مجلة إسرائيلية: صرخات العالقين تحت الأنقاض في غزة تقض مضاجع عمال الإنقاذ

الدمار في بلدة بيت حانون
أحد عمال الإنقاذ: في كثير من المرات نسمع أنينا فقط ونحاول متابعته من أجل إنقاذ الناس من تحت الأنقاض (مواقع التواصل)

"لا أستطيع النوم، ولا حتى لدقيقة واحدة. تؤرقني باستمرار أصوات وأنين العالقين تحت الأنقاض وهم يتوسلون إلينا لكي ننتشلهم من تحتها".

هكذا وصف إبراهيم موسى (27 عاما) من مخيم البريج وسط قطاع غزة، حياته منذ أن بدأت إسرائيل قصفها. فموسى لا يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة يوما بعد يوم مثل أي شخص آخر في القطاع المحاصر، بل هو واحد أيضا من بين أكثر من 14 ألف عامل إنقاذ يشكلون فرق الدفاع المدني في غزة، ويقودون محاولات إنقاذ أرواح العالقين تحت الأنقاض بعد كل غارة جوية إسرائيلية.

بهذه العبارات استهلت الكاتبة رويدا كمال عامر تحقيقا صحفيا نشرته مجلة (972) اليسارية الإلكترونية، التي تصدر من تل أبيب وتديرها مجموعة من الصحفيين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لم أشهد شيئا مثل هذا

وعلى الرغم من أن موسى ظل يعمل في الدفاع المدني في غزة طيلة 5 سنوات -عاصر خلالها العديد من الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع وفترات من الهدوء النسبي يتركز عمله خلالها على إنقاذ الناس من حوادث طارئة روتينية- فإنه لم يشهد قط شيئا يشبه ما يحدث الآن.

ووفقا لوزارة الصحة في غزة، هناك أكثر من 8 آلاف شخص في عداد المفقودين منذ اندلاع الحرب، الغالبية العظمى منهم يُعتقد أنهم عالقون تحت الأنقاض. ومن المحتمل أن يكون كثيرون منهم قضى نحبه، رغم الجهود الحثيثة التي يبذلها العاملون في الدفاع المدني -أمثال موسى- الذين يعجزون عن التعامل مع حجم الدمار الذي طال غزة في الآونة الأخيرة.

وأوضح موسى قائلا "ليس لدينا المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض. وليس هناك كثير مما يمكننا فعله، وإذا كان المبنى من عدة طوابق، فعندئذ سيستغرق الأمر منا ساعات طوال ومجهودات جمة لإحراز أي تقدم".

ويتعين على عمال الدفاع المدني عند بلوغهم موقع الدمار، أن يحاولوا سريعا التعرف على مكان الحدث الذي يتعاملون معه. يقول موسى "لا نعرف عادة من هو العالق تحت الأرض أو كم عدد من نبحث عنهم، لذا ننادي من خلال الأنقاض، ونسأل عما إذا كان هناك من هو على قيد الحياة ليخبرنا عن عدد من كانوا يقيمون في هذا المبنى".

نظل نصرخ

ويضيف موسى "نظل نصرخ حتى يسمعنا أحد. أحيانا يأتينا رد فوري، لكننا في كثير من المرات نسمع أنينا فقط، ونحاول متابعته من أجل إنقاذ هؤلاء الناس".

إحدى الحالات التي اعتاد عمال الإنقاذ على مواجهتها في غزة، هي محاولة تهدئة الأطفال العالقين تحت أنقاض منازلهم. ويتابع موسى القول "الأطفال يصرخون من تحت الأنقاض، ويسألون عن أفراد أسرهم. أحيانا نكذب عليهم، ونخبرهم بأن الجميع بخير حتى لا يصابوا بالصدمة. وأحيانا أخرى يصرخون ليخبرونا أن أحد أفراد العائلة الذي كان يرقد بجانبهم قد استشهد".

ينتاب موسى شعور في أغلب الأحيان بأنه هو وزملاؤه يخوضون معركة خاسرة. "لا يتعلق الأمر بقصف منزل أو منزلين، إنما بمجمعات سكنية بأكملها. إن منطقة بأسرها تُمحى من الوجود، وتصبح كومة واحدة من الركام. ويتطلب ذلك منا أن نحفر بأيدينا لانتشال الجرحى الذين لا يزالون على قيد الحياة. نحاول أن نكون حذرين؛ لأن ثِقل الركام على أجسادهم قد يعني أننا قد نؤذيهم، بل قد نتسبب لهم في فقدان أطرافهم، أثناء محاولاتنا إنقاذهم".

يتعمدون قتل المدنيين

وتحاور رويدا عضوا آخر في الدفاع المدني يدعى أحمد أبو خضير من دير البلح بوسط غزة، الذي يصف الحرب بأنها "أشد وطأة وعنفا" من كل الاعتداءات الإسرائيلية السابقة على القطاع؛ بل إنه يعتقد في الواقع أن الجيش الإسرائيلي يسعى جاهدا إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالسكان المدنيين.

عمال الدفاع المدني أنفسهم ليسوا محصنين ضد الهجمات الإسرائيلية، فقد قُتل ما لا يقل عن 32 شخصا منذ بداية الحرب، منهم 7 أعضاء من فريق أبو خضير، الذي يعتقد أن هذا القتل لم يحدث عن طريق الخطأ.

يقول أبو خضير إن قوات الاحتلال تتعمد استهداف فرق الدفاع المدني والإسعاف. ويردف قائلا "أُصبت أثناء عملي في منزل تعرض للقصف جنوب قطاع غزة. انتشلنا جثث 3 شهداء، وأنقذنا عددا من الجرحى، لكن المنزل تعرض للقصف مرة أخرى. وعندما صعدت إلى سطح أحد المنازل المجاورة للبحث عن الناس، تعرضنا لصاروخين آخرين".

ساقان عالقتان

أحد المواقف المدمرة بشكل خاص والتي ظلت محفورة في ذاكرة أبو خضير، جاء في أعقاب تفجير وقع في منتصف الليل بالقرب من محطة وقود في بلدة القرارة جنوب قطاع غزة. ويتذكر قائلا "ذهبت إلى الموقع وفي البداية لم أتمكن من العثور على أي ضحايا. ثم سمعت أنينا واتجهت نحو الصوت. حفرت بين الأنقاض ووجدت ساقين عالقتين، ثم قمت بتحريرهما، وكانتا لفتاة تبلغ من العمر 12 عاما تدعى عائشة".

أخبرته الفتاة أن 8 من أفراد عائلتها محاصرون تحت الأنقاض، بالإضافة إلى عائلات أخرى، بينهم 9 أطفال صغار.

ورغم الجهود الحثيثة التي بذلها أبو خضير وزملاؤه، فإنهم ببساطة لم يكن لديهم الوسائل لإنقاذهم. ووصف تلك اللحظة بأنها "من أقسى اللحظات التي مررت بها وهي مغادرة مكان، وأنا أعلم أن هناك أناسا على قيد الحياة تحت الأنقاض، لكن لا يمكنك أن تفعل لهم شيئا، وبعضهم سيموت حتما".

المصدر : الصحافة الإسرائيلية