اعتقال أجانب بتهمة التجسس في إيران.. كيف سينعكس احتجاز دبلوماسيين غربيين على الملف النووي؟

التلفزيون الإيراني عرض صورا قال إنها لأجانب متهمين بالتجسس على مناطق عسكرية (الصحافة الإيرانية)
التلفزيون الإيراني عرض صورا قال إنها لأجانب متهمين بالتجسس على مناطق عسكرية (الصحافة الإيرانية)

طهران- كثيرة هي بيانات الحرس الثوري الإيراني في الإعلان عن اعتقال خلايا تجسس وتفكيكها، إلا أنها تأخذ منحى تصعيديا عندما ترتفع الضغوط الغربية على طهران، حيث شملت الاحتجازات أحيانا سياحا وأكاديميين أجانب ودبلوماسيين معتمدين.

وبعد اعتقال السفير البريطاني السابق لدى إيران روب ماكاير خلال مشاركته في احتجاجات شعبية على خلفية إسقاط الحرس الثوري طائرة ركاب أوكرانية عن طريق الخطأ في يناير/كانون الثاني 2020، أعلن جهاز استخبارات الحرس الثوري احتجاز جايلز ويتار نائب رئيس البعثة الدبلوماسية البريطانية -مع دبلوماسيين آخرين- بتهمة التجسس، وهو ما نفته لندن جملة وتفصيلا.

وكان الحرس الثوري قد أعلن في وقت متأخر من يوم أمس الأربعاء أن استخباراته اعتقلت عددا من الأجانب، بينهم دبلوماسيون وأكاديميون، أثناء مغادرتهم البلاد، وبحوزتهم عينات من التربة والحجارة جمعت من مناطق محظورة وسط البلاد، حيث تُنفّذ تجارب صاروخية.

دبلوماسيون وأكاديميون

وكشف التلفزيون الإيراني الرسمي أن قوات الحرس الثوري اعتقلت كذلك في طهران رونالد غشين زوج المستشارة الثقافية في السفارة النمساوية، وماتشي فالتشاك الأستاذ في جامعة "كوبرنيك" البولندية وآخرين، بعد رصد دقيق عبر الطائرات المسيرة وتوثيق جمعهم عينات من التربة والمياه والصخور في صحراء شهداد، ومدينة دامغان بالقرب من موقع للتجارب الصاروخية، وأضاف التلفزيون الرسمي أن السلطات الإيرانية ضبطت العينات.

ويظهر شريط الفيديو الذي نشره الحرس الثوري أن مداخل منطقة شهداد التي كان فيها الدبلوماسي البريطاني تحتوي على لافتات بالفارسية والإنجليزية تصنفها من المناطق المحظورة، وتطلب عدم الدخول إليها من دون ترخيص.

وكانت وزارة الأمن الإيراني أعلنت في مايو/أيار الماضي أنها اعتقلت فرنسيين اثنين بزعم التجسس، وتنظيم أعمال شغب وإشعال اضطرابات داخل البلاد، هما سيسل كلهر (37 عامًا) وجاك باريس (69 عامًا).

من جانب آخر، قال الباحث السياسي المقرب من الحرس الثوري مهدي عزيزي إن بلاده كانت تراقب تحركات المعتقلين منذ مدة، وإنها سبق أن وثّقت تصوير أحدهم منطقة عسكرية في العاصمة طهران، وقد حصلت على معلومات ثمينة من هواتفهم، منها تواصلهم مع جهات أجنبية بشأن المهمة التي يقومون بها.

ظرف حساس

أخذ هؤلاء المعتقلين لعينات من المناطق العسكرية القريبة من موقع التجارب الصاروخية في إيران يأتي في "إطار فبركة ملفات جديدة بشأن اقتراب طهران من صنع القنبلة النووية"، وفق عزيزي الذي قال للجزيرة نت إن "الكيان الإسرائيلي يسعى عبر جهات عدة لإعادة فتح ملف بلاده النووي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

واستدرك المتحدث نفسه قائلا إن بلاده لم تسع ولن تسعى إلى صناعة القنبلة النووية، لكن الدول الغربية تريد معرفة المزيد عن قدرات إيران الدفاعية لا سيما الصاروخية.

وأضاف عزيزي أن العمليات التجسسية والتخريبية الغربية ضد المنشآت النووية لم تتوقف يوما طوال مسيرة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي الإيراني المبرم في عام 2015، إلا أن طهران لم تعلن عن ذلك حرصا منها على إنجاح المفاوضات وإحياء الاتفاق.

واستبعد الباحث الإيراني أن يبلغ احتجاج الأوروبيين على الاعتقالات الأخيرة مستوى القطيعة الدبلوماسية مع طهران، وذلك بسبب الظروف التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية على أوروبا، وكانت بعض الدول الأوروبية سحبت سفراءها من طهران على خلفية مهاجمة محتجين إيرانيين مقر السفارة البريطانية في طهران في عام 2011، وذلك ردا على عقوبات فرضتها لندن على طهران.

ويأتي الاتهام الإيراني للدبلوماسيين الغربيين بالقيام بعمل استخباري لمعرفة تفاصيل عن التجارب الصاروخية عقب فشل المفاوضات الرامية لإحياء الاتفاق النووي حتى الآن، وذلك يزيد خشية المراقبين في إيران من التأثير السلبي على مسار المفاوضات النووية.

واستغرب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران محسن جليلوند قيام دبلوماسيين بمهام تجسس في البلاد، معتبرا نشر الحرس الثوري شريطا مصورا عن تحركاتهم في مناطق نائية دليلا على حساسية المؤسسة الأمنية الإيرانية تجاه هؤلاء، وتجاه اقترابهم من المواقع العسكرية، وذلك في ظل إشرافها المعلوماتي على كل التحركات في محيط المنشآت الإيرانية الحساسة.

وتوقع جليلوند -في حديثه للجزيرة نت- أن يؤثر اعتقال الدبلوماسيين سلبا في مستقبل العلاقات الإيرانية الأوروبية، مؤكدا أن طهران لا تستطيع محاكمتهم بسبب تمتعهم بالحصانة الدبلوماسية، وستكتفي بطردهم خلال أيام، إلا أنه من الممكن أن تودع الشخصيات الأجنبية الأخرى السجن في الوقت الراهن.

الملف النووي

وعما إذا كان التطور الجديد سيؤثر على المفاوضات النووية بين إيران والغرب، رأى الأكاديمي الإيراني أن المفاوضات ماتت منذ مدة، وأن المساعي الأوروبية لإنعاشها لم تفلح بعد.

وأضاف جليلوند أن مفاوضات الدوحة أثبتت اتساع الشرخ بين الرؤيتين الإيرانية والأميركية، وأن خلافاتهما تتسع كل يوم، مستبعدا التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني في المرحلة المقبلة، وذلك يعني أن الملف آخذ في التصعيد والتصعيد المضاد.

وخلص إلى أن حادث اعتقال الدبلوماسيين ينذر بتوتر جديد بين إيران والغرب، لكنه لا يؤثر كثيرا على الملف النووي الساخن أصلا.

المصدر : الجزيرة