تجنُّب سقوط المدنيين يعطل استخدام الجيش القوة المميتة.. هل يعجل الإجهاد العسكري بوقف المعارك في الخرطوم؟

Clashes continue in Sudan- - KHARTOUM, SUDAN - MAY 5: Smoke rises as clashes continue between the Sudanese Armed Forces and the paramilitary Rapid Support Forces (RSF), in Khartoum, Sudan on May 5, 2023.
خبراء عسكريون يخمنون أن الحرب في السودان بدأت تنحسر إلى نهايتها بالنظر إلى إجهاد الطرفين وخطة الجيش الجديدة (رويترز)

الخرطوم- توسّع نطاق العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم بعد نحو شهر من بدء المعارك و10 اتفاقات للهدنة، ولأول مرة يستخدم الجيش قوات برية، الأمر الذي اعتُبر بداية للمرحلة الأخيرة من المواجهات التي يمكن أن تستمر لفترة أطول في حال لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.

وتزايدت وتيرة الاشتباكات العسكرية بين الجيش والدعم السريع في مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان) منذ انتهاء الهدنة الهشة الأخيرة أمس الأحد.

ومنذ الأسبوع الماضي، بدأ الجيش السوداني استخدام القصف بالمدافع العملاقة والإستراتيجية التي تقصف من شمال أم درمان مواقع تجمعات قوات الدعم السريع في أقصى جنوب الخرطوم وجنوب أم درمان في مثلث الحدود بين ولاية الخرطوم وولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان.

ومنتصف الأسبوع الماضي كذلك، نزلت القوات البرية للجيش في عدة مناطق بمدن العاصمة، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع القتال، على الرغم من أن هذه القوات التي استُقدم غالبيتها من الولايات ظلت مرابطة على أطراف الخرطوم.

وأجرت القوات البرية عمليات تمشيط في أحياء بالخرطوم بحري وأم درمان، حيث فرضت سيطرتها وأبعدت قوات الدعم السريع من طرق رئيسية بعد اشتباكات عنيفة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

وأمس الأحد، قالت غرفة طوارئ جنوب الحزام في الخرطوم إن 18 مدنيا قُتلوا، وأصيب آخرون جراء تساقط قذائف مدفعية ثقيلة على حيي الأزهري والسلمة فور انتهاء الهدنة.

وذكر مراسل الجزيرة أن الطائرات الحربية شاركت في الاشتباكات، وقالت مصادر عسكرية إن الجيش تمكن من الوصول إلى جسر الحلفايا -الرابط بين الخرطوم بحري وأم درمان من الناحية الشرقية- والتمركز في مدخله.

وأضافت المصادر أن هذا التقدم جاء في أعقاب هجوم شنته قوات الجيش عبر أكثر من محور فور انتهاء الهدنة العاشرة صباح أمس الأحد.

خطة الجيش

من ناحيته، يقول الخبير العسكري عثمان الفادني إن الجيش، الذي فاجأته قوات الدعم السريع منتصف أبريل/نيسان الماضي، أنقذته القوات الجوية، لأنه عندما بدأت الحرب لم يكن لديه سوى 4 آلاف عسكري في العاصمة، بينما نشر الدعم السريع 60 ألف مقاتل ونحو 20 ألف جندي احتياطي آخرين، لكنه امتص الصدمة الأولى واستعاد توازنه.

وحسب الفادني -في حديث للجزيرة نت- كان الدعم السريع يعتمد على المفاجأة والموجات المقاتلة للاستيلاء على قواعد الجيش ومقاره وتحييد قادته والاستيلاء على السلطة، لكن "استبسال" الجيش واستخدام القوات الجوية أحبط ذلك المخطط.

ويوضّح أن خطة الجيش حددت مراحل للعملية العسكرية تشمل:

  • تدمير قواعد ومقار قوات الدعم السريع وضرب أجهزة الاتصال لإضعاف القيادة والسيطرة.
  • قطع خطوط الإمداد من غرب البلاد عبر المراقبة التقنية والجوية.
  • استخدام الطيران العسكري من عدة قواعد جوية، حيث تم تدمير 6 قوافل إمداد عسكري كبيرة بعضها تحركت من الحدود مع ليبيا وأفريقيا الوسطى المتاخمتين لإقليم دارفور.

ويضيف الخبير العسكري أن الجيش استخدم القوات الجوية لضرب القوة الصلبة للدعم السريع وإنهاكها وتدمير المركبات المقاتلة وعزلها في مناطق واسعة لمنعها من تنفيذ عمليات فاعلة، وتعويض نقص قواته البرية مقارنة بخصمه، واستطاع بذلك الاحتفاظ بكل قواعده ومقاره في العاصمة.

