بين الإنقاذ والاستعراض.. كواليس استعادة الطيار الأمريكي من إيران

حفظ

NORTHERN ISRAEL, ISRAEL - MARCH 2: An helicopter flys above the border with Southern Lebanon as seen from a position on the Israeli side of the border on March 2, 2026 near the border with Lebanon in northern Israel. Hezbollah, the Iran-backed militant group in Lebanon, launched missiles at Israel in what it said was retaliation for the joint U.S.-Israeli war on Iran. (Photo by Amir Levy/Getty Images)
القوات الإسرائيلية شاركت بالعملية وفق صحيفة وول ستريت جورنال (غيتي)

"لقد وجدناه!!!"، بهذه العبارة الاحتفالية أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب -فجر الأحد- على منصته تروث سوشيال نجاح عملية إنقاذ معقدة لجندي أمريكي جريح داخل الأراضي الإيرانية، في واحدة من أكثر المهام العسكرية حساسية منذ بدء الحرب.

وجاءت العملية عقب إسقاط إيران طائرة مقاتلة من طراز "إف-15" الجمعة، إذ تمكنت واشنطن من إنقاذ أحد الطيارين سريعا في اليوم ذاته، في حين ظل الطيار المسؤول عن أنظمة التسليح مفقودا ليومين.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وكشفت الصحافة الأمريكية -وبالتحديد وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، ونيوزويك، وبوليتيكو- عن تفاصيل "سباق حياة أو موت" دام يومين بين طهران وواشنطن للوصول إلى الملاح الجوي الجريح.

وانتهت المحاولات بعملية إنقاذ مكلفة شارك فيها نحو 100 عنصر من القوات الخاصة وطائرات متعددة والاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، وفقا لما أفاد به مسؤولون أمريكيون.

Defense Secretary Pete Hegseth speaks to members of the media during a press briefing at the Pentagon in Washington, Thursday, March 19, 2026. (AP Photo/Manuel Balce Ceneta)
وزير الحرب بيت هيغسيث ساهم بالإشراف على العملية (أسوشيتد برس)

"أسوأ سيناريو ممكن"

استنفرت الاستخبارات الأمريكية فور وصول الخبر لواشنطن، فقد كانت هذه المرة الأولى التي تسقط فيها طائرة أمريكية فوق "أراضي العدو منذ أكثر من 20 عاما"، بحسب ما قاله خبراء عسكريون لصحيفة وول ستريت جورنال.

وأكد الخبراء أن هذا كان "أسوأ سيناريو ممكن للبنتاغون"، مشيرين إلى أن وقوع الطيار في الأسر كان سيمنح إيران ورقة دعائية هائلة وأداة ضغط حاسمة في خضم الحرب.

أمضى الطيار أكثر من 24 ساعة متخفيا، وقطع مسافة شاقة سيرا على الأقدام حتى وصل إلى سلسلة جبلية بارتفاع 7 آلاف قدم، ليختبئ داخل أحد الشقوق الصخرية العميقة

وقد أبدى المسؤولون الأمريكيون قلقهم من أن يستغل النظام أسر الطيار سعيا للحصول على تنازلات قصوى في المفاوضات من واشنطن.

24 ساعة غامضة

وبينما كانت القوات الأمريكية تنسق خطواتها التالية، بدأ الطيار رحلة محفوفة بالمخاطر في تضاريس إيران الجبلية الوعرة، بحسب مجلة نيوزويك.

إعلان

وبحسب المجلة ونيويورك تايمز، أمضى أكثر من 24 ساعة متخفيا، وقطع مسافة شاقة سيرا على الأقدام حتى وصل إلى سلسلة جبلية بارتفاع 7 آلاف قدم، ليختبئ داخل أحد الشقوق الصخرية العميقة.

US President Donald Trump speaks during a televised address on the conflict in the Middle East from the Cross Hall of the White House in Washington, DC on April 1, 2026.
ترمب أشاد بالطيار وأصر على أن نجاح العملية دليل على التفوق العسكري للقوات الأمريكية وفق التقارير (الفرنسية)

وفي تصريحات خاصة لوول ستريت جورنال صباح الأحد، أشاد الرئيس ترمب بصلابة الطيار قائلا: "لقد كان قادرا على التسلق، وتسلق الجبل رغم جروحه، وتمكن من الاختباء في ذلك الشق الصخري".

لعبة المطاردة

وكان الطيار يحمل جهاز "منارة استغاثة" للطوارئ، وهي أداة حيوية لتحديد الموقع. غير أن الإشارة التي التقطتها القوات الأمريكية أثارت الشكوك، وفق نيوزويك، إذ خشي المسؤولون أن تكون إيران قد استولت عليها واستخدمتها كطُعم.

وبعد التحقق من الإشارة استخباراتيا باستخدام تكنولوجيا خاصة بوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) -رفض مسؤول رفيع إعطاء تفاصيلها لصحيفة نيويورك تايمز- بدأت تعبئة القوات الجوية والخاصة الأمريكية للانطلاق في مهمة الإنقاذ.

