ارتفع في 2022 بنسبة غير مسبوقة منذ 1967.. هل يكون 2023 عام اكتمال الاستيطان في الضفة والقدس؟

رام الله- على مدار الأسبوع الماضي أغلق الاحتلال جميع مداخل خِربتي المركز والجنبا في "مَسافر يطا" جنوب الضفة الغربية، ومنع سكانها من الخروج أو الدخول. وجاء حصار التجمعين الفلسطينيين ضمن سياسة تضييق على السكان لتهجيرهم ضمن مخطط إسرائيلي لتفريغ المنطقة بالكامل.

وتمتد مسافر يطا، والتي تضم 12 تجمعا سكانيا فلسطينيا، على جبال محافظة الخليل الجنوبية، ويسعى الاحتلال منذ سنوات لتهجير سكانها البالغ عددهم نحو 3 آلاف لصالح توسيع 10 مستوطنات وبؤر استيطانية ومناطق تدريب وإطلاق نار أقيمت في المنطقة المصنفة (ج) حسب اتفاق أوسلو (تخضع للسيطرة الإسرائيلية).

والسعي لتفريغ منطقة المسافر من سكانها يقوم على إنشاء بيئة قسرية طاردة للسكان الفلسطينيين، كما جاء في التقرير السنوي لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان (شبه رسمية).

وقال رئيس الهيئة مؤيد شعبان، في استعراض التقرير الأربعاء، إن إسرائيل تطبّق هذه السياسة في منطقة الأغوار أيضا، إلى جانب إجراءات ضم إضافية في كل المناطق المصنفة (ج).

والتقرير الذي رصد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلة خلال 2022، خلص إلى أن الاستيطان زاد بنسب غير مسبوقة منذ احتلال الضفة الغربية والقدس عام 1967.

وبحسب التقرير، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس 726 ألفا و427 مستوطنا، موزعين على 176 مستوطنة، و186 بؤرة استيطانية (نواة مستوطنة)، أقيمت 10 منها خلال عام 2022، بالإضافة إلى بؤرتين تمت شرعنتهما.

وخلال 2022 صادقت حكومة الاحتلال على 83 مخططًا لبناء 8288 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، و2635 وحدة بالقدس المحتلة.

وصادرت سلطات الاحتلال قرابة 26 ألفا و500 دونم تحت مسميات مختلفة مثل إعلان محميات طبيعية، وأوامر استملاك ووضع يد، واعتبارها "أراضي دولة".

فلسطين- عزيزة نوفل- خربة الفخيت إحدى خرب مسافر يطا 12 - أرشيف خاص
خربة الفخيت إحدى تجمعات مسافر يطا جنوب الخليل بالضفة الغربية والمهددة بطرد الآلاف من أصحابها الفلسطينيين (الجزيرة)

ضم الضفة والقدس

إذا كانت هذه الصورة للنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس خلال العام الماضي، فماذا ينتظر الفلسطينيون في هذا ملف عام 2023 في ظل الحكومة الأكثر تطرفا ودعما للاستيطان في تاريخ إسرائيل؟

يجيب الباحث والمتابع للشؤون الإسرائيلية عادل شديد أن المشهد الإسرائيلي اختلف بالكامل مع تشكيل الحكومة الجديدة؛ فقوى "الصهيونية اليهودية" التي تقود الاستيطان خلال السنوات الماضية تتعامل مع وجودها بالحكومة على أنه وسيلة لتحقيق أهدافها بإقامة "دولة إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر".

وتابع شديد للجزيرة نت "كان ذلك واضحا برفض إيتمار بن غفير، أشد الوزراء المتشددين والداعمين للاستيطان، مسمى وزير الأمن الداخلي، وإصراره على استبدال وزير الأمن القومي به، في إشارة إلى قومية يهودية واحدة تضمن كل المستوطنات أينما كانت".

ولكن، إذا وصل الاستيطان الإسرائيلي إلى مستويات خطيرة منذ أعوام، فما الذي يمكن أن تقوم به الحكومة الجديدة؟

يقول مدير وحدة مراقبة الاستيطان بمعهد الأبحاث التطبيقية "أريج" سهيل خليلية، إن تحرك الحكومة الجديدة سيكون بتقنين الاستيطان القائم ومأسسته من خلال تمرير قوانين جديدة وتفعيل قوانين قديمة.

