"خطة رواندا" البريطانية للاجئين تتحول إلى بديل ملهم للأوروبيين

ريشي سوناك (يسار) وكارل نيهامر في مؤتمر صحفي بالنمسا (غيتي)

ترغب النمسا جاهدة في الترويج على نطاق واسع لسياسة جديدة للاجئين في الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن أن تتم إجراءات اللجوء في البلدان الأفريقية، وهو ما ألمح إليه وزير الداخلية النمساوي المحافظ غيرهارد كارنر خلال محادثته مع وزير الداخلية البريطاني في فيينا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

وعقب اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في فيينا في مايو/أيار الماضي، قال المستشار النمساوي كارل نيهامر إن النمسا سوف تبذل جهودا في الاتحاد الأوروبي لإقرار سياسة هجرة جديدة، يتم بموجبها تنفيذ إجراءات اللجوء في الدول الأفريقية إذا لزم الأمر، في إشارة إلى خطة بريطانيا التي تقضي بإرسال المهاجرين غير النظاميين إلى رواندا، وتقديم طلبات لجوئهم من هناك.

وعلى الرغم من اعتراف مستشار النمسا بالصعوبات المتوقعة قبل تطبيق هذا النوع من إجراءات اللجوء، فإنه يعتبر أن الخطوة قد تمكن الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف من وقف أنشطة مهربي البشر.

سوناك أجرى محادثات مع كارل نيهامر بشأن الهجرة غير الشرعية (الفرنسية)

النمسا زعيمة الجبهة

تقدم النمسا نفسها كقاطرة الجبهة الداعمة للبديل البريطاني في سياسات الهجرة أوروبيا، وهناك توافق في هذا المجال على الأقل بين الائتلاف الحكومي و"حزب الحرية" اليميني المتطرف.

وفي هذا يقول زعيم الحزب المثير للجدل هربرت كيكل إن "على النمساويين أن يصبحوا أسياد بيتهم مرة أخرى"، داعيا الائتلاف الحكومي إلى اقتفاء خطط نظيره الهولندي والتي تنص، من بين أمور أخرى، على بند الخروج من سياسة اللجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي التي وصفها بـ"التدميرية".

وفي تعليقها للجزيرة نت، تقول كيلي بيتيلو، الخبيرة في قضايا الهجرة بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية التابع للاتحاد الأوروبي "نحن نرى أن فكرة العمل على إرسال المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى بريطانيا لرواندا تلقى اهتماما متزايدا من قبل الدول الأوروبية".

وتشير الخبيرة إلى أن هذا يشمل خصوصا عدة دول، مثل إيطاليا وقبرص واليونان ومالطا، التي تعتبر في خط المواجهة الأولى في مسألة التعامل مع الهجرة.

وإلى جانب النمسا تؤيد بالفعل 15 دولة من الاتحاد الأوروبي المسار البريطاني، من بينها دول ذات سياسات هجرة مقيدة تقليديا مثل المجر وبولندا، ودول أخرى تقودها حكومات يمينية مثل هولندا وإيطاليا.

وكان المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، نفسه قد حذر في تقرير أعده خبراء، من عواقب مباشرة لصعود اليمين المتطرف والشعبوي في انتخابات البرلمان الأوروبي على سياسات الهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي، متوقعا ظهور أغلبية بالبرلمان الأوروبي تدعم قيودا أوسع على سياسة اللجوء مقابل المزيد من السلطات التقديرية للدول الأعضاء والحد من أي تقاسم لمخصصات اللاجئين.

ويتوقع التقرير ذاته أن يتصدر الشعبويون نتائج الاقتراع في 9 دول على الأقل، وهي النمسا وبلجيكا والتشيك وفرنسا والمجر وإيطاليا وهولندا وبولندا وسلوفاكيا، مع احتمال تقدمهم في دول أخرى من بينها ألمانيا والبرتغال ورومانيا وإسبانيا والسويد وفنلندا وإستونيا ولاتفيا.

المزيد من الزخم الأوروبي

ويمكن أن يمنح الصعود اليميني زخما أوسع للخطة البريطانية قبل انطلاقها فعليا في صيف 2024 كما هو مقرر. وفي ذلك، صرح ريشي سوناك بأنه "من الواضح بصورة متزايدة أن كثيرا من الدول الأخرى توافق الآن على أن هذا هو المسار المطلوب، وهو مسار جريء وجديد ويتطلع لشراكات آمنة للدول".

وسبق أن اتخذت إيطاليا خطوة مماثلة عبر الاتفاق الموقع مع ألبانيا والمصادق عليه في البرلمان البريطاني في فبراير/شباط 2024، لتشييد مركزين تجري فيهما دراسة ملفات طالبي اللجوء، لكن على عكس النموذج البريطاني سيسمح للاجئين الذين قبلت طلباتهم بالانتقال إلى إيطاليا.

