صحفي هندي ينشئ في أميركا موقعا إلكترونيا لرصد جرائم الكراهية ضد المسلمين في بلده

نشرت صحيفة واشنطن بوست (Washington Post) تقريرا حول صحفي هندي مسلم مقيم في الولايات المتحدة، يكرس جل وقته لفضح انتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما ضد المسلمين، في بلده الأم الهند.

وورد في التقرير أن رقيب حميد نايك -المولود في إقليم جامو وكشمير ذي الغالبية المسلمة في الهند- أسس موقعا إلكترونيا تحت اسم "هندوتوا ووتش" (HindutvaWatch.org)، يهدف إلى رصد وتتبع مظاهر الكراهية الدينية المتزايدة في الهند.

ووصفت الصحيفة الموقع الإلكتروني بأنه واحد من أنشط المنصات التي تنشر بيانات فورية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في الهند، التي تعد -للمفارقة- أكبر ديمقراطية في العالم.

ويبث الموقع مقاطع فيديو وصورا تصله من شبكة من النشطاء الهنود، إلى جانب تجميع أخبار، لاستخدامها في تعقب جرائم الكراهية التي يرتكبها الهندوس ضد المسلمين والمسيحيين وأعضاء الطبقات الدنيا.

ورصد الموقع منذ تأسيسه في أبريل/نيسان 2021، أكثر من ألف حالة من الهجمات العنيفة والخطب التحريضية التي يقف وراءها أنصار "الهندوتوا"، وهي حركة قومية هندوسية تؤمن بتفوق الهندوس على الأقليات الأخرى.

مساع حكومية لإسكاته

وذكرت واشنطن بوست -في التقرير الذي أعده برانشو فيرما، مراسلها في فريق التكنولوجيا نقلا عن خبراء سياسيين هنود- أن الرقم المذكور ربما يكون أقل عن عدد الجرائم الحقيقية التي ارتكبت.

ومع ذلك، فقد أثار الموقع حفيظة حكومة رئيس الوزراء اليميني ناريندرا مودي، "الاستبدادية بشكل متزايد"، والتي يتهمها النقاد بأنها تروج لفكرة تفوق الأغلبية الهندوسية وتتغاضى عن الجرائم المميتة ضد المسلمين والمسيحيين.

وقال نايك إن حكومة مودي أو سلطات إنفاذ القانون الهندية طلبت من شبكة التواصل الاجتماعي الأميركية "تويتر" تعليق حساب موقع "هندوتوا ووتش" أو حذف بعض محتوياته. لكن حسابه على تويتر ظل حتى الأحد الماضي نشطا.

وظل نايك يدير الموقع وحسابه على تويتر -دون الكشف عن هويته- من مدينة كامبردج بولاية ماساشوستس، حيث استقر بعد فراره من الهند في عام 2020.

وأضحى عمل نايك أكثر تعقيدا عقب استحواذ الملياردير الأميركي إيلون ماسك على تويتر، الذي أقال قرابة 90% من الموظفين، وفقا لتقارير إخبارية. وقد سُمح فيما بعد للمتطرفين الهندوس بالعودة للعمل فازداد خطاب الكراهية.

ويخشى نايك من أن يرضخ ماسك لمحاولات حكومة مودي لخنق موقع "هندوتوا ووتش". وتقول واشنطن بوست إن منصة تويتر لم ترد على طلبها بالتعليق على ذلك في الحال.

ورغم ذلك، فقد قرر الصحفي الهندي المسلم إخراج عمله إلى العلن، أملا في تحويل موقعه المحلي إلى حملة كبيرة لتحذير الحكومة الهندية من أن انتهاكاتها لحقوق الإنسان يجري تدوينها وتصنيفها.

جرائم الكراهية زادت بنسبة مذهلة

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن الهند -بعد حصولها على الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية في عام 1947- سعت لأن تصبح دولة علمانية يعيش فيها الناس من جميع الأديان في سلام، إلا أن التوترات الدينية ظلت تندلع بين الفينة والأخرى، لكن الأمر استفحل في عهد مودي.

فمنذ أن تولى مودي زمام الأمور في عام 2014، ارتفعت جرائم الكراهية ضد الأقليات في الهند بنسبة 300%، وفقا لدراسة أجراها عام 2019 ديبانكار باسو، أستاذ الاقتصاد في جامعة ماساشوستس بمدينة أمهيرست الأميركية.

وقد بات حزب "بهاراتيا جاناتا" منذ ذلك الحين، أقوى الأحزاب في البرلمان الهندي، وأصبح من الصعب الحصول على إحصاءات حديثة عن جرائم الكراهية، كما يقول العديد من الخبراء.

وتظهر التقارير الإعلامية أن المكتب الوطني لسجلات الجريمة في الهند توقف، بعد عام 2017، عن جمع البيانات حول جرائم الكراهية.

