سدود النهضة الهندية.. هل تشعل المياه حربا شرسة بين الهند وباكستان؟

قد يؤدي انهيار السدود أو حدوث زلازل أو تغيُّر مسار الأنهار إلى وقوع دمار كبير للقرى والمدن
قد يؤدي انهيار السدود أو حدوث زلازل أو تغيُّر مسار الأنهار إلى وقوع دمار كبير للقرى والمدن (رويترز)

"لا يمكن للدم والماء أن يتدفقا معا".

رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي.

بعد أشهر قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، جلس المحامي البريطاني سيريل رادكليف في مكتبه مستعدا لمباشرة مهامه من جديد في النيابة العامة ببريطانيا، بعد أن انتهى من خدمة بلاده في الحرب العالمية مديرا لإدارة المعلومات. لم يكن الرجل قد سافر في حياته قط إلى أي مكان شرقَ العاصمة الفرنسية باريس كما عُرف عنه فيما بعد، ولكن في عُجالة كما بدا، قررت لندن عام 1947 إيفاده إلى الشرق البعيد، حيث كانت توجد مستعمرتها الأكبر والتي أوشكت على نيل استقلالها حينئذ: الهند. بيد أن خبر الاستقلال حمل في باطنه نبأ التقسيم الدامي إلى بلديْن هما الهند وباكستان.

عُهِد إلى المحامي البريطاني بإدارة اللجنة المختصة برسم الحدود بين جمهوريتيْ الهند وباكستان إبَّان استقلالهما، ومُنِح الرجل مهلة مدتها حوالي سبعة أسابيع فحسب. لم يعرف الرجل شيئا عن الهند أو آسيا بأسرها، إلا أن تلك بالتحديد كانت حُجة البريطانيين لإرساله كما يفترض، إذ إنه لا يعلم أي شيء عن طرفيْ الصراع، ومن ثمَّ يُمكن له أن يكون محايدا بما يكفي، أو هكذا اعتقد البريطانيون. "إذا كان محمد علي جناح هو المسؤول عن ولادة دولة باكستان، فإن سيريل رادكليف هو المسؤول عن الجغرافيا الغريبة التي حظيت بها"، بتلك الكلمات وصف كارل شميدت، أستاذ التاريخ والسياسة بجامعة ساوث داكوتا بالولايات المتحدة، الحدود الحالية بين البلديْن في كتاب له عن تاريخ جنوب آسيا.

تعريب: إقليم البنجاب بين الهند وباكستان ونهر السند وروافده الخمسة: جيلوم، تشيناب، رافي، بياس، سوتلِج (تجاهل مفتاح الخريطة).
إقليم البنجاب بين الهند وباكستان ونهر السند وروافده الخمسة: جيلوم، تشيناب، رافي، بياس، سوتلِج (الجزيرة)

ولا يزال خط رادكليف كما يُعرف حتى يومنا هذا هو الفاصل بين الدولتيْن النوويتيْن، مُقسِّما، ليس شبه الجزيرة الهندية فقط، بل وولاية البَنْجاب التاريخية، أو ذات الأنهار الخمسة كما يبدو من اسمها لمن يعرف الهندية أو الفارسية (بَنْج تعني خمسة وآب تعني مياه). من هُنا تتدفق المياه من الهند، صاحبة الموقع المُميَّز بوصفها دولة المنبع، نحو باكستان بوصفها دولة المَصَب، عبر أنهار "جيلوم" و"تشيناب" و"رافي" و"بياس" و"سوتلِج"، وكلها متفرِّعة عن نهر السِند الرئيسي الشهير.

والآن تمضي الهند مستغلة الوضع الراهن دافعة للأمام مصالحها السياسية، ورافضة الاعتراف بالمعاهدات التي تنظم توزيع المياه النابعة من أنهارهما المشتركة، وهو ما يهدد بإشعال صراع بين القوتين النوويتين قد يمتد شرره إلى المنطقة بأسرها. وفي هذا السياق، تظهر الصين بوصفها لاعبا رئيسيا في الصراع الهندي الباكستاني مُستغلة فتور العلاقات بين الهند وباكستان لترسيخ نفوذها وتأكيد وجودها في المنطقة، حيث تتزايد التوترات الحدودية بينها وبين الهند بالقرب من منابع الأنهار في جبال الهيمالايا، مما يعقد خريطة الصراع بين البلدين.

