"التفاوض بمسدس في الرأس".. درس رياض الصلح الذي لم يتعلمه لبنان

حفظ

US Secretary of State Marco Rubio (C), alongside US State Department Counselor Michael Needham (L) and US Ambassador to Lebanon Michel Issa (R), speaks during a meeting with Lebanon's Ambassador to the US Nada Hamadeh Moawad (out of frame) and Israeli Ambassador to the US Yechiel Leiter (out of frame) at the State Department in Washington, DC, on April 14, 2026. (Photo by Oliver Contreras / AFP)
إسرائيل مدججة بالقوة العسكرية مع دعم أمريكي، ووفد لبنان بلا أوراق حقيقية، في مقابل حزب الله المتصلب في الميدان (الفرنسية)

في 19 سبتمبر/أيلول 1948، وصل أول رئيس للحكومة اللبنانية بعد الاستقلال، رياض الصلح، إلى باريس على رأس وفد بلاده إلى الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة. سرا، تسلل إليه ممثلون لإسرائيل المعلن تأسيسها حديثًا لاستقطابه نحو مفاوضات جانبية سرية. جاء الصلح حاملاً على كاهله حمل قرى لبنانية محتلة، وملف اللاجئين الفلسطينيين، واختلالا مفاجئا في ميزان القوى تجاه مليشيات عسكرية جديدة شكلت عماد الجيش الإسرائيلي.

لم تكن حينها إسرائيل دولة راسخة في الإقليم، ووجهت عينها تجاه تثبيت المنجزات العسكرية لحرب عام 1948 (النكبة الفلسطينية) سياسيا. وكان ملف التفاوض مع الصلح مرتبطًا باحتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية، وبعروض شخصية للصلح نفسه على رأسها تحويله إلى صانع سلام عربي، ودعمه بالإمكانات اللازمة لتعزيز مكانته السياسية والإعلامية، والترويج له في الصحافة الأمريكية، ومحاولة إغرائه بعروض مالية سخية تحت عنوان تهيئة الرأي العام لقبول اتفاق عربي-يهودي، كونه حينها أرفع مسؤول عربي يشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس.

"كان ديفيد بن غوريون يحضر لاغتيال الصلح بالتوازي مع مسار التفاوض، كما عمل على تثبيت احتلال القرى اللبنانية الجنوبية تمهيدا لاحتمال ضمها"

ورغم هذا الترحاب والتهليل للتفاوض مع الصلح، كان ديفيد بن غوريون، رئيس الحكومة الإسرائيلية حينها، يحضر لاغتيال الصلح بالتوازي مع مسار التفاوض، والعمل على تثبيت احتلال القرى اللبنانية الجنوبية تمهيدا لاحتمال ضمها، مع استثمار الانقسامات اللبنانية لإضعاف حكومة الصلح أو الضغط عليها، خاصة أن الجماعات اليهودية فتحت خطوط اتصال سابقة مع أطراف لبنانية أخرى.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

من جهته، تمسك الصلح بالسؤال عن أساس السلام وماهيته، ورفض سياسة فرض الواقع بالقوة، مصرا على انسحاب إسرائيل من القرى اللبنانية المحتلة. ومع تمنع الصلح، فعلت إسرائيل خيار بن غوريون، وحاولت فعلا اغتيال الصلح، لكنها أخفقت، كما فشلت مفاوضات باريس السرية، ومن ثم تمت الهدنة بعدها عبر مسار الأمم المتحدة، انطلاقا من قرار مجلس الأمن 62، بعد محاولات إسرائيلية استمرت حتى اللحظة الأخيرة للبقاء في نقاط إستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية إلى حين إبرام هدنة مع سوريا.

رياض الصلح (الصحافة اللبنانية)

بعد 77 عاما، وفي 14 مايو/أيار 2026، حضر السفير اللبناني السابق سيمون كرم اجتماعًا مع وفد إسرائيلي، وفي مقدمته يوسي درازنين، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، وبمشاركة السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، في مرحلة أولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن استمرت ليومين، بعد لقاءات تمهيدية سابقة جمعت سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض مع يحيئيل ليتر.

