"أسلحتنا مجربة في الميدان".. هكذا تستغل إسرائيل المجازر لزيادة مبيعاتها من الأسلحة

جاءت طوفان الأقصى لتظهر للعالم كيف فشلت أسلحة وتقنيات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ هذا الوعد الدعائي الذي زعمته "أمة التكنولوجيا والشركات الناشئة". (رويترز)

نحن الآن في منتصف عام 2014، في مدينة رفح، يقود الشاب "أحمد سعيد النجار" سيارته الأُجرة محاولا مساعدة العائلات الفلسطينية على الوصول إلى مناطق آمنة في جنوب غزة. كان يركب معه في السيارة 6 أشخاص، منهم صديقه المقرب "ساهر"، حين اخترق سقف السيارة صاروخ أطلقته طائرة بدون طيار، متسببا في استشهاد الركّاب الستة. وحده أحمد نجا من الحطام حيًّا، لكنه أُصيب بحروق شديدة، وجروح متعددة، وفقد إحدى عينيه، وبتر الانفجار ساقه اليمنى (1).

تبين لاحقا أن الصاروخ الذي استهدف السيارة من طراز "سبايك"، وهو صاروخ إسرائيلي الصنع من إنتاج شركة "رافائيل" للأنظمة القتالية يمكن تعديله ليحمل قنبلة من نوع "دايم" (DIME)، وهو اختصار لاسمها (Dense Inert Metal Explosive)، وتعني "متفجرات المعدن الخامل الكثيفة"، وتؤدي إلى قتل ضحاياها عبر بتر أطرافهم بما يشبه عمل المنشار الآلي (2).

بحلول عام 2014، كان الطلب مرتفعا على الطائرات المسيّرة التي تحمل صاروخ "سبايك" من عدّة دول مختلفة حول العالم وتُدعى طائرة "إيتان"، أو "هيرون-تي بي"، وهي المسيّرة الجوية الأكبر حجما لدى إسرائيل، وبإمكانها الطيران لمدة تصل إلى 40 ساعة متواصلة وتحمل أربعة صواريخ "سبايك"، وقد دخلت الخدمة عام 2007، وتصنعها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) المملوكة لدولة الاحتلال. استخدمها جيش الاحتلال في حرب غزة في ديسمبر/كانون الأول عام 2008 لأول مرة في هجمات ضد المدنيين، وفقا لما ذكره تقرير من منظمة "Drone Wars UK"، وهي منظمة غير حكومية في المملكة المتحدة تُجري أبحاثا حول استخدام الطائرات والمركبات المسلحة بدون طيار (3).

طائرة إسرائيلبة دون طيار من طراز هيرون (رويترز)

وفقا للتقرير، شهدت الشركة بعد الحرب زيادة في الطلب على نماذج مختلفة من طائرات "هيرون" المسيّرة من دول مختلفة حول العالم، وأشار أيضا إلى أن إسرائيل صدَّرت تكنولوجيا الطائرات المسيّرة إلى نحو 50 دولة من أصل 76 دولة يُعتقد أنها كانت تملك هذا النوع من التكنولوجيا حينها.

بالمثل، وفي الحرب الدائرة حاليا على قطاع غزة، يستخدم جيش الاحتلال أسلحة جديدة للمرة الأولى ضد المدنيين العُزل، مثل قذيفة الهاون الجديدة عالية الدقة "اللدغة الحديدية" (Iron Sting)، من تصنيع وإنتاج شركة "أنظمة إلبيط" (Elbit Systems) الإسرائيلية (4). وهو أمر ليس بجديد، ففي في كل حرب إسرائيلية ضد القطاع، تُستخدم مجموعة من الأسلحة، وتقنيات المراقبة، ضد الفلسطينيين، ثم تُسوِّقها دولة الاحتلال وتبيعها لعدد من دول العالم. الفكرة الرئيسية هنا في إستراتيجية التسويق التي تعتمدها إسرائيل في كل مرة وتزعم فيها أن أسلحتها "مُجربة في ميدان المعركة"، ما يجعل فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، أشبه بـ"مختبر مفتوح" للأسلحة الإسرائيلية.

المختبر الفلسطيني

هذا ما يؤكده "أنتوني لوينشتاين"، الصحفي الاستقصائي الأسترالي الألماني، في كتابه "المختبر الفلسطيني" (5)، حيث يذكر أن دولة الاحتلال طورت صناعة الأسلحة لديها على مدار السنوات الماضية عبر اختبارها على مواطني فلسطين المحتلة، ثم سوَّقت لهذه الأسلحة على أنها "مُجربة في ميدان المعركة". تلك الإستراتيجية أدت إلى انتشار العلامة التجارية لجيش الاحتلال الإسرائيلي بنجاح عالميا، وجعلت شركات الأمن والسلاح الإسرائيلية من بين أكثر الشركات تحقيقا للمكاسب في هذا المجال، لأن فكرة "المختبر الفلسطيني" تُعَدُّ نقطة بيع إسرائيلية مميزة مقارنة بأي شركة سلاح أخرى أمام العملاء.

يحكي "أندرو فاينستاين"، وهو سياسي جنوب أفريقي وأحد خبراء صناعة السلاح، أنه في عام 2009 حضر معرض باريس الجوي (Paris Air Show)، أكبر معرض لصناعة الطيران في العالم، حينها شاهد عرضا لشركة "أنظمة إلبيط" الإسرائيلية، وهي واحدة من أكبر شركات السلاح هناك، تروج فيه منتجاتها لجمهور النخبة من العملاء المحتملين، وكان مقطع الفيديو يعرض طائرات مسيّرة هجومية، من تلك التي تُستخدم في حروب إسرائيل ضد غزة وفي الضفة الغربية المحتلة. صور جيش الاحتلال هذا المقطع قبلها بشهور في الحرب، وأظهر كيف استطلعت الطائرة بعض المواطنين الفلسطينيين، ثم ألقت قذيفة واغتالت الهدف.

بعدها بأشهر قليلة، أجرى "فاينستاين" تحقيقا وراء هذا المقطع، واكتشف أن عملية القصف أدت إلى استشهاد عدد من المدنيين الأبرياء، من ضمنهم مجموعة من الأطفال. بالطبع لم تعرض الشركة تلك الحقيقة الواضحة في مقطعها الدعائي، لكن "فاينستاين" تفاجأ حينها من الأسلوب التسويقي لصناعة الأسلحة الإسرائيلية، وذكر أن "أي دولة أخرى، تُنتج الأسلحة، لن تجرؤ على عرض لقطات فعلية وحقيقية مثل تلك اللقطة" (5).

يؤكد "فاينستاين" أنه لا يتخيل أن شركات الأسلحة الأشهر عالميا، مثل "لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin) أو "بي أيه إي سيستمز" (BAE Systems)، يمكنها أن تعرض للعملاء لقطات حية لقصف المدنيين من نساء وأطفال في الأماكن التي تبيع فيها أسلحتها حول العالم. لكن إسرائيل، وشركاتها الخاصة، يمكنها التعامل بهذه الطريقة وبأريحية كبيرة، نظرا لعدم اهتمامها أصلا بأي قوانين دولية أو حتى الخوف من أي عقوبات أو ضغط دولي، لأنها ببساطة ترى نفسها فوق كل هذه الأمور.

دولة لتجارة السلاح

وصلت قيمة صادرات دولة الاحتلال من الأسلحة إلى 12.5 مليار دولار خلال عام 2022، وهذا الرقم يُمثِّل زيادة بنسبة 50% عن السنوات الثلاث السابقة (رويترز)

في الواقع، يقوم جزء أساسي من اقتصاد الاحتلال في الوقت الراهن على تصدير الأسلحة وتقنيات التجسس الإلكتروني التي اكتسبت شهرة واسعة عالميا خلال السنوات القليلة الماضية. فمثلا وصلت قيمة صادرات دولة الاحتلال من الأسلحة إلى 12.5 مليار دولار خلال عام 2022، وهذا الرقم يُمثِّل زيادة بنسبة 50% عن السنوات الثلاث السابقة، وبنسبة 100% مقارنة بالعقد السابق (6). من بين هذه الصادرات كانت 25% منها مخصصة للطائرات بدون طيار، سواء الهجومية أو التي تجمع المعلومات الاستخباراتية، وبنسبة 19% للقذائف والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. ربما السبب في هذه الزيادة هو حرب روسيا وأوكرانيا، خاصة أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية للدول الأوروبية تُشكِّل 29% من إجمالي صادراتها.

لكن حتى في عام 2021، كانت صادرات الأسلحة الإسرائيلية في أعلى مستوياتها، إذ وصلت إلى 11.3 مليار دولار (7)، بزيادة قدرها 55% مقارنة بالعامين السابقين، وكانت الدول الأوروبية حينها هي أكبر مشترٍ لتلك الأسلحة، تليها دول آسيا والمحيط الهادئ. شملت قائمة الصادرات أيضا الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والتقنيات السيبرانية وغيرها، والنتيجة أن إسرائيل أصبحت الآن من أكبر عشرة تجار الأسلحة في العالم.

يذكر "لوينشتاين" أن حكومة الاحتلال، وشركات الأسلحة الخاصة التابعة لها، تستغل خبراتها في احتلال الشعب الفلسطيني في تحقيق تلك المكاسب المادية الهائلة. مثلا، باعت الحكومة تقنياتها للولايات المتحدة بوصفها حلًّا لمواجهة المواطنين "غير المرغوب فيهم" على الحدود الأميركية المكسيكية، إذ كانت منتجات شركة "أنظمة إلبيط" الإسرائيلية لاعبا رئيسيا في صد المهاجرين ومنعهم على الحدود. كما أرادت الحكومات الأوروبية أيضا مراقبة اللاجئين، لذا لجأت لاستخدام الطائرات المسيّرة للاستطلاع التي تبيعها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لهذه المهمة.

الشركة الإسرائيلية الشهيرة "إن إس أو غروب" (NSO Group) التي طورت برمجية التجسس "بيغاسوس" (Pegasus) (غيتي)

على صعيد التجسس السيبراني، وخلال السنوات الأخيرة، انفجر سوق المرتزقة السيبرانيين، وهو مصطلح يشير إلى مجموعة متنوعة من الشركات التي تعمل بمجال الأمن الإلكتروني وتطور وتبيع أجهزة ومعدات وخدمات إلكترونية لأغراض اختراق أجهزة الضحايا. تشير بعض التقديرات إلى وصول قيمة هذا السوق إلى أكثر من 12 مليار دولار عالميا. هذا النمو كان مدفوعا، في جزء كبير منه، بسبب الحكومات التي تسعى إلى الوصول بسهولة لهذا النوع من الأدوات، والأهداف المعلنة هي محاربة الإرهاب والعصابات الإجرامية الكبيرة، أما الأهداف غير المعلنة فهي مراقبة النشاط الإلكتروني عموما. مثلا أشارت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى 74 حكومة على الأقل تعاقدت مع هذه الشركات، بين أعوام 2011-2023، لتحصل على برمجيات التجسس وتقنيات التحقيقات الرقمية.

دولة الاحتلال الإسرائيلي هي أكبر مصدر لهذا النوع من الشركات والبرمجيات الخاصة بالتجسس، إذ اشترت 56 حكومة، من أصل 74 حكومة، تلك البرمجيات والتقنيات الرقمية من شركات مقرها إسرائيل أو على صلة بها، مثل الشركة الإسرائيلية الشهيرة "إن إس أو غروب" (NSO Group)، التي طورت برمجية التجسس "بيغاسوس" (Pegasus)، تلك البرمجية التي تستخدمها مخابرات وأجهزة أمنية لأكبر دول العالم المتقدم ومنها المخابرات الأميركية (8).

ورقة ضغط

لكن الوظيفة الأهم لصادرات الأسلحة تتجاوز كل تلك الإيرادات التي تجلبها لإسرائيل. على مدى العقود الماضية، أفادت التقارير أن إسرائيل باعت أسلحة إلى نحو 130 دولة حول العالم (9)، لكن عند البحث الدقيق، من المستحيل العثور على قائمة كاملة بهذه البلدان، إذ لا تنشر إسرائيل أي معلومات رسمية حول صادراتها من الأسلحة، وربما هناك أسباب وجيهة وراء رغبة دولة الاحتلال في إخفاء تلك المبيعات، لأن كثيرا من عملائها ضمن أكبر الديكتاتوريات الاستبدادية في العالم.

ردا على رئيس كولومبيا "غوستافو بِترو" الذي رفض إدانة هجمات المقاومة الفلسطينية على جيش الاحتلال، أوقفت الحكومة الإسرائيلية كل صادراتها من المعدات الدفاعية والأمنية إلى كولومبيا. (الأناضول)

يُفضِّل عملاء إسرائيل عدم الإعلان عن أي تفاصيل، وبالتالي ستجد في أغلب الحالات أن عناوين الأخبار تتحدث عن بيع إسرائيل لنظام صاروخي، أو برنامج تجسس جديد، لإحدى دول "منطقة آسيا والمحيط الهادئ" أو "دولة في أوروبا"، بهدف الحفاظ على سرية العميل.

يرى "لوينشتاين" أن هذه السرية التي تحيط بالصفقات العسكرية لدولة الاحتلال تهدف بالأساس إلى عزل نفسها عن أي رد فعل شعبي أو سياسي على احتلالها المستمر للأراضي الفلسطينية. ومَن يفكر في مخالفة سياستها، أو انتقادها علنا، فستقرر دولة الاحتلال معاقبته بحرمانه من تلك الإمدادات العسكرية، كما حدث مؤخرا مع رئيس كولومبيا "غوستافو بِترو" الذي رفض إدانة هجمات المقاومة الفلسطينية على جيش الاحتلال في عملية "طوفان الأقصى"، بل وقارن انتهاكات إسرائيل ضد الفلسطينيين "بالجرائم التي ارتكبها هتلر والنازيون ضد اليهود" على حد تعبيره. وردا على ذلك، أوقفت الحكومة الإسرائيلية كل صادراتها من المعدات الدفاعية والأمنية والخدمات المرتبطة بها إلى كولومبيا (10).

هؤلاء الحلفاء، سواء كانوا حلفاء حقيقيين أو حلفاء مصلحة، منحوا إسرائيل الحماية التي ترغب بها من العقوبات الدولية، أو المثول أمام محكمة العدل الدولية لمحاسبتها على جرائم الحرب التي ترتكبها يوميا في غزة وباقي الأراضي الفلسطينية. وللأسف تلك الإستراتيجية ناجحة حتى الآن، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها في الغرب هم مَن يتحكمون فعليا في مسار منظومة العدالة الدولية العرجاء.

في النهاية، يوضح كل هذا أن إسرائيل تستفيد من احتلال الشعب الفلسطيني، وتعامله بوصفه ساحة اختبار لمعدات وتقنيات وأسلحة جديدة، تخدم جيوشا وأنظمة استبدادية، أو حتى أنظمة ديمقراطية تدّعي احترامها لحقوق الإنسان. ولكن للمفارقة، حين جاءت لحظة الاختبار الحقيقية لتلك الأسلحة والتقنيات في أرض المعركة فعلا أمام قوات المقاومة الفلسطينية ضعيفة التسليح بعد عملية "طوفان الأقصى"، شاهد العالم أجمع كيف فشلت تلك الأسلحة والتقنيات في تنفيذ هذا الوعد الدعائي الذي زعمته "أمة التكنولوجيا والشركات الناشئة".

___________________________________________

المصادر:

المصدر : الجزيرة