في خضم هذه التداعيات السياسية والاقتصادية، قد تجد أفغانستان نفسها مجبرة على الدخول في أتون هذا الصراع المائي بحثا عن تنمية منتظرة، وتخطو خطوات جادة في سبيلها تعويضا عن سنين الحرب مع أمريكا وحلف الناتو ومن قبلهما الاتحاد السوفيتي. وبينما تتقاطع أنهار السياسة والجغرافيا في تلك البُقعة من آسيا، جارية بكل سخاء فتروي أراضيها، وتغذي حضاراتها، إلا أنها في لحظة قد تتحوَّل إلى مياه جامحة تؤجج أخطر الصراعات في العالم.

 

معاهدة مياه السند في مهب الريح

يُعتبر نهر السند أحد المصادر الرئيسية للمياه في باكستان، إذ يُروى ما يصل إلى 65% من الأراضي الزراعية في باكستان بمياهه، وتساهم الأراضي الزراعية المروية من نهر السند بنحو 90% من إنتاج البلاد من الغذاء والألياف. ويدعم النهر الزراعة أيضا، التي تساهم بحوالي خُمس الناتج المحلي الإجمالي وتشمل أكثر من ثُلث القوى العاملة في البلاد، وهو ما يجعل مياه النهر عنصرا مؤثرا على حياة الناس في باكستان. وقد شيَّدت الهند أكثر من 50 سدا على نهر السند وروافده داخل حدودها منذ استقلال الدولتيْن.

خريطة بالسدود الهندية على نهر السند.
خريطة بالسدود الهندية على نهر السند. (الجزيرة)

وقد بدأت الصراعات على المياه والأنهار بين الهند وباكستان عقب تقسيم الهند عام 1947، حيث عملت بريطانيا على ترسيم الحدود في منطقة جبال الهمالايا بما يحقق مصالحها، وهي منطقة كان يتلاقى فيها نفوذ ثلاث دول كُبرى آنذاك هي بريطانيا عبر حضورها في الهند، والصين بعد أن أحكمت سيطرتها على ولاياتيْ التبت وتركستان الشرقية، والاتحاد السوفيتي بجمهوريات آسيا الوسطى التي انضوت تحت لوائه حتى عام 1991. وقد اعتمدت بريطانيا وقت استعمارها المباشر على استخدام الأنهار والجبال كمنطلقات رئيسية في ترسيم حدودها الاستعمارية. وكانت الخطوط التي رُسِمَت فوق مياه السند تعني أن الهند كسبت السيطرة على منابع الأنهار المتدفقة إلى باكستان.

وقد أدى تقسيم إقليم البنجاب إلى رسم حدود صلبة بين الدولتيْن، ثم وقعت الخلافات حول مياه النهر المتجهة إلى باكستان، ما تسبب في إيقاف تدفق المياه لباكستان وتعطيل شبكة قنوات الري فيها، ولذا اندلع نزاع سياسي بين الجارتيْن. وقد أكدت الهند حينها على أن باكستان لا يمكنها المطالبة بأي حقوق ملكية على مياه البنجاب الهندية، ولكن باكستان جادلت انطلاقا من مبدأ في قانون المياه الدولي بأن جميع البلدان التي تمر بها الأنهار لها حقوق متساوية في الحصول على حصة من المياه بما يتناسب مع المساحة والسكان والاستخدام الزراعي. ومن ثمَّ وقع الجانبان اتفاقية مؤقتة عام 1948 بحيث تكون مَرجِعا للنظر في مطالبهما فيما يتعلق بتقاسم المياه.

قاد البنك الدولي بعد ذلك وساطة بين الهند وباكستان ومفاوضات استمرت نحو 12 عاما، وهو ما ساهم في خفض التوترات حول الاستخدام الأمثل للمياه. وقد وقَّع الطرفان في الأخير معاهدة مياه السند عام 1960، التي نظَّمت آليات تقاسم الموارد المائية لنهر السند، وصارت المعاهدة منذئذ مرجعا رئيسا في فض النزاع بين البلدين. ونصَّت المعاهدة على تخصيص الأنهار الغربية (السند الأساسي وجيلوم وتشيناب) لباكستان والأنهار الشرقية (رافي وبياس وسوتلِج) للهند. وسمحت المعاهدة للهند باستخدام مياه النهر الغربية بشكل محدود في الري، مع الاستخدام غير المحدود في توليد الطاقة والملاحة. وقد وفر هذا التخصيص إطارا لتطوير الري والطاقة الكهرومائية بين البلدين لأكثر من نصف قرن.

غير أن ارتفاع الاحتياجات الاقتصادية والشعبية في الهند دفعها إلى التوسع في بناء مشاريع الري والطاقة لتلبية احتياجاتها مع مرور الوقت، بالتزامن مع ما تواجهه باكستان من تحديات لأجل توفير مياه شرب نظيفة تتناسب مع ارتفاع التعداد السكاني، حيث يحصل نحو 36% فقط من إجمالي سكان باكستان على مياه صالحة للشرب والاستخدام. ويظهر في الرسم التالي كيف تراجعت حصة الفرد السنوية من المياه تدريجيا طيلة نصف القرن العشرين في باكستان مع تنامي التعداد السكاني، إذ أن البلاد دخلت منطقة الخطر في الثمانينيات، ثم انتقلت إلى ما دون خط الأمن المائي (أقل من 1000 متر مكعب للشخص سنويا) في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

تعريب: حصة الفرد السنوية من المياه في باكستان (الخط الأحمر) بالمقارنة مع التعداد السكاني (بالخط الأزرق). هبطت حصة الفرد دون خط الخطر في مطلع التسعينيات، ثم هبطت إلى ما دون خط الأمن المائي بعد عام 2005، ويُتوقَّع أن تقترب من خط الأمن المائي المُطلق بحلول نهاية العقد.
(الجزيرة)

يتمحور الخلاف بين الهند وباكستان، أولا، حول تبني صناع القرار في الهند تأويلات مختلفة لمعاهدة السند تجعل من التزام الهند بالمعاهدة موضع خلاف، فيما تتهم باكستان الهند بانتهاك المعاهدة ببناء السدود وتحويل مجرى الأنهار. وثانيا، يتعلق الخلاف بتقاسم مياه الأنهار، حيث تنبع العديد من الأنهار الرئيسية من جبال الهيمالايا داخل حدود الهند، ثم تتدفق عبر ولاية كشمير وإلى المصب في باكستان، ومع رغبة الهند في حجز المياه لتنفيذ مشاريع ري للتوسُّع في الإنتاج الزراعي، فإنها تطالب بتعديل المعاهدة لبناء سدود أكثر تحجز بها المياه. ولكن في الغالب لا تؤدي مشروعات السدود المنتجة للطاقة الكهرومائية إلى حجز كميات كبيرة في المياه، إلا إذا كان السد يهدف لإنتاج الطاقة والري معا.

يعد سد كيشَنغانغا (Kishenganga) أحد أكثر السدود والمشاريع المائية التي تسببت في تصاعد التوتر بين الهند وباكستان. وقد بدأت الهند بناء السد عام 2007، وترى باكستان أن المشروع ينتهك معاهدة مياه السند، ما دفعها إلى تصعيد المسألة إلى التحكيم الدولي في لاهاي عام 2010، والتي أوقفت المشروع لمدة ثلاث سنوات. ثم قضت المحكمة عام 2013 بأن مشروع كيشَنغانغا يتماشى مع معاهدة مياه السند، وأن الهند مُلزمة ببناء وتشغيل السد مع الحفاظ على تدفق مياه النهر. وتقول باكستان إن السد قلَّل من تدفق المياه في اتجاه مجرى النهر بنسبة 27% من التدفق الطبيعي.

