"الشعب قال كلمته".. لماذا رفض الرئيس الكيني قانونا للضرائب يؤيده؟

مواجهات في نيروبي بين الشرطة ومتظاهرين رافضين لزيادة الضرائب (الجزيرة)

تراجع الرئيس الكيني وليام روتو، مساء الأربعاء، عن الإصلاحات الضريبية المثيرة للجدل التي دافع عنها في مواجهة المعارضة العامة، بعد أن تحولت الاحتجاجات الجماهيرية إلى أعمال عنف في اليوم السابق، مما أسفر عن مقتل 23 شخصًا، وفقًا للجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان.

وتساءلت مراسلة الجزيرة الإنجليزية شولا لاوال في تقريرها عن أسباب التحول الذي حدث في موقف الرئيس روتو، مشيرة إلى شكوك بشأن وفائه وثباته على هذا الموقف.

وقال روتو، في مؤتمر صحفي مساء أمس، قبل 24 ساعة فقط من تعهد المتظاهرين بالنزول إلى الشوارع مرة أخرى "لقد قال الناس كلمتهم. أنا أتنازل"، وكان الاعتراف بالهزيمة أمرا نادرا بالنسبة لسياسي لا يتراجع عن موقفه.

والموقف الجديد بمثابة تحول حاد عن خطابه الذي ألقاه قبل أقل من يوم واحد، عندما تبنى، بعد أعمال العنف، موقفا حازما يكاد يكون تهديدا تجاه المتظاهرين حيث اتهم أفرادا "خونة" بمحاولة "زعزعة الأمن والاستقرار"، كما أمر بنشر الجيش حسب محللين وهي خطوة وصفت بالمتعجرفة.

Kenyan President William Ruto speaks during a pre-departure briefing for the first contingent of police officers to deploy to Haiti, at Embakasi, Nairobi, Kenya, in this handout photo released June 24, 2024 "William Samoei Ruto" via X/Handout via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVES. MANDATORY CREDIT
الرئيس وليام روتو أعلن عن تراجعه عن فرض الضرائب رغم تشكيك خبراء (رويترز)

وأثار تغير موقف الرئيس روتو يوم الأربعاء – كما يقول محللون- تساؤلات عن أسباب ذلك، بالنظر لماضي تعهداته عندما انتخب قبل عامين حيث وعد بالقضاء على الفساد وسوء الإدارة.

وقالت ويليس أوكومو، الباحثة البارزة في معهد الدراسات الأمنية الأفريقية للجزيرة "لا أعتقد أنه (موقف) حقيقي، أعتقد أنه يشتري الوقت فقط. أعتقد أنه أبلغ بأن هذا الأمر مضر سياسيا، وعلى الأرجح أن الضغوط الغربية لعبت دورا. لقد كان بحاجة إلى تثبيت السفينة".

وأثارت رسائل روتو المتشددة بشأن الأمن في خطابه يوم الثلاثاء انتقادات من اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان، التي وصفتها بأنها لا تستشعر حساسية الوضع ومحرضة. وقالت اللجنة إنها غذت عمليات القتل في إحدى ضواحي نيروبي، بعد ساعات من وقوع المظاهرات التي فرّقتها الشرطة بإطلاق النار.

متشدد محبوب من الغرب

كما اعتبر بعض الخبراء أن مدلول خطاب الرئيس يشير إلى انفصاله عن واقع الكينيين. كما سلط ذلك الضوء على صورة روتو في كينيا، كشخص غير مرن، ولكنه يتمتع بشرعية من الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، على الرغم من التاريخ الطويل من التورط المزعوم في أعمال العنف الانتخابي.

ودفعت بعض هذه الادعاءات المحكمة الجنائية الدولية إلى التحقيق مع روتو بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وتم إسقاط هذه التهم عام 2016 لعدم كفاية الأدلة.

وقالت أوكومو من معهد الدراسات الأمنية "بالنسبة لأولئك الذين عرفوه منذ فترة طويلة، فإننا نعرف أن روتو زعيم متشدد. لقد فوجئنا دائمًا بأن الغرب احتضنه. هم يعرفون من هو، ولكن لأنه يقود المصالح الغربية، فإنهم يغضون النظر عنه".

منذ انتخابه في عام 2022، اقترب روتو من القوى الغربية، وقدّم نفسه على أنه تقدمي فيما يتعلق بتغير المناخ، ورفض الانضمام إلى معظم الدول الأفريقية في إدانتها الصريحة لإسرائيل بسبب الحرب على غزة، وبدلاً من ذلك أعلن موقفًا أكثر حيادية.

وبالنسبة للولايات المتحدة على وجه الخصوص، برز روتو باعتباره الزعيم الأكثر قدرة على البقاء في شرق أفريقيا، والذي يستحق ولاؤه الدعم، في منطقة حيث علاقات واشنطن مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ورئيس رواندا بول كاغامي متوترة.

Pre-departure briefing for the first contingent of police officers to deploy to Haiti, at Embakasi, Nairobi Kenyan police officers attend a pre-departure briefing for the first contingent of police officers to deploy to Haiti, at Embakasi, Nairobi, Kenya, in this handout photo released June 24, 2024 "William Samoei Ruto" via X/Handout via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVES. MANDATORY CREDIT DATE 25/06/2024 SIZE 2738 x 1825 Country KENYA SOURCE REUTERS/"William Samoei Ruto" via X
قوات من الشرطة الكينية في طريقها إلى هاييتي للمساعدة في حفظ الأمن هناك (رويترز)

يوم الثلاثاء، وصل فريق من الشرطة الكينية يقود مهمة تدعمها الأمم المتحدة إلى هاييتي المضطربة، بعد سعي روتو الدؤوب للتوصل إلى صفقة فريدة من نوعها لدولة أفريقية. وتحظى هذه المهمة بدعم وتمويل كبيرين من الولايات المتحدة.

وفي وقت سابق من شهر مايو/أيار، احتفل الرئيس الأميركي جو بايدن بروتو والسيدة الأولى راشيل روتو في حفل عشاء رسمي فخم – وهو الأول من نوعه لزعيم أفريقي منذ 16 عاما.

ثم منح بايدن كينيا لقب "الحليف غير الرئيسي في حلف شمال الأطلسي" – وهي خطوة كبيرة من المتوقع أن تعزز التعاون الأمني ​​الوثيق بالفعل مع نيروبي. وأدرجت الولايات المتحدة هذا التصنيف رسميا يوم الاثنين.

هل التراجع بسبب الضغط الغربي؟

في الداخل، واجه روتو انتقادات متزايدة، بلغت ذروتها في الاحتجاجات الحاشدة التي هزت كينيا خلال الأيام العشرة الماضية. كان الغضب من خطط الرئيس في جمع الضرائب يغلي منذ فترة طويلة، وخاصة بين الشباب الكينيين. ويتهم كثيرون روتو بالفشل في الوفاء بوعوده الانتخابية للقضاء على الفساد.

في الواقع، خلال حملته الانتخابية، صوّر نائب الرئيس السابق نفسه على أنه دخيل على مصفوفة السلطة التي كانت لفترة طويلة الدعامة الأساسية للسياسة الكينية، حيث تسيطر حفنة من العائلات ذات النفوذ السياسي على السلطة. ووعد بتخفيف الظروف المعيشية الصعبة لأصحاب الدخل المنخفض من خلال قمع الفساد المتأصل الذي أضعف المؤسسات في كينيا.

المتظاهرون أشعلوا النيران في بعض المباني بينها جزء من البرلمان (غيتي)

كما وعد بإصلاح الشرطة التي تعرضت لانتقادات طويلة بسبب وحشيتها، والحد من الهدر الحكومي، وتحرير البلاد من ديونها الضخمة البالغة 82 مليار دولار.

ومع ذلك، يقول المنتقدون إنه لم ينفذ هذه الوعود. ويقولون إن ما أثار غضب الكثيرين على وجه الخصوص هو الزيادات المتكررة في الضرائب مع عدم وجود تحسينات مقابلة في المرافق الاجتماعية.

وبالفعل، ضاعف قانون عام 2023 الضرائب على الوقود، وتم إعداد المسودة الأولية لمشروع قانون المالية لهذا العام لزيادة ضريبة الوقود. يأتي كل هذا وسط أزمة اقتصادية مريرة أدت إلى انخفاض قيمة الشلن الكيني بنسبة 22% مقابل الدولار الأميركي منذ عام 2022، مما تسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقل والطاقة، في حين ظل الدخل على حاله إلى حد كبير.

