إطلالة الظواهري الأخيرة.. هل يكتب مقتل الطبيب المصري نهاية تنظيم القاعدة؟

في مطلع مايو/أيار عام 2011، التقط "بيت سوزا"، المُصوِّر الرسمي للبيت الأبيض حينئذ، صورة من داخل "قاعة الأزمات"، وهي إحدى القاعات الأكثر تأمينا داخل قصر الرئاسة الأميركي، إذ ظهر الرئيس الأميركي "باراك أوباما" وهو يتابع عملية قتل "أسامة بن لادن"، زعيم تنظيم القاعدة السابق. لم يكن أوباما وحيدا في تلك القاعة، بل جلس برفقة عدد من المسؤولين الأميركيين أبرزهم "جو بايدن"، نائب الرئيس حينها. سيعود بايدن بعد 11 سنة إلى القاعة نفسها، رئيسا هذه المرة، لمناقشة عملية دقيقة من أجل استهداف "أيمن الظواهري"، خليفة أسامة بن لادن ومستشاره السابق.

كانت الساعة تُشير إلى السادسة و18 دقيقة صباح يوم الأحد 31 يوليو/تموز، حين خرج أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، إلى شرفة منزله الواقع بحي "شربور"، أرقى أحياء العاصمة الأفغانية كابول من أجل استنشاق الهواء وإمتاع ناظريه بالمنظر الجميل في أرقى أحياء كابول. لطالما شهد "شربور"، الحي الذي صمَّمه البريطانيون وبات معقلا للجاليات الأجنبية والسفارات والمنازل الفاخرة، وقوع انفجارات بين الحين والآخر عن طريق مقاتلي طالبان الذين استهدفوا الدبلوماسيين والأجانب. بيد أن الضربة هذه المرة أتت من الولايات المتحدة لا من طالبان، ولم تستهدف سوى الطبيب المصري العجوز في آخر إطلالة له من شُرفته، إذ استهدفته طائرة مُسيَّرة بصاروخ، لتُنهي حياة ثاني أشهر وجوه القاعدة وأحد أبرز من تتهمهم الولايات المتحدة بالتخطيط لأحداث 11 سبتمبر/أيلول الشهيرة.

لم تكن العملية استثنائية في طبيعتها، فقد نُفِّذَت مئات المرات منذ وصول "جورج بوش" الابن إلى الحكم في الولايات المتحدة وإعلانه "الحرب على الإرهاب". فحين تُجمَع المعلومات ويجري التأكُّد منها وضمان دِقَّتها، تدخل العملية حيز التنفيذ سياسيا وعسكريا بصورة أوتوماتيكية. وقد تابع بايدن، الرئيس الحالي، سير التخطيط للعملية في اجتماعات دورية عُقِدَت بين مايو/أيار ويونيو/حزيران بين فريقه و"أفريل هَينز"، مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، و"وليام بِرنز"، مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، و"كريستين أبي زيد"، مديرة المركز الوطني لمكافحة الإرهاب.

إعلان

وفقا لما أعلنته الاستخبارات الأميركية لاحقا، طالب بايدن في اجتماع عُقِد يوم 25 يوليو/تموز بضرورة تقليص فرص مقتل أي مدني في العملية، ومن ثمَّ جاء اقتراح المخابرات الأميركية باستعمال طائرة مُسيَّرة تستخدم نسخة معدلة من صاروخ "هيلفاير" المُوجَّه "آر 9 إكس" (R9X)، وهو صاروخ قاتل صامت، لا ينفجر لكنه يُقطِّع الشخص المستهدف إربا، وهو ما وافق عليه بايدن.

في بيان له حول العملية، أعلن البيت الأبيض مقتل زعيم القاعدة أيمن الظواهري على إثر هذه العملية الدقيقة، إذ عملت الاستخبارات الأميركية على جمع أكبر عدد من المعلومات حول هدفها حتى تتجنَّب أيَّ مفاجآت غير سارَّة، كما حدث قبل سنة حين استُهدِفَت إحدى مناطق كابول عبر طائرة مُسيَّرة يُعتَقد أنها سعت لقتل الظواهري أيضا، لكن العملية لاقت فشلا ذريعا وتسبَّبت في مقتل عشرة مدنيين. هذه الدقة في استهداف الظواهري دون سقوط ضحايا آخرين ظهرت بوصفها مصدرَ فخر للرئيس الأميركي الذي أشاد بدقة العملية الجديدة وتحقيقها لأهدافها كاملة دون أي خسائر جانبية.