ويعتبر نزول القوات البرية للجيش واستخدام القصف المدفعي الثقيل، مترافقا مع عمليات نوعية من القوات الخاصة والمظلية، بداية للمرحلة الأخيرة من العملية العسكرية، لافتا إلى صعوبة اللجوء للقوة المميتة في داخل المدن لكلفتها على المدنيين والبنية التحتية.

ويعتقد الخبير العسكري أنه رغم فعالية خطة الجيش، فإنها بطيئة وتتيح مجالاً للدعم السريع لتسريب مقاتلين إلى الخرطوم. وهذا إلى جانب الضغوط الخارجية المكثفة لوقف إطلاق النار، مما يطيل أمد الحرب ويصعب حسم المعركة عسكريا رغم التفوق العسكري للجيش.

تكتيكات الدعم السريع

وفي الجانب الآخر، يقول الخبير الأمني سالم عبد الله إن قوات الدعم السريع كانت تعتمد لكسب الحرب في يومها الأول على عنصر المفاجأة بالاستيلاء على المقار العسكرية للجيش من داخلها عبر اتفاق مع عسكريين كبار، والسيطرة على مواقع مهمة بواسطة قواتها التي كانت منتشرة في داخلها قبل الحرب، مثل القصر الرئاسي ومطار الخرطوم ومبنى الإذاعة والتلفزيون.

ويرى عبد الله -في حديث للجزيرة نت- أن نقاط قوة الدعم السريع في نهجها العسكري الذي يستند إلى السرعة والمناورة والكثافة العددية القتالية، غير أن استمراره يتطلب تعويض خسائر الحركة المستمرة، وليس الاحتفاظ بالمواقع.

ويلفت إلى أن تدمير مواقع وقواعد الدعم السريع جعلها في وضع مكشوف أمام طيران الجيش، مما دفعها إلى الاحتماء بالأحياء السكنية والانتشار في طرقاتها ودخول المستشفيات والمرافق المدنية.

ويشير الخبير الأمني إلى أن قوات الدعم السريع لا تزال تحتفظ بوجودها في جزء من مطار الخرطوم والقصر الجمهوري، حيث تحتجز مجموعة من العسكريين وموظفي القصر الذين أسرتهم في اليوم الأول للحرب. كما حيدت العمليات العسكرية في محيط جهاز المخابرات والمطار لاحتجازها أُسَر كبار الضباط في حي المطار.

وبرأي الخبير العسكري، توجد مؤشرات على تراجع قوة الدعم السريع حيث كانت تهاجم بقوات على متن 40 إلى 50 مركبة مقاتلة، لكنها حاليا تهاجم بقوات على ظهر 10 إلى 15 مركبة وعدد أقل من المقاتلين بنسبة 50% مقارنة بالفترة السابقة.

لكن انتشار هذه القوات مستمر في طرق رئيسية بشرق ووسط الخرطوم وغرب أم درمان ووسط الخرطوم بحري وشرق النيل وجسور شمبات والمنشية وتوتي والجانب الشرقي من جسر الحلفايا، حسب رصد الخبير العسكري.

ويعتقد عبد الله أن تراجع قوات الدعم السريع جاء نتيجة عدة أسباب، منها:

  • الإنهاك الذي أصابها لاستمرار العمليات أسابيع لم تكن مهيأة لها، وذلك لاعتيادها العمليات الخاطفة.
  • اختفاء قياداتها.
  • عدم تمكنها من تعويض خسائرها لضرب خطوط إمداداتها.
  • انتشارها على نطاق واسع على الأرض مما بعثر مجهودها.
  • استرخاء بعض عناصرها في منازل المواطنين وفي مواقع مدنية.

وتوقّع الخبير استمرارها في الانكماش بعد نزول قوات الجيش البرية، الذي يقول إنه لم يستخدم ما تسمى القوة المميتة، تجنبا لوقوع عدد كبير من المدنيين ضحايا في الحرب.

يُعتقد أن الإجهاد العسكري لطرفي القتال قد يعيدهما إلى التفاوض من أجل إنهاء الحرب (الأناضول)

الإجهاد العسكري والمفاوضات

من ناحيته، يرى المحلل السياسي عثمان ميرغني أنه مع استمرار المعارك من دون تحقيق تقدم واضح لأي من طرفي الصراع بات التعويل على "الضربة القاضية" التي ستكون لها كلفة عالية من أرواح المدنيين وممتلكاتهم، في ظل استمرار الحرب وسط الأحياء.

وتوقع ميرغني -في حديث للجزيرة نت- أن يكون "الإجهاد العسكري" أحد دوافع عودة طرفي الصراع إلى طاولة المفاوضات من أجل الوصول إلى حل يوقف الحرب.

ويضيف أن وجود مفاوضي الجيش والدعم السريع في جدّة، وإصدار الطرفين مواقف راغبة في استئناف المفاوضات، فسّرته الوساطة الأميركية السعودية على أنه تغيير باتجاه التسوية والتوصل إلى حل متفاوض عليه.

المصدر : الجزيرة