فاغنر وحفتر والنفط.. هذا ما سعى له مدير المخابرات الأميركية في زيارته إلى ليبيا

طرابلس/ واشنطن- جاءت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام بيرنز لليبيا بعد شهر واحد من تسلم واشنطن للمواطن الليبي أبو عجيلة المريمي من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والمتهم بتصنيع قنبلة استخدمت في تفجير طائرة "بان إم 103" فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية سنة 1988.

وقد أثارت زيارة رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي إيه" (CIA) وليام بيرنز للعاصمة الليبية طرابلس للقاء رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ومدينة بنغازي للاجتماع باللواء المتقاعد خليفة حفتر، الكثير من التساؤلات حول الهدف من الزيارة ومن المسؤول الأمني الأميركي الرفيع.

وكانت مصادر خاصة للجزيرة نت كشفت في تقرير سابق تفاصيل من اجتماعات المسؤول الأميركي بالرجلين، وما طلبه منهما لضبط الوضع الأمني في ليبيا.

فمصالح واشنطن متعددة ومتشابكة في ليبيا، لا سيما بعد التقارير التي قدمها الوجود العسكري والاستخباراتي الأميركي في ليبيا حول أنشطة المرتزقة والمعدات العسكرية الروسية، حيث تشير التقارير الصحفية الأميركية إلى أن بعض المرتزقة الروس ربما غادروا ليبيا لدعم العمليات في أوكرانيا، على الرغم من أن ليبيا ما تزال مركزا لوجيستيا لعملياتهم في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

خلال اشتباكات 2019-2020، تنافست السلطات التنفيذية المتمركزة في غرب وشرق ليبيا على السلطة والاعتراف الدولي، واختارت واشنطن دعم قيادة الأمم المتحدة لمبادرات تسوية بين الطرفين، وشددوا على أهمية الحفاظ على وقف إطلاق النار وحياد مؤسسات مثل المؤسسة الوطنية للنفط، وقد حافظ المسؤولون الأميركيون على هذه المقاربات في عام 2022، مع موازنة المخاوف المتعلقة بليبيا مع الأهداف الأميركية الأخرى فيما يتعلق بروسيا ومصر وتركيا وفرنسا وإيطاليا والإمارات العربية المتحدة.

وهو ما يستدعي قراءة من الجانبين الليبي والأميركي في اهتمام واشنطن المفاجئ بالملف الليبي، وما الذي يقلقها من الصراع الأمني والسياسي بين الفرقاء الليبيين، وما مطالبها من الأطراف لتأمين مصالحها في ليبيا؟

أولويات أميركية في ليبيا

كشفت دراسة لخدمة أبحاث الكونغرس، وهي الهيئة البحثية التي توفر معلومات وبيانات موثقة لأعضاء مجلسي الكونغرس، عن قضايا واهتمامات أساسية عدة لواشنطن في ليبيا هي:

  • التهديدات الإرهابية.
  • تأمين استمرار تصدير النفط والغاز الطبيعي.
  • استخدام ليبيا كمحطة عبور للاجئين والمهاجرين المتجهين إلى أوروبا.
  • تأمين مخزونات الأسلحة ومواد الأسلحة غير التقليدية.
  • التدخل العسكري الأجنبي ووجود المرتزقة فيها كون ليبيا ساحة المنافسات الأيديولوجية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط.

ونظرا لوقوع ليبيا ضمن نطاق العمليات العسكرية للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، فإن الدراسة تشير إلى قلق واشنطن من استعادة روسيا علاقاتها القوية مع ليبيا وتأمين الاستثمارات المربحة معها، وتقويض نفوذ أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

وكانت أفريكوم قد أكدت في عام 2019 أمام الكونغرس أن روسيا "تتذرع بعلاقات عهد القذافي وديونه للحصول على عقود اقتصادية وعسكرية تهدف إلى الوصول إلى سوق النفط الليبي الشاسع، وإحياء مبيعات الأسلحة، والوصول إلى الأراضي الساحلية".

العمل الاستخباري الأمني أولا

دعا خبير الشؤون الليبية بمعهد السلام الأميركي توماس هيل، في وقت سابق إدارة الرئيس جو بايدن إلى مشاركة أميركية أكثر قوة ووضوحا في الجهود الدبلوماسية لحل الصراع الليبي. وأشار هيل في دراسة حديثة لمعهد السلام، إلى أن "الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تبد رغبة تذكر أو لم تبد أي رغبة على الإطلاق في حل الأزمة الليبية".