الدكتور أيمن.. الطب بوابة للجهاد

انتهت إذن مسيرة أحد أشهر الجهاديين العرب بواسطة مُسيَّرة أميركية، وهو الرجل الذي بدأ طبيبا أكاديميا جادا وموهوبا لأسرة مرموقة في مصر، فأبوه "محمد ربيع الظواهري" كان أستاذا كبيرا للأمراض الجلدية بكلية الطب في جامعة القاهرة، وشغل جدُّه لأمه، "عبد الوهاب عزَّام"، منصب رئيس جامعة القاهرة سابقا وأسَّس جامعة الملك سعود في السعودية بعد ذلك، وهو شقيق "عبد الرحمن عزَّام" الأمين العام الأول لجامعة الدول العربية. ومن ناحية أبيه، كان جدُّه "محمد الأحمدي الظواهري" شيخا للأزهر بين عامَيْ 1927-1929. وقد عاش أيمن الفترة الأولى من حياته في حي المعادي الراقي بالقاهرة، الذي عجَّ بنُخبة المجتمع المصري من بشوات ووزراء وضباط وأجانب لعقود طويلة، لا سيما خلال حقبة الخمسينيات التي وُلِد فيها أيمن وشهدت التحوُّل الجذري من النظام الملكي إلى الجمهوري.

بدأ اشتباك الطبيب المصري بالساحة الجهادية في مصر والمنطقة أثناء الحرب الأفغانية-السوفيتية، حيث زار الظواهري مراكز اللاجئين الواقعة بين أفغانستان وباكستان لتضميد جراح المجاهدين الذين دافعوا عن البلاد ضد المدِّ الشيوعي، الذي خشيته أيضا الولايات المتحدة ومن ثمَّ تحالفت مع الجهاديين آنذاك قبل أن تنقلب عليهم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. ومع بداية الثمانينيات، انشغل الظواهري بعدائه للنظام المصري، إذ شكَّل حركة إسلامية ثورية آنذاك سُمِّيَت "منظمة الجهاد"، واستهدفت عددا من المسؤولين في مصر، ولذا لم يكن مستغربا ذكر اسم الظواهري مع مَن حوكِموا بتهمة التورُّط في اغتيال الرئيس المصري السابق "أنور السادات".

 

الظواهري يقف خلف القضبان في محكمة مصرية أثناء محاكمته عام 1982. (غيتي)

بعد خروجه من السجن الذي أمضى فيه ثلاث سنوات، كثَّف الظواهري من زياراته إلى أفغانستان، واكتشف نقاطا مشتركة كثيرة مع الجهاديين هناك، وفي أثناء إحدى زياراته التقي شابا سعوديا ذا جاذبية يُدعى "أسامة بن لادن". كان بن لادن يعاني في ذلك الوقت من أمراض مُزمنة عديدة، فأصبح الظواهري طبيبه الخاص. وسرعان ما تجاوزت العلاقة بين الرجلين التطبيب والمداواة، حتى صار الظواهري مستشارا أول لزعيم القاعدة، وشارك في التخطيط لهجمات كينيا وتنزانيا عام 1998، ثم لهجمات 11 سبتمبر/أيلول التي استهدفت مدينة نيويورك وقلبت سياسات الولايات المتحدة في المنطقة والعالم رأسا على عقب.

إعلان

رغم أن الظواهري لم تكن له الجاذبية أو الكاريزما القيادية نفسها التي حازها بن لادن، فإنه لم يكتسب أهميته داخل القاعدة فقط بسبب قُربه من بن لادن، بل بسبب حضوره الفكري المهم داخل التنظيم، فقد بات مُنظِّرا مُهِما لمستقبل القاعدة وعملياتها ومواقفها، ولذا بدا منطقيا أن يخلف بن لادن على رأس القاعدة بعد مقتل الأخير في مايو/أيار 2011. غير أن دور الظواهري لم يقتصر على التنظير فحسب، حيث سعى جاهدا -وفقا لبعض المصادر الأميركية- من أجل تطوير الترسانة العسكرية للقاعدة عبر تطوير أسلحة بيولوجية، لكن ضيق الوقت الذي فرضته الملاحقات الأمنية بعد أحداث سبتمبر/أيلول حال دون تحقيق الرجل لهدفه.

ورث الظواهري مهمة صعبة، ولعله لم يكُن مُعَدًّا لها بما يكفي، فقد لاقى صعوبة في إعادة البريق للتنظيم الجهادي الأول عالميا، بل وفي بعض الأحيان عجز عن السيطرة عليه تماما، كما حدث مع بعض القيادات التي انشقت عنه، مثل الأردني "أبي مصعب الزرقاوي"، الأب الروحي لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي عُدَّ عدوا ومنافسا للقاعدة، و"أبي محمد الجولاني"، الذي قطع علاقة تنظيمِه "هيئة تحرير الشام" بالقاعدة بعد أن كان أميرا لجبهة النصرة، وهي ذراع القاعدة في سوريا.