إعلان

لم يكن اختيار سيمون كرم عبثيا، فهو الأقدر على تمثيل رئيس الجمهورية في المفاوضات، وكلاهما مسيحيان من الجنوب، ومعارضان لأي سلاح خارج إطار الدولة، كما أن كرم نشط في بداية الألفية في لقاء "قرنة شهوان" الشهير المعارض للوصاية السورية على لبنان، إضافة إلى معرفته السابقة بالولايات المتحدة، كونه عمل سفيرًا للبنان فيها.

"يُمثِّل كرم نظرة لبنان الرسمية، فهو مقرب من الرئيس جوزيف عون، ومعارض لأي سلاح خارج إطار الدولة، بخلاف معرفته الجيدة بالولايات المتحدة"

يمثل كرم نظرة لبنان الرسمية بشخصه وتاريخه، وكذلك بما حمله معه من رسائل بعد لقائه بالرئيس جوزيف عون في بعبدا قبل الانطلاق إلى المفاوضات. وترى الدولة اللبنانية، ممثلة في رئاسة الجمهورية والحكومة، المفاوضات من زاويتين رئيسيتين: الأولى محاولتها تثبيت سيادتها على القرار اللبناني، ورفضها أن يفاوض عنها أحد في الداخل اللبناني أو الخارج، والثانية سعيها لاسترجاع الأراضي اللبنانية المحتلة، وتثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، واستعادة الأسرى، وعودة النازحين، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار من خلال الدبلوماسية.

In this handout photograph released by the Lebanese presidency's press office, Lebanese President Joseph Aoun (L) meets veteran Lebanese diplomat Simon Karam at the Baabda Presidential Palace on May 8, 2026.
الرئيس اللبناني جوزيف عون (يسار) يلتقي بسيمون كرم في قصر بعبدا الرئاسي في 8 مايو/أيار 2026 (الفرنسية)

تؤمن الدولة بأن "خيار المقاومة" لم يعد قادرا حاليا على تحقيق هذه المطالب، بل ترى أن حزب الله هو الذي أوصل الاحتلال الإسرائيلي إلى ما وصل إليه اليوم داخل الأراضي اللبنانية. فقد صرح رئيس الحكومة نواف سلام بعد جولة المفاوضات الأولى قائلاً: "إن أي إنقاذ فعلي للبنان اليوم يستحيل أن يتم من دون العودة الواضحة إلى منطق أن تكون الدولة سيدة قرارها".

وأردف سلام قائلاً إن "الدولة لا تقوم إلا بقرار وطني واحد هو قرار مؤسساتها الدستورية، وسلاح واحد هو سلاح جيشها الوطني، وقانون واحد". كما أشار إلى أن "المغامرات العبثية في خدمة مشاريع ومصالح أجنبية، وآخرها حرب لم نخترها، بل فُرضت علينا، أدت إلى احتلال إسرائيل 68 بلدة وقرية وموقعًا، بعدما كنا نسعى لإخراجها من خمس نقاط"، بحسب قوله.

"يخشى لبنان الرسمي كذلك من أي اتفاق يأتي عبر حزب الله أو إيران كونه سيعيد تثبيت مكانتهما الداخلية في البلاد"

يخشى لبنان الرسمي كذلك من أي اتفاق يأتي عبر حزب الله أو إيران كونه سيعيد تثبيت مكانتهما الداخلية في البلاد، لذلك سارعت بيروت بأخذ طريقها الخاص، خاصة مع استمرار التوسع الإسرائيلي اليومي في لبنان برا وجوا تحت غطاء "وقف إطلاق النار"، ما يجعل الضغط يتزايد على الدولة من الجهات كافة. وقد أكدت الدولة اللبنانية على لسان وزير خارجيتها يوسف رجّي أنه "لا خجل في التفاوض مع إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض".

في العمق، لا يمكن أن نغفل كذلك سياسة العصا الإسرائيلية تجاه الدولة نفسها، فإن لم تقدم بيروت التنازلات، فإن إسرائيل تهدد بورقة استهداف المرافق اللبنانية المدنية أو التوسع في استهداف العاصمة، وهو سيف مسلط على رقبة الدولة منذ أكثر من سنتين.

