المحكمة العليا في مواجهة الحكومة.. انتخابات إقليمية تشعل أزمة سياسية ودستورية في باكستان

قرار المحكمة العليا بإجراء الانتخابات الإقليمية اعتبره البعض انتصارا لحزب "إنصاف" الذي يتزعمه رئيس الوزراء المعزول عمران خان (الأناضول)

إسلام آباد – لا يزال قرار المحكمة العليا بعقد الانتخابات الإقليمية في كل من إقليم البنجاب (شرق) وخيبر بختونخوا (شمال غرب) تتردد أصداؤه في تفاصيل المشهد السياسي في باكستان، حيث اعتبر القرار انتصارا لحزب "إنصاف" الذي يتزعمه رئيس الوزراء المعزول عمران خان، بينما رفضته أحزاب الائتلاف الحكومي، مطالبة بإلغائه.

ويرى مراقبون أن الأزمة تحمل في طياتها نذر مواجهة قريبة بين الحكومة والمحكمة العليا، وذلك على مستوى دستوري وقانوني يهدد مستقبل الحكومة.

أحدث التطورات أتت عندما قدمت لجنة الانتخابات الباكستانية -أمس الثلاثاء- تقريرا إلى المحكمة العليا يفيد بعدم توفير أموال الانتخابات من قبل الحكومة الفدرالية، وهو ما يعتبر مخالفا لأمر المحكمة.

جاء ذلك بعدما تبنت جلسة البرلمان -يوم الاثنين- قرارا يشدد على إجراء انتخابات عامة للبرلمانات الوطنية والإقليمية في آن واحد من أجل "تعزيز الاتحاد"، لكنها لم توافق على مقترح توفير الأموال لعقد الانتخابات بموجب قرار المحكمة.

وكانت الحكومة قد عقدت -يوم الأحد- اجتماعا عاجلا لمناقشة قرار المحكمة العليا والاتفاق على مسألة توفير الأموال للجنة الانتخابات من أجل التجهيز لعقدها في البنجاب، حيث خرج الاجتماع بتوصية برفع الملف إلى البرلمان.

رفض حكومي وخيارات محدودة

رفضت الحكومة الفدرالية قرار المحكمة منذ صدوره، وكان رئيس الوزراء شهباز شريف خلال جلسة لمجلس الوزراء قد وصف القرار بأنه "استهزاء بالدستور والقانون"، وقال إنه لا يمكن تنفيذه، وبعد أيام أقر البرلمان قرارا برفض قرار المحكمة، وخلال الجلسة حث البرلمان رئيس الوزراء على عدم الالتزام به.

كما أيدت الحكومة تأجيل لجنة الانتخابات للتصويت في الإقليمين حتى الثامن من أكتوبر/تشرين الأول القادم.

لكن المحكمة العليا قضت بأن التأجيل غير قانوني، وبأن التصويت في هذين الإقليمين يجب أن يجرى بين 30 أبريل/نيسان و15 مايو/أيار المقبل.

وكانت الحكومة قد قدمت في أواخر مارس/آذار الماضي مشروع قانون المحكمة العليا (الممارسة والإجراءات) لعام 2023، وهو قانون يحد من صلاحيات المحكمة العليا، لكن الرئيس عارف علوي لم يوافق عليه -يوم السبت الثامن من أبريل/نيسان- وأعاده للبرلمان لمراجعته، ووصفه بأنه يتجاوز اختصاص البرلمان. لكن بعد مراجعته في البرلمان -أمس الاثنين- تم إقرار القانون.

قرار نهائي

في هذا السياق، يرى خبراء قانونيون أنه من الصعب عدم تطبيق قرار المحكمة، ويقول الخبير القانوني أسد رحيم خان إن قرار المحكمة العليا يعتبر نهائيا ولا يخضع للاستئناف، رغم إمكانية تقديم مراجعة للحكم، وهو نطاق محدود بدرجة أكبر.

وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف رحيم خان "لهذا السبب، أقرت الحكومة في أواخر مارس/آذار الماضي مشروع قانون عبر البرلمان يسمح برفع دعاوى استئناف ضد أحكام المحكمة العليا، لكن الرئيس لم يوافق عليه". ويتابع رحيم خان "حتى يصبح مشروع القانون قانونا، لا يوجد خيار أمام الحكومة سوى تنفيذ الحكم، وإلا تواجه تهم الازدراء".

وأضاف أن القانون الجديد سيخضع للمراجعة القضائية، والأمر متروك للمحاكم لتقرير ما إذا كان يمكن دعم مثل هذا التشريع باعتباره دستوريا، ويرى أن مشروع القانون يسيء إلى العديد من جوانب نظام الفصل بين السلطات.

يؤكد ذلك المحامي والخبير القانوني عارف تشودري، لافتا إلى أن قرار المحكمة العليا نهائي وغير قابل للاستئناف بشكل قانوني، مضيفا أن مشروع القانون الذي قدمته الحكومة يهدف لتشريع تقديم الاستئناف على قرار المحكمة.

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح تشودري أن مشروع القانون لا يزال محل خلاف ولم يتم اعتماده بشكل نهائي، وحتى ذلك الوقت فإن أي مخالفة لقرار المحكمة الأسبوع الماضي ستعتبره المحكمة "ازدراء" لها.

وأكد المتحدث أنه لا يوجد قانون يمكن أن يُلغي قرار المحكمة بأثر رجعي، ولا يوجد أي سلطة يمكنها إلغاء قرار المحكمة العليا، مستشهدا بقرارات مصيرية اتخذتها المحكمة العليا، منها عزل رئيس الوزراء السابق يوسف رضا جيلاني بسبب تجاهل قرار المحكمة.

جدل حول الدستور والقانون

من جهته، قال يقول رؤوف حسن المتحدث باسم حزب إنصاف والمستشار الإعلامي الخاص لرئيس الوزراء السابق عمران خان، إنه في حال لم تنفذ الحكومة قرار المحكمة بإجراء الانتخابات، فإن القرار يرجع إلى المحكمة العليا التي تقرر ما يجب فعله مع الحكومة.

وفي حديثه للجزيرة نت، أضاف رؤوف حسن أن الحكومة تحاول صناعة انقسامات بين هيئة القضاة في المحكمة العليا، رغم أنه لا يوجد أي قاضٍ يرفض أن تقام الانتخابات خلال 90 يوما من حل الحكومة الإقليمية.

وأوضح أن أقل قرار يمكن أن تتخذه المحكمة هو إلغاء عضوية كل من له علاقة بتعطيل قرار المحكمة ومنع إجراء الانتخابات، سواء كان من الحكومة أو البرلمان، والحكم بعدم أهليتهم لشغل مناصب حكومية، لأنها مسألة تتعلق باحترام الدستور.

في المقابل، قالت السيناتورة في مجلس الشيوخ عن حزب الشعب الباكستاني سحر كامران، إنه يجب السؤال أولا عن سبب حل البرلمانات والحكومات الإقليمية، وهدف حزب إنصاف من ذلك، رغم امتلاكهم السلطة في تلك الأقاليم.

وفي حديثها للجزيرة نت، أضافت كامران أن تحديد موعد الانتخابات مسؤولية لجنة الانتخابات وليست من اختصاص المحكمة العليا، ولجنة الانتخابات رأت وفقا للوضع الاقتصادي والأمني في البلاد أن موعد الثامن من أكتوبر/تشرين الأول هو الموعد المناسب لعقد الانتخابات.

تصاعد الأزمة السياسية

في ظل الصراع والخلاف القانوني حول قرار المحكمة العليا، تتصاعد الخلافات بين الفرقاء السياسيين في البلاد، وهو ما ينذر بتصاعد الأزمة السياسية التي تخيم على البلاد منذ أكثر من عام.

وكان زعيم حزب إنصاف عمران خان قد قال بعد قرار المحكمة مباشرة إن الناس سينزلون إلى الشوارع إذا حاول الائتلاف الحكومي عرقلة تنفيذ حكم المحكمة وإجراء الانتخابات في 14 مايو/ أيار.

في هذا السياق، يقول رؤوف حسن إن هناك سيناريوهين: الأول هو عقد الانتخابات في موعدها المقرر من المحكمة، وهذا سيكون الأفضل لباكستان، وسيجنب البلاد أي أزمة سياسية أو دستورية.

وأضاف حسن "لكن في حال حدث عكس ذلك ولم تلتزم الحكومة بقرار المحكمة، فإن هذا السيناريو الذي سيقود البلاد لأزمة سياسية، أو ستقوم المحكمة باتخاذ إجراءات عقابية ضد جميع الجهات التي عرقلت قرارها".

من جهتها، تساءلت سحر كامران عما إذا كان عمران خان وحزب إنصاف سيقبلون نتائج الانتخابات، معتبرة أن سياسات عمران خان هي التي تشعل الأزمات السياسية وعدم الاستقرار في البلاد.

وأكدت أن الوضع السياسي حاليا معقد جدا، وترى أن الحل الوحيد حاليا هو جلوس جميع الأحزاب على طاولة المفاوضات والاتفاق على يوم موحد تُعقد فيه الانتخابات الإقليمية والوطنية، وهذا ما دعا إليه زعيم حزب الشعب والرئيس الباكستاني السابق عاصف زرداري.

المصدر : الجزيرة