منذ صعود رئيس الوزراء الهندي نارِندرا مودي إلى السلطة في مايو/أيار 2014 على رأس حزب بهارَتيا جَنَتا (Bharatiya Janata) القومي الهندوسي، شهدت العلاقات الهندية الباكستانية شد وجذب وتطورات سلبية حادة. ففي أغسطس/آب 2014، ألغيت محادثات وزيريْ الخارجية بين البلدين ردا على تنظيم اجتماع بين المفوض السامي الباكستاني والانفصاليين الكشميريين في كشمير الهندية. ولكن المحادثات تواصلت في يوليو/تموز 2015 بعدما توصل مودي ونظيره الباكستاني حينها نوَّاز شريف إلى اتفاق بشأن استئناف عملية الحوار. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، التقى مودي وشريف على هامش مؤتمر باريس لتغير المناخ، وأكَّدا التزامهما بعملية الحوار.

مشروع كيشَنغانغا للطاقة الكهرومائية (رويترز)

لكن التوتر عاد من جديد حين تأجلت محادثات وزيري الخارجية مطلع العام التالي بسبب هجوم على قاعدة عسكرية هندية في مدينة أوري من قبل جماعات متمردة تنادي بانفصال كشمير عن الهند. ومن ثمَّ علقت باكستان حوار السلام مع الهند في أبريل/نيسان 2016 بعد اعتقالها ضابط بحرية هندي اتهمته بالتجسس، وهو ما انعكس سلبا بإعلان فشل المحادثات بين الهند وباكستان في صيف ذلك العام حول التصميمات الهندسية لمشروعي راتل وكيشَنغانغا. وقد صرَّح بعدها رئيس الوزراء الهندي مودي بأن الهند ستمنع كل قطرة من نهري سوتلِج وبياس من التدفق إلى باكستان.

وقد تمَّ بناء مشروع كيشَنغانغا للطاقة الكهرومائية في ولاية جامو وكشمير الهندية عام 2018 بقدرة 330 ميجاوات، ويعمل على تحويل المياه من نهر كيشَنغانغا إلى محطة كهرباء في حوض نهر جيلوم، أما مشروع راتل فسعته 850 ميجاوات، وقد يؤدي إلى انخفاض كمية المياه المتدفقة عبر نهر تشيناب بنسبة 40%، ومن ثمَّ يؤثر سلبا على الزراعة في منطقة وسط البنجاب بباكستان.

تعد باكستان واحدة من أكثر البلدان التي تعاني من الإجهاد المائي في العالم. ويشير أحد التقديرات الأخيرة إلى أن باكستان ستواجه نقصا قدره 31 مليون قدم من المياه بحلول عام 2025. كما أن طبقات المياه الجوفية لديها مستنزفة بشكل خطير بسبب الإفراط في استخراج المياه الأرضية، إضافة إلى  ذلك شهد أكبر سدين في البلاد انخفاضا في سعتهما التخزينية بسبب رواسب الطمي المفرطة.

وتصف باكستان مشروعات السدود الهندية بأنها تنتهك حقوق المياه خاصتها. ومن زاوية أخرى لا يمكن فصل ما يحدث من هجمات تتعرض لها القوات الهندية المنتشرة في كشمير من جماعات مسلحة تنادي باستقلال كشمير عن الهند، حيث تساهم تلك المشروعات في تأجيج غضب السكان المحليين لما لها من تأثيرات مباشرة عليهم نتيجة تغيُّر مجرى الأنهار وإقامة المشروعات على أراضيهم. وقد أرسلت الهند في يناير/كانون الثاني 2023 إشعارا إلى باكستان تطالب فيه بتعديل معاهدة مياه السند، حيث تضغط حكومة الهند بقيادة مودي من أجل إعادة التفاوض على المعاهدة، بخلاف العديد من الدعوات الهندية التي تطالب الحكومة بالانسحاب من المعاهدة. هذا ورفضت باكستان المشاركة في تعديل المعاهدة ولذا رفعت قضية دولية في نهاية المطاف.

 

الصين وأفغانستان في الصورة

لا ينفصل الصراع حول أنهار البنجاب عن المحيط الإقليمي الأوسع في جنوب آسيا، وبخاصة الصين وأفغانستان. ورُغم سعي الهند للتحايل على المعاهدة، فإن أي خرق صريح لها أو الانسحاب منها قد يُشرعِن من جهة أخرى تحركات الصين في بناء سدود على الأنهار التي تصب في الهند، وهنا ستجد الهند نفسها في مأزق من صنعها في المقام الأول. على سبيل المثال، ينبع نهر براهمابوترا من هضبة التِبِت في جنوب غرب الصين، ويتدفق النهر لمسافة 2900 كيلومتر عبر الهضبة ثم جبال الهيمالايا، حتى يصل الهند في الأخير.

