دون انتخاب.. جدل حول تعيين مجلس لرعية الروم الأرثوذكس بالقدس

قباب كنيسة القيامة التي تعتبر من أهم الكنائس قداسة بالعالم للمسيحيين ويضم بداخلها حسب العقيدة المسيحية قبر السيد المسيح عيسى عليه السلام، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى قيام المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث من الأحداث التي أدت إلى موتة على الصليب وفق المعتقدات المسيحية.
وفق شخصيات مقدسية فإن كل البطاركة بعد عام 1967 رفضوا تشكيل مجلس منتخب (الجزيرة)

القدس المحتلة- أثار مرسوم صادر عن "بطريرك القدس وسائر أعمال فلسطين والأردن للروم الأرثوذكس" كيريوس ثيوفيلوس الثالث، والقاضي بتشكيل "مجلس محلي لرعية الروم الأرثوذكس في القدس" ردود أفعال منقسمة رافضة ومتحفظة، رغم الترحيب الرسمي الفلسطيني به.

ويفسّر الرافضون موقفهم بالقول إن الأساس هو انتخاب المجلس وليس تعيينه وفق القوانين المعمول بها، فيما يرى المرحبون أن الخطوة ضرورية بعد عقود من شلل المجلس السابق.

وفي 26 يونيو/حزيران الماضي، أصدر البطريرك ثيوفيلوس الثالث مرسوما يقضي بتشكيل المجلس برئاسة حنا عميرة، الرئيس السابق للجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس بفلسطين، والعضو السابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن حزب الشعب اليساري.

ويأتي تعيين هذا المجلس بعد عقود طويلة من الجمود دون أن تجري انتخابات لتحديثه منذ عام 1967. وحدد مرسوم التعيين مهام المجلس الجديد بـ"تعزيز التعاون بين المؤسسات والجمعيات المقدسية ورفع شأن الرعية، وحماية وجودها، والحفاظ على مقدراتها".

ووفق تقديرات فلسطينية، يصل تعداد مسيحيي القدس إلى 9 آلاف، بينهم نحو 4 آلاف من الطائفة الأرثوذكسية.

لماذا الرفض؟

رغم قناعة متابعين لشؤون الكنيسة الأرثوذكسية بأهمية إعادة إحياء المجلس الذي يحتضر منذ سنوات، فإنهم اعتبروا تعيين رئيسه وأعضائه "تجاوزا لافتا لأن ذلك لم يجرِ من خلال الانتخابات".

يقول عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في فلسطين والأردن عدي بجالي، للجزيرة نت، إن إعادة إحياء المجلس المحلي للأرثوذكس بمدينة القدس هو "أمر هام وضروري نصّت عليه القوانين الانتدابية والعثمانية والأردنية".

لكنه أضاف أن اختيار أعضاء المجلس "حق انتخابي للأرثوذكس المحليين بالقدس كجزء من هيكلية نظامية جاءت بعد نضال طويل خاضه الأجداد، لضمان انتخاب مجالس محلية في كافة المدن والقرى التي يوجد بها العرب الأرثوذكس".

ولفت إلى أن الهدف من النضال آنذاك كان "إدارة أوقاف الكنيسة وشؤونها باستقلالية تامة بعيدا عن تدخلات البطريركية".

وأشار إلى وجود أوقاف مسجلة في "الطابو" باسم المجلس المحلي لرعية الروم الأرثوذكس الذي توفي أعضاؤه ولم يعد هناك من يمثله، وهذا الغياب -وفقا لبجّالي- قد يؤدي إلى مصادرة الأراضي من جهات استيطانية تحت مسمى "أملاك غائبين".

عدم وجود مجلس محلي لرعية الروم الأرثوذكس عطل مشاريع وأعاق استغلال أراض وقفية (الأناضول)

تنقصها الانتخابات

على سبيل المثال، يشير بجالي إلى أنه مع تعطيل المجلس لم يكن بالإمكان استثمار قطعة أرض في بلدة بيت حنينا لمنفعة العرب في القدس وللأرثوذكس. ورغم أن المؤسسات الأرثوذكسية أعدت مخططا، لم يكن ممكنا التقدم في أي خطوة تنفيذية في ظل غياب الهيئة الرسمية، ومن هنا تنبع أهمية وضرورة إعادة إحياء المجلس المحلي.

وقال "إن مماطلة البطريركية في الالتزام بنظام المجلس المحلي الخاص للقدس يندرج ضمن تغييبها لكافة الهيئات العلمانية الأرثوذكسية وعلى رأسها "المجلس المختلط والذي كان قائما حتى احتلال القدس عام 1967، وما يزال ثيوفيلوس يرفض تشكيلته القانونية، وهو مجلس من المفترض أن يتألف من رجال دين وعلمانيين أرثوذكس، وهو الجسم المشرف على الأملاك والأوقاف والمدارس".

وفق بجالي فإن "كل البطاركة بعد احتلال عام 1967 رفضوا تشكيل المجلس المشترك المنتخب القانوني، لتسهيل تسريب وبيع الأوقاف والأملاك ونهب خيرات البطريركية، كون المجلس يشرف على أملاك وعقارات وأوقاف ومدارس ومؤسسات البطريركية، وتُعرض عليه ميزانية البطريركية وله ميزانية خاصة تُقتطع من الميزانية العامة".

مسيحيون يعترضون موكب البطريرك ثيوفيلوس الثالث في بيت لحم
مسيحيون يعترضون موكب البطريرك ثيوفيلوس في بيت لحم بعد اتهامات للبطريركية بتسريب عقارات للاحتلال (الجزيرة)

الدور الرسمي

ورغم ذلك يؤكد بجّالي "أن الحكومتين الأردنية والفلسطينية تسمحان لثيوفيلوس، بهذا الخرق السيادي (رفضه للمجلس) القانوني دون أن يندى لهما جبين رغم اطلاعهما على تصفية الأوقاف الأرثوذكسية بصفقات فاسدة يقوم بها البطريرك ثيوفيلوس وخاصة بالقدس" أضاف بجّالي.

ويرى عضو المجلس الأرثوذكسي أنه "من المؤسف أن يتم تعيين رئيس للمجلس المحلي الجديد من البطريرك ثيوفيلوس دون إجراء انتخابات".

وتابع أن "من يريد أن يحمي القدس وعروبتها يجب أن يستخدم نفوذه لدى الحكومتين الأردنية والفلسطينية لإلزام البطريرك بتنفيذ قانون المجلس المختلط"، وحث النائب العام الفلسطيني على معالجة الشكوى المقامة ضد البطريرك "وهكذا تحمى القدس وعروبتها من أطماع الاستيطان وفساد الرهبان".

ويشير بجالي هنا إلى شكوى موقّعة من أكثر من 300 شخصية وجهة فلسطينية ضد بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، والبطريرك ثيوفيلوس، بتهمة إساءة الائتمان وبيع أوقاف كنسية في أنحاء فلسطين، وقضايا أخرى.

وختم بجّالي بالقول إن أهالي القدس يفترض أن ينتخبوا رئيس وأعضاء المجلس المحلي بعملية انتخابية مباشرة لكن مع غياب هذا الانتخاب "أرحب بإعادة تشكيله ليحيا من جديد دون أي انتقاص من حقوق وواجبات هذا المجلس القانونية".

أليف صباغ، عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي
صباغ: من حق الطائفة أن تنتخب الذين سيمثلونها أمام البطريرك (الجزيرة)

لماذا التعيين؟

أما الباحث في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية أليف صبّاغ فتساءل: بأي حق يعين البطريرك اليوناني مجلسا رعويا للطائفة المقدسية؟".

وأضاف "إذا كان هذا المجلس يمثل الطائفة المحلية، فمن حق الطائفة أن تنتخب الذين سيمثلونها أمام البطريرك لتحصيل حقوقهم من بطريركيتهم، ومراقبة عمل البطريرك وغيره من المسؤولين، أما إذا كان المجلس الرعوي يمثل البطريرك فلا قيمة له".

وتساءل الباحث الفلسطيني عن القانون الذي تم بموجبه التعيين، مضيفا "إذا كان بموجب القانون الأردني فلا يمكن قبول ذلك لأن البطريرك غير عنوان البطريركية ليصبح "أورشليم القدس" وفق التسمية الإسرائيلية بعد احتلالها للمدينة وتوحيد شطريها قسرا".

وأضاف "أما إذا كان التعيين وفق القانون الإسرائيلي -باعتباره قبِل واستسلم للاحتلال- فالقانون الإسرائيلي أقرّ منذ عام 1992 حق الطوائف المحلية بانتخاب ممثليها أو مجالسها بشكل ديمقراطي دون تدخل البطريرك".

وبالتالي، يقول صباغ "على البطريرك أن يقرر ما القانون الذي يسري على البطريركية، أم أنه كعادته يختار القانون المناسب له وبحسب مصالح اليونان، فتارة يختار الإسرائيلي وتارة الأردني وتارة العثماني".

حنا عميرة
حنا عميرة: توجد قضايا مهمة تجدر متابعتها ولا يمكن ذلك في ظل غياب المجلس (الجزيرة)

استجابة للضرورة

في حديث سابق للجزيرة نت قال رئيس المجلس المعين حنّا عميرة، إن هناك "ضرورة لإعادة إحياء المجلس، لأن عدم وجوده شكّل فراغا رغم وجود مسؤوليات يفترض على هذا المجلس متابعتها، كموضوع الإسكان والعلاقة بين المؤسسات الوطنية والمسيحية، وحماية الوجود المسيحي في القدس".

وأضاف عميرة "توجد قضايا مهمة تجدر متابعتها ولا يمكن ذلك في ظل غياب المجلس، وبالتالي فإن وجوده الآن سيملأ هذا الفراغ".

وتابع أنه سيحاول من موقعه الجديد "تعزيز وجود المسيحيين في القدس عبر مواجهة سرطان الهجرة وعمليات التطفيش التي تمارسها سلطات الاحتلال على المواطنين، مسلمين ومسيحيين".

وجاء التعيين بعد وفاة آخر عضو من أعضاء المجلس القديم، إذ لم تجرِ انتخابات في القدس لاختيار رئيس وأعضاء المجلس المحلي لرعية الروم الأرثوذكس منذ عام 1967، وفقا لعدي بجّالي.

ويضم القانون الأردني لنظام تشكيل المجالس الطائفية المحلية (16) مادة ضمن "قانون بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية رقم (27) لسنة 1958″، ويفصّل القانون مؤهلات الناخبين وكيفية الترشح وتفاصيل المقاعد وصلاحيات وواجبات المجلس المكون من 10 أعضاء إضافة إلى الرئيس.

وكانت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين رحبت بقرار التعيين، ورأت فيه "أهمية في تثبيت الوجود الفلسطيني المسيحي الأرثوذكسي في القدس، بما يعزز التعاون بين المؤسسات والجمعيات المقدسية، ورفع شأنها، والحفاظ على مقدراتها".

ووفق تقديرات فلسطينية يعيش 45 ألف مسيحي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس، ويشكل الروم الأرثوذكس ما نسبته 51% منهم.

المصدر : الجزيرة