أسامة بن لادن (يمين) بجانبه أيمن الظواهري 1998 (الأوروبية)

خفت ظهور القاعدة إذن، وظلَّ متواضعا أكثر مما تمناه الظواهري خصوصا بعد موجة الربيع العربي، التي بعثرت أوراق السياسة في المنطقة، رغم طمع وريث بن لادن بالتموقع من جديد بعد سقوط أنظمة عربية عديدة اتهمتها القاعدة بالعمالة لواشنطن. وقد اتَّبع الظواهري فلسفة جديدة في تدبير موارد القاعدة بنظام أقرب إلى الشركات الناشئة، فحاول تشكيل أفرع للتنظيم تُسيِّر نفسها ذاتيا، كما حدث في سوريا والعراق وليبيا وغرب أفريقيا، وهو المشروع الأهم والأكثر نشاطا الذي اعتمد عليه الظواهري، أكثر من الحضور في أفغانستان ذاتها. غير أن هذه الإستراتيجية أثبتت فشلها بعد أن تضخَّمت أفرع القاعدة على حساب التنظيم الأم، فلاقت المصير الحتمي لنظيراتها من التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية، والإسلامية منها على وجه الخصوص، بتزايد الانشقاق والاتهام المُتبادل، بل والتكفير والاقتتال فيما بينها في بعض الأحيان.

ترك الظواهري القاعدة في وضعية لا تُحسَد عليها، فهي في وضع أصعب مما كانت عليه بعد وفاة "عبد الله عزام"، حيث خفت نجم زعيمها المصري وقلَّ ظهوره في السنتين الأخيرتين. فمع حلول عام 2020، واصل الظواهري ابتعاده شيئا فشيئا عن الصورة، وصار ظهوره قليلا جدا، باستثناء ظهور علني نادر بين الفينة والأخرى، كما حدث في سبتمبر/أيلول 2021، حين خرج الرجل في تسجيل مُصوَّر تحدَّث فيه لساعة تقريبا حول عدد من القضايا الراهنة. وقد ظهر هذا التسجيل دليلا أراد منه الظواهري نفي الشائعات التي تحدَّثت عن وفاته، لا سيما وقد ناقش فيه الأحداث الراهنة حينئذ.

بيد أن الظواهري لم يتحدَّث عن ذكرى أحداث سبتمبر، ولا عن سيطرة طالبان على أفغانستان في أغسطس/آب 2021، بل واصل الحديث والوعد والوعيد لأعداء القاعدة في كل مكان بالعالم، ثم ها هو رحل تاركا الإدارة المركزية للتنظيم في أزمة حقيقية، ولعل الأفرع لن تتأثر كثيرا لأنها تتمتَّع باستقلال في صنع القرار حرص عليه الظواهري بنفسه رغم الثمن الفادح الذي تكبده تنظيمه جراء ذلك.

القاعدة بعد الظواهري.. الزعامة للمصريين؟

قادة التنظيمين الذين اغتالتهم الولايات المتحدة (من اليمين): بن لادن، والبغدادي، والزرقاوي، والظواهري (الجزيرة + وكالات)

في مقال له على موقع "ذي أتلانتيك"، قال الكاتب الأميركي "غرايم وود" إن عملية تشبيب قيادة القاعدة (أي أن تكون من الشباب والأجيال الجديدة) مسألة حتمية، مؤكِّدا أن وفاة الظواهري لن تؤثر في التنظيم، لأن شريحة واسعة من الشباب الجهاديين توقَّفوا منذ زمن عن النظر إلى زعيم القاعدة بوصفه قيادة إسلامية ذات وزن. علاوة على ذلك، استخفَّت بعض الأطراف بكلامه في الآونة الأخيرة بعد أن رَخَت قبضته، فكثرت الانشقاقات، كما حاول بعض خريجي مدرسة القاعدة تأسيس تنظيمات أخرى تختلف فكريا عن التنظيم الأم لمواكبة التغيُّرات الإقليمية والعالمية.

