ميديا بارت: جنرالات السودان يوفرون لروسيا نقطة ارتكاز في أفريقيا

هزيمة ألمانيا النازية أمام الجيوش السوفياتية التي احتفلت بها روسيا يوم 9 مايو/أيار، تم الاحتفال بها أيضا في الخرطوم، على بعد 6 آلاف كيلومتر من الكرملين.

سفينة تابعة للبحرية الروسية في ميناء سوداني (الفرنسية)

لم تؤد الحرب في أوكرانيا إلى عزل روسيا تماما، رغم كل جهود الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث استفادت موسكو، بدعم من المجلس العسكري الحاكم في الخرطوم، من ميناء على البحر الأحمر، مما يشكل موطئ قدم لها في أفريقيا وممرا إستراتيجيا من بورتسودان إلى باماكو عبر بانغي.

بهذه المقدمة، مهد موقع ميديا بارت (Mediapart) الفرنسي، لـ مقال كتبته غوينيل لينوار أشارت بدايته إلى حدث، قالت إنه مر دون أن يلاحظه أحد، وهو أن ذكرى هزيمة ألمانيا النازية أمام الجيوش السوفيتية التي احتفلت بها روسيا يوم 9 مايو/أيار الماضي، تم الاحتفال بها أيضا في الخرطوم، على بعد 6 آلاف كيلومتر من الكرملين.

تمثل هذا الاحتفال -حسب الكاتبة- بخروج مجموعة من المركبات السريعة، وهي تلوح بالأعلام الروسية والسودانية من نوافذها، في طرق مهجورة تماما على طول نهر النيل، كما لاحظه أشخاص قليلون.

فجوة بين الشعب والعسكر

وقد تم نشر الفيديو مكتملا على حساب للحكومة الروسية على تويتر، إلا أنه أثار السخرية على الشبكات الاجتماعية السودانية، وقالت المحللة السياسية خلود خير إن "خروج قافلة مؤلفة من 12 سيارة، بعضها يحمل لوحات دبلوماسية من السفارة الروسية، أمر سطحي ولا يحمل أي دلالة تأييد لغزو روسيا لأوكرانيا، ولكنه يظهر الفجوة بين الشعب السوداني والنظام المنبثق عن الانقلاب".

ونبهت الكاتبة إلى أن الحرب في أوكرانيا وجدت صدى غير متوقع في شوارع السودان، حيث رفع المتظاهرون، الذين يواجهون قمعا عنيفا مرتين كل أسبوع تقريبا، الأعلام الأوكرانية ولافتات التضامن اليوم التالي للعدوان الروسي على أوكرانيا، في حين ظهر التحالف بشكل أكثر وضوحا بين الجنرالات القائمين على السلطة منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 وبين موسكو.

وبالفعل، امتنعت روسيا عن انتقاد الانقلاب في السودان، وتحدثت عن "تصحيح الانتقال الديمقراطي" في تماه تام مع الانقلابيين، كما امتنع السودان عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على إدانة غزو أوكرانيا، وفي نفس اليوم الذي شنت فيه روسيا الحرب، بدأ اللواء محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي"، وهو الرجل الثاني بالمجلس العسكري السوداني زيارة لموسكو، برفقة وفد يضم وزراء الطاقة والتعدين والمالية.

وأعلن حميدتي، وهو زعيم مليشيات الدعم السريع شبه العسكرية، عبر التلفزيون الروسي أن "لروسيا الحق في التصرف لمصلحة مواطنيها وحماية سكانها بموجب الدستور والقانون" إلا أن الخرطوم نفت فيما بعد تلك التعليقات قائلة إنها "فسرت خطأ" حسب الكاتبة.

مفتاح روسيا في أفريقيا

وقالت الكاتبة إن جنرالات الخرطوم خلفاء للرئيس المخلوع عمر البشير الذي أطيح به في أبريل/نيسان 2019، وهم من طردوه من القصر خوفا على سلطتهم بعد شهور من المظاهرات، ولم يقفوا أبدا إلى جانب الحركة الشعبية، بل ظلوا يعملون لاستعادة النظام القديم، حتى أن عضوا بارزا في المؤتمر الوطني (حزب البشير) اعترف مؤخرا بأن قيادته كانت وراء هذا الانقلاب الذي وضع حدا للانتقال الديمقراطي.

وبالتالي، فإن تحالف الخرطوم وموسكو ليست له علاقة بالماضي، وبتلك الروابط التي قامت بين الاتحاد السوفياتي والسودان أوائل السبعينيات، عندما استولى الرئيس جعفر النميري آنذاك على السلطة، بل إن العلاقة جديدة -كما ترى الكاتبة- بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 خلال زيارة البشير إلى سوتشي، حين اقترح أن يصبح السودان "مفتاح روسيا بأفريقيا" ووقع اتفاقية تعاون عسكري مع موسكو، وافق بموجبها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إنشاء قاعدة روسية في بورتسودان.

ولئن تغير الوضع في الخرطوم مع سقوط البشير، وجاء تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكر، وترددت حكومة رئيس الوزراء "المدني" عبد الله حمدوك في توقيع اتفاقية التعاون العسكري، فإن المجلس العسكري "قرر لعب الورقة الروسية، للهروب من الضغط الغربي والاستفادة من موقع البلاد الإستراتيجي" حسب المحللة خلود خير.

وبهذا الخيار -كما ترى المحللة السياسية- لعب المجلس العسكري على الخوف مما يمكن أن يفعله السودان المعزول على الساحة الدولية، وبدا أن قاعدة بحرية روسية في بورتسودان ستكون بمثابة فزاعة، لأنها تقع منتصف الساحل الغربي للبحر الأحمر، ومنها يمكن إغلاق الوصول إلى قناة السويس شمالا ومضيق باب المندب جنوبا، أي قطع الطريق الحيوي للسفن بين البحر المتوسط ​​والمحيط الهندي.

وتخشى واشنطن أيضا -كما تقول الكاتبة- من أن هذه القاعدة البحرية ستسهل عمليات تصدير الذهب وعمليات مجموعة فاغنر شبه العسكرية، التي تنكر روسيا وجودها بالسودان، وإن كانت شهادات عديدة تؤكد أنها موجودة هناك بالفعل، مثل ما قاله عدد من الشباب لميديا بارت، في ديسمبر/كانون الأول 2021، من أنهم كانوا ينقلون المواد الغذائية والمعدات بالشاحنات إلى معسكر في أقصى الغرب "حيث يتحدث الأشخاص البيض باللغة الروسية".

فاغنر لحماية مناجم الذهب

وترى الكاتبة أن فاغنر تعمل في السودان لدعم عمليات قوة الدعم السريع ولرصد وحماية استغلال مناجم الذهب، كما هو الحال في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة.

وتقول المحللة السياسية إن جزءا من تعدين الذهب بالسودان بيد شركة الجنيد التي يديرها شقيق الجنرال حميدتي، حيث يُشتبه في قيام عائلة دقلو بتهريب السبائك إلى الإمارات وروسيا، من أجل الإثراء الشخصي وتمويل أنشطة قوة الدعم السريع جزئيا، حتى إنه يقال إن رحلة حميدتي لموسكو كان من أهدافها استرداد الأموال المستحقة مقابل تصدير الذهب بشكل غير قانوني إلى روسيا، وهي تزيد على مليار دولار.

وتثير العلاقات القوية بين موسكو والخرطوم قلق الدبلوماسيين الغربيين، إذ قالت الترويكا الخاصة بالسودان التي تضم الولايات المتحدة والنرويج وبريطانيا إن "مجموعة فاغنر في السودان، تنشر معلومات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي وتشارك في أنشطة غير مشروعة تتعلق بتعدين الذهب، مما يقوض الحكم الرشيد واحترام سيادة القانون التي يناضل الشعب السوداني من أجلها منذ الثورة".

المصدر : ميديابارت