في البداية، برر روتو الزيادات الضريبية قائلا إنها ضرورية لتغطية ديون كينيا، حيث واجهت البلاد موجة جفاف شديدة في عام 2022 وبعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تعطلت واردات الغذاء.

وقال روتو يوم الأربعاء "من المفيد أنه مقابل كل 100 شلن نجمعها كضرائب، ندفع 61 شلنًا للديون"، مبررًا سبب دعمه للإصلاحات الضريبية. ومع ذلك، قال النقاد منذ فترة طويلة إن هناك هدرًا هائلاً في الإنفاق العام يمكن أن يعوض الديون.

ويُنظر إلى روتو على نطاق واسع في كينيا على أنه دائم السفر بالطائرات الكبيرة، ويطلق عليه منتقدوه لقب "الرئيس الطائر". وفي حين أن هذا السفر قد جلب له الانتقادات، فإنه يبرر ذلك بأن زياراته الخارجية ضرورية لجذب الاستثمارات إلى الدولة التي تعاني من ضائقة مالية.

كما يتهم المنتقدون الرئيس بالخضوع للمؤسسات التي يقودها الغرب مثل صندوق النقد الدولي الذي دعم البلاد في الإصلاحات الضريبية المرفوضة الآن، كجزء من تسهيل قرض قال الرئيس إنه ضروري "للحفاظ على القدرة على تحمل الديون".

في أبريل/نيسان، قال صندوق النقد الدولي إن هناك عجزًا كبيرًا في تحصيل الضرائب من شأنه أن يبقي احتياجات الاقتراض المحلي في كينيا مرتفعة مع تشديده أيضًا على الحاجة لخفض الهدر الحكومي.

ويقول خبراء إن الاحتجاجات المناهضة للضرائب، والتي بدأت في عام 2023 بعد الزيادة الأولى، تشير إلى تحول كبير في كينيا حيث كان معظم الناس في السابق يتقبلون أوجه القصور في الحكومة.

وقالت نانجالا نيابولا، الباحثة السياسية والكاتبة "السبب وراء وجود الكثير من الشباب في الشوارع هو أنهم يقولون الأشياء كما يرونها. لقد اعتاد الكينيون الأكبر سنا على الفجوة القائمة بين ما يعد به السياسيون وما يقدمونه. ولكن الشباب لم يتقبلوا ذلك".

ومع تصاعد الاحتجاجات الأسبوع الماضي، حاول روتو في البداية استخدام نبرة تصالحية، مشيرا إلى احترام الحكومة لحق الاحتجاج. ولكن يوم الثلاثاء، بعد أن فتحت الشرطة النار على المتظاهرين، بدا أن الصورة التي سعى إلى تقديمها تتفكك لدى حلفاء كينيا الغربيين.

الشرطة الكينية تتصدى للمتظاهرين في بعض أحياء العاصمة (وكالة الأناضول)

وقال بيان مشترك صادر عن سفارات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا والعديد من الدول الغربية الأخرى "نلاحظ أن الدستور الكيني يضمن الحق في الاحتجاجات السلمية. تؤسفنا الخسائر المأساوية في الأرواح والإصابات، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية… ونشعر بقلق بالغ إزاء مزاعم اختطاف المتظاهرين".

وقال خبراء إن رد الفعل هذا يبدو أنه ضغط على حكومة الرئيس روتو للتصرف بمزيد من ضبط النفس، ومن المحتمل أن يكون السبب في تخفيف لهجته يوم الأربعاء، حيث وصف المتظاهرين بـ"أبنائنا وبناتنا".

بالإضافة إلى التراجع، أعلن روتو أيضًا عن تخفيضات في الإنفاق الحكومي على السفر والضيافة. ومع ذلك، قال بعض المحللين إن لديهم القليل من الثقة في أن روتو سوف يفي بوعوده. وقال ويليس من معهد الدراسات الأمنية "لا أعتقد أنه سينفذها. لقد ظل رئيسا لمدة عامين ولم ينفذ أيا مما وعد به".

وقالت نيابولا، "رغم التراجع، لن يكون من السهل على روتو استعادة مصداقيته أمام الشعب الكيني. ووصفت موقفه الجديد بأنه "يستجيب بالتأكيد للعديد من المظالم التي أثارها المتظاهرون، ولكن ليس كلها".

المصدر : الجزيرة