان
11- Trade between Israel and Sub-Saharan Africa
12- Israel uses spyware, weapons and agritech to buy influence in Africa
13- كيف تستبدل إسرائيل بيغاسوس بمؤيدين أفارقة
14- The Battle for the World’s Most Powerful Cyberweapon
17- Uncovering the Clients of Cyberespionage Firm Circles17- Pegasus Project: Rwandan authorities chose thousands of activists, journalists and politicians to target with NSO spyware
18- Did Israel arm Rwanda during the 1994 genocide?
19- The Israeli Guns That Took Part in the Rwanda Genocide
20- Israel was aware of violence against Hutus before Rwandan genocide, new documents show