Personnel work on a U.S. Air Force MQ-9 Reaper aircraft parked on the tarmac at Rafael Hernandez Airport, amid tensions between U.S. President Donald Trump's administration and the government of Venezuelan President Nicolas Maduro, in Aguadilla, Puerto Rico, December 26, 2025. REUTERS/Eva Marie Uzcategui
مسيرة "إم كيو 9 ريبر" يبلغ عرضها مع الأجنحة 20 مترا وهي بذلك من أكبر الطائرات الأمريكية (رويترز)

خلال تلك الفترة، كانت إيران تكثف جهودها للعثور على الطيار عبر تعاون بين الجيش والحرس الثوري من جهة، ومروحيات ومسيرات من جهة أخرى.

حتى إن طهران -بحسب وول ستريت جورنال- حثت المدنيين عبر التلفاز على المساعدة في إيجاد الطيار مقابل مكافآت مالية.

في المقابل، استخدمت الولايات المتحدة طائرات مسيّرة من طراز "إم كيو 9 ريبر" لمراقبة المنطقة بشكل مستمر، وتعقب تحركات القوات الإيرانية، وضربها لإبعادها عن الموقع، حسب ما أفادت به وول ستريت جورنال.

حملة تضليل

وضمن هذا السباق المحموم، كشفت بوليتيكو وتقرير آخر لنيويورك تايمز عن تفاصيل لافتة لـ"حملة تضليل" قادتها وكالة الاستخبارات المركزية، كان لها دور حاسم في إنجاح العملية.

نشرت الوكالة معلومات داخل إيران تفيد بأن القوات الأمريكية عثرت بالفعل على الطيار الجوي، وبدأت بنقله برا خارج البلاد

فبحسب مسؤولين أمريكيين، نشرت الوكالة معلومات داخل إيران تفيد بأن القوات الأمريكية عثرت بالفعل على الطيار الجوي، وبدأت بنقله برا خارج البلاد.

هذه الخدعة الاستخباراتية لم تكن سوى مناورة لكسب الوقت، بحسب المجلة، إذ انشغلت القوات الإيرانية بتتبع خيوط وهمية، بينما كانت الوكالة تعمل في الخفاء على تحديد الموقع الحقيقي للطيار.

ووصف أحد مسؤولي "سي آي إيه" العملية بأنها كانت أشبه بالبحث عن "إبرة في كومة قش"، وبعد أن نجحت القوات في تحديد موقع الطيار بدقة، نقلت المعلومات مباشرة إلى البيت الأبيض ووزارة الدفاع، تمهيدا لإطلاق عملية الإنقاذ.

وحسب بوليتيكو ونيوزويك، منحت الحملة القوات الخاصة الأمريكية وقتا ثمينا، فقد كانت القوات الإيرانية "تقترب أكثر فأكثر" من موقع الطيار، مما جعل عنصر الوقت حاسما في منع وقوعه في الأسر، وهو السيناريو الذي كان سيشكل "إحراجا سياسيا" كبيرا لواشنطن.

العتاد الأمريكي

ومع اكتمال التحضيرات، بدأت العملية الكبرى، ووفق الصحف الأمريكية، فإن كلفة القوات التي شاركت قد تفوق التوقعات العامة، وفي ما يلي ملخص ما ورد عن القوات الأمريكية وفق صحيفتي وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز:

إعلان
  • عناصر النخبة: شارك نحو 100 جندي من قوات العمليات الخاصة الأمريكية، وعلى رأسهم وحدة "نافي سيل 6" التي نفذت عملية الاستخراج الميداني.
  • القيادة: أدارت العملية القيادة المركزية الأمريكية بالتنسيق المباشر مع وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان الأمريكي دان كين.
  • الاستخبارات الأمريكية: كان لوكالة "سي آي إيه" دور محوري في تحديد موقع الطيار، بالإضافة إلى إدارة حملة تضليل داخل إيران.
  • الدعم الإسرائيلي: كشفت التقارير عن تنسيق استخباراتي مع إسرائيل، حيث نفذت القوات الإسرائيلية ضربات مشتركة مع القوات الأمريكية لمنع أي محاولات إيرانية لعرقلة الإجلاء. كما ساعدت الاستخبارات الإسرائيلية واشنطن في جمع المعلومات وأوقف الجيش الإسرائيلي هجماته في المنطقة المحيطة بالطيار، وفق ما قاله مسؤول إسرائيلي لصحيفة وول ستريت جورنال.
  • أسطول جوي: شملت العملية أسطولا جويا مكونا من الطائرات، والمروحيات والمسيرات التي نقلت الجنود ووضعت حدا لتقدم القوات الإيرانية تجاه الجندي.
An image released on April 5, 2026, and obtained from social media appears to show wreckage of an American aircraft and a helicopter rotor in Isfahan, Iran, which forensic imagery analyst William Goodhind said is consistent with a U.S. MC‑130J or HC‑130J, amid the U.S.-Israeli conflict with Iran. Social Media/via REUTERS. THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. MANDATORY CREDIT. NO RESALES. NO ARCHIVES. VERIFICATION: - Reuters was able to confirm the location from the shape and position of the mountains seen in the images and video, which matched topography mapping and satellite imagery of the area. - Reuters was not able to verify the exact time the photos were taken, but no older versions were found posted online before Sunday (April 5). - Several aircraft were destroyed during the U.S. mission to find the US airman in Iran, the Revolutionary Guards said on Sunday (April 5), according to Iranian media. - The type of aircraft in the debris could not be verified. Still, William Goodhind, a forensic imagery analyst with Contested Ground, told Reuters that the pictures show recognisable features that match those of an MC-130J. According to him, in the wreckage, it also appears to be a part of the main or rear rotor of a helicopter.
أمريكا دمرت طائرتي "إم سي-130 جيه" وتكلف كل منهما أكثر من 100 مليون دولار وفق وول ستريت جورنال (رويترز)