وذكر الخبراء أن هذا التوقف أحدث خلوا كبيرا في المعلومات، وما لبث أن أُجهضت أو اختفت معظم محاولات الإبلاغ عن جرائم الكراهية بالهند.

بداية القصة

وأوردت الصحيفة جانبا من السيرة الذاتية للصحفي رقيب نايك، الذي نشأ وترعرع في عائلة متواضعة وكان يحلم بأن يصبح مهندسا. وما إن التحق بالجامعة حتى تغيرت رغبته تلك، ليتخذ من الصحافة مهنة له لكي "يتحدث عن المظالم التي يتعرض لها المسلمون الكشميريون حوله" كما صرح بذلك.

ويروي للصحيفة كيف أن شغفه بالعمل الصحفي يعود إلى لحظة "فريدة" عاشها في عام 1997 عندما كان يقترب من سن الرابعة. كانت الاحتجاجات وقتها -يقول نايك- تعكر صفو الحي الذي كان يقطنه في إقليم كشمير الواقع في جبال الهيمالايا.

ويتذكر ذلك اليوم الذي جاء فيه جنود الجيش الهندي إلى منزل عائلته واقتادوا والده ظنا منهم أنه كان متعاطفا مع المحتجين المسلمين. وظل لديهم 3 أيام ثم أعادوه بعد أن أوسعوه ضربا مما أحدث كدمات ورضوضا في جسده.

وفي الجامعة، أظهر نايك رغبة جامحة لدراسة الصحافة بعد أن تطوع لتغطية الأحداث في كشمير لموقع صغير على الإنترنت أثناء دراسته للعلوم السياسية، تعرّف خلالها عن كثب على معاناة المسلمين ومحنتهم.

وفي عام 2019، بدأ عمل نايك يثير انتباه الناس أكثر، خاصة بعد الاحتجاجات العنيفة التي أعقبت تجريد مودي مناطق جامو وكشمير -المتنازع عليها بين الهند وباكستان- من الحكم الذاتي.

ويروي كيف أن ضباط المخابرات الهندية ظلوا يترددون على منزل والديه في كشمير، حيث استجوبوهم 3 مرات في أغسطس/آب 2019.

وكشف نايك أنه تحدث حينها مع أشخاص يتبعون لمنظمات مثل لجنة حماية الصحفيين، التي حثته على المغادرة واشترت له تذكرة إلى نيودلهي حيث قضى فيها عدة أسابيع. وبعد فترة وجيزة، سافر إلى الولايات المتحدة بدعوة من إحدى الجمعيات الخيرية هناك لإلقاء محاضرات عن تجربته.

ومع اندلاع موجة وباء فيروس كورونا، عاد إلى كشمير، لكنه قرر مغادرتها نهائيا بعد أن ظل مسؤولو المخابرات الهندية يلاحقونه بالمكالمات الهاتفية.

وفي مدينة كامبردج، التي استقر بها في عام 2021، عكف على تأسيس موقع "هندوتوا ووتش" الإلكتروني.

ووفقا لواشنطن بوست، يتصفح نايك ومجموعة من 6 نشطاء من جميع أنحاء العالم، كل يوم، وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة وغرف الدردشة بحثا عن مقاطع فيديو حافلة بالكراهية، كما يتصفح نصوصا وخطابات في الصحافة الناطقة باللغة الهندية، إلى جانب منصات إلكترونية مثل تويتر، وريديت (Reddit)، وتليغرام (Telegram)، وواتساب (WhatsApp).

ويرسل نشطاء وصحفيون إلى المجموعة تقارير ومقاطع فيديو. ودرج أفراد المجموعة على عقد اجتماعات افتراضية عبر شبكة الإنترنت عدة مرات في الأسبوع، لمناقشة تلك التقارير والمقاطع المصورة للتحقق من صحتها.

وقال نايك إن منصة تويتر حذفت في السابق بعض محتويات موقع "هندوتوا ووتش" نزولا على طلب المسؤولين الهنود.

ولفتت واشنطن بوست في تقريرها إلى أن هناك جهات أخرى ترصد جرائم الكراهية والعنف -التي تُرتكب بحق المسلمين والهنود من الطبقات الدنيا- مثل صحيفة هندوستان تايمز (Hindustan Times)، وهي صحيفة وطنية بارزة في الهند، التي بدأت في تعقب تلك الحوادث في عام 2017 وكانت تُصنّفها أغلب الأحيان، على أنها جرائم قتل واعتداء.

واضطر رئيس تحرير تلك الصحيفة، بوبي غوش، إلى الاستقالة من منصبه، رافضا الحديث عن سبب استقالته.

وبعد تولي إيلون ماسك قيادة تويتر، يخشى نايك من أن فتح الملياردير الأميركي شبكة التواصل الاجتماعي الكبرى لكل أنواع الخطاب، ستكون له تداعياته على الهند ومن شأنه أن يؤجج المشاعر المعادية للأقليات هناك.

المصدر : واشنطن بوست