هل تسعى إسرائيل لتقويض السلطة الفلسطينية؟ خبراء يجيبون للجزيرة نت

لقاء وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (يسار) والرئيس الفلسطيني محمود عباس في العاصمة عمّان قبل شهرين (الفرنسية)

رام الله- تكرر منذ بدء العدوان على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، هجوم مسؤولين إسرائيليين على رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع إجراءات على الأرض تمس من قدرتها على القيام بمسؤولياتها.

فقد هاجم نتنياهو في أكثر من مناسبة، الرئيس الفلسطيني محمود عباس لأنه لم يدن عملية طوفان الأقصى ومقتل مئات الإسرائيليين في هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وانتقد اتفاقيات أوسلو "التي أعادت الفلسطينيين إلى قلب دولة إسرائيل" وفق تعبيره.

بل ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله إن السلطة الفلسطينية "لا تحارب الإرهاب بل تدعم الإرهاب، لا تربي من أجل السلام، بل تربي على القضاء على إسرائيل". مضيفا "لن نقبل عودة هذه السلطة إلى غزة".

بالتوازي مع التصريحات، اتخذ الاحتلال إجراءات بينها خصم حصة غزة من المقاصة، والمقدرة بنحو 140 مليون دولار شهريا، تضاف إلى اقتطاعات سابقة تتجاوز مليار دولار سنويا من أموال الضرائب التي تجمعها إسرائيل  في المعابر التي تسيطر عليها نيابة عن السلطة.

كما تتواصل اقتحامات الجيش الإسرائيلي للمدن والقرى الفلسطينية بهدف القتل والاعتقال، في حين يطلب من أجهزة الأمن الفلسطينية التزام مقراتها.

ميدانيا، تتسارع وتيرة الاستيطان في المنطقة المصنفة "ج" والتي تشكل نحو 60% من الضفة، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويستمر تهجير التجمعات الفلسطينية منها، وفرض حصار وتقييد حركة الفلسطينيين في كافة مدن الضفة، مما دفع الحكومة الفلسطينية إلى تقليص دوام موظفيها في مختلف القطاعات إلى الحد الأدنى.

في ضوء ما سبق، لماذا وإلى أي مدى يذهب الاحتلال في إجراءاته ضد السلطة الفلسطينية؟ وهل حصل على ضوء أخضر غربي لتقويض دورها وحصره في البعد الأمني؟ أسئلة توجهت بها الجزيرة نت إلى سياسي فلسطيني بارز واثنين من المحللين.

حملة منظمة

يقول عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف إن "نتنياهو صرح أكثر من مرة بأن وجوده يمنع قيام دولة فلسطينية، وأن الانقسام الفلسطيني مصلحة إستراتيجية لإسرائيل".

ويضيف أن نتنياهو يراهن على الانتصار في غزة باعتباره "مصلحة كبرى لمنع قيام الدولة على الأراضي المحتلة في الضفة وغزة والقدس".

ويرى أبو يوسف وجود دور أساسي للولايات المتحدة في الخطط الإسرائيلية "الولايات المتحدة شريكة في حرب الإبادة واستمرارها".

وتابع أنه في ظل صمت دولي وموقف عربي لا يرتقي لمستوى الجريمة "هم يعتبرون السلطة ونضالها السياسي مثل حماس، وتتعرض لحملة منظمة من الاحتلال وبدعم أميركي".

وأشار القيادي الفلسطيني إلى اقتحام مدن وقرى الضفة بشكل يومي ومنع التواصل بينها، وتزايد اعتداءات المستوطنين وتهجير القرى الفلسطينية، بل والتهديد بتهجير فلسطينيي الضفة.

وقال إن اتهام السلطة بالإرهاب كاتهام "حماس"، واقتطاع الأموال محاولة لضرب كل تمثيل فلسطيني.

وعن الخطة الفلسطينية المقابلة، وما يدور في اجتماعات القيادة الفلسطينية، قال أبو يوسف إن القيادة اجتمعت الأحد الماضي، وأكدت عدم القبول بالتهجير ورفض أي نكبة جديدة، وضرورة تضافر الجهود مع العالمين العربي والإسلامي لوقف سيل الدم ومخططات تشكيل إدارة جديدة لغزة.

وأضاف أبو يوسف أن الشعب الفلسطيني أفشل مخططات سابقة، وسيفشل بمقاومته أي مخططات تمس وحدة الأرض والتمثيل الفلسطيني.

على أهميتها، يرى القيادي الفلسطيني أن المواقف السياسية الداعمة للشعب الفلسطيني، تفتقر إلى "آليات تلزم الاحتلال لوقف عدوانه" مضيفا "لا بد من جدية وعقوبات وسحب السفراء، لأنه دون المساس بمصالح الدول الاستعمارية لن يحدث الضغط على الاحتلال".

آخر معاقل الاعتدال

من جهته، يستبعد الدكتور أحمد رفيق عوض، رئيس مركز القدس للدراسات المستقبلية بجامعة القدس تقويض السلطة "بمعنى هدمها وأن يتم إلغاؤها" لكنه لا يستبعد الهجوم على وجوه في السلطة ودورها.

ويفسر رأيه بنقطتين، الأولى أنهم لن يجدوا بديلا عن اعتدال السلطة ورؤيتها، والثانية أن السلطة تحظى باعتراف دولي وعربي، وليس من السهولة تقويضها، وإنهاء سلطة معترف بها من أطراف كثيرة تريدها.

ويرجح المحلل الفلسطيني التوجه الأميركي بتجديد السلطة بمعنى تغيير الأشخاص والأدوار والرؤية السياسية والحل السياسي المستقبلي، بما يعنيه ذلك من استحداث أدوار جديدة أو إلغاء وتغيير أدوار قديمة وتعديل النظام السياسي الفلسطيني، لكن ليس لدرجة إلغاء السلطة، لأنها بذلك تهدم آخر معاقل الاعتدال في المنطقة.

وتابع عوض أن الولايات المتحدة تبحث عن مسار سياسي في اليوم التالي بعد الحرب "على قاعدة وحدة الأرض وسلطة متجددة تحكمها، لكن بدون حماس".

وفي إشارة إلى تصريحات مسؤولين أميركيين بأن السلطة بوضعها الحالي لا تمتلك مصداقية عند الفلسطينيين، رأى في الموقف الأميركي "غموضا وعدم وضوح وإرباكا، فهي لا تريد المعتدل ولا المتطرف بتصنيفهم، فماذا تريد؟".

من هنا لا يستبعد مدير مركز القدس استمرار الحكومة الإسرائيلية في محاولة تفكيك السلطة ووصمها بالإرهاب واتهامها بأنها لا تحارب الإرهاب طالما هي تتحدث عن الدولة والقدس وحق العودة للاجئين، في محاولة لتجنب فرض تسوية سياسية، مستفيدة بذلك من الصمت الدولي والرخصة الأميركية.

ويرى عوض أن إسرائيل قد تتجه إلى محاولة فرض تسوية أمينة ليس فيها دولة، مكونة من معازل واختطاف مناطق "ج"، مضيفا أن "اقتطاع المقاصة ليس إلا جزءا من إضعاف السلطة ومحاولة إسقاطها أمام شعبها في حال لم تتمكن من صرف الرواتب".

موضع خلاف

مسألة تقويض السلطة ودورها، موضع خلاف بين المستويين والأمني في إسرائيل، وفق الكاتب والمحلل السياسي أحمد أبو الهيجا، الذي قال إن المستوى الأمني ومعه الجيش ضد التقويض "وأحيانا يتصادمان مع المستوى السياسي".

وتابع أبو الهيجا أن المستوى الأمني، ومن منطلق تقديره للمصلحة الإسرائيلية يرى "أن تقوية السلطة مسألة ضرورية لحفظ أمن الضفة، وهم ضد اقتطاع المقاصة، إذ أعلن الشاباك مؤخرا التوصل إلى مقاربة لضمان صرفها".

وقال إن موقف نتنياهو من السلطة نابع من رفضه لأن يتمخض عن حرب غزة أفق سياسي أحد أطرافه السلطة، ويمهد بشكل أو بآخر كي لا يكون هذا السيناريو مطروحا "وهذا موضع خلاف مع الأميركيين".

وتابع "سيواصل نتنياهو شيطنة السلطة الفلسطينية استباقا لأي مبادرات لحل القضية الفلسطينية تطمح السلطة أن يكون لها دور فيها".

ويرى أبو الهيجا أن إسرائيل "في حالة تخبط وعمى إستراتيجي، أوقعها في مطبات سياسية جزء منها تقدير علاقتها بالسلطة، نظرا لانعدام أي حلول أو سيناريوهات عند اليمين".

وقال إن اليمين المتطرف لن يذهب إلى أي حل مع الفلسطينيين تحت أي ظرف من الظروف، ولن يعطيهم شيئا، مع ذلك تبقى السلطة "خيارا مطلوبا ومن الصعب الاستغناء عنه".

وينتقد أبو الهيجا مراهنة مسؤولين فلسطينيين على احتمال انهيار اليمين الإسرائيلي بعد الحرب، بل سيفاجأ بأن الخيار القادم هو اليمين واليمن المتطرف.

المصدر : الجزيرة