إعلان

بعد وفاة الظواهري، ظهر إلى السطح سؤال طبيعي: "مَن سيخلف خليفة بن لادن؟". وعلى بساطته ظاهريا، يبدو الأمر مُعقَّدا للغاية، إذ إن القاعدة تنظيم مختلف عن تنظيم الدولة الإسلامية على سبيل المثال، حيث يملك الأخير سياسة تغيير واضحة لقياداته التي تتم الإطاحة بها، وهو ما حدث في أربع مناسبات سابقة، أولها عام 2006 بعد وفاة مؤسس التنظيم "أبو مصعب الزرقاوي". أما القاعدة فلم تُغيِّر قيادتها إلا مرة وحيدة منذ عام 1988. ولن تكون المهمة سهلة أبدا، لا سيما في ظل صراع الأجنحة الذي يدور داخل التنظيم ويُصعِّب من مسألة الخلافة ربما أكثر من التعقُّب الدولي لقيادات القاعدة.

ظهرت الخلافات جلية بين أجنحة مختلفة داخل القاعدة بعد تسريب وثائق تُشير إلى رغبة الظواهري في "مصرنة" التنظيم، إذ نصَّ تعهُّد وقَّع عليه كلٌّ من "أبو دجانة باشا" صِهْر الظواهري، و"حمزة الغامدي"، و"أبو همام الصعيدي"، و"أبو عمر المصري"، و"عبد الرحمن المغربي"، و"أبو زياد العراقي"؛ على أنه في حالة أسْر الظواهري أو مرضه أو وفاته، فمن الضروري مبايعة القيادات التالية في الترتيب المنصوص عليه، وهُم "أبو الخير المصري"، و"أبو محمد المصري"، و"سيف العدل المصري"، و"أبو بصير الوحيشي" (اليمني).

سيف العدل المصري (مواقع التواصل)

وضع هذا التعهُّد فعليا شرطا مهما لمبايعة خليفة الظواهري، وهو أن يكون الشخص موجودا في خُراسان أو أحد أفرع القاعدة "النشطة"، وفي حالة تعذُّر ذلك يُمرَّر المرشح الذي يليه، وهكذا. لكن هذه اللائحة ذات الأغلبية المصرية سرعان ما تقلَّصت وانتهت إلى اسم واحد تُشير أغلب التوقُّعات إلى أن الخلافة من نصيبه، وهو سيف العدل، الضابط السابق في الجيش المصري، وذلك لسبب بسيط هو أن الثلاثة الآخرين، أبو محمد وأبو الخير والوحيشي، قُتِلوا سابقا بالفعل.

لم يكن سيف العدل مُتقدِّما في اللائحة، حيث شغل أبو الخير منصب نائب الظواهري الأول، في حين كان الوحيشي المرشح الوحيد الموجود داخل المناطق الجغرافية التي حدَّدها الاتفاق. ولكن بعد مقتل الوحيشي، في غارة أميركية بطائرة مُسيَّرة عام 2015، اضطرَّت القاعدة إلى الاعتراف باختطاف الدبلوماسي الإيراني "نور أحمد نكبخت"، الذي اختفى عام 2013، وهو اعتراف هدفت منه القاعدة إلى إجراء صفقة تبادل مع طهران تخرُج بموجبها قيادات القاعدة من سجون إيران ثم من البلاد. وقد أُبرِمَت الصفقة وخرجت خمس قيادات من السجن، من بينهم المرشحون المصريون الثلاثة لخلافة الظواهري. غير أن مكان سيف العدل، الناجي الوحيد من القائمة، ما زال غير معروف، فلا أحد يستطيع الجزم بخروجه من إيران في الفترة الأخيرة وتحقيقه شرط الوجود في بقعة جغرافية تنشط فيها القاعدة.

أبو بصير الوحيشيى (مواقع التواصل)

لن يكون هذا العائق الوحيد الذي قد يمنع سيف العدل من الوصول إلى رأس التنظيم، إذ إن الموت يُمكن أن يصل إليه مثلما وصل إلى معظم القيادات التي وقَّعت على التعهُّد المذكور آنفا، كما أن غياب الظواهري قد يدفع الأجنحة المناوئة للجناح المصري بتغيير الوثيقة أو تجاوزها كليا، وثمَّة حُجة وجيهة هُنا هي أن جميعهم قُتلوا في حين يقبع سيف العدل قيد الإقامة الجبرية في طهران على الأغلب، وهو ما يعني أن أيًّا من الأسماء التي خطَّها الظواهري بيده ليست جاهزة لقيادة التنظيم اليوم، في نظر الجناح المناوئ. وحدها الأيام المقبلة ستُجيبنا عن جواب سؤال "مَن يخلف الظواهري؟"، فمن المتوقَّع أن يُعلَن اسم الزعيم الجديد في قادم الأيام، وذلك في وقت يمرُّ فيه التنظيم بتحدٍ وجودي غير مسبوق.

المصدر: الجزيرة

إعلان