وحتى ندرك حجم التغييرات الجيوسياسية وسرعتها في ملف المياه على مستوى الإقليم، يمكن الوقوف عند أول مشروع للصين على نهر براهمابوترا، الذي كان عبارة عن محطة للطاقة الكهرومائية تم بناؤها عام 1998. وقد عملت الصين بعدها على بناء سلسلة من السدود على النهر بلغ عددها نحو 18 سدا على روافده الرئيسية، وأهمها سد "جريت بِند" (Great Bend Dam) الذي يحول مياه النهر عبر نفق يبلغ ارتفاعه حوالي كيلومتريْن، مما يولد ضِعف قوة سد المضائق الثلاثة الشهير في الصين. ورغم أن البنية التحتية الصينية ليست مصممة بالأساس لسحب المياه من النهر، فإنها تستطيع التأثير في توقيت التدفقات بشكل يفاقم مخاطر الفيضانات. وقد دفع هذا الوضع بوزارة الموارد المائية الهندية إلى الإعلان عن مشروع للطاقة الكهرومائية بقدرة 10 جيجاوات على نهر براهمابوترا، وهو مشروع يهدف إلى التخفيف من "التأثير السلبي لمشاريع السدود الصينية"، حيث أن تصميم السد قادر على إنشاء سعة تخزينية في حال تسببت السدود الصينية بفيضانات.

تعريب الخريطة: بالأصفر، سد مُقترح من الهند. بالأحمر الفاقع: مواقع السدود الصينية الموجودة وقيد التخطيط. الخط الأبيض المتقطع: المسار المُقترح لمشروع وصل الأنهار الوطني الهندي. (تجاهل بقية الرموز على الخريطة، بما فيها الأحمر الداكن، مع الإشارة إلى نهر براهمابوترا، والهند وبنغلادش والصين على الخريطة).
(الجزيرة)

من جهة أخرى يتدفق نهر كابول وروافده من أفغانستان إلى باكستان. وينبع نهر كابول من منطقة جبال الهِندوكوش، ويستقبل تدفقات كبيرة من نهر كونار والعديد من الأنهار الصغيرة، ويتدفق شرقا عبر كابول وجلال آباد قبل دخوله إلى باكستان. وفي باكستان، يلتقي نهر كابول بنهر سوات وروافده قبل أن يصب في نهر السند. ويساهم نهر كابول بربع المياه العذبة في أفغانستان. والأهم من ذلك أن خمسة ملايين من سكان كابول وجلال آباد يعتمدون عليه في تلبية احتياجاتهم من المياه.

وتعاني أفغانستان من نقص حاد في الكهرباء، إذ أن 28% فقط من الأسر الأفغانية متصلة بأنظمة إمدادات الطاقة. وتنتج السدود التي بنيت بين عاميْ 1950-1970 وأعيد تأهيلها مؤخرا أقل من 300 ميجاوات من الكهرباء. ولذا تستورد أفغانستان 80% من احتياجاتها من الكهرباء من جيرانها في آسيا الوسطى. وقد أكملت كابول دراسات جدوى لأكثر من 20 مشروعا صغيرا ومتوسطا للطاقة الكهرومائية، بما في ذلك عشرات السدود في حوض كابول، لكنها لم تتمكن من تأمين الأموال اللازمة لبنائها لعدم قدرتها على سدادها. وقد أثارت المشروعات الهندية التي اعتزمت الهند بناؤها في أفغانستان أثناء حكومة أشرف غني مخاوف باكستان من تأثيراتها على انخفاض كمية المياه القادمة من كابول.

