حين تصبح قوة الذكاء الاصطناعي سببا لرفضه.. جيل يسبح عكس التيار

FILE PHOTO: Figurines with computers and smartphones are seen in front of the words "Artificial Intelligence AI" in this illustration created on February 19, 2024. REUTERS/Dado Ruvic/Illustration/File Photo
الحفاظ على الاستقلال عن الذكاء الاصطناعي غدا أمرا صعبا في بيئة العمل (رويترز)

في تقرير نشرته صحيفة لوموند، ترسم الكاتبة إليزابيت بينو ملامح جيلٍ شاب يسبح عكس التيار، طلاب ومهنيون في العشرينيات يعلنون "صياما رقميا" عن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يطلق عليهم البعض "نباتيي الذكاء الاصطناعي"، في استعارة أخلاقية تشبه الامتناع عن استهلاك منتجات بعينها لأسباب بيئية أو إنسانية.

لكن، بعيدًا عن السخرية، -كما تقول بينو- يتسع الشرخ إذ تشير استطلاعات حديثة للرأي إلى أن 89% من الفرنسيين ممن هم دون 25 عاما استخدموا أدوات مثل جيميناي وبربليكسيتي وغروك وأوبن إيه آي وآنثروبيك، لكن بينما صار اللجوء إلى هذه الأدوات "ردًّا تلقائيًّا" لدى الأغلبية، يصرّ آخرون على الرفض، ولو كلّفهم ذلك شعورا بالعزلة أو خسارة لفرص محققة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

والمفارقة، وفقا للكاتبة، هي أن كثيرًا من الرافضين يعترفون بقدرة هذه الأدوات "المذهلة"، بل إن بعضهم جرّبها ثم قرر التوقف عن ذلك، لا لضعفها، وفقا لهم، بل لقوتها، وكأن المسألة ليست في كفاءة التقنية، بل في شكل العالم الذي تصنعه.

3D illustration of robot humanoid group in concept of future artificial intelligence and 4th fourth industrial revolution .
رسم توضيحي ثلاثي الأبعاد لروبوتات شبيهة بالبشر في مفهوم الذكاء الاصطناعي المستقبلي (شترستوك)

ويروي شاب باريسي يُدعى بنيامين (29 عامًا) للصحيفة صدمته حين لجأ صديقه إلى شات جي بي تي لاختيار نوع من الحلوى في السوبرماركت، معتبرا ذلك مؤشرا مقلقا على تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، وموضحا أن ظهور الأدوات التوليدية فاقم مخاوفه أصلًا بشأن المناخ والحروب وصعود اليمين المتطرف، فقرر الامتناع عن استخدامها تماما منذ إطلاقها أواخر 2022.

ولا يختلف عنه تشارلي (25 عامًا)، وهو صحفي في إذاعة محلية، إذ يؤكد أنه لم يفكر أصلا في استخدام الذكاء الاصطناعي، معتبرا أنه كان يراه "هوسا تقنيا" قبل أن يدرك مدى انتشاره. وكلاهما، وفقا للكاتبة، يمثل شريحة من الشباب الذين اختاروا المقاطعة بدافع شخصي أو قيمي، رغم التحول الواسع نحو هذه الأدوات.

إعلان

ومثل بنيامين وتشارلي، اختار بعض الأشخاص في عدة دول مقاومة التهافت على هذه الأدوات ورفضوا استخدامها، وقد أطلق الباحث الأمريكي في معهد جورجيا للتكنولوجيا، ديفيد جونيور على هؤلاء لقب "نباتيي الذكاء الاصطناعي"، مشيرًا إلى أن دوافعهم تشبه النباتيين من حيث ارتكازها على اعتبارات أخلاقية وبيئية وقيمية.

لكن لماذا المقاطعة؟

حددت الكاتبة 3 حجج رئيسيه لهذا الرفض:

  • أولا، القلق البيئي

بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن سؤالًا واحدًا لنموذج محادثة متقدم قد يستهلك من الكهرباء ما يعادل 10 أضعاف ما يستهلكه بحث تقليدي في محركات البحث العادية، كما أن مراكز البيانات تحتاج إلى كميات هائلة من المياه للتبريد، مع توقع تضاعف البصمة المائية للذكاء الاصطناعي بحلول 2030.
وهذا يعني أنه، بالنسبة لشباب منخرطين في قضايا المناخ، تبدو المفارقة صارخة: كيف ندافع عن الاستدامة ونستخدم أدوات كثيفة الاستهلاك للطاقة؟

  • ثانيا، العدالة والملكية الفكرية

يتحدث بعض الرافضين عن "عمل غير مرئي" في تدريب النماذج، وعن استخدام محتوى دون إذن صريح من أصحابه، وهنا يتحول الامتناع إلى موقف احتجاجي ضد اقتصاد بيانات غير متكافئ، وفقا للكاتبة.

وتنقل الكاتبة هنا تجربة سيغفريد دوبوا، البالغ من العمر 28 عامًا، وهو طالب دكتوراه في المعلوماتية الحيوية في رين، فقد أغراه الذكاء الاصطناعي، فعمل لمدة شهر في نهاية عام 2024 بمساعدة برنامج للبرمجة، ويقول إن هذه التجربة تركت لديه "انطباعا سيئا"، موضحا أن إدراكه للأثر البيئي، ولاستغلال الإنسان في العمل -لا سيما في ترميز البيانات لتدريب الخوارزميات- ونهب الملكية الفكرية، أقنعه "بعدم استخدام هذه الأدوات مرة أخرى".

هل من يرفض الذكاء الاصطناعي يحمي مهاراته، أم يخاطر بالتأخر عن سوق عمل يتغير بسرعة؟ وكيف يمكننا أن نحافظ على إنسانيتنا ومهاراتنا، دون أن نعزل أنفسنا عن أدوات تعيد تعريف العمل والتعليم؟

  • ثالثا، الخوف من تآكل المهارات

ثمة خشية من أن الاعتماد المستمر على النصوص الجاهزة سيضعف القدرة على التفكير والكتابة والتحليل، وقد وصف أحدهم الذكاء الاصطناعي بأنه "وجبات سريعة للعقل"، أي أنها مشبعة وسريعة، لكنها تضعف عضلات التفكير على المدى الطويل.

تقول كلوديه، وهي مترجمة في بلجيكا، "أخشى أن أصبح معتمدة عليه، وأن يؤدّي استخدامه المنتظم إلى أن أفقد قدرتي على الكتابة، وإجراء أبحاثي، والتفكير".

لكن الكاتبة تختم بالإشارة إلى أن الحفاظ على الاستقلال عن الذكاء الاصطناعي غدا أمرا صعبا بشكل متزايد خصوصا عندما يتسامح المجال المهني مع استخدامه، أو حتى يشجعه، وعليه فهل من يرفض الذكاء الاصطناعي يحمي مهاراته، أم يخاطر بالتأخر عن سوق عمل يتغير بسرعة؟ وكيف يمكننا أن نحافظ على إنسانيتنا ومهاراتنا، دون أن نعزل أنفسنا عن أدوات تعيد تعريف العمل والتعليم؟

المصدر: لوموند

إعلان