Lebanese Foreign Minister Youssef Rajji attends a press conference during his Syrian couterpart Asaad Al-Shibani's first official visit since the fall of Bashar al-Assad, at the foreign ministry in Beirut, Lebanon, October 10, 2025. REUTERS/Mohamed Azakir
يوسف رجّي: "لا خجل" في التفاوض مع إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض (رويترز)

مفاوضات الطائرة والدبابة

لم يكن الإسرائيليون مكترثين بفتح مسار تفاوضي جديد أثناء حرب عام 2026. فإستراتيجيتهم التي اعتمدوها بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار السابق في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، هي استكمال الحرب على حزب الله، والتمركز في نقاط لبنانية حاكمة قرب الشريط الحدودي كورقة أمنية وتفاوضية أساسية. يتخلل ذلك إمكانية "رفع الضغط "على لبنان كلما دعت الحاجة للحصول على تنازل إضافي، في وقت امتنع فيه حزب الله عن الرد رغم استهدافه بشكل شبه يومي طيلة 15 شهرا.

إعلان

فور إطلاق حزب الله صواريخه الستة في 2 مارس/آذار 2026 (في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران)، صعدت إسرائيل عسكريا من جهة، وغضبت الدولة اللبنانية من جهة أخرى، على اعتبار أن حزب الله دخل في الحرب الإقليمية ثأرا لدماء حلفائه في إيران، كما ذكر بيان العملية الأولى، ولذا اتهمت الحكومة الحزب بتوريط لبنان في حرب دون مشاورة قيادة البلد السياسية.

وعليه، بادرت الحكومة إلى إقرار حظر فوري لأنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة. في السياق نفسه، أعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون لاحقًا استعداد لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية، بهدف وقف إطلاق النار وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية، وهو أمر لطالما كان مرفوضا (علنا) طيلة العقود الماضية.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يعلن عن استعداد بلاده للدخول في مفاوضات مع إسرائيل تهدف إلى إنهاء حالة الحرب، والتوصل إلى اتفاق يضمن انسحابا كاملا من الجنوب اللبناني وإطلاق سراح الأسرى.

رفضت إسرائيل عروض التفاوض المباشر، وفي غضون ذلك أصبحت "الميكانيزم" في مهب الريح، وهي اللجنة التي تراقب تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار السابق والتي تضم لبنان وإسرائيل وفرنسا واليونيفيل والولايات المتحدة برئاسة الأخيرة، وذلك بعد أن عجزت عن لعب الدور المنوط بها بعد اتفاق عام 2024. وعمليا، أغلقت إسرائيل آنذاك كل أبواب التفاوض وركزت على العمليات العسكرية، وهو ما منحته واشنطن غطاء سياسيا.

لكن عندما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار الناتج عن مفاوضات إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة في 8 أبريل/نيسان 2026، ثارت ثائرة إسرائيل، فشنت في اليوم التالي للإعلان هجوما ضخما على مناطق مختلفة من لبنان، في مقدمتها بيروت، أسفر عن سقوط أكثر من 250 شهيدا و1100 جريح، وفق الدفاع المدني اللبناني، معظمهم من المدنيين.

"ترى إسرائيل المفاوضات مع لبنان مسارا هامشيا، لكنها أقبلت عليه لتحقيق الهدف السابق نفسه: القضاء على حزب الله"

اجتمعت إسرائيل والولايات المتحدة سياسيا على نفي شمول لبنان ضمن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، وذلك على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس. وبالتوازي خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معربًا عن استعداده لخوض تفاوض مباشر مع لبنان، وواضعًا نصب عينيه فصل لبنان عن إيران ومسارها التفاوضي.

من هنا يمكن فهم دوافع دخول إسرائيل إلى المفاوضات. فهي تدخلها كمسار غير أساسي، لكنها أقبلت عليه لتحقيق الهدف السابق نفسه: القضاء على حزب الله. لذلك، كان هناك شبه إجماع إسرائيلي على التفاوض مع لبنان من دون إعطائه أهمية كبيرة، أو خفض مستوى الأهداف المعلنة أثناء الحرب باعتباره مسارا إضافيا لتحقيق الهدف العسكري.