من جانبه، قال جوناثان وينر، المبعوث السابق إلى ليبيا في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ونائب مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون إنفاذ القانون الدولي، للجزيرة نت إن "زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية لم تأت صدفة، وهناك دائما جدول أعمال ومحدد".

وافترض المسؤول السابق أن "أهداف بيرنز كانت تأمين اتفاق بشأن التعاون الاستخباراتي والأمني بشأن تهديدات إرهابية محلية أو إقليمية محددة".

وأضاف السفير وينر "ربما يكون بيرنز قد أعرب عن قلقه إزاء التأثير السلبي لمجموعة فاغنر على جيران ليبيا جنوب الصحراء الكبرى، باستخدام ليبيا كقاعدة. وفي رأيي، سيكون من الأفضل لليبيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل بأكملها ألا تكون مجموعة فاغنر موضع ترحيب في ليبيا".

ويرجح المتحدث أن تكون الزيارة قد "اشتملت على شكر أولئك الذين التقى بهم للمساعدة في تسليم واشنطن أبو عجيلة المريمي"، المتهم بتصنيع قنبلة استخدمت في تفجير طائرة بان إم 103 فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية.

وجهان لدوافع متقاربة

يقول الكاتب السياسي والخبير في السياسات الأميركية في ليبيا من بوسطن محمد بويصير للجزيرة نت عن أسباب زيارة رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية وليام بيرنز لليبيا "إن الولايات المتحدة كانت قد وافقت على تدخل تركيا في طرابلس عام 2019 من أجل منع الروس من دخول العاصمة وتحقيق التوازن العسكري، والآن تخطت أميركا هذه المرحلة إلى محاولة إخراجهم من ليبيا".

رغم إشارة الكاتب إلى التنسيق العالي والمستمر بين الأتراك والروس في عدة ملفات بالمنطقة، ومن بينها الملف الليبي، فإنه يرى أن الخطر الروسي يبقى دافعا قويا للتحرك الأميركي على هذا المستوى.

الحكومة البديلة والمطلوبون

يوضح بويصير أن المسؤول الأميركي بيرنز أبلغ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة واللواء المتقاعد خليفة حفتر بمجموعة أمور مرفوضة لدى واشنطن "لها علاقة بالروس، والحكومة البديلة، وتأجيل الانتخابات، وإقفال النفط".

ويتفق الزميل بمعهد الدراسات الدولية بجامعة هوبكنز الأميركية حافظ الغويل مع توضيح بويصير غير أنه اختلف معه أن الزيارة تطرقت إلى قضية لوكربي وتسليم بعض الشخصيات مثل مسؤول المخابرات في نظام القذافي عبد الله السنوسي.

رغم أن بويصير يرى أن "الأمر محسوم بتوقيع ليبيا على تعهد أمام مجلس الأمن، بالتعاون مع جهود التحقيق في قضية لوكربي تحديدا ولا يحتاج تفاوضا".

تمهيد لتحرك غربي أممي

يرى الغويل أن الزيارة كانت خطأ، وليس لها أي قيمة لدى لليبيين، بل قد تستغل من شخصيات مثل الدبيبة وحفتر لتسويق أنفسهم وإعطاء رسائل خاطئة لليبيين، وهو ما يفسر عدم ظهور بيرنز مع حفتر المحكوم في جرائم حرب أمام القضاء الأميركي.

وهو ذاته ما ذهب إليه المحلل بويصير قائلاً للجزيرة نت "إن الأميركيين لا يفكرون سوى في حل يحقق الاستقرار متمثلاً في حكومة تحكم كافة البلاد، وتضمن ليبيا ضمن التحالف الغربي وتبعد الروس نهائيا".

ويرجح بويصير أن تبدأ الولايات المتحدة ممارسة ضغط على القاهرة المحتاجة للمساعدات الأميركية أكثر من أي وقت مضى، من أجل تحقيق تقدم في الملف الليبي، الذي تتحرك فيه الولايات المتحدة "منفردة وبشكل عاجل، وستتبعها أوروبا بواجهة أممية ستغيب عنها روسيا والصين، وهذا سبب زيارة مبعوث رفيع جدا له اتصال مباشر بالرئيس بايدن".

المصدر : الجزيرة