محاولتان فاشلتان

ومع كل هذا التحضير والتجهيز الاستخباراتي، تجنبت كبريات الصحف التحدث عن فشل أول محاولتين لاستخراج الجندي، وأشارت إليهما وول ستريت جورنال إشارة عابرة في نهاية تقريرها.

وكانت الصحيفة قد أشادت في افتتاحيتها بشجاعة الطيار وحكمة القيادة وخبرة القوات الأمريكية "التي استطاعت إتمام العملية دون سقوط أي قتلى"، غير أنها أشارت في النهاية إلى أن "الردع العسكري ليس برخيص".

مع فشل المحاولتين، لجأت القوات الأمريكية إلى خطة طوارئ، حيث أُرسلت 3 طائرات أصغر تحمل فرقا متخصصة

وفي أول محاولة أمريكية للوصول إلى الطيار، نجحت إيران بإصابة مروحيتين أمريكيتين في أثناء اقترابهما من موقع الهدف، مما أدى لإصابة الطاقمين وانسحابهما لتلقي العلاج، بحسب الصحيفة.

وفي محاولة ثانية، واجهت القوات الأمريكية مشكلة من نوع مختلف تماما، إذ هبطت طائرتان من "طراز إم سي-130 جيه" في قاعدة مؤقتة داخل إيران، لكن المفاجأة كانت أن عجلاتهما الأمامية غرقت في الأرض، مما جعلهما غير قادرتين على الإقلاع مجددا.

ومع فشل المحاولتين، لجأت القوات الأمريكية إلى خطة طوارئ، حيث أُرسلت 3 طائرات أصغر تحمل فرقا متخصصة للوصول إلى الموقع، طبقا للتقرير.

A U.S. Air Force B-1 bomber aircraft flies over the Syrian town of Kobani, as seen from the Mursitpinar crossing on the Turkish-Syrian border in Sanliurfa province, following an air strike November 15, 2014 . REUTERS/Osman Orsal (TURKEY - Tags: POLITICS MILITARY CONFLICT TRANSPORT)
قاذفات "بي-1" أسقطت نحو 100 قنبلة موجهة تزن كل واحدة منها ألفي رطل ضمن مهمة الإنقاذ (رويترز)

عملية الإنقاذ

ووفق وول ستريت جورنال، أسقطت قاذفات "بي-1" نحو 100 قنبلة موجهة تزن كل واحدة منها ألفي رطل، ضمن تغطية نارية كثيفة للعملية.

عناصر من وحدة "نافي سيل 6" ساهموا بعملية الاستخراج ضمن مهمة ضخمة شارك فيها مئات الجنود وعشرات الطائرات

وفي لحظة حاسمة، تدخلت قوات النخبة، إذ أكدت نيويورك تايمز أن عناصر من وحدة "نافي سيل 6" ساهموا بعملية الاستخراج ضمن مهمة ضخمة شارك فيها مئات الجنود وعشرات الطائرات.

وفي الوقت نفسه، استهدفت الطائرات الأمريكية الطرق والقوات الإيرانية لمنعها من الوصول إلى الطيار، بينما كانت المروحيات والقوات الخاصة تقترب من موقعه.

أخيرا، تم الوصول إلى الطيار داخل إيران، على عمق يقارب 200 ميل، ونقل بسرعة إلى الطائرات. لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد، وفق التقارير.

حرب روايات

فبحسب وول ستريت جورنال، اضطرت القوات الأمريكية إلى تدمير معداتها المتروكة، بما في ذلك طائرتان من طراز "إم سي-130 جيه" (تتجاوز قيمة الواحدة 100 مليون دولار) ومروحيتان، لمنع وقوع التكنولوجيا الحساسة في يد إيران.

وخلصت الصحف إلى أن العملية لم تكن مجرد عملية إنقاذ، بل كانت فصلا جديدا في حرب روايات الانتصار، فبينما رأت واشنطن في العملية دليلا على تفوقها العسكري، وتغنّى المشرعون الجمهوريون بقوات البلاد، استغلت طهران إسقاط الطائرات لإظهار قدرتها على إلحاق الضرر بالقوات الأمريكية.

إعلان
المصدر: بوليتيكو + نيوزويك + نيويورك تايمز + وول ستريت جورنال
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان