استدرجه الاحتلال ثم اغتاله.. أمير خليفة المقاوم "الصامت والشرس" في مخيم العين بنابلس

الشهيد أمير خليفة حاملا سلاحه أثناء وداع أحد رفاقه قبل شهور في نابلس الصورة من مصورة دي بي إيه
الشهيد أمير خليفة (يمين) حاملا سلاحه أثناء وداع أحد رفاقه الشهداء قبل شهور في مدينة نابلس (صحافة فلسطينية)

نابلس- بكاء وصراخ وهتافات تنعى الشهيد وتمجّد بطولاته في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي لجنوده، هكذا كان مشهد وداع أمير خليفة في مشفى رفيديا الحكومي بمدينة نابلس، بعد قليل من اغتياله صباح اليوم الخميس.

أما الحدث فوقع عند الثالثة فجرا، وتلخّص في بضع دقائق استُدرج فيها المقاوم أمير خليفة من قبل جنود الاحتلال ليطلقوا عليه النار مباشرة ويصاب بـ5 رصاصات قاتلة.

على مدخل قرية زواتا القريبة من مدينة نابلس، استدرج أمير خليفة باتصال هاتفي يخبره أن جيش الاحتلال يحاصر منزلا في القرية، فانطلق مسرعا بدراجته النارية وببندقيته الشخصية ليتصدى للجنود الإسرائيليين كعادته.

وبمجرد وصول أمير -حسب رواية شقيقه وليد خليفة وشهود عيان تحدثوا للجزيرة نت- أطلق الاحتلال عبر "قناصة كانوا يعتلون سطح أحد البنايات المجاورة" رصاصهم تجاه الشاب الذي لم يستسلم ورد على جنود الاحتلال بإطلاق النار أيضا، واشتبك معهم لوقت قصير قبل أن يُصاب ويستشهد.

من وداع الشهيد امير خليفة داخل المشفى
من وداع الشهيد أمير خليفة داخل مشفى رفيديا الحكومي بمدينة نابلس (الجزيرة)

كمين واغتيال

ويقول وليد إن أمير -الملقب محليا "بالتتر"- تعرّض "لكمين محكم" من الاحتلال، حيث كان بانتظاره جنود في مركبة مدنية بيضاء اللون وآلية عسكرية وقناصة طوَّقوا المكان.

ويضيف "تبين أنه لم يكن هناك أي منزل محاصر، وأن الجنود نصبوا كمينا لأمير، وأطلقوا النار عليه مباشرة وأصابوه بـ5 رصاصات؛ اثنتين في الرأس من الخلف، و3 بالظهر وأنحاء مختلفة من جسده".

وحتى الساعة الواحدة فجرا، كان وليد مع شقيقه أمير يجلسان بالقرب من منزلهم في أحد أزقة مخيم العين، يتبادلان الحديث. يقول وليد "جلس يمازح طفلي الصغير الذي قبَّله وانصرف للنوم بعد أن حصل على هدية عبارة عن بعض النقود التي زادت تعلقه بعمه الشهيد".

وبعد ساعتين فقط، تلقى أمير اتصالا جعله ينتفض غضبا ويعتلي دراجته النارية ويمتشق سلاحه وينطلق بسرعة، بعد أن رفض اصطحاب أحد معه إلى الحدث.

ويرجح وليد أنه ونتيجة لفشل الاحتلال في اعتقال أمير أكثر من مرة؛ 3 منها في اقتحامات مباشرة للمخيم حيث يسكن، تم استدراجه لخارج المخيم الذي أضحت دهاليزه وأزقته المتداخلة مصيدة للاحتلال وجنوده، وجعلتهم في مرمى نيران المقاومين.

المقاوم الصامت

في مخيم عين بيت الماء (مخيم العين) وُلد أمير خليفة، الرابع بين 5 أشقاء ذكور، لأبوين من عائلة متواضعة، وتوفي والده قبل 9 سنوات. وفي مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تلقى تعليمه حتى الصف التاسع، ومنه خرج إلى سوق العمل لينفق على أسرته في أكثر من موقع متحملا ظروفا قاهرة.

يقول شقيقه وليد إن أمير تمنى الشهادة من صغره، واختار طريقه في المقاومة باكرا ولهذا لم يفكّر في الزواج، واعتقل مرة واحدة ولفترة قصيرة لدى الاحتلال.

واغتال الاحتلال الإسرائيلي مجدي خليفة ابن عم الشهيد أمير، وأحد مقاومي انتفاضة الأقصى عام 2004 بطريقة مباشرة ومشابهة لاغتيال أمير.

ومنذ عامين، طارد الاحتلال الشاب خليفة الذي انخرط في صف المقاومة في المخيم من دون أن ينضم إلى فصيل بعينه، "بل ابتاع دراجته وبندقيته من نوع كارلو المصنعة محليا على حسابه الخاص، وقاوم الاحتلال حتى الرمق الأخير"، كما أفادت عائلته.

و"بالمقاوم الصامت والشرس" وصف وليد شقيقه أمير، وعلى ذلك أجمع أهالي المخيم أيضا، وأكدوا أنه يتصدى ببسالة لجنود الاحتلال أثناء اقتحام المخيم، وتعرّض لتهديد مباشر من المخابرات الإسرائيلية، إذ طالبه ضباطها في اتصالات هاتفية بتسليم نفسه، غير أنه رفض التعاطي معهم، وأخبرهم أنه سيجعل المخيم "مقبرة لجيش الاحتلال".

واتخذ أمير من الأزقة سكنا له طوال عامين من المطاردة، ويقول شقيقه إنه كان "العين الساهرة" للمقاومة ويترصد أي اقتحام للاحتلال، وأحيانا لم يكن بحوزته إلا بضع رصاصات (6 أو 7 رصاصات) ولكن هذا لم يمنعه من المقاومة، بل كان يلجأ لإلقاء الأكواع المتفجرة (قنابل يدوية محلية الصنع) على قوات الاحتلال أو يرشقها بالحجارة في أسوأ الأحوال.

من وداع الشهيد امير خليفة داخل المشفى
من وداع الشهيد أمير خليفة داخل المشفى (الجزيرة)

صديق الشهداء وحبيب الأطفال

ولحق أمير خليفة برفيقه الشهيد محمد ندى، الذي استشهد برصاص القوات الخاصة الإسرائيلية لدى اقتحامها مخيم العين قبل أسبوعين.

ويُعرف أمير بصديق الأطفال، وهو ما كان واضحا في مشفى رفيديا عند بدء تشييع جثمانه، حيث احتشد عشرات الأطفال لوداعه والخروج في جنازته التي انطلقت نحو مقبرة مخيم العين وسط إطلاق النار غضبا وهتافات منددة بجريمة الاغتيال ومطالبة بالانتقام للشهيد.

ويقول الفتى فارس صالحي إنه التقى أمير قبل ساعات من استشهاده، "وكان يمازحنا ويضحك معنا، كأنه كان يودعنا"، في حين قال الفتى عمار جمعة إنه رآه عند منتصف الليل وكان يتجول بالمخيم بدراجته النارية كعادته، "وفي لحظة رأيناه يستقل دراجته وينطلق مسرعا، وبعد لحظات سمعنا أن هناك إصابة خطيرة قرب زواتا؛ فكان أمير".

يظهرون وقت الحدث

ويقول عادل خليفة (أحد شخصيات مخيم العين وقريب الشهيد) إن أمير عُرف "بمقاومته الصامتة والصادقة من دون حب الظهور والاستعراض العلني، بل كان ممن يظهرون ويعملون وقت الحدث فقط".

ويضيف للجزيرة نت أن هذا ما ميّز المقاومة في مخيم العين عن غيرها من المواقع الفلسطينية، وتحديدا في العامين الأخيرين. ويضيف خليفة العم "كان أمير محبوبا وقريبا ومن الناس وكتوما، ولا يعرف أحد له سرا".

وعن اغتيال أمير خليفة باستدراجه بعيدا عن موقعه، تقول عضوة لجنة التنسيق الفصائلي بنابلس ماجدة المصري إن إسرائيل أصبحت تستخدم طرقا بديلة للاقتحامات المباشرة التي تربكها وتسلط الضوء عليها محليا ودوليا.

المصدر : الجزيرة