إن تنامي احتياجات أفغانستان ودخولها في مرحلة من الاستقرار السياسي والأمني على يد حكومة طالبان ينذر ببوادر أزمة لباكستان، ففي حال توافرت الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشروعات قد تعمل حكومة طالبان على تنفيذها على مجرى وبحيرات الأنهار، سواء بتمويل ذاتي أو بتعاون مع الصين. وهو نهج قد تتشجع له الصين لسببيْن، الأول توسيع نفوذها في أفغانستان، والثاني فرض سياساتها الإقليمية ومشروعاتها على الأنهار التي تصب في الهند، غريمها الآسيوي الأبرز. ولذا يُرجَّح أن تعمل الصين على مشروعات تنموية مشتركة بين أفغانستان وباكستان والتأسيس لمعاهدات بين البلدين بتمويل منها، وهي كلها مؤشرات تجعل انسحاب الهند من معاهدة مياه السند تأسيسا لمرحلة جديدة إقليميا تفتح باب الصراع بين قوى المنطقة.

 

السدود: خطر الانهيار وتأثير تغيُّر المناخ

A drone view of Teesta river at Sangkalang, Sikkim, India, October 9, 2023. REUTERS/Francis Mascarenhas
فيضان بحيرة جليدية تسبب في تشقق السد الأكبر في ولاية سيكيم، وأفضى ذلك إلى مقتل أكثر من 30 شخصا وتسبب في تدمير بعض القرى (رويترز)

لطالما بدأت معظم النزاعات المائية بين دول المنبع ودول المصب من طرف دولة المصب بعد أن تبني دول المنبع سدّا أو تنفذ مشاريع تؤثر على إمدادات المياه في دولة المصب. ويمكن للسدود أن تحدث تحولا جذريا في النظم البيئية للأنهار بتغيير تدفق المياه والرواسب في اتجاه مجرى النهر، أو محاصرة الرواسب التي تتدفق في اتجاه مجرى النهر، أو تعطيل التدفق الطبيعي للأنهار بالكُلية، وهو ما ينعكس على تقلبات درجات الحرارة، وبالتبعية على النظم البيئية المائية.

ينقسم التصنيف الأكثر شيوعا للخصائص التشغيلية والوظيفية للسدود إلى نوعين، الأول يهدف للتخزين وحجب المياه والتحكُّم في معدل إطلاق المياه من خزان السد، وهو النوع المناسب لدول المصب. أما الثاني فهدفه الرئيس توليد الكهرباء بحجز أقل قدر من المياه دون تخزين كميات كبيرة وراء السد، وهو النوع المناسب لدول المنبع. وتبرز الخلافات بين دول المصب والمنبع عندما تعمل دول المنبع على بناء سدود بهدف حجز كميات كبيرة من المياه، ما ينعكس على دول المصب بدرجة كبيرة ويؤثر عليها، لا سيَّما إذا كانت تعتمد على الزراعة ولا توجد لها موارد مائية أخرى. ولذلك يكون محور الخلاف تصميمات سدود المنبع ونوع الوظيفة التشغيلية المطلوبة منه، وهل صُمِّم لإنتاج الكهرباء فحسب أم من أجل مشاريع الري أم الاثنين معا.

علاوة على ذلك، قد يؤدي انهيار السدود أو حدوث زلازل أو تغيُّر مسار الأنهار إلى وقوع دمار كبير للقرى والمدن، ففي عام 1975 انهار سد بانتشياو في الصين مما أدى إلى مقتل أكثر من 26 ألف شخص وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية والقرى المجاورة. وفي فبراير/شباط 2021 وقع انهيار لسد تيستا-3، الأكبر في ولاية سيكيم في الهند، نتيجة فيضان بحيرة جليدية في أعالي الجبال، مُتسببا في مقتل العشرات مع دمار واسع في وادي لاتشِن. وقد تكرَّر الأمر في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بعد فيضان جديد لبحيرة جليدية تسبب في تشقق السد الأكبر في ولاية سيكيم، وأفضى ذلك إلى قتل أكثر من 30 شخصا وتسبب في تدمير بعض القرى. وسلَّطت تلك الأحداث الضوء على مسألة تصميمات السدود الهندية وغياب أنظمة الإنذار المبكر فيها، رغم الخطر المعروف لفيضان الأنهار الجليدية في محيط جبال الهيمالايا.

