محطات بارزة يترقبها لبنان.. ما السيناريوهات المحتملة مع انطلاق المهلة الدستورية لانتخابات الرئاسة؟

Christian leader Michel Aoun greets his supporters as he arrives to deliver a speech during a rally near the presidential palace in the Beirut suburb of Baabda, Lebanon, Sunday, Oct. 11, 2015. Aoun, who is bidding for the presidency, is pressing the country’s political elite to pass a parliamentary electoral law and elect a president. The large rally Sunday comes amid a persistent political stalemate in Lebanon, which has had no president for over a year and a parliament torn by political rivalry. (AP Photo/Hassan Ammar)
ولاية عون تنتهي في 31 أكتوبر/تشرين الأول المقبل (أسوشيتد برس)

بيروت- دخل لبنان منعطفا سيحدد الكثير من ملامح المشهد السياسي لمستقبله، وذلك مع انطلاق المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد غدا 1سبتمبر/أيلول المقبل، خلفا للرئيس ميشال عون الذي تنتهي ولايته في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2022.

وسيختم لبنان 6 سنوات من عهد شهد أحداثا طبعت تاريخ البلاد، منذ تولي عون سدة الرئاسة في 2016. وانتخب عون حينها بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي، متوجا ثمرة التسوية، وكان أبرزَ عرّابيها حلفاه حزب الله ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، وخصمه المسيحي الأبرز حاليا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

ولم يسبق للبنان بعد اتفاق الطائف عام 1989 أن أنجز الانتخابات الرئاسية بموعدها المحدد، بل شهد إما تمديدا أو فراغا رئاسيا. ويرجح خبراء إقباله على الحالة الثانية، في ظل عدم نضوج تسوية تنبئ بانتخاب رئيس جديد قبل أقصى موعد للمهلة الدستورية.

لكن سابقة هذا الاستحقاق الرئاسي، أنه يأتي للمرة الأولى في ظل حكومة مستقيلة منذ إنجاز الانتخابات البرلمان في مايو/أيار الماضي، وتقوم بمهام تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، وهو نفسه الرئيس المكلف لتشكيل حكومة جديدة منذ 23 يونيو/حزيران الماضي.

ولم يتمكن ميقاتي من تشكيل حكومة بالتوافق مع عون، ويشكك الفريق السياسي للأخير بشرعية تولي حكومة تصريف الأعمال ناقصة الصلاحيات مهام الرئاسة بحالة الفراغ. الأمر الذي فاقم الاحتقان السياسي ببلد يشكو -وفق مراقبين- من تضارب الاجتهادات الدستورية التي تعكس خللا عميقا بتركيبة النظام.

ما النصاب الدستوري لانتخاب رئيس للجمهورية؟

ويشير أستاذ القانون الدستوري وسام اللحام إلى أنه بدءا من مطلع سبتمبر/أيلول، يستطيع رئيس البرلمان نبيه بري دعوة الأعضاء لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية. وإذا لم يدع لجلسة، يجتمع البرلمان حكما وإلزاميا، قبل 10 أيام من انتهاء ولاية عون. ويوضح اللحام أن هذه الجلسات يمكن ألا ينتج عنها انتخاب رئيس، ما يدخل البلاد بشغور رئاسي بدءا من 31 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

ويوضح أستاذ القانون الدستوري أن المعمول به لا ينسجم 100% مع شرح المادة 49 من الدستور التي تنص على أنه "ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من البرلمان في الدورة الأولى، ويُكتفى بالغالبية المطلقة بدورات الاقتراع التي تلي".

وما يجري اعتماده، هو انتخاب رئيس بغالبية الثلثين من مجموع أعضاء البرلمان المكون من 128 عضوا، أي 86 نائبا، وبالدورة الثانية بالأغلبية المطلقة، أي 65 نائبا.

أما الجواب الدستوري الأدق -وفق اللحام- أن الرئيس ينتخب بغالبية الثلثين من النواب الحاضرين بالجلسة فعليا بغض النظر عن العدد القانوني للنواب. ويستدرك قائلا "لا يجري العمل بهذه القاعدة كونها تتعارض مع لعبة القوى السياسية الفضلى بالتعطيل المتبادل".

وعن الفراغ ومهام الرئاسة، يستند وسام اللحام إلى المادة 62، وتنص أنه "عند خلو سدة الرئاسة، تناط صلاحيات الرئاسة وكالة لمجلس الوزراء". ودستوريا، "يوقع على المراسيم رئيس الحكومة والوزير المختص بدلا من رئيس الجمهورية بحالة الفراغ".

وبما أن الدستور لم يتناول إشكالية الحكومة المستقيلة بالفراغ الرئاسي، بحسب اللحام، "تستطيع الحكومة المستقيلة لعب دور الحكومة غير المستقيلة بحالة الشغور، على قاعدة لا خيار إلا باستلامها صلاحيات الرئاسة أو نكون بفراغ مطلق"، مذكرا أن البرلمان أيضا يجوز له التشريع بحالة الفراغ.

ضغوط وتحديات

من جهتها، تتحدث الكاتبة والمحللة السياسية روزانا بومنصف عن ضغوط بالكواليس، وأكثر من يدفع بها هو حزب الله، لتعويم حكومة ميقاتي المستقيلة، والاكتفاء بتبديل أسماء بعض وزرائها، في ظل صعوبة تشكيل حكومة جديدة، وتفاديا للاشتباك السياسي الذي يلوّح به فريق الرئيس عون عبر رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على قاعدة "لن نسمح بتسليم صلاحيات الرئاسة لحكومة مستقيلة".

لكن الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب يعتقد أن ضبابية الاستحقاق الرئاسي ستضع لبنان على سكة الفراغ بعد الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وهو "العائق أمام تشكيل حكومة جديدة".

وقال إن من أفتى وسهل وصول ميقاتي لرئاسة الحكومة يدرك أن لبنان مقبل على فراغ رئاسي، وتاليا، ما لم يستطع الرئيس عون نيله بـ6 سنوات لن يتيسر له آخر 8 أسابيع من ولايته سواء بالتحكم بتوازنات الحكومة أو المهام التي يمكن أن تتولاها في نهاية العهد. لذا فإن "التسليم بحكومة تصريف الأعمال بالفراغ الرئاسي لا مفر منه مهما ارتفعت سقوف الخطابات قبيل انتهاء ولاية عون".

ويسجل أيوب عددا من الملاحظات السياسية عشية بدء المهلة الدستورية، مذكرا أنه لأول مرة منذ اتفاق الطائف، لا يعرف لبنان هوية رئيس جمهوريته، ويعطي عدة أمثلة:

  • بفترة الوصاية السورية على لبنان (1976-2005)، أدرك اللبنانيون أولا أن انتخاب إلياس الهراوي الذي جرى التمديد له واستمر عهده من 1989 حتى 1998، كان لتأخير وصول إميل لحود للرئاسة سنة 1998 قبل تمديد ولايته 3 سنوات حتى 2007. وانتخابهما كان نتيجة التفويض الدولي والإقليمي لسوريا بإدارة الملف اللبناني.
  • بعدما اندلعت أحداث "نهر البارد" في 2007 بين مجموعة فتح الإسلام والجيش، جرى انتخاب ميشال سليمان رئيسا في 2008 كأحد نتائج اتفاق الدوحة.
  • سرى الوضع على عون الذي تمسك حزب الله بانتخابه منذ انتهاء ولاية سليمان في 2014، كترجمة لموازين قوى الإقليم لمصلحة الحزب وإيران.

وتلفت بومنصف النظر إلى أن هذا الاستحقاق يحل بعدما "شهد عهد الرئيس عون انهيارا صادما على المستوى الاقتصادي، ومع ذلك تمارس القوى السياسية صراعاتها على مواقع النفوذ بالأدوات نفسها التي دمرت الدولة ومؤسساتها، بدل إعطاء إنجاز الاستحقاق الرئاسي بموعده أولوية وطنية".

مدونات - البرلمان اللبناني
دستوريا يستطيع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري دعوة الأعضاء لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية بدءا من مطلع سبتمبر/أيلول (رويترز)

السيناريوهات واللاعبون

تترقب مختلف الكتل السياسية وتحديدا المسيحية هذا الاستحقاق، الذي شهد تاريخيا صراعا محموما بلغ درجة الاقتتال والدم، بين بعض زعماء الموارنة إبان الحرب الأهلية.

ويواجه زعماء القوى المارونية التقليدية مصاعب داخلية وخارجية بالتسويق لترشيحهم للرئاسة، وعلى رأسهم جبران باسيل وسمير جعجع وزعيم تيار المردة سليمان فرنجية.

ومنذ اليوم الأول لانتخاب البرلمان الجديد، بدا أن لبنان أمام نموذج البرلمان العراقي، بحسب المحلل السياسي حسين أيوب، أي برلمان الأقليات الذي تملك فيه الكتل الصغرى قدرة التعطيل والفيتو (الثلث المعطل) بلا امتلاك أحد لا "النصف + واحد" ولا الثلثين. وعليه، فإن "البرلمان الحالي عاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية بالفرض لمصلحة معسكر ضد آخر"، ما قد يستوجب "وضع الجميع أمام حتمية التسوية الرئاسية بلا غالب ولا مغلوب. أي رئيس إدارة أزمة لا رئيس إنتاج حلول".

وفي حين تمكن عهد الرئيس عون من ترسيخ قاعدة "الرئيس القوي بطائفته"، تذكر بومنصف أن الانتخابات الرئاسية لا تنجز بلا توافق خارجي وداخلي، قد يعيق تكرار تجربة عون مع أي من زعماء التقليديين.

  • داخليا، تتحدث المحللة عن 4 قوى تؤثر بالاستحقاق الرئاسي: الكنيسة المارونية ممثلة بالبطريرك الراعي، والتيار الوطني الحر وحزب القوات. أما حزب الله، فـ"لديه الكلمة الفصل بامتلاك الفيتو بالبرلمان".
  • خارجيا، تقول إن فرنسا مهتمة بالاستحقاق الرئاسي بلا قدرة على التأثير الكبير، وإن واشنطن مؤثرة لكنها غير مهتمة لدرجة الانخراط حتى الآن. وخليجيا، السعودية لا تبدي اهتماما وتكتفي بمراقبة المشهد، في حين إيران تهتم عبر ذراعها الأقوى حزب الله.

ومن وجهة أخرى، يرى حسين أيوب أنه للمرة الأولى منذ 1989، لا يكون العامل الخارجي عنصرا مرجحا بتحديد هوية الرئيس اللبناني، وستضطر القوة الإقليمية والدولية لأخذ توازنات الداخل اللبناني بالحسبان، أي أن العنصر اللبناني يتقدم هذه المرة على ما عداه.

ويرجح أيوب ألا يكون الفراغ مديدا كما سنة 2014، ولا قصيرا؛ أي لأسابيع. بل ثمة تطورات دولية وإقليمية برأيه، إذا سلكت منحى إيجابيا؛ فإنها ستنعكس على لبنان، وستفوز البلاد برئيس جمهورية وحكومة؛ و"كلما طال أمد الفراغ يكون سؤال الصيغة متقدما على سؤال الرئاسة".

المصدر : الجزيرة