وبحسب خليلية في حديثه للجزيرة نت، فإن الاستيطان الآن في المربع الأخير وما يحتاجه ليس إقرار بناء جديد، ولكن قوانين تضمن حسمه؛ مثل إلغاء قانون فك الارتباط للعودة إلى المستوطنات الأربع التي تم إخلاؤها من شمال الضفة الغربية بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات محيط قطاع غزة عام 2005.

إلى جانب ذلك، يشير المسؤول بمركز الأبحاث إلى قانون التسوية الذي يشرعن البؤر الاستيطانية حتى لو أقيمت على أراضٍ فلسطينية خاصة، وهو ما سيحوّل أكثر من 100 بؤرة استيطانية إلى مستوطنات معترف بها حكوميا، يتبعه وضع مخططات هيكلية لها مما يعني مصادرة المزيد من الأراضي حولها.

وهذا كله يصب في المخطط الكبير بضم مناطق "ج" بالكامل وخاصة في الأغوار وتلك التي تضم الآبار الجوفية والمناطق الحدودية مع الأردن.

وبحسب خليلية، فإن من المناطق التي ستسعى الحكومة الحالية لحسمها وتكريس الاستيطان فيها خلال العام الجديد هي البلدة القديمة في الخليل والتي لا تقل أهمية عن مدينة القدس بالنسبة للمستوطنين.

تعزيز الاستيطان الرعوي

في تقديرات الباحث بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان عليان الهندي، فإن إسرائيل ستسعى خلال عام 2023 إلى التركيز على نمط "الاستيطان الرعوي"؛ حيث يتم من خلال بضعة مستوطنين مع قطعان من الأغنام والأبقار السيطرة على مساحات واسعة وتهديد وجود أصحابها الفلسطينيين.

وتابع عليان للجزيرة نت "هناك مخطط بتخصيص 50 ألف دونم لهذا النوع من الاستيطان" في الفترة المقبلة.

ويتضمن اتفاق تشكيل الائتلاف الحكومي الجديد بين الأحزاب الإسرائيلية، إلغاء تسلسل اتخاذ قرار البناء الاستيطاني؛ حيث كان يُرفع طلب البناء من قبل مجلس المستوطنات للإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة، ومنها للحكومة للموافقة السياسية عليها. ومع الائتلاف الجديد سيكون مجلس المستوطنات هو صاحب القرار.

ويختص إجراء آخر أُقر في الاتفاق الحكومي بتفعيل قرارات عسكرية سابقة من خلال ضم المناطق الفاصلة بين المستوطنات القائمة والبؤر الاستيطانية القريبة، في حال تم شرعنة هذه البؤر؛ مما يعني مضاعفة المساحات المقامة عليها المستوطنات القائمة سابقا.

ومن الملفات المطروحة أمام الحكومة الإسرائيلية، بحسب الهندي، تنفيذ مخطط فصل أحياء القدس الواقعة خارج الجدار الذي عزلها عن المدينة، مما يعني حرمان 200 ألف مقدسي من حقهم الطبيعي بالعيش في القدس.

ويضاف كل هذا إلى ملفات سابقة ستعمل الحكومة الإسرائيلية الجديدة على تسريع العمل لإنهائها مثل مخطط تهويد كل ما هو داخل القدس، ويجري العمل عليه منذ 2017. إلى جانب البدء بتنفيذ مخطط بناء مليون وحدة استيطانية في منطقة الأغوار.

مخططات الاستيطان تدفع الفلسطينيين للعيش في معازل داخل مناطق محدودة (الفرنسية)

الفلسطينيون في معازل

من المتوقع أن يفضي تطبيق هذه المخططات إلى خلق كانتونات (معازل) فلسطينية مركزة في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية، والمصنفة (أ، ب) حسب اتفاق أوسلو، لتتحول إلى تجمعات شديدة الازدحام وبلا مناطق خضراء بسبب اضطرار الفلسطينيين للتوسع في داخلها للسكن، كما يقول الباحث خليلية.

وبحسب المخططات التي تسعى لتنفيذها الحكومة الإسرائيلية الجديدة، سيتم الفصل بشكل كامل بين التجمعات الفلسطينية والاستيطانية من خلال شبكة طرق تتحكم بها حواجز عسكرية.

وهذا المخطط، وفق الباحث، ليس جديدا؛ فإسرائيل صممت مشروعا ضخما لبناء شبكة طرق تفصل خلالها المستوطنات عن التجمعات الفلسطينية، وحاولت تسويقه للمجتمع الدولي لتمويله باعتباره مشروعا لتحقيق السلام في الضفة الغربية.

المصدر : الجزيرة