ويقول دينيس دويز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "لوفان سانت لويس" في بروكسل "إنه ليس النموذج نفسه، ولكن الروح هي نفسها".

وطرحت الفكرة أيضا في ألمانيا في خريف 2023 تحت ضغط الحزب الديمقراطي الحر الليبرالي، الذي يشكل جزءا من الائتلاف الحاكم، حيث فكرت الحكومة الألمانية في الاستعانة بجهات خارجية خاصة في أفريقيا، لمعالجة طلبات اللجوء، تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولكن لم يتم المضي قدما في هذا المقترح.

وكانت الدانمارك أول من فكر في الاستعانة بمصادر خارجية لمعالجة طلبات التأشيرات، وأصدرت الحكومة قانونا في 2021 يهدف إلى إرسال المتقدمين إلى خارج أوروبا، وطرح اسم بلد "رواندا" في هذا السياق، لكن الدانمارك علقت لاحقا مشروعها من أجل إيجاد استجابة أوسع داخل الاتحاد الأوروبي.

وعمليا تتعارض هذه الخطط مع "اتفاقات الشركات الشاملة" التي بدأ الاتحاد الأوروبي بتوقيعها مع دول شمال أفريقيا ويسعى إلى تعميمها من أجل كبح التدفقات عبر البحر الأبيض المتوسط، وتقضي الاتفاقات بضخ مساعدات مالية واقتصادية لتعزيز مراقبة الحدود ومنع مغادرة المهاجرين.

ولكن تونس التي تقع في قلب هذه الاتفاقات أعلنت مرارا رفضها لأي مقترح بتوطين المهاجرين أو تشييد مراكز على أرضها كما صدرت مواقف معارضة بشدة في موريتانيا لأي نوايا بتوطين المهاجرين وإدماجهم.

خطوة غير محسوبة

وبخلاف الجبهة التي تقودها النمسا، فمن السابق لأوانه الحديث عن أي صدى للخطة البريطانية في ألمانيا وفرنسا، الدولتين الأكبر في الاتحاد والأكثر استقطابا للمهاجرين.

ولم تشر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ألمانيا في مايو/أيار الماضي، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ 24 عاما، إلى سياسات بديلة لمكافحة الهجرة غير النظامية في الوقت الذي أقر فيه الاتحاد الأوروبي نهائيا الميثاق الجديد للهجرة واللجوء في منتصف الشهر نفسه.

ومن المقرر أن يبدأ العمل بمعظم بنود الميثاق في عام 2026، وسيتعين على الدول الأعضاء في غضون ذلك إقامة منشآت حدودية من أجل بقاء جماعات معينة من طالبي اللجوء في أثناء خضوعهم للفحص، وإعادتهم إلى بلادهم في حال ثبات عدم أهليتهم للحصول على صفة اللجوء.

وفي خطوة استباقية طالب الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الاتحاد الأوروبي بأن يستمر المهاجرون في الحصول على الدعم والمساعدات الإنسانية، وإلى ضمان تنفيذ الميثاق بطريقة تدعم صحة وحقوق وكرامة جميع المهاجرين.

ومع ذلك صوتت المجر وبولندا ضد الخطة بأكملها، في حين عارضت دول مثل النمسا وسلوفينيا بعض البنود وسط حديث متواتر حول الخطة البريطانية.

Germany's former Health Minister Jens Spahn speaks during a session of the lower house of parliament, the Bundestag, in Berlin, Germany February 1, 2024. REUTERS/Liesa Johannssen
ينس شبان عضو حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الألماني اقترح سابقا ترحيل كل طالبي اللجوء إلى رواندا (رويترز)

وتوضح الخبيرة كيلي بيتيلو للجزيرة نت "من المهم معرفة أن دولا مثل ألمانيا وفرنسا، اللتين تعدان من أقوى الدول في أوروبا ومن أكبر الداعمين لميزانية الاتحاد الأوروبي، لا تدعمان هذه المبادرة، وأن إسبانيا أيضا لا تدعم هذه الخطة".

وبالنسبة لبيتيلو، فإن هذا يعني أن ليس هناك سوى اهتمام محدود، ولكن مع ذلك هناك عددا من الدول التي تأخذ هذه المقاربة بعين الاعتبار.

وتستند الخبيرة في تحليلها إلى المؤشرات المستمرة في الصعود بشأن تدفقات الهجرة على بريطانيا بعد سنة من اقتراح خطة رواندا، حيث ناهزت الزيادة 70%.

