كابوس البحر الأحمر.. كيف أدت هجمات الحوثيين إلى نقص أعداد البحارة؟

لحظة استيلاء قوات تابعة للحوثيين على سفينة شحن إسرائيلية بالبحر الأحمر (غيتي إيميجز)

منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 الفائت، وفي ظل الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة، تصاعدت هجمات جماعة الحوثيين على السفن التجارية المملوكة لإسرائيليين أو المتوجهة إلى الموانئ في إسرائيل في كل من خليج عدن والمحيط الهندي، وهو تصعيد وصفه الحوثيون بأنه تضامن مع فصائل المقاومة الفلسطينية بالقطاع المحاصر.

وأمام هذا الواقع، لجأ كثير من شركات وسفن الشحن التجارية وشركات التأمين إلى تغيير مسارها وتجنب عبور مضيق باب المندب نحو قناة السويس، وبدلا من ذلك أعادت توجيه مسار شحناتها عبر رأس الرجاء الصالح الأطول حول أفريقيا، مما يزيد التكاليف ويطيل مدة الرحلات ويخلف أزمة متصاعدة في التجارة العالمية.

وتراجع إبحار سفن الحاويات عبر البحر الأحمر بنسبة 78% في مايو/أيار 2024 مقارنة بالشهر نفسه من العام الفائت، حسبما يظهر تحليل من منصة بروجكت 44 للخدمات اللوجستية.

لكن هذا التراجع لإبحار السفن عبر البحر الأحمر لم يكن الأثر البارز الوحيد لهجمات الحوثيين، بل امتد ليشكل أزمة حقيقية عند البحارة الذين تتفاقم لديهم طبقات متعددة من الأزمات، والتي كانت هجمات الحوثيين هي قمة جبل الجليد الذي دفع العديد منهم لتفضيل حياته عن الاستمرار في التعرض لمخاطر الإبحار بمناطق النزاعات.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، فإنه عندما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون في اليمن بالقرب من سفينته بالبحر الأحمر، أخذ المهندس البحري اليوناني كوستاس راسياس (34 عاما) على نفسه عهدا بأن يتوقف عن الإبحار في المياه المحفوفة بالمخاطر. وقال "أُصبت بصدمة.. سألت نفسي عما هو أكثر أهمية، حياتي أم دخل أفضل؟".

بحر من الصدمات

لم تكن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر بداية دق أجراس الخطر للعاملين في البحار. فهي أزمة متجددة، حيث أدت جائحة كورونا إلى إبقاء البحارة على متن السفن عدة أشهر، وأضيف لذلك الحرب الروسية في أوكرانيا والتي تسببت في مخاطر بالبحر الأسود.

ومع استمرار هجمات الحوثيين على السفن التجارية، تفاقمت التحديات. وبحسب مقابلات أجرتها رويترز مع أكثر من 15 من أفراد طواقم السفن والمسؤولين بقطاع الشحن، فقد ظهر رفض متصاعد للبحارة المصدومين باستمرارية الإبحار عبر البحر الأحمر، حيث قال مصدر مطّلع على الأزمة لرويترز إن "البحارة باتوا أقل عددا وأقل إقبالا على الإبحار عبر تلك المنطقة، وصار التحدي أكبر الآن".

وقادت كل هذه المخاطر تشارلز واتكينز، خبير علم النفس السريري والرئيس التنفيذي بمؤسسة "مينتال هيلث سبورت سوليوشنز" إلى الالتقاء مع 40 بحارا من طاقمي سفينتين أبحرتا عبر البحر الأحمر. وخلص إلى أن الكثيرين منهم أصيبوا بصدمات نفسية بينما يفكر بعضهم في ترك المجال.

وقال واتكينز "يمكن أن تحدث لهم اضطرابات في النوم وكوابيس، ويمكن أن يصابوا بالذعر بسهولة ويمكن أن يشعروا بالتوتر، وأن تتطور لديهم رغبة مفاجئة في عدم تناول أي طعام".

في حين أن جونريز بالبوا (26 عاما) ذو الجنسية الفلبينية الذي يتدرب على تشغيل المحركات وصيانتها ويقضي أول 9 أشهر له في البحر، قال لرويترز "كنا نشعر بالخوف والقلق. فحراسة سفينتنا مخيفة".