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu speaks during a press conference in Jerusalem, Thursday, March 19, 2026. (Ronen Zvulun, Pool Photo via AP)
نتنياهو أعرب عن استعداده لخوض تفاوض مباشر مع لبنان واضعًا نصب عينيه فصل لبنان عن إيران ومسارها التفاوضي (أسوشيتد برس)

قفزات ترمب

كعادته خرج ترمب بتصريحات مثلت "تصعيدا تفاوضيا"، فأعلن عبر منصته "تروث سوشيال" أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض من أجل عقد أول محادثات ذات معنى بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983 على حد تعبيره، وذلك بعد إعلانه اتفاق الجانبين على وقف إطلاق نار لعشرة أيام. كما قال ترمب إنه وجه نائبه فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان دان كين، إلى العمل مع الطرفين لتحقيق "سلام دائم"، مضيفا أن الجانبين يريدان السلام، وأنه يعتقد أن ذلك سيحصل سريعا.

فتح تصريح ترمب الصراع اللبناني الداخلي على مصراعيه. وبالتزامن، بدأ السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى في التحرك وزار "بكركي"، حيث التقى البطريرك بشارة الراعي، ثم انتقل إلى عين التينة، حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، مؤكداً أن "نتنياهو ليس بعبعا ولكنه مفاوض"، وأن زيارة عون إلى واشنطن لا تُعد خسارة ولا تنازلًا، بل فرصة ليضع الرئيس اللبناني مطالبه أمام ترمب ونتنياهو، على أن يكون ترمب شاهداً على ذلك.

"يريد ترمب أن يُعوِّض إخفاقه في طهران بصورة لبنانية إسرائيلية تُسجَّل في إرثه السياسي"

يريد ترمب أن يصنع "صورة سلام" تاريخية تشبه صورة ياسر عرفات وبيل كلينتون وإسحق رابين في البيت الأبيض عام 1993، وأن يعوض إخفاقه في طهران بصورة لبنانية إسرائيلية تُسجَّل في إرثه السياسي، ولذلك يتمسك بالتفاوض المباشر وبفكرة اللقاء، ويدفع في هذا الاتجاه. ليس ذلك فحسب، بل نقلت وسائل إعلام لبنانية أن رسالة تهديد شخصية وصلت إلى الرئيس عون من الجانب الإسرائيلي إن لم يلتقِ نتنياهو، في مسار لم يتغير في السلوك الإسرائيلي منذ عام 1948: تفاوض ومسدس ليسا في يدين مختلفتين، بل في يد واحدة.

ترمب: سأدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض في أول محادثات جادة بين إسرائيل ولبنان منذ 1983

ما يريده حزب الله

من جهته، صعد حزب الله موقفه من المفاوضات المباشرة، لا سيما بعد الدفع الأمريكي باتجاه لقاء بين عون ونتنياهو، وأعاد عدداً من صقوره إلى الواجهة الإعلامية، من مسؤول الموارد والحدود نواف الموسوي، إلى نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي، وصولاً إلى مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق وفيق صفا. وشدد هؤلاء على رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، محذرين من تقديم تنازلات مجانية تحت النار، ومؤكدين أن أي مسار تفاوضي لا يسبقه وقف كامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين، لن يكون سوى غطاء سياسي لمطالب إسرائيلية أوسع.

"يعود حزب الله إلى منطق الثمانينيات سياسيا واضعا البقاء على رأس أولوياته، والذي يشمل فكرة المقاومة والسلاح والعلاقة بإيران"

وذهب المتحدثون أبعد من ذلك مذكرين السلطة اللبنانية بمصير كل من حكومة فيشي (الحكومة الفرنسية التي اتفقت مع النازيين) والرئيس المصري أنور السادات (تقول الرواية الرائجة إنه اغتيل بسبب اتفاقية السلام مع إسرائيل)، في تصعيد للاحتقان الداخلي إلى أقصاه. وبهذا المعنى، لا يرفض حزب الله مبدأ التفاوض بالمطلق، بل يرفض التفاوض المباشر والتنازلات غير المتبادلة، خصوصاً إذا جرت على وقع استمرار العمليات العسكرية والضغط الأمريكي الإسرائيلي.

