كيف عززت حرب غزة الشرخ بين موسكو وتل أبيب؟

تسليم كتائب القسام الدفعة الرابعة من الأسرى الإسرائيليين في غزة صور خاصة بالجزيرة
حماس أفرجت عن محتجز من الجنسية الروسية وسلمته للصليب الأحمر ضمن الدفعة الثالثة "تقديرا" لبوتين (الجزيرة)

موسكو- مع بداية الجولة الجديدة من الصراع بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حرصت روسيا على إعادة تأكيد موقفها بضرورة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة كأساس لحل الصراع في الشرق الأوسط، وعلى "حق تل أبيب في الدفاع عن النفس"، في الوقت ذاته.

مع ذلك، يرى مراقبون روس بأن هذه الصيغة لم تعد تحمل نفس المضمون الذي كان يحكم الموقف الروسي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، القائم على تأكيد حياد موسكو في هذه القضية ووقوفها على مسافة واحدة من طرفي النزاع.

ومع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، انضمت روسيا إلى صفوف الدول الأكثر انتقادا لجرائم الاحتلال ضد المدنيين في القطاع. حيث وصف مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إسرائيل بأنها دولة محتلة وشكك في حقها بالدفاع عن النفس.

عود على بدء

في المقابل، اتهم المندوب الإسرائيلي الدائم جلعاد إردان موسكو بما اعتبره "استغلالها هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتحقيق أغراضها الأنانية في محاولة لصرف انتباه العالم عن غزوها لأوكرانيا"، واصفا روسيا بأنها "الدولة الأخيرة التي لها الحق في تعليم إسرائيل الأخلاق".

تاريخيا، تقلبت العلاقات بين موسكو وتل أبيب في اتجاهات مختلفة أكثر من مرة، فخلال ما يسمى بحرب الأيام الستة عام 1967، قطع الاتحاد السوفياتي، الذي كان آنذاك حليفا للدول العربية، علاقاته مع إسرائيل لمدة ربع قرن تقريبا.

ولكن في مطلع القرن العشرين، بدأت العلاقات الثنائية تتحسن بسرعة، وأصبحت روسيا وإسرائيل قريبتين قدر الإمكان في السنوات العشر الماضية في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصف نفسه بأنه صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يقول أندريه أونتيكوف الخبير في شؤون الشرق الأوسط -للجزيرة نت- إن إسرائيل ظلت لفترة طويلة أحد شركاء روسيا الرئيسيين في الشرق الأوسط، ولكن الحرب في غزة وتقارب موسكو مع حماس غيّرا كل شيء، بحسب قوله.

وبرأيه، تشهد العلاقات الثنائية أشد أزماتها في السنوات الأخيرة، وأصبحت موسكو أقرب بشكل متزايد إلى إيران وحلفائها، مما يجعل من المستحيل عليها المطالبة الآن بدور الوسيط المحايد في الشرق الأوسط، ولكن في الوقت ذاته، سيعزز ذلك من نفوذها في المنطقة على ضوء انحياز واشنطن الكامل لتل أبيب.

ويضيف أونتيكوف أن إسرائيل بدأت في التقرب أكثر من الولايات المتحدة والغرب بشكل عام وهذا يعني الابتعاد أكثر فأكثر عن روسيا. ويقول إن هذه مراجعة جادة لمسار السياسة الخارجية، بعد أن حاول نتنياهو في السنوات الأخيرة تقديم إسرائيل كقوة مستقلة، ونفسه كزعيم يمكنه الحفاظ على اتصالات جيدة مع واشنطن، والصين، والهند، وروسيا.

إعادة تموضع

لكن الدعم الحالي من الرئيس الأميركي جو بايدن والقادة الأوروبيين، برأي أونتيكوف، يقنع الإسرائيليين بشكل متزايد بأنه لا يمكنهم الاعتماد إلا على الغرب، وبالتالي تحاول تل أبيب بكل الطرق الممكنة تجنب الخلافات مع واشنطن والغرب بشكل عام، حتى لا تفقد دعمها في غزة.

وفي المقابل، يقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط، فإن روسيا أيضا ستكون في عجلة من أمرها لتعويض الفراغ الذي يمكن أن ينجم عن تدهور تاريخي في العلاقات مع إسرائيل والتباعد عنها عبر مزيد من التقارب مع بلدان المنطقة، وبالأخص خصوم تل أبيب.

ولا يستبعد الخبير الروسي أن يصل الأمر إلى حد تزويد هذه الدول -في حال تدهورت الأوضاع بشكل تام- في المنطقة بأسلحة هجومية، مع إدراك أن مثل هذه الخطوة ستشكل نقطة اللاعودة في العلاقات مع إسرائيل.

بدوره، يرى الباحث في الشؤون الإستراتيجية، ديمتري كيم، أن تقارب موسكو مع إيران، التي تزود الجيش الروسي بطائرات دون طيار وأسلحة أخرى، بات أمرا واضحا، وعلى الأرجح ستعزز التعاون العسكري عموما بين البلدين لا سيما مع وصول العلاقات مع تل أبيب إلى مرحلة حرجة.

وبهذا المعنى، يعتبر أن الدخول الروسي على ملفات المنطقة سيكون أكثر جدية مع حاجة المنطقة إلى ثقل مواز لمواجهة محاولات واشنطن الاستفراد بها وفرض أجندتها عليها.

حلف روسي صيني

وبحسب كيم، فإن التسارع الدراماتيكي للتطورات في غزة واحتمال تدحرج كرة الثلج إلى مناطق الضفة الغربية والجبهات الأخرى المحتملة لتوسع الصراع، ستشكل دفعة جديدة لمسار التوجه الروسي الصيني نحو توسيع نطاق ثنائية القطب، التي يشكل الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم استعدادا لقبولها.

ويلفت إلى أن هذه الاحتمالات يعززها مواصلة الغرب سياسة فرض العقوبات والتلويح بمزيد من المساعدات العسكرية لكييف، قائلا إن موسكو تخسر بشكل متزايد مواقعها في الشرق الأوسط بحكم انشغالها بالحرب في أوكرانيا.

ويضيف كيم أن العلاقة مع تل أبيب بلغت أشواطا غير مسبوقة في التأزم، ومن بين الأمثلة على ذلك توقف إسرائيل عن تحذير موسكو قبل شن ضربات جوية في سوريا، مما يزيد بشكل كبير من خطر حدوث صدام بين البلدين.

ويتابع أنه علاوة على ذلك "فإنه منذ بداية حرب غزة، تحدث نتنياهو مع بوتين هاتفيا مرة واحدة فقط، وهذا مؤشر واضح على أن تل أبيب لم تعد تعتبر موسكو طرفا مهما في هذا الصراع، فضلا عن بدء البنوك الإسرائيلية تنفيذ توصيات الاتحاد الأوروبي بفرض قيود على الحسابات المفتوحة من قبل الروس".

المصدر : الجزيرة