هل أخفت واشنطن مسؤولية موسكو عن إصابة دبلوماسيين بمتلازمة هافانا؟

لا دليل على تعرض مصابين بمتلازمة هافانا لإصابات في الدماغ
التحقيق يزعم أن وحدة استخبارات روسية استهدفت أدمغة دبلوماسيين أميركيين بالطاقة الموجهة (شترستوك)

واشنطن- بعد تحقيق مشترك أجراه لمدة عام برنامج "60 دقيقة" وموقع إنسايدر -المتخصص في التحقيقات المتعلقة بروسيا- ومجلة دير شبيغل الألمانية عن إصابات الدماغ الغامضة التي أبلغ عنها سنة 2016 مسؤولون عاملون في أجهزة الأمن القومي الأميركي، انتهى التحقيق إلى تحميل موسكو مسؤولية انتشار هذا المرض.

وأعلن موظفون بالبيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) وضباط بالجيش الأميركي وعائلاتهم إصابتهم بما تُعرف بمتلازمة هافانا.

وتعود هذه التسمية لأول إبلاغ عن إصابات حدثت عام 2016 في هافانا عاصمة كوبا، حيث أبلغ عدد من الدبلوماسيين الأميركيين عن أعراض غير مبررة تبدأ بالدوخة والصداع وصعوبة التركيز وصوت شديد ومؤلم في آذانهم، لتمتد إلى دول أخرى وداخل الأراضي الأميركية.

تستر واستبعاد

وقدّر مسؤولون عام 2023 إصابة نحو 1500 من الدبلوماسيين والعسكريين الأميركيين خلال السنوات الأخيرة في 96 دولة بهذا المرض الغامض، وربط التحقيق هذا المرض بوحدة استخبارات روسية.

ويزعم التحقيق أن أعضاء وحدة استخبارات عسكرية روسية محددة -تُعرف باسم 29155- استهدفوا أدمغة الدبلوماسيين الأميركيين بأسلحة "الطاقة الموجهة". وأكد أن هناك أدلة على أن أعضاءها كانوا يوجدون في مدن حول العالم في الأوقات التي يبلّغ فيها أفراد أميركيون عن وقوع هذه الحوادث.

وانتهى بتأكيد إصابة المئات بسلاح سري يطلق شعاعا عالي الطاقة من الموجات الدقيقة أو الموجات فوق الصوتية، وتوصل التحقيق إلى أن إدارتي الرئيسين السابق دونالد ترامب والحالي جو بايدن اختارتا التستر على حقيقة قيام روسيا بهذه الهجمات، وتكرار تأكيدهما استبعاد وقوف دولة أجنبية وراءها.

كما راجع التحقيق أكثر من ألف حالة إصابة بمتلازمة هافانا، وأكد أن المصابين تعرضوا لطاقة موجهة أو موجات دقيقة تم إطلاقها من أجهزة خفية.

ومع ذلك، قالت دراسة أجراها المعهد الوطني للصحة، نُشرت الشهر الماضي، إن فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي أخفقت في اكتشاف أدلة على إصابات الدماغ لدى العشرات من الأفراد الأميركيين الذين أبلغوا عن هذه الإصابات الغريبة.

واستعان التحقيق بشهادات المئات ممن أصيبوا بهذه المتلازمة، ومنهم أوليفيا تروي، مستشارة الأمن الداخلي لنائب الرئيس السابق مايك بنس، التي أكدت إصابتها خارج البيت الأبيض. وتحدث كذلك عدد من مسؤولي مكتب التحقيقات الفدرالي عن إصابات مشابهة وقعت في ولايات مختلفة، كما وقع عديد منها في دول أجنبية.

أدلة

وتحدثت كيري (لم يذكر التحقيق بقية اسمها لأسباب أمنية)، وهي مسؤولة بوحدة تعمل في مواجهة التجسس الروسي بمكتب التحقيقات الفدرالي، عن إصابتها بهذه الأعراض داخل منزلها بولاية فلوريدا، وقالت إنها مستمرة في العلاج.

وفي حديث مع برنامج "60 دقيقة"، قال مارك زيد، محامي أكثر من 20 مصابا بالمتلازمة، "إننا لا نتحدث فقط عن العوارض والمتاعب الجسدية، بل عن أدلة على وجود مشكلات لدى المصابين، حيث تتوقف شاشات الحواسيب حرفيا عن العمل أو تومض وتنطفئ".

وأضاف زيد "ليس هناك شك بأن روسيا متورطة وأن التقارير الأخيرة يجب أن تدفع للتحرك، لدينا أخيرا أدلة مباشرة إلى حد إجبار الحكومة الأميركية على تقديم إجابات حقيقية، لا يمكنها أن تقول لا".

ويرى المحامي أنه إذا لم تكن موسكو أو خصم أجنبي آخر هو المسؤول، فيجب أن يكون هناك نوع من التفسير. وأضاف أنه من المتوقع أن تتجنب الحكومة إلقاء اللوم على روسيا لتجنب الصراع المباشر.

وتابع "إذا كان الروس يستخدمون جهازا ويؤذون -عن دراية- ليس فقط ضباط استخباراتنا، ولكن عائلاتهم أيضا، فهذا عمل من أعمال الحرب ولم نفعل شيئا نعرفه للرد".

أدار غريغ إدجرين، المسؤول السابق بالبنتاغون، تحقيقات لصالح وكالة استخبارات وزارة الدفاع حول ظاهرة متلازمة هافانا بين عامي 2021 إلى 2023.

وقال إدجرين لبرنامج 60 دقيقة "كنا نجمع مجموعة كبيرة من البيانات، بدءا بوسائل الاستخبارات التقليدية، وأجهزة الذكاء البشري والتقارير المفتوحة المصدر. بحثنا في كل ما يتعلق بسجلات السفر والسجلات المالية. بناء على التحقيقات، يمكنني القول إننا بدأنا في مرحلة مبكرة جدا من التركيز على موسكو".

وأشار إدجرين إلى أن أغلب المصابين كانوا من الضباط الذين يركزون في وظائفهم الأمنية الاستخباراتية على روسيا بصورة أو بأخرى.

وأضاف أن إصابتهم بمتلازمة هافانا دفعت إلى إقالتهم والدبلوماسيين من مناصبهم بسبب الإصابات الدماغية المؤلمة التي لحقت بهم، مؤكدا أن موسكو نجحت في "تحييدهم"، وأن المتلازمة ليست سوى "حرب يشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الولايات المتحدة".

رد غاضب

في المقابل، ردت إدارة بايدن بغضب على نتائج هذه التحقيقات، وقال مكتب الاستخبارات الوطنية "نواصل فحص الحوادث الصحية الشاذة عن كثب، لا سيما في المجالات التي حددناها على أنها تتطلب مزيدا من البحث والتحليل".

وأضاف المكتب "خلصت معظم وكالات الاستخبارات إلى أنه من غير المرجح أن يكون خصم أجنبي مسؤولا عن هذه الحالات".

وأوضح بيان للبيت الأبيض أن "إدارة بايدن ونائبته كامالا هاريس تجدد تأكيد أهمية إعطاء الأولوية للجهود الرامية إلى إجراء دراسة شاملة للآثار والأسباب المحتملة لهذه الحوادث الشاذة".

من جهته، اعتبر مكتب التحقيقات الفدرالي أن "قضية الحوادث الصحية الشاذة هي أولوية قصوى لنا، إذ إن حماية وصحة ورفاهية موظفينا وزملائنا في الحكومة الفدرالية أمر بالغ الأهمية".

وأضاف "سنواصل العمل جنبا إلى جنب شركائنا في مجتمع الاستخبارات ضمن الجهد المشترك بين الوكالات لتحديد أفضل السبل لحماية موظفينا".

وقال جون بولتون، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لدونالد ترامب، إن "المزاعم الجديدة مقلقة للغاية". وأضاف لشبكة سي إن إن "لا أعتقد أن الإدارة أخذت الأمر على محمل الجد، بما فيه الكفاية".

وعلى الجانب الروسي، رد ديمتري بيسكوف، السكرتير الصحفي للرئيس بوتين، وقال إن مزاعم تورط موسكو "هي اتهامات لا أساس لها بشكل استثنائي من قبل وسائل الإعلام"، وأضاف "لم ينشر أحد أو يعبر عن أي دليل مقنع على هذه الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة".

المصدر : الجزيرة