"سياحة القتل".. هل شارك ألمان في رحلات قنص البشر بسراييفو؟

حفظ

Sarajevo pedestrians run through an area exposed to Serb sniper along Sarajevo's infamous "Sniper Alley" Thursday, April 15, 1993 in Sarajevo. Sniping and shelling by Serb forces surrounding the beseiged Bosnian capital continue, but at a relatively light rate. (AP Photo/Michael Stravato)
مدنيون في سراييفو يركضون عبر منطقة مكشوفة لنيران القناصة على امتداد شارع "زقاق القناصة" خلال حصار المدينة في 1993 (أسوشيتد برس)

في مارس/آذار الماضي ضجّت الصحف الأوروبية بأخبار صادمة وقصص استقصائية حول ما بات يعرف بـ"سياحة قنص البشر" أو "سفاري سراييفو"، قوات صرب البوسنة تنظم رحلات سياحية لأثرياء أوروبيين إلى التلال المحيطة بعاصمة البوسنة خلال حصارها بين عامي 1992 و1996 أثناء حرب البوسنة والهرسك.

ولم تكن هذه الرحلات التي كانت تنظم غالبا في نهاية الأسبوع بغرض السياحة والاستجمام في تلال مدينة محاصرة، بل جاءت في إطار "سياحة قنص البشر" مقابل المال.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويعود الفضل في الكشف عن تفاصيل هذه الجرائم والمتورطين فيها إلى شكوى مفصلة رفعها الكاتب والصحفي الإيطالي إزيو غافاتسيني إلى الادعاء العام في مدينة ميلانو استنادا لبحث استمر سنوات وتمخض عن حصوله على وثائق وشهادات توثق تورط أثرياء أوروبيين من إيطاليا وبلجيكا وفرنسا والنمسا وربما دول أوروبية أخرى في قنص البشر من مواقع تحت سيطرة قوات صرب البوسنة في التلال المحيطة بالمدينة مقابل مبالغ طائلة.

أما نقطة التحول في هذه القضية فقد جاءت في عام 2022 بعد عرض الفيلم الوثائقي "سفاري سراييفو" للمخرج السلوفيني ميران زوبانش، وفي هذا الفيلم يُدلي جندي صربي سابق بشهادة تفيد بأن أثرياء أوروبيين كانوا يدفعون المال مقابل إطلاق النار على سكان المدينة أثناء حصارها.

A young boy plays near a wall pocked by shrapnel and bullet holes in the Sarajevo frontline neighborhood of Mojmilo, which has come under heavy attack by Bosnian Serb forces since the war began in April 1992, Monday Sept. 25, 1995. Peace talks between Bosnia, Croatia and Serbia scheduled to take place in New York on Tuesday have stalled as Bosnian Foreign Minister Muhamed Sacirbey has been instructed by President Izetbegovic to boycott the talks. (AP Photo/Jacqueline Arzt)
صبي بوسني قرب جدار ثقبته الشظايا والرصاص في حي مويميلو على خط المواجهة في سراييفو (أسوشيتد برس)

مطالبات بالتحقيق

وبعد بدء النيابة العامة الإيطالية بالتحقيق في هذه الجرائم وتوثيقها سينمائيا، تزداد وتيرة الضغوط على الحكومات الأوروبية للكشف عن تفاصيل هذه الجرائم، فالتحقت أحزاب ألمانية بالجهات المطالبة بالتحقيق فيها والمطالبة بتقديم المتورطين للعدالة.

وبعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي الألماني، أعلن حزب الخضر المعارض تقديم استجواب لوزارة الداخلية الألمانية بغرض معرفة ما إذا كانت لدى السلطات الألمانية إلى جانب ما نُشر علنا معلومات عن هذه الجرائم، وإذا كان الأمر كذلك فما هي هذه المعلومات بالتحديد؟ وبحوزة أي جهات ألمانية حكومية توجد هذه المعلومات؟

إعلان

ووفق إرينه مِهالِتش المديرة البرلمانية للكتلة النيابية لحزب الخضر في البرلمان الألماني (بوندستاغ) فإن طلب الاستجواب بقي دون إجابة من الوزارة المعنية. وقالت مِهالِتش في تصريح لمجلة (دير شبيغل) إن عدم إجابة الحكومة الاتحادية عن أي سؤال تضمنه طلب الاستجواب "يعد أمرا خطيرا وذلك نظرا لفداحة الاتهامات، كما أن الامتناع عن الإجابة يظهر أن الحكومة لا تعطي أهمية كبيرة للرقابة البرلمانية".