وقد خلصت دراسة اعتمدت على بيانات أكثر من ألفيْ بحيرة جليدية في جبال الهيمالايا إلى أن هناك فجوة معرفية ومعلوماتية عن البحيرات تُصعِّب وضع تقييم سليم بترجيح البحيرات التي تمثل كارثة في المستقبل القريب، وهو ما يعطي مؤشرا خطيرا على أن السدود التي تعمل الهند على بنائها معرضة للانهيارات لعدم كفاية البيانات والدراسات حول تأثير الفيضانات عليها.

 

السدود سلاح في الحرب

في يوم 18 سبتمبر/أيلول عام 2016 استهدفت جماعة مسلحة قاعدةً عسكرية هندية في مدينة أوري الواقعة بولاية جامو وكشمير الهندية، ما تسبب في مقتل عدد من الجنود. وقد صرح بعدها رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي قائلا: "لا يمكن للدم والماء أن يتدفقا معا". ولم يكن هذا التصريح الوحيد، ففي أعقاب هجوم بعربية انتحارية يوم 14 فبراير/شباط 2019 على رتل عسكري بطريق جامو سريناغار الوطني السريع في كشمير، صرح وزير الطرق والموارد المائية الهندي بأن بلاده ستعمل على وقف المياه إلى باكستان.

تؤكد تلك التصريحات المتكررة على تزايد استخدام المياه سلاحا جيوسياسيا من قبل الهند. ورغم الضرر الذي قد تسببه السدود في قطع سريان الأنهار، فإن الضرر الأكبر يكمن في فتح بوابات السدود عن عمد والتسبب في فيضانات كبيرة لا يمكن وقفها والتحكم في استيعابها، وهو ما يتطلب بنية تحتية قوية ومكلفة قادرة على امتصاص الفيضانات. ولذلك يشغل المنظور الأمني للتهديدات المتوقعة من السدود اهتمام صناع القرار داخل الجيش الباكستاني، حيث يمكن استخدام السدود سلاحا في أي حرب مستقبلية عن طريق التحكم في تدفق المياه لإحداث فيضانات، أو تعطيل إمدادات المياه والطاقة، أو التسبب في أضرار واسعة النطاق.

يُعرف ذلك باسم "الحرب الهيدروليكية"، ويُمارس منذ قرون في واقع الأمر إن لم يكن لفترة أطول. وقد اُستخدم هذا السلاح أثناء الحرب العالمية الثانية من قبل البريطانيين، حيث تسببت غاراتهم الجوية عام 1942 بتدمير 3 سدود في وادي الرور بألمانيا وأدى إلى قتل نحو 1300 شخص بسبب الفيضانات، دون أن تلحق ضرر جسيما بالجيش الألماني. ومع ذلك، فإن الاستخدام الأوسع نطاقا والأكثر تدميرا للمياه في التاريخ الحديث حدث في الصين عام 1938، حين استهدفت القوات القومية الصينية عمدا سدود النهر الأصفر من أجل وقف تقدم الجيش الياباني. ووفقا لبعض الروايات، نجحت المهمة حينها، ولكن على حساب مقتل 800 إلى 900 ألف مدني. ومؤخرا تم تدمير سد كاخوفكا في جنوب أوكرانيا بعد انفجار تسبب في فيضانات كبيرة مع نزوح الآلاف.

إن تنامي الصراعات بين الهند وباكستان ينذر بدخولهما إلى حرب شاملة حول مياه إقليم البنجاب الخصب المنقسم بينهما منذ أكثر من سبعين عاما، مدفوعا بعدد من العوامل الاقتصادية والأيديولوجية والإثنية، إذ إن تنامي احتياجات باكستان للمياه قد يدفعها لخوض نزاع مع الهند لوقف مشروعاتها على منابع الأنهار، كما أن تهديد الهند باستخدام السدود في صراع مع باكستان يجعلها قادرة على تحجيم خطوات الأخيرة وخياراتها. مثلها مثل جيرانها في الشرق الأوسط إذن، لا تزال الخطوط التي رسمها البريطانيون تُلقي بظلالها على الصراعات الكُبرى في جنوب آسيا، ولا تزال المآلات الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية لتلك الحدود ترسم مستقبل المنطقة، وستظل تحدد مصيرها لوقت طويل فيما يبدو.

المصدر : الجزيرة