خطوة مشروطة.. ما الدولة الفلسطينية المعترف بها من النرويج وإسبانيا وأيرلندا؟

محللون اعتبروا أن خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية طريق لتحقيق خيار حل الدولتين المختلف عليه (الأوروبية)

باريس- وجّه إعلان ثلاث دول أوروبية بالاعتراف رسميا بالدولة الفلسطينية ضربة دبلوماسية جديدة لإسرائيل، التي تعاني عزلة دولية بدأت ملامحها تتكشف، رغم استمرار حليفتها الأميركية بدعمها سياسيا وعسكريا.

ويعد الرد الإسرائيلي بسحب سفراء تل أبيب في أوسلو ومدريد ودبلن توبيخا سريعا لمبعوثي الدول الثلاث، في حين جاءت تصريحات البيت الأبيض لتأكيد الدعم غير المشروط للجانب الإسرائيلي، إذ قال الرئيس الأميركي جو بايدن إنه "يعتقد أن الدولة الفلسطينية يجب أن تتحقق من خلال المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وليس من خلال الاعتراف الأحادي الجانب".

وفي حين لقيت خطوة إسبانيا والنرويج وأيرلندا ترحيبا من داعمي القضية الفلسطينية، لا تزال معالم هذه الدولة التي تم الاعتراف بها محل انتقاد وتساؤلات.

جدل حل الدولتين

من المقرر أن تدخل هذه المبادرة الثلاثية حيز التنفيذ يوم 28 مايو/أيار الجاري، بهدف إعادة إطلاق عملية السلام على أساس حل الدولتين، بما يتماشى مع الموقف الأوروبي.

من جهته، قال رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، في مؤتمر صحفي الأربعاء، إنه "لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط دون حل الدولتين، الذي لن يتم دون دولة فلسطينية".

وتعليقا على ذلك، أكدت "رئيسة لجنة فلسطين النرويجية" لينا الخطيب أن اللجنة أشادت بهذا الاعتراف، لكنها لفتت إلى أن الشعب الفلسطيني لا يؤمن بحل الدولتين، لأنه غير واقعي ويحتاج إلى تقرير المصير بنفسه، سواء دولة ذات حقوق متساوية أو دولتين.

وأضافت الخطيب -في حديث للجزيرة نت- أن تنديدات الحكومة الإسرائيلية كانت متوقعة منذ البداية، لكن الأمر المثير للقلق فعلا هو رفع شعار حل الدولتين وتقديمه على أنه الحل الوحيد، ومن ثم التشاور مع تل أبيب والسماح لها بتحديد شكل هذا الحل، فضلا عن عدم التطرق على الإطلاق إلى إعطاء الفلسطينيين أجندة لاتخاذ قرار بشأنها.

من جانبها، أشارت عضوة البرلمان النرويجي إنغريد فيسكه إلى وجود آراء مختلفة بين الفلسطينيين حول إذا ما كان ينبغي أن يكون هناك حل للدولتين في الوقت الحالي أم لا، مضيفة أن الاحتلال الإسرائيلي يتحرك بسرعة كبيرة وأن المناطق التابعة للفلسطينيين تتلاشى، فضلا عما يحدث اليوم في غزة، ولهذا ينبغي التركيز على أهمية هذا الاعتراف الذي سيسهم في تحديد معالم الدولة الفلسطينية.

ولا تعتبر فيسكه، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، أن هذا الاعتراف داعم للقضية الفلسطينية فحسب، بل يعزز موقف الفلسطينيين التفاوضي.

وقالت "إذا كان هناك طرف أقوى من الآخر، وهو أيضا دولة معترف بها في الأمم المتحدة، فإن هذا الاعتراف بفلسطين سيكون وسيلة لمحاولة تحقيق نوع من التوازن في القوى".

إنغريد فيسكه، عضوة في البرلمان الأوروبي (المصدر: خاص للجزيرة نت
إنغريد فيسكه اعتبرت أن الاعتراف بفلسطين سيسهم في تحديد معالمها كدولة (الجزيرة)

معالم دولة

وعن نقاط الضعف في تفاصيل هذا الاعتراف الذي وُصف بـ"التاريخي"، قالت الخطيب إن "إسبانيا والنرويج وأيرلندا قدمت إشارات عن معالم الدولة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس، لكن هذا الأمر لن ينجح بالتأكيد، لأن استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا في فلسطين تكشف أن التأييد للحكومة والرئيس الحاليين منخفض جدا".

وبرأيها، فإن تطرق وزراء هذه الدول إلى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ووصف عملية حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بـ"العمل الإرهابي"، وتأكيدهم أن هذا الاعتراف بفلسطين كدولة لا يعني اعترافا بحماس، "أمر متناقض، لأن هذه الدول نفسها تتبع تعريف الأمم المتحدة الذي لا يصنف هذه الحركة منظمة إرهابية".

في المقابل، يرى عضو مجلس الشيوخ الإسباني كلودو مارتينث أن الأمر يتعلق بشكل أساسي بحقوق الإنسان وحق الشعب الفلسطيني بالحصول على دولته الخاصة، لذا يجب على دول الاتحاد الأوروبي دعم قرار الحكومة الإسبانية.

وشدد مارتينث، في حديث للجزيرة نت، على "ضرورة الابتعاد عن انتقاد كل شيء، والترحيب بأي خطوة يتم اتخاذها نحو الاعتراف بفلسطين كدولة، لأنه يجب اعتبار ما يحدث الآن بداية، وخطوة إلى الأمام نحو حل هذه المشكلة التي يعاني منها الفلسطينيون منذ عقود".

ولفت عضو مجلس الشيوخ الإسباني إلى أن الأحزاب السياسية اليمينية في بلاده ليست راضية عن هذا التحرك الحكومي، لأنها لا تفصل حقوق الشعب الفلسطيني ونضاله عن حركة حماس، وهذا ما يجعلهم مترددين في الموافقة على هذا الاعتراف، على حد قوله.

لينا الخطيب للجزيرة نت: تلقيت تهديدا بالقتل بسبب تضامني مع غزة والدول الأوروبية تجهل تاريخ القضية الفلسطينية
لينا الخطيب اعتبرت أن الدول الثلاث لا تقترح تقرير المصير أو دولة فلسطينية ديمقراطية حقيقية (الجزيرة)

اعتراف مشروط

وأكد زعماء الدول الثلاث، في تصريحاتهم المنسقة بشكل وثيق، أنه لا يمكن التوصّل إلى اتفاق سلام مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية التي تعارض حل الدولتين وتقوم بتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، إلا أنهم حافظوا في الوقت نفسه على بعض الآراء التي تأتي بشكل أو بآخر لصالح تل أبيب.

فعلى سبيل المثال، تشير فيسكه إلى أن موقف حكومتها النرويجية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وحتى موقف حزبها "لا يعني أننا لا نريد التحدث مع إسرائيل، لأننا نرغب في الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة". وأضافت أنهم كانوا يتوقعون استدعاء تل أبيب لسفيرها للتعبير عن عدم رضاهم بقرار الاعتراف، لكنهم يراقبون إلى متى سيستمر هذا الوضع.

واستدركت القيادية في حزب اليسار الاشتراكي في النرويج قائلة إن الإسرائيليين لا يريدون الاعتراف بفلسطين، لأنهم يهدفون للقضاء على الشعب الفلسطيني واستئصاله من أرضه، "فضلا عن رغبتهم في إعدام الدعم الدولي لفلسطين".

وفي السياق ذاته، قالت رئيسة لجنة فلسطين النرويجية لينا الخطيب إن هذه الدول تشترط في اعترافها بفلسطين كدولة وجود حكومة فلسطينية "معتدلة"، وترفض رفضا صريحا تولي حركة حماس الحكم، "وهذا يعني أنها لا تقترح تقرير المصير أو دولة فلسطينية ديمقراطية حقيقية".

وأكدت الخطيب أنه إذا لم يتبع هذا الاعتراف ضغط حقيقي على الاحتلال الإسرائيلي يطالبه بالانسحاب الفوري، فلن تكون له أي قيمة حقيقية، مشيرة إلى أن "الصندوق السيادي النرويجي" يعتبر أكبر مستثمر في أوروبا في الشركات المرتبطة بالاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، "وبالتالي، لا يمكننا القول إننا نعترف بفلسطين كدولة دون العمل على وجود تلك الدولة أو السماح بحدوثها".

المصدر : الجزيرة