إعلان

في الوقت الراهن، تتجه أعين الحزب نحو مسار إسلام آباد، فيما يبقى عقله محصوراً في الميدان. فقد عاد إلى منطق الثمانينيات سياسياً، إذ لم يعد هو حزب ما بعد عام 2006، ببعده الإقليمي الممتد، وموازين الردع التي فرضها، بل عاد إلى إطار مقاومة محلية تتحرك ضمن حسابات إقليمية، وتضع على رأس أولوياتها الحفاظ على وجودها، بما يشمل فكرة المقاومة وسلاحها والعلاقة بإيران.

ينطلق الحزب من قناعته بأن الدبلوماسية وحدها لا تنتج مكاسب، مستشهدًا بفترة ما بين حربي عامي 2024 و2026، حين لم تتمكن المسارات السياسية من وقف النزيف اللبناني أو استعادة الأرض والأسرى. ولذلك طور الحزب أدواته العسكرية، وبرزت في المرحلة الأخيرة مسيرات المنظور الأول الموجهة بالألياف الضوئية، كأحد أبرز أدوات الاستنزاف الجديدة. وتحولت هذه المسيرات إلى هاجس إسرائيلي بسبب صعوبة التشويش عليها، وانخفاض كلفتها مقارنة بكلفة التصدي لها، وقدرتها على استهداف الجنود والآليات بدقة أعلى من الأسلحة التقليدية التي استخدمها الحزب سابقاً.

"يرى حزب الله أنه لا يملك في هذه المرحلة سوى خيار القتال والصمود، بانتظار ترتيب إقليمي يعيد صياغة قواعد المواجهة"

ووفق تقارير غربية، أطلق حزب الله منذ وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان أكثر من مئة مسيرة من هذا النوع، مدعمة بفيديوهات ترفع المعنويات وتؤكد تحقيق إصابات. ومن هنا، يرى حزب الله أنه لا يمتلك في هذه المرحلة سوى خيار القتال والصمود والاستنزاف، بانتظار واحد من مسارين: إما ترتيب إقليمي كبير يعيد صياغة قواعد المواجهة، أو مسار تحرر طويل يشبه في مخيلته السياسية المسار الذي قاد إلى لحظة مايو/أيار 2000 (الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني)

يفضل الحزب المسار الأول، لأنه لا يضمن المستقبل، ولأنه يعيش استنزافاً قاسياً بفعل الضربات الإسرائيلية المتلاحقة، وانقطاع جزء أساسي من خطوط الإمداد الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وخشيته من أن ترضخ الدولة اللبنانية للمطالب الإسرائيلية، فيتجمع عليه الضغط الداخلي والخارجي معا.

ومع ذلك، لم تصل علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية بعد إلى مرحلة اللاعودة. فالقرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة وتجريم السلاح غير الشرعي لم تتحول، حتى الآن، إلى مسار تنفيذي منظم وممنهج ضد الحزب، ولا الحزب أخذ قرار إسقاط الحكومة أو رئاسة الجمهورية بالشارع في مشهد شبيه بأحداث 7 مايو/أيار الشهيرة، وذلك لأن ميزان القوى السياسي والعسكري لم يعد كما كان عام 2008.

محاولة الاستدراك العربية

إن تسارع الأحداث الذي فرضه ترمب، إضافة إلى تهديدات حزب الله، دفع الدول العربية إلى التدخل. وبرز في هذا السياق حراك الموفد السعودي يزيد بن فرحان، الذي طرح مقاربة تقوم على عدم رفض مبدأ التفاوض اللبناني مع إسرائيل، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، لكن بشرط أن يجري بهدوء وبخطوات ثابتة، وألا يتحول إلى اندفاعة سياسية مجانية أو إلى سلام منفرد خارج السقف العربي. وذلك دون تخلي المملكة عن أسس رؤيتها القائمة على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

فالسعودية، التي تدعم حصر السلاح، لا تريد أن ينفصل لبنان عن محيطه العربي، أو أن يذهب، ولو شكلياً، إلى المقصلة الإسرائيلية، مقدما تنازلات غير محسوبة وخارج السقف العربي الذي رُفع في قمة بيروت عام 2002، وتأكد في قمتي الرياض عامي 2023 و2024. كما أنها لا تريد أي تفلت في الداخل اللبناني قد تستفيد منه إسرائيل كما قد يستفيد منه حزب الله، بما ينعكس على لبنان والمنطقة ككل.

"كبحت مبادرة السعودية الاندفاعة اللبنانية المُتسرِّعة نحو المفاوضات مع إسرائيل، أو على الأقل أعادت ضبط شكل هذا التفاوض وأهدافه"

كبحت مبادرة المملكة الاندفاعة اللبنانية المتسرعة نحو المفاوضات مع إسرائيل، أو على الأقل أعادت ضبط شكل هذا التفاوض وأهدافه. كما دفعت عدداً من الأطراف اللبنانية إلى مزيد من التصلب في مواقفها، وفي مقدمتهم رئيس مجلس النواب وحليف حزب الله، نبيه بري، الذي أكد رفضه التطبيع وحتى التفاوض المباشر. وفي الاتجاه نفسه ذهب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي تمسك باتفاق الهدنة لعام 1949، إلى رفض التطبيع وحصر المسار باتفاقات أمنية معدلة دون رفض التفاوض.

Re-elected Lebanon's parliamentary speaker, Nabih Berri is pictured as Lebanon's newly elected parliament convenes for the first time to elect a speaker and deputy speaker in Beirut
نبيه بري أكد رفضه التطبيع فضلا عن رفضه التفاوض المباشر مع إسرائيل (رويترز)

كشف الدخول العربي على خط التفاوض أخطاء في المقاربة اللبنانية الرسمية الحادة، التي وضعت الأمور بين خيارين إما التسليم لحزب الله أو التفاوض المتسرع مع إسرائيل. وظهر أن المسار الدبلوماسي الذي تريده الدولة لم يحصن كما يجب بسلسلة مواقف عربية وإقليمية تدعم الموقف اللبناني في المفاوضات. كما أضعف التراشق العلني بين بري وعون الموقف الدبلوماسي اللبناني المنقسم رسمياً وشعبياً دون وجود مبادرات حقيقية للاستدراك.

"دخلت الدولة المفاوضات دون امتلاكها إمرة السلاح الذي يقاتل في الجنوب"

دخلت الدولة المفاوضات أيضاً دون امتلاكها إمرة السلاح الذي يقاتل في الجنوب، مع عدم قدرتها على التعامل معه، ما يجعلها تفتقر لإجابة أساسية في المفاوضات، وهي رؤية لبنان لكيفية سحب سلاح حزب الله. إضافة إلى ذلك، برزت انتقادات للدولة بأنها لم تعد ملفاً بالجرائم الإسرائيلية في لبنان لتقديمه في المحافل الدولية وعلى طاولة المفاوضات، للضغط على إسرائيل بالطريقة التي تستطيعها الدولة وتؤمن بها على أقل تقدير.

إعلان

إن هذه الالتفاتة العربية هي التي دفعت الحكومة اللبنانية إلى زيارة هي الأرفع مستوى إلى سوريا، على قاعدة أن إسرائيل تتعامل مع البلدين بخطة موحدة، ويجب عليهما، في المقابل، التوحد وتنسيق المواقف ضمن الإطار العربي، تجنبا لتكرار ما حدث مع كيسنجر، الذي نجح في تفتيت المواقف العربية، ثم انتزاع ما لم يستطع انتزاعه منها عندما كانت مجتمعة.

جولة تفاوضية جديدة

على هذه الأرضية تجري المفاوضات الراهنة: أوراق عسكرية وميدانية كثيرة بيد الإسرائيليين مع دعم أمريكي، ووفد لبناني يفتقد اللحمة الشعبية أو السيطرة على أرض المعركة أو أيًّا من أوراق القوة، مع سيف إسرائيلي يعتلي رقبته، في مقابل تصلب من حزب الله ورفع لمستوى عملياته في الجنوب، في تأكيد على مساره الخاص الذي يعتمد السلاح دون غيره.

دارت الجولة السابقة من المفاوضات على مدار يومين، ونتجت عنها بيانات تزينها الإيجابية وتمديد لوقف إطلاق النار 45 يوما، وتأكيد المؤكد من أهداف الطرفين. بالنسبة إلى لبنان، فقد استطاع نظرياً تثبيت سيادته على أراضيه، وهو ما اعترفت به الخارجية الأمريكية في بيانها.

" الخلاف التفاوضي لا يزال جوهريا، إذ يرغب لبنان في وقف إطلاق نار جاد، بينما تركز إسرائيل على نزع سلاح حزب الله"

لكن الخلاف التفاوضي ما يزال جوهرياً، إذ إن لبنان عينه على وقف إطلاق نار جاد، وإسرائيل عينها على سحب سلاح حزب الله، وهي التي استطاعت أن تفرض إعادة تعريف فكرة وقف إطلاق النار، أي إيقاف ما تسميه "أعمالا هجومية"، والحفاظ على نمط "دفاع متقدم"، أي حرية ضرب أي أهداف تعتقد أنها معادية، مع الامتناع عن استهداف بيروت دون إذن أمريكي أو تنفيذ عمليات برية واسعة (خرقت إسرائيل هذه القاعدة باستهداف محيط العاصمة اللبنانية، في 28 مايو/أيار الحالي).

عملياً، أعلنت الجولة التفاوضية السابقة إطلاق مسار أمني جديد ميسر أمريكياً، يبدأ في البنتاغون اليوم، 29 مايو/أيار، بالتوازي مع مسار سياسي في وزارة الخارجية الأمريكية مطلع يونيو/حزيران. وبهذا المعنى، يبدو أن المسار الجديد يستبدل عملياً "الميكانيزم"، ويخرج فرنسا واليونيفيل، بحيث ينتقل النقاش من مراقبة وقف إطلاق النار إلى بحث ترتيبات الجنوب ودور الجيش اللبناني وآلية التعامل مع سلاح حزب الله.

فإذا قدم لبنان تصورًا عمليا ومقنعاً لسحب السلاح وحصر القرار الأمني بيد الدولة ورأت إسرائيل تطبيقاته العملية، فقد يفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب. أما إذا عجزت الدولة عن ذلك، أو اكتفت بتعهدات سياسية عامة (وهو الأرجح)، فإن المشهد سيطول، وربما يتعقد؛ فالدولة ترفض الانجرار إلى صراع دموي داخلي لسحب سلاح الحزب كما تريد إسرائيل، لكنها تبدو عاجزة في المقابل عن اقتراح حل وسط ثالث.

"التطورات القادمة في لبنان مرتهنة بتسوية إقليمية أوسع، أكثر من ارتباطها بالتحركات المنفردة للبنانيين أنفسهم"

منذ فترة ما قبل النكبة وطبيعة إسرائيل تفرض نفسها تجاه لبنان، فهي تمد يدها للتفاوض في الوقت نفسه الذي تستمر فيه عقليتها وأعمالها العسكرية، دون التراجع عن أهدافها القصوى إلا في حال من اثنين: أن يفرض عليها الواقع الميداني التراجع، أو أن تلجمها الولايات المتحدة. وفي اللحظة الحالية لا يتوافر أي من هذين المعطيين.

من الواضح إذن أن اضطراب المشهد اللبناني سيطول، وإن بوتيرة تتباين بحسب الظروف. حيث تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن إيجاد حلول لمأزقها بين الضغط الإسرائيلي وتصلب حزب الله، ما يجعل التطورات القادمة في لبنان مرتهنة بتسوية إقليمية أوسع، أكثر من ارتباطها بالتحركات المنفردة للبنانيين أنفسهم.

المصدر: الجزيرة

إعلان