ورغم أن معظم السفن قد نشرت فرق حراسة مسلحة على متنها للمساعدة بالدفاع عن الطاقم إذا ما تعرضت لهجمات، لكن نادرا ما يتم تدريب الطاقم أو تجهيزه لمواجهة صراع مسلح، وإن كان ذلك يحد من تأثير محاولات الاستيلاء المباشرة، لكنه لا يمنع الهجمات الصاروخية أو عبر الطائرات المسيرة.

تحديات متزايدة وطلب أزيد

البحر هو عصب التجارة العالمية، إذ يتم شحن أكثر من 80% من التجارة العالمية عبره. وهذه العمليات اللوجستية الهائلة تتطلب كادرا بشريا عريضا من حيث العدد، ومؤهلا من حيث الكفاءة، مما يشكل تحديا للعاملين بالمجال البحري في ظل ارتفاع حجم المخاطر وتناقص عدد الراغبين لهذه المهنة.

ويعمل اليوم ما يقدر بنحو 1.8 مليون بحار بالسفن، في حين يزداد نقص عدد البحارة المؤهلين. ووفقا لأحدث تقرير نُشر عام 2021 عن القوى العاملة البحرية، هناك حاجة إلى انضمام حوالي 18 ألف بحار إضافي كل عام لتلبية زيادة الطلب.

ونقلت رويترز تصريحا لجون كانياس رئيس العمليات البحرية بالاتحاد الدولي لعمال النقل، حيث قال إن الاتحاد يساند البحارة إذا اختاروا عدم الإبحار.

وأضاف كانياس "أصبح العديد من الشركات المالكة لسفن أكثر ترددا الآن في الإبحار عبر المنطقة لأنها ببساطة لا تريد تعريض حياة البحارة للخطر".

ومن حق ما يقرب من 360 ألف بحار (تغطيهم اتفاقية الاتحاد الدولي لعمال النقل في جميع أنحاء العالم) رفض الإبحار في مناطق حرب محددة والمطالبة بالعودة إلى أوطانهم على نفقة الشركة المالكة للسفينة.

أزمة عالمية

ومع استمرار ارتفاع أسعار الشحن البحري وتكدس السفن في الموانئ ونقص الحاويات الفارغة جرّاء هجمات تشنها جماعة الحوثي على سفن في البحر الأحمر نصرة لقطاع غزة الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي متواصل منذ 8 أشهر، تسود التجارة العالمية حالة من الفوضى.

وقالت مجموعة ميرسك الدانماركية للشحن إنها تواجه ازدحاما كبيرا في موانئ البحر المتوسط ​​​و​الموانئ الآسيوية، مما يتسبب في تأخيرات كبيرة لرحلاتها.

وفي سنغافورة ثاني أكبر ميناء بحري للحاويات في العالم، تشير بيانات شركة لاينرليتيكا إلى أنها أحدث الدول معاناة من الازدحام. وأظهرت بيانات الشركة كذلك ازدحاما في موانئ بالصين ودبي وإسبانيا والولايات المتحدة، وفي وقت سابق أفادت جيبوتي بتكدس سفن الشحن بالقرب من أراضيها عند مدخل البحر الأحمر.

وقالت شركة لاينرليتيكا إن الازدحام المتفاقم في موانئ سنغافورة وجبل علي في دبي يرجع إلى الاضطرابات المستمرة الناجمة عن تحويل مسار السفن بعيدا عن البحر الأحمر، إلى جانب الارتفاع المفاجئ في الطلب على البضائع.

يذكر أن نحو 10% من تجارة النفط، و8% من تجارة الغاز المسال تمر عبر قناة السويس، بينها نحو ثلثي النفط الخام القادم من منطقة الخليج، وفق بيانات وكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

كما يمر نحو 30% من حاويات الشحن في العالم يوميا عبر قناة السويس -البالغ طولها 193 كيلومترا- ونحو 12% من إجمالي التجارة العالمية من جميع السلع. وهو ما يمثل أهمية بالغة للتجارة العالمية.

ويصر الحوثيون على لسان الناطق العسكري باسم الجماعة يحيى سريع على أن إيقاف هذه الهجمات رهين بتوقف الحرب التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة، ورفع الحصار.

المصدر : الجزيرة + رويترز