A grave digger makes his way through the Muslim, Christian and laic grave markers in the Lion Cemetery in Kosevo neighborhood of Sarajevo, early Friday morning, Dec. 8, 1995. The worker was cleaning around graves, a job that is much easier now that Serbian sniper positions on a nearby hill are now unmanned. (AP Photo/Rikard Larma)
إحدى المقابر بالعاصمة سراييفو حيث دفن المسلمون والمسيحيون خلال الحرب (أسوشيتد برس)

وردت وزارة الداخلية بأن عدم تقديم إجابات على استفسار مِهالِتش يأتي بسبب الجهد الكبير المرتبط بالبحث اليدوي عن الوثائق المطلوبة، وأوضحت أن التحقق من الأسئلة يتطلب مراجعة كمية هائلة من الملفات، الأمر الذي يجعل الإجابة على استفسار البرلمانية غير ممكنة في الوقت الراهن.

وبغض النظر عن النتيجة النهائية، تأمل مِهالِتش في أن يكون الاستجواب قد حرك المياه الراكدة وأن يكون دعوة إلى عدم نسيان الضحايا تحت أي ظرف والكشف عن هويات المتورطين في ارتكاب هذه الجرائم.

وبينما تلاحق مِهالِتش الجناة بطريقتها، تواظب وسائل الإعلام الأوروبية على إثارة القضية من خلال نشر تحقيقات استقصائية حول "سياحة القتل" أثناء حصار سراييفو الذي يُعد أكثر الفصول دموية في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن العشرين عندما أودى حصار العاصمة البوسنية سراييفو بحياة أكثر من 11 ألف شخص.

THE HAGUE, NETHERLANDS - JULY 31: Former Bosnian Serb leader Radovan Karadzic (C) makes an initial appearance at the International Criminal Tribunal for the former Yugoslavia (ICTY) on July 31, 2008 in The Hague, The Netherlands. Karadzic was formally charged on 11 counts for war crimes commited during the Bosnian war of the 1990s, following his arrest in Belgrade last week and extradition to the Netherlands after evading capture for 13 years. Karadzic has 30 days to enter a plea. (Photo by Serge Ligtenberg/Getty Images)
الزعيم السابق لصرب البوسنة رادوفان كاراديتش أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (غيتي إيميجز)

وماذا عن الجناة؟

حتى الآن لم تتم إدانة سوى أربعة من قادة قوات صرب البوسنة وهم الزعيم الصربي البوسني رادوفان كراديتش والجنرال راتكو ميلاديتش وقائدان من فيلق سراييفو رومانيا.

وتقول مجلة (دير شبيغل) -إحدى المجلات التي أثارت القضية- إن عشرات الأشخاص وربما مئات كانوا يأتون من إيطاليا وحدها وغالبا في مجموعات تكونت من أربعة أو خمسة أشخاص، وبفضل نظام لوجستي معقد كانوا يصلون عبر مروحيات ومركبات دفع رباعي من بلغراد إلى التلال المطلة على سراييفو.

وتضيف أنه بعد "عطلة نهاية أسبوع تشبه فيلم رعب أمريكي"، كانوا يعودون يوم الأحد إلى حياتهم الطبيعية كـ"أرباب عائلات محترمين" وكأنهم تسلوا في سراييفو بلعبة فيديو. وتنقل المجلة عن ناصر هوسِتش وهو مقاتل سابق في الجيش البوسني قوله إن عمليات القنص كانت تحدث غالبا في نهاية الأسبوع وإن الجيش البوسني كان يتلقى من الجانب الصربي عبر أجهزة اللاسلكي تحذيرا يطالبهم بإبعاد النساء والأطفال إلى مكان آمن.

حينها -يضيف- "كنا نعلم أن قناصة عطلة نهاية الأسبوع قادمون.. كان من الصعب تحديد ما إذا كان مطلقو النار صربا أم أجانب لكن المؤكد أن وتيرة الهجمات كانت ترتفع بين الجمعة والأحد".

ومن بين الشهود الذين كانوا مستعدين للإدلاء بإفاداتهم أمام القضاء، ألكسندر لِشانِن وهو جندي صربي بوسني سابق يقول إنه شاهد بنفسه "سياح سفاري سراييفو" قرب المقبرة اليهودية مشيرا إلى أنهم "كانوا يطلقون النار على النساء والأطفال والمسنين. لقد كانوا خارج السيطرة وبعد انتهاء رحلات الصيد كانوا يحتفلون ويشربون حتى الصباح".

Bosnian Muslim women weep during a downtown Sarajevo rally calling for unity with their former neighbors in the Serb held neighborhood of Grbavica, Monday, Dec. 11, 1995. The rally was for former residents who left the Serb neighborhood during the war. Grbavica is scheduled to return to government control after the signing of the Bosnian peace agreement. (AP Photo/John Gaps III)
بوسنيات مسلمات يبكين خلال تجمع في وسط سراييفو (أسوشيتد برس)

لكل فارغ لون

شاهد آخر يعرف بلقب "الفرنسي" وهو جندي سابق في الجيش الفرنسي، قال إنه كان يرافق "صيادي البشر" مقابل مبالغ مالية كبيرة وإنهم كانوا يأتون بشكل أساسي من إيطاليا وبلجيكا وفرنسا، ويضيف أن مهمته الأساسية كانت "عد الضحايا والحصول على المبلغ المتفق عليه من القناصين وتسليم هذه الأموال للوكالة المسؤولة عن تنظيم رحلات القتل".

إعلان

ومقابل المبالغ الطائلة التي كان "قناصو البشر" يدفعونها، كانوا يحصلون على فوارغ الطلقات كغنائم أو هدايا تذكارية، وكان يتم تلوين هذه الفوارغ بحسب عمر الضحية: الأولاد أزرق، البنات وردي، العسكريون أحمر أو أخضر، النساء البالغات أصفر والرجال المسنون أسود أو أزرق.

ومع مرور الوقت -تقول (دير شبيغل)- تضاعفت الأسعار ثلاث مرات على الأقل، إذ وصل سعر قتل طفل إلى ما يعادل اليوم 50 ألف يورو (نحو 54 ألف دولار)، ويروي "الفرنسي" أن إيطاليا قتل خلال ست ساعات طفلين وامرأة وثلاثة مسنين، الأمر الذي كلفه نحو 200 ألف يورو (نحو 216 ألف دولار).

Serb militia members hold a black flag with a skull and cross bones during a demonstration against the Dayton peace agreement in the Serb-held Sarajevo neighborhood of Grbavica Thursday, December 7, 1995. Five thousand Serbs in Grbavica protested the peace accord that would give their district to their enemies across the river. Nobody knows if they'll really fight, run, or give in to the approaching NATO army aiming to enforce the peace. (AP Photo/Enric F.Marti)
أفراد من ميليشيا صربية يحتجون ضد اتفاق دايتون للسلام في سراييفو (أسوشيتد برس)

زلزال هائل

ويستند المحققون الإيطاليون إلى تقرير حول السمات النفسية للمشتبه بهم أعدته المختصة في التحليل الجنائي مارتينا راديتشه، وتنقل مجلة (دير شبيغل) عن المختصة قولها إن هناك مصادر موثوقة تؤكد أن القناصة كانوا مستعدين لإنفاق ما يصل إلى 200 ألف يورو (نحو 216 ألف دولار) مقابل عطلة نهاية أسبوع واحدة.

وتضيف أن بعض هؤلاء القناصة "لم يعد الصيد المتعارف عليه يكفيهم حتى لو كان الهدف فيلا"، قائلة إن سلوك المشتبه بهم هو نوع من "السيكوباتية النخبوية، لأننا نتحدث هنا عن أشخاص مرضى قرروا تجاوز كل القواعد".

وعن التداعيات المحتملة إذا كشفت الأسماء الأولى للمشتبه بهم تقول: "بحسب ما نعرفه هؤلاء الأشخاص ما زالوا حتى اليوم يحظون باحترام كبير ويتولون مناصب مهمة ويعيشون حياة مرفهة ويتمتعون بشبكات نفوذ واسعة، وربما لا يخشون شيئا أكثر من احتمال انهيار سمعتهم الاجتماعية يوما ما، وإذا حدث ذلك، فقد يؤدي الأمر إلى زلزال هائل".

المصدر: الصحافة الألمانية

إعلان