وعلقت لبيتيلو على ذلك "من الواضح أن الفكرة لا تعمل بشكل جيد، وأعتقد أن الدول والحكومات الأوروبية التي تدعم هذا النموذج في التعامل مع الهجرة غير النظامية عليها أن تكون حذرة وأن تدرك جيدا الانعكاسات السلبية لهذا الإجراء، خاصة على الموازنة العامة وعلى شعبيتها قبل الانتخابات".

وتضيف "أعتقد لو كنت دولة مثل اليونان أو إيطاليا، اللتين تعانيان اقتصاديا، كنت سأفكر في الأمر مرتين".

شكوك تلاحق الخطة

وفي يوم 23 أبريل/نيسان 2024، وبعد 4 أشهر من النقاش والجدال السياسي، تمت المصادقة في البرلمان البريطاني على قانون الترحيل إلى رواندا، ليدخل بذلك الاتفاق، الموقع بين لندن وكيغالي في أبريل/نيسان 2022، حيز التطبيق.

وسيتم بموجب الاتفاق ترحيل كل المهاجرين الذين دخلوا الأراضي البريطانية من دون تأشيرة أو على متن القوارب أو بواسطة مهربي البشر في الشاحنات إلى رواندا، ولن يتسنى لهم تقديم طلبات اللجوء إلا على الأراضي الرواندية، وفي مطلق الأحوال لن تكون هناك عودة إلى بريطانيا.

وفي هذا السياق، تقول صحيفة "لوموند" إن كيغالي حصلت على 580 مليون يورو كجزء من إجمالي الصفقة مع لندن.

يذكر أنه في وقت سابق، كانت المحكمة العليا البريطانية قد أبطلت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، الخطة التي قوبلت بتحفظات من منظمات حقوقية، لأنها تتعارض مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كما أن رواندا لم تكن مصنفة كبلد آمن وأن اللاجئين قد يواجهون خطر الترحيل إلى بلدانهم الأصلية.

ومع ذلك يتيح القانون بعد إقراره للوزراء البريطانيين تجاهل التدابير الوقتية التي قد تتخذها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لوقف عمليات الترحيل.

كما أن ريشي سوناك الذي ينحدر من عائلة هندية مهاجرة، قدم إلى بريطانيا عبر أفريقيا في ستينيات القرن الماضي، تعهدا بأن تقلع أولى الطائرات المحملة بطالبي اللجوء إلى رواندا في يوليو/تموز المقبل، وأعلن عن عمليات حجز مسبقة على رحلات تجارية وتحديد مطار الإقلاع.

ويسعى المحافظون عبر تفعيل الخطة أخيرا، إلى تحسين صورتهم لدى الناخبين قبل الانتخابات البرلمانية هذا العام واللحاق بحزب العمال في استطلاعات الرأي، حيث يتقدم الأخير بـ20 نقطة وفق نتائج أبريل/نيسان الماضي.

متظاهرون في لندن مناهضون لترحيل اللاجئين يحمل أحدهم لافتة تقول: الطبشور ليس زبدة ورواندا ليست آمنة (الأوروبية)

ومع أن الخطة لم توضع موضع اختبار بعد، فإنها لا تشير وفق المعارضة إلى نتائج واعدة حتى قبل تفعيلها.

ويشكك زعيم حزب الإصلاح اليميني المتطرف نيغال فاراغ، من مدى استعداد رئيس الوزراء تحدي الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مضيفا في تعليقه للصحافة المحلية بأن خطر الطرد المستقبلي للمهاجرين طالبي اللجوء لم يردع العابرين للمانش للتراجع، بدليل الزيادة التي شهدتها عمليات التدفق بنسبة 25% حتى شهر أبريل/نيسان 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وهناك عوائق أخرى تهدد بعرقلة الخطة، إذ حذر 3 خبراء من منظمة الأمم المتحدة معنيين بحقوق المهاجرين والاتجار بالبشر وبالتعذيب، في بيان مشترك، شركات الطيران من التواطؤ في انتهاك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في حال الموافقة على نقل المهاجرين المرحلين إلى رواندا.

ومن جهة أخرى، تثير الخطة قلقا شعبيا في بريطانيا بشأن كلفتها المتوقعة، وتشير إلى هذا كيلي بيتيلو للجزيرة نت بقولها "باعتبار أني أعيش الآن في بريطانيا وتحديدا في لندن، أرى أن المقاربة لم يتم استقبالها بشكل جيد هنا بجانب الشكوك حول كلفتها الضخمة".

وتضيف أن "هناك تقارير حديثة أظهرت أن البريطانيين يدركون تماما أن تحقيق هذه الفكرة سيكون له تأثير كبير على الموازنة، وهذا يثير قلق دافعي الضرائب، ولذلك كل شيء أصبح أكثر تعقيدا لأن بريطانيا تستعد للانتخابات، وبالتالي سيكون من التهور الدخول الآن في مثل هذا النوع من الخطط".

المصدر : الجزيرة