الهدنة لم تسعفها.. مستشفيات غزة خلية نحل لا تستريح

غزة- حينما تم التوصل للهدنة في قطاع غزة، شعر الممرض عبد العزيز العزايزة بالراحة، واعتقد أنه وزملاءه العاملين في قسم الاستقبال والطوارئ بمستشفى "شهداء الأقصى" وسط القطاع سيتنفسون الصعداء أخيرا. لكنّ رياح هذه الهدنة لم تأتِ بما تشتهي سفن الطواقم الطبية التي لم تشعر بأي تخفيف للضغط الواقع عليهم.

ومع انتهاء سابع أيام الهدنة في غزة، اليوم الجمعة، واستئناف القصف الإسرائيلي، يستمر عمل الطواقم الطبية الدؤوب في استقبال ضحايا العدوان من الجرحى بأعداد كبيرة.

وتوصلت المقاومة الفلسطينية وإسرائيل لاتفاق هدنة مؤقتة بدأ الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وانتهى صباح اليوم الجمعة. ونص على تبادل الأسرى بين الجانبين، وإدخال مساعدات إنسانية لغزة.

صور عامة تظهر حالة الضغط الذي تعيشه المشافي رغم حالة الهدنة
ارتفاع عدد مرضى الغسل الكلوي بمستشفى شهداء الأقصى بغزة إلى 346 لزيادة عدد النازحين (الجزيرة)

لا أسرّة شاغرة

ورغم صمت دوي المدافع وأزيز الطائرات خلال أيام الهدنة، وتوقف وصول الإصابات الناتجة عن الغارات إلى المشافي، لم تنخفض أعداد المواطنين من متلقي الخدمات الطبية، ولم يجد الأطباء والممرضون فرصة لالتقاط الأنفاس.

كما أن السعة السريرية للمستشفيات تكاد تقترب من الصفر بسبب الأعداد الكبيرة للجرحى الذين ما يزالون نزلاء فيها ولم يغادروها. وما يزال الضغط على غرف العمليات على حاله، إذ ينتظر الكثير من الجرحى دورهم لإجراء العمليات الجراحية.

وتشنّ إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حربا مروّعة على قطاع غزة، راح ضحيتها أكثر من 15 ألف شهيد، و7 آلاف مفقود ونحو 35 ألف جريح، بالإضافة إلى تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية.

ويوضح الممرض العزايزة أن المشكلة الكبرى التي تواجه الطواقم الطبية حاليا هي عدم وجود أسرّة لاستقبال المرضى المحتاجين لدخول المستشفى.

وفي مستشفى "شهداء الأقصى" يشير إلى عجوز يجلس على كرسي متحرك قائلا للجزيرة نت "كما ترون، هذا رجل على كرسي متحرك يحتاج الدخول للمستشفى والعلاج، لكن حتى الآن لا يوجد سرير فارغ له". ويؤكد العزايزة أن الضغط الواقع عليهم جراء الحرب الإسرائيلية ما يزال على حاله.

ويضيف خلال عمله بقسم الاستقبال والطوارئ "أثناء الحرب كنا نتعامل مع الإصابات الحرجة والمتوسطة جراء القصف، والآن نتعامل مع أمراض المواطنين العادية والمزمنة، مع مشكلة عدم وجود أسرّة لهم".

الممرض عبد العزيز العزايزة (يسار) يقول إن الهدنة لم تخفف من أعباء الطاقم الطبي
العزايزة (يسار) يدعو لنقل الجرحى ممن حصلوا على علاجهم الأساسي إلى مستشفى ميداني (الجزيرة)

أعباء إضافية

ويتابع العزايزة "الحالات -التي كانت لا تستطيع الوصول للمستشفى خلال الحرب- أصبحت تصل، مثل حالات الباطنة والأزمة القلبية والأمراض المزمنة العادية التي لا علاقة لها بالحرب، وأصبح لدينا ازدحام كثيف، رغم استمرار نقص المعدات والأدوية والطاقم الطبي، ونتعامل مع كل هذه الحالات فوق طاقتنا الاستيعابية".

ورأى أن الحل يكمن في نقل الكثير من الجرحى الذين حصلوا على علاجهم الأساسي إلى مستشفى ميداني، بهدف زيادة السعة السريرية في المستشفى ليتمكن من التعامل مع "الحالات الجديدة".

ويتفق الناطق باسم مستشفى شهداء الأقصى الطبيب خليل الدقران، مع العزايزة، في تفسير حالة الضغط الشديد الذي ما يزال المستشفى يعيشه.

ويقول الدقران -للجزيرة نت- إن المستشفى أثناء الحرب لا يستطيع استقبال الحالات العادية الناجمة عن أمراض الباطنة، لكنها تُقبل بكثافة خلال أيام الهدنة، مما يتسبب في استمرار حالة الإرهاق التي تعاني منها الطواقم الطبية.

ويلفت لقضية أخرى تزيد الضغط على المستشفيات، وهي انتشار الأمراض المعدية كالنزلات المعوية خاصة بين النازحين بمراكز الإيواء جراء عدم توفر مياه نظيفة للشرب، وكذلك حالات الالتهاب الرئوي. و"هؤلاء كانوا في السابق لا يأتون للمستشفيات بسبب العدوان الإسرائيلي، لكنهم جاؤوا بكثرة خلال التهدئة".

كما أن قلة الأدوية والمستلزمات الطبية تزيد من أعباء الطواقم الطبية، ويؤكد الدقران أن المستشفيات لم تستقبل حتى الآن الكميات اللازمة من المساعدات التي دخلت القطاع ضمن اتفاق الهدنة.

وأشار إلى أن جرحى العدوان الإسرائيلي ما يزالوا في المستشفيات ولم يغادروها نظرا لطبيعة إصاباتهم الصعبة، مما يتسبب في انخفاض السعة السريرية في المستشفى.

وذكر أن المرضى من غير الجرحى الذين يحضرون حاليا إلى المستشفى، جراء الأمراض الباطنية، لا يجدون أي أسرّة. ويضيف "نضطر لوضع حالات القلب وأمراض الباطنة في الممرات".

صور عامة تظهر حالة الضغط الذي تعيشه المشافي رغم حالة الهدنة
23 من مستشفيات قطاع غزة خرجت عن الخدمة جراء العدوان الإسرائيلي(الجزيرة)

ضغط متواصل

وفيما يتعلق بالضغط على غرف العمليات الجراحية، أكد الدقران أن الهدنة لم تنجح في تخفيفه، وقال "المشكلة أن هناك الكثير من الجرحى ينتظرون دورهم منذ فترة لإجراء العمليات الجراحية، ونحتاج إلى 15 يوما حتى ينتهي هذا الدور دون أن يأتي جرحى جدد".

وتطرق إلى قضية أخرى تسببت في زيادة الإقبال على المستشفيات خلال أيام الهدنة، وهو سوء التغذية الذي يعاني منه الأطفال جراء ظروف الحرب، واستمرار الحصار.

وطالب المتحدث بإقامة العديد من المستشفيات الميدانية لتخفيف الضغط الحاصل على مشافي القطاع الحالية، خاصة أن 23 منها خرجت عن الخدمة.

وأضاف "نعاني ضغطا شديدا، فمثلا كان عدد مرضى الغسل الكلوي في مستشفى شهداء الأقصى 146 فقط، وأصبحوا بفعل زيادة عدد النازحين 346، وتعطلت 4 آلات من أصل 23 لكثرة الاستخدام".

وكان الطبيب إياد أبو زاهر المدير العام لمستشفى شهداء الأقصى قد ذكر -في حوار سابق مع الجزيرة نت- أن وضع المستشفى "كارثي" وأنهم لا يبحثون عن جودة الخدمة بقدر "الحفاظ على الأرواح".

وقال أبو زاهر إنهم يضطرون لاستخدام أسلوب المفاضلة في اختيار الجرحى الذين سيدخلون غرف العمليات، مما يؤدي إلى وفاة بعضهم خلال انتظار دورهم، ولفت إلى أن تهجير سكان شمال القطاع ضاعف أعداد متلقي الخدمة من المستشفى مما أثّر بشكل كبير على سير العمل.

وأوضح أن السعة السريرية بالمستشفى زات بنسبة 1000% بسبب الأعداد الكبيرة من المصابين، رغم قلة الأدوية وإنهاك الطواقم الطبية، وقال إن المساعدات التي دخلت من معبر رفح لا تكفي المشفى يوما أو اثنين وإن الكثير من الجرحى بحاجة ماسة للسفر للخارج.

المصدر : الجزيرة