التصعيد مع إيران.. 6 أزمات داخلية تلخص سياسة إسرائيل للهروب للأمام

باتت جدلية الدين والسياسة والعلاقات بين التيار العلماني الصهيوني والتيار الديني ومختلف الطوائف -خاصة الغربية "الإشكناز" والشرقية "السفارديم"- أبرز الأزمات الداخلية التي تطفو على السطح ويتم ترحيلها لتجنب تداعياتها التي من شأنها أن تفكك النسيج المجتمعي والديني لليهود

مناورات لتنفيذ عمليات خاصة ما وراء البحار والحدود
من مناورات إسرائيلية لتنفيذ عمليات خاصة ما وراء البحار والحدود (وكالات)

القدس المحتلة- أعاد التصعيد المحتدم بين إسرائيل وإيران والذي تغذيه حكومة نفتالي بينيت -التي تواجه التفكيك المتدرج- التصعيد التراكمي الذي شنته الحكومة الإسرائيلية السابقة برئاسة بنيامين نتنياهو على قطاع غزة، في محاولة لتصدير الأزمات الداخلية.

واحتدم التصعيد على غزة مع فشل نتنياهو بتثبيت حكومته التي امتدت لعامين بعدم استقرار وأزمات داخلية طغت على 4 دورات انتخابية للكنيست ليجد نتنياهو نفسه بمواجهة مع فصائل المقاومة الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في معركة "سيف القدس"، والتي خرج منها دون حسم، سواء على الصعيد العسكري أو على المستوى السياسي.

المشهد ذاته يتكرر مع حكومة بينيت المهددة بالانهيار، وذلك في ظل ما تشهده من تفكك داخلي وانسحابات من الائتلاف، وهو ما يشير كما يقول الإعلامي الإسرائيلي المتخصص في الشؤون العربية والفلسطينية يواف شتيرن "إلى عمق التشرذم السياسي والشرخ في المجتمع الإسرائيلي وعدم التوافق أو الإجماع على حقيقة المخاطر الخارجية المحدقة مثلما كان بالسابق، وسط المخاطر الداخلية التي تهدد مستقبل إسرائيل".

وردا على سؤال للجزيرة نت عما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى تصدير أزماتها الداخلية عبر رفع منسوب التصعيد، أجاب بالقول "هذا هو الواقع الذي تحاول حكومة بينيت احتواءه، حيث لجأت مجددا للتصعيد بنبرة التهديد ضد إيران وإعادة فزاعة المشروع النووي والتهديدات التي يشكلها حزب الله، في محاولة منها لإعادة تكريس "العدو المشترك" في الذهنية الإسرائيلية".

Israeli Prime Minister Naftali Bennett attends a cabinet meeting at the Prime Minister's office in Jerusalem
حكومة بينيت تعيش تفككا داخليا ومهددة بالانهيار (رويترز)

وذهب شتيرن إلى أن بينيت -الذي يعتبر أكثر تطرفا من سلفه نتنياهو- تمادى بالتهديدات ونبرة التصعيد ضد إيران وحزب الله في سوريا، في محاولة لتصدير أزمات حكومته الداخلية وخلق حالة من الحرب وقرع طبولها عبر وسائل الإعلام، وذلك سعيا منه لتدعيم حكومته بأحزاب من معسكر المعارضة الذي يقوده نتنياهو.

تباينت مواقف وتقديرات الباحثين والمحللين الإسرائيليين بشأن مدى نجاعة رفع منسوب التوتر سعيا لتصدير الأزمات الداخلية، وهو النهج -كما يقول الباحث بمركز "بيغن- السادات" للدراسات الإسرائيلية الإستراتيجية اللواء احتياط جرشون هكوهين- "الذي اعتادت عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة"، لكنه استبعد أن تعتمد حكومة بينيت النهج ذاته، مشيرا إلى أن "نبرة التصعيد" تلامس حجم التحديات والواقع الإقليمي.

وأوضح هكوهين للجزيرة نت أن حكومة بينيت هي الأضعف في تاريخ حكومات إسرائيل وبدت هشة وغير مستقرة منذ لحظة تشكيلها، وهو ما يعكس أزمة الحكم التي تتشابك مع الأزمات الداخلية والملفات الإقليمية الحارقة، وأبرزها انسداد أفق حل القضية الفلسطينية والمشروع النووي الإيراني والتموضع العسكري الإيراني في سوريا وتسلح حزب الله.

ويتم التعبير عن الضعف الإسرائيلي في أنماط سلوك القيادة الإسرائيلية قبالة الفلسطينيين وبعض الأنظمة العربية والإسلامية، وذلك بدلا من إظهار القوة والرعد الإسرائيلي، قائلا إن "الجمهور الإسرائيلي يشعر ضعف القيادة، إذ عاش اليهود في الشتات القلق الوجودي، واليوم يعيشون القلق ذاته في أرض الوطن".

ومع احتدام التصعيد بين إسرائيل وإيران وانتقاله إلى ساحات أخرى مثل الساحة التركية وتوسعه في سوريا وتبادل التهديدات مع حزب الله على الجبهة اللبنانية نستعرض في ما يلي سلسلة الأزمات الداخلية التي تعيشها إسرائيل.

مناروات لارتال عسكري خلال مناورة تحاكي توغل بري في لبنان
أرتال عسكرية إسرائيلية خلال مناورة تحاكي توغلا بريا في لبنان (وكالات)

عقدة أوسلو واغتيال إسحاق رابين.. محطة مفصلية

شكل اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في العام 1995 برصاص مسلح يهودي محطة مفصلية بالتحولات السياسية والدينية والاجتماعية في المجتمع الإسرائيلي.

وساهم اغتيال رابين -الذي يعتبر أول اغتيال سياسي بالدولة العبرية- في الاحتدام والاستقطاب بين الأحزاب اليهودية واختلال التوزان بين المعسكرات السياسية الثلاثة ممثلة بمعسكر اليمين التقليدي، والمركز، واليسار الصهيوني.

هذا الاستقطاب والتحولات السياسية والأمنية -سواء على صعيد القضية الفلسطينية أو الملفات الحارقة في منطقة الشرق الأوسط- تحولت في تراكماتها إلى أزمات داخلية كان يتم التنفيس عنها وتصديرها من خلال المبادرة إلى التصعيد على الجبهة الشمالية مع حزب الله، ومع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبعد عقود تحول نموذج التصعيد بغرض تصدير الأزمات الداخلية والهروب إلى الأمام والتغاضي عن الواقع والقضايا الحارقة إلى جوهر الأزمات الإسرائيلية، وذلك مع مقاربة الأزمات الداخلية والخارجية وصعوبة الفصل بينها، مع تشابك دوافع التصعيد هروبا إلى المجهول.

النووي الإيراني.. فزاعة نتنياهو للبقاء بالحكم رغم تفاقم ملفات الفساد

تمكن بنيامين نتنياهو -الذي انتخب عام 2006 ليشكل صلب الائتلاف الحاكم في إسرائيل- من وضع الملف النووي الإيراني في صلب اهتمامات المشهد الإسرائيلي، حيث وظف هذا الملف كفزاعة لاستمالة الناخب الإسرائيلي.

وبدا الملف النووي الإيراني والتهديدات الوجودية على إسرائيل رافعة لنتنياهو للتموضع بالحكم حتى مارس/آذار 2021، حيث أطيح بحكمه مع اشتداد تهم وملفات الفساد التي وجهت له، وتفاقم أزمة المشروع النووي مع اقتراب طهران لتصبح دولة عتبة نووية.

وعمق التباين في المواقف من شخص نتنياهو وملفات الفساد التي يحاكم بسببها أزمة استقرار الحكم في إسرائيل، وهو ما اعتبره قادة أغلبية الأحزاب الصهيونية مؤشرا لتقويض "الديمقراطية اليهودية"، حيث تتشابك هذه الأزمة مع العديد من الأزمات الداخلية ومن ضمنها الملف النووي الإيراني وتهديدات حكومة نفتالي بينيت، وتحريضها على ضرورة توجيه ضرب عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وإحباط التوقيع اتفاق نووي جديد.

Netanyahu Holds Post-Election Event
الملف النووي الإيراني مثّل رافعة لنتنياهو للبقاء في الحكم على الرغم من ملفات الفساد التي كانت تحاصره (غيتي إيميجز)

جدلية الديانة اليهودية والسياسة في إسرائيل.. أزمة تستفحل

باتت جدلية الدين والسياسة والعلاقات بين التيار العلماني الصهيوني والتيار الديني ومختلف الطوائف -خاصة الغربية "الإشكناز" والشرقية "السفارديم"- أبرز الأزمات الداخلية التي تطفو على السطح ويتم ترحيلها لتجنب تداعياتها التي من شأنها أن تفكك النسيج المجتمعي والديني لليهود.

ويعكس هذا الصدام التوجهات الجديدة للصهيونية العلمانية التي تأثرت في جوانب معينة بالخطاب الديني اليهودي بغية استقطاب شرائح واسعة من اليهود، فيما تتصاعد وتيرة الصراعات الداخلية بين اليهود المهاجرين من روسيا وسعيهم للهيمنة على مواقع اتخاذ القرار، إلى جانب المستوطنين ممثلين بحركة "غوش إيمونيم" عرابة الاستيطان بالضفة الغربية.

وأفضى هذا الجدل إلى تيار جديد يسمى "الصهيونية الدينية" الذي يدمج بين الخطاب الديني اليهودي والعلمانية على أن يبقى المحور الأساس لهذا التيار المبادئ الصهيونية التي تتعارض مع طرح وفكر ومبادئ الأحزاب الدينية الحريدية التي تكفر بالصهيونية، وتحلم بتأسيس دