لماذا منح البريطانيون حزب العمال الأغلبية لحكم البلاد؟

زعيم حزب العمال كير ستارمر مع زوجته فيكتوريا لدى وصولهما إلى مركز اقتراع للإدلاء بصوتيهما في الانتخابات العامة (غيتي)

لندن- في الانتخابات التشريعية التي جرت أمس الخميس، منح البريطانيون حزب العمال أغلبية مطلقة بحوالي 409 مقاعد من أصل 650، في حين مُني المحافظون بخسارة أكثر من 241 مقعدا، في واحدة من كبرى نتائج "العمال" منذ العام 1997 عندما فاز رئيس الوزراء الأسبق توني بلير بـ417 مقعدا.

ورغم حالة الاستقطاب العالية التي شهدتها بريطانيا خلال الحملة الانتخابية، فإن نسبة المشاركة ناهزت 59%، وهي أقل مما سجلته انتخابات 2019 التي شارك فيها قرابة 67.3% من الناخبين، وأقل من انتخابات 2017 التي شارك فيها 68.8% من الناخبين.

وبذلك، طوت المملكة المتحدة بشكل رسمي صفحة حزب المحافظين بعد 14 سنة من الحكم تخللتها لحظات تاريخية بارزة لعل أهمها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، والأحداث المثيرة للجدل التي ترقى إلى "الفضائح" في عهد رئيسي الوزراء السابقين بوريس جونسون وليز تراس، وصولا إلى ريشي سوناك الذي عاش معه البريطانيون أسوأ أزمة تضخم منذ الحرب العالمية الثانية.

حملة جيدة

وعجز حزب العمال عن الحصول على حصة كبيرة من مجموع الأصوات، ذلك بأنه -ورغم حصده الأغلبية- حصل على 32%، مسجلا تراجعا بنسبة 10% عن حصة الأصوات التي كان من المتوقع أن يحصل عليها في هذه الانتخابات. وهي تقريبا النسبة نفسها التي حصل عليها العمال في عهد زعيمه السابق جيرمي كوربن عام 2019، مما يعني أنه سيحكم البلاد بأقل من ثلث الأصوات، رغم حصوله على هذه الأغلبية الساحقة.

يرى مدير مركز "مور إن كومون" لدراسة نتائج الانتخابات لوك ترايل أن فوز حزب العمال في هذه الانتخابات كان بفضل الحملة الموجهة والجيدة التي قام بها والتي كانت مبنية على أهداف محددة وسردية واضحة وهي إنهاء حكم المحافظين.

لكنه في الوقت ذاته نبّه إلى أن الحزب فاز بالأغلبية الساحقة بأقل من ثلث الأصوات، في وقت كان عليه أن يحصل على أكثر من الثلث بعد أن اختار الملايين التصويت "لناخبين شعبويين" مع تسجيل نسبة تصويت هي الأقل في تاريخ بريطانيا.

ويضيف ترايل للجزيرة نت أن كل هذا يعني أنه سيكون أمام زعيم حزب العمال كير ستارمر مهمة مستعجلة، وهي إعادة الثقة في السياسة والعمل السياسي.

دور المسلمين

أما عن حصة الأصوات الضعيفة التي حصل عليها العمال والتي بقيت في حدود 32%، يقول الخبير في الشؤون الانتخابية إنه يمكن اعتبار هذه النسبة "فشلا"، أرجع جزءا منه إلى تصويت الأقليات العربية للمستقلين خصوصا المعروفين بتأييدهم لقضية غزة، "وهذا أيضا موضوع على ستارمر وحزبه معالجته لأن هذه الأقليات كانت دائما كتلة محسوبة عليه".

وركز ترايل على دور الأصوات المسلمة، إذ أكد أن الأرقام التي توصلوا إليها تشير إلى أن حزب العمال فقد أكثر من 20% من الأصوات في المقاعد التي يشكل فيها المسلمون أكثر من 20% من السكان.

وعدّ ذلك تحديا كبيرا أمام قيادة الحزب لأنه من المجازفة القول إن ما حدث هو فقط بسبب "أحداث غزة"، ولكن أيضا لأن هناك إحساسا لدى المسلمين بأنه تم تهميشهم وتجاهلهم وسيكون على ستارمر بناء الثقة بين الحكومة والأقلية المسلمة.

في تغريدة له على منصة إكس، كتب كبير الباحثين في مركز البيانات التابع لجامعة لندن للاقتصاد جون بون مردوخ أن حزب المحافظين مُني بواحدة من أسوأ خساراته.

وأوضح أن ذلك ليس لأن هذا الحزب اختار التوجه إلى اليمين بشكل كبير في بعض القضايا أو نحو اليسار في قضايا أخرى، ولكن لأن المواطنين حكموا عليه بأنه لا يستحق قيادة البلاد، وأن من يقوده أشخاص غير صادقين وتنقصهم النزاهة.

خطأ المحافظين

من جهته، رأى الباحث السياسي في جامعة "كينغز كوليدج" ريان شورتهاوس أن أكبر خطأ قام به المحافظون هو عدم الإنجاز، وعدم الوفاء بالوعود التي قدموها، مع التركيز على الدعاية العامة.

وبرأيه، فإن الدرس الذي على ستارمر الاستفادة منه بعد خسارة المحافظين، فهو التركيز على سرعة الإنجاز لأن هناك حاجة عامة لدى البريطانيين لرؤية إنجازات وليس شعارات أو حملات علاقات عامة.

وأكد الباحث السياسي أن الانتقال من أغلبية مطلقة للمحافظين سنة 2019 إلى أغلبية مطلقة للعمال سنة 2024، يعني أن المواطن البريطاني أصبح يهمه من ينجز ومن يحقق له مطالبه بغض النظر عن توجهه السياسي.

وهذا يعني -برأيه- أن التصويت أصبح متقلبا بشكل كبير، وهي رسالة للعمال بأن هذه الأغلبية قد تختفي في أي انتخابات قادمة إذا عجزوا عن الوفاء بوعودهم.

المصدر : الجزيرة