الاستيطان في غزة.. أمانيّ إسرائيل للسيطرة على القطاع

معارك مستمرة بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية في شمال غزة بعد نحو شهرين من التوغل البري في القطاع (الفرنسية)

القدس المحتلة- ترددت مؤخرا تصريحات كثيرة للإسرائيليين حول الخطط التي لا تملكها تل أبيب لليوم التالي للحرب على قطاع غزة. وتنوعت ما بين مخطط نقل وتهجير الغزيين والدعوات إلى إحلال المستوطنين مكانهم في القطاع، في توجه يعكس طرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال إن "إسرائيل ستتولى لفترة غير محددة المسؤولية الأمنية هناك".

وفي الوقت الذي تواصل فيه الحركات الاستيطانية بلورة خطة حول مستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب والبدء بالمشروع الاستيطاني فيه، يحرص نتنياهو على تأكيد رفضه عودة السلطة الفلسطينية للحكم في غزة، لكنه يرفض أيضا تقديم أي رؤية بديلة وعلنية باستثناء تكرار تصريحه وتجديد التزامه بفرض سيطرة أمنية كاملة على القطاع.

نتنياهو يرفض عودة السلطة الفلسطينية للحكم في غزة ولا يقدم رؤية واضحة لليوم التالي للحرب (غيتي)

تجنب الصدام

وفي غياب اليقين بأن الساعة الرملية السياسية لن توقف إسرائيل قبل تدمير البنية التحتية العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خلُص تقدير موقف صادر عن معهد "يروشاليم" الإسرائيلي للإستراتيجية والأمن، إلى أنه على تل أبيب التحرك بسرعة "لاحتلال غزة من أجل التفاوض ووضع شروطها بشأن اليوم التالي بعد الحرب".

ويعتقد رئيس المعهد أفرايم عنبار أنه يتعين على إسرائيل أن تركز على تحقيق مصالحها الأمنية المتلخصة بالحفاظ على حرية العمل العسكري في غزة، وإنشاء مناطق عازلة واسعة فيها تحت سيطرتها.

ويوصي عنبار بتجنب الصدام مع الإدارة الأميركية بكل ما يتعلق بمستقبل غزة، ويرى أن على تل أبيب أن تحاول التوصل إلى تفاهمات مع واشنطن، وتدعم المطلب الأميركي بإعادة هيكلة وتجديد السلطة الفلسطينية وإعادتها إلى غزة.

ويقترح على إسرائيل السعي إلى تقليل وجود القوات الدولية قدر الإمكان في القطاع لتجنب التوترات مع واشنطن والدول المشاركة في القوة الدولية.

ويرى عنبار أن وجود السلطة الفلسطينية في القطاع أفضل من وجود قوات دولية، كون ذلك يسمح بحرية العمل العسكري للجيش الإسرائيلي في غزة على غرار نموذج التنسيق الأمني في الضفة الغربية.

أمنيا، يقول عنبار إن الفراغ الحكومي في غزة لا ينبغي أن يزعج تل أبيب، لأنه يسمح بالدخول إلى القطاع والخروج منه حسب الحاجة، كما لن تكون هناك معارضة فعالة لإنشاء المناطق العازلة على طول الشريط الأمني.

يأتي تقدير الموقف هذا، في وقت توشك فيه الساعة الرملية للحرب على النفاد، ويحلم عدة مئات من المستوطنين بملء الفراغ الذي تسبب به النزوح القسري للغزيين عن منازلهم وأراضيهم تحديدا في شمالي القطاع جراء آلة الحرب الإسرائيلية.

في الواقع، يقول الصحفي الاستقصائي جور مجيدو "للمستوطنين رؤية واضحة للمستقبل، سيعيشون في غزة، وسيتولى الجيش الإسرائيلي حراستهم"، حسب تقديره.

خطة استيطانية

تعكس هذه الرؤية التصور الذي عبّرت عنه الخطة "المسيحانية" التي تعتمد على معتقدات دينية يهودية وتوراتية، وبلورتها الحركات الاستيطانية الداعية إلى الاستيطان وفرض أمر واقع في قطاع غزة، وذلك في سياق مشروع "أرض إسرائيل الكبرى"، بحسب ما استعرضه الصحفي مجيدو في تقرير بصحيفة "ذا ماركر".

لا تكتفي الرؤية الاستيطانية المشمولة بهذه الخطة، يقول مجيدو "بالعودة إلى عهد التجمع الاستيطاني غوش قطيف، فهناك عنصران رئيسيان يجعلان الأمر مختلفا مقارنة بالوضع عشية خطة فك الارتباط في عام 2005".

وفق رؤية هذه الحركات، أولا، سيستوطن اليهود في جميع أنحاء القطاع وبين السكان الفلسطينيين مثل الضفة والقدس، وليس فقط داخل حدود المستوطنات التي تم التخلي عنها في القطاع بموجب خطة فك الارتباط، وثانيا، يقول مجيدو "ستسعى إسرائيل جاهدة إلى استغلال الوضع الجديد في غزة لجعلها نظيفة من الغربيين، بالمعنى الحرفي للكلمة".

تقضي الخطة بإعادة توطين المستوطنين في قطاع غزة وليس فقط عند المناطق الحدودية، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية وحالة القتال لإجبار الفلسطينيين على الهجرة القسرية من القطاع والتنقل إلى أوروبا، وتهدف لتكوين ما سموها "أرض إسرائيل" خالية من العرب.

ويأتي تنفيذها، على غرار ما فرضته الحركات الاستيطانية من وقائع على الأرض في الضفة والقدس المحتلتين منذ اتفاقية أوسلو، لإسكان قرابة مليون مستوطن ووضع اليد على الأراضي ومحاصرة الفلسطينيين وتركيزهم على أقل بقعة من الأرض، لدفعهم على الهجرة القسرية.

وشارك المئات من نشطاء الحركات الاستيطانية وأحزاب اليمين المتطرف من تحالف "الصهيونية الدينية"، بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وحزب "عظمة يهودية" برئاسة إيتمار بن غفير، قبل أيام في فعاليات مؤتمر بعنوان "التحضير العملي للاستيطان في قطاع غزة"، وعُقد بالنقب الغربي.

حلم ومزاعم

ونقلت صحيفة "هآرتس" عن إحدى المشاركات في جلسات المؤتمر قولها إن حلمها هو "العيش بجوار كنيس الحاخام إسرائيل نجارا الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ17، وهو موقع لم يعد موجودا، ولكن موقعه التقريبي يقع في قلب مدينة غزة"، حسب زعمها.

وعلقت دانييلا فايس، من قادة الحركات الاستيطانية في الضفة والقدس، على ذلك بالقول "لا يمكن فعل أي شيء في غزة باستثناء الاستيطان اليهودي في القطاع بأكمله"، وفق تعبيرها.

وأضافت فايس "من رون ديرمر؟ من تساحي هنغبي؟ الوزير ديرمر ورئيس مجلس الأمن القومي هما عضوان في الفريق الذي شكله نتنياهو لصياغة توصيات اليوم التالي للحرب على غزة، والتي لم يثبت بعد أنها أكثر من مجرد وسيلة لإضاعة الوقت وتهدئة الضغط الأميركي".

وسأل أحد المشاركين مُسيّر جلسة النقاش حول مستقبل غزة ما بعد الحرب "ما هو الحل فيما يتعلق بالعرب هناك؟"، فأجابه، "إلى أوروبا، لربما سيكون هناك عرب، ولكن بشكل مؤقت". وأضاف "مثلما يحدث في الضفة الغربية فيما يتعلق باسترداد الأراضي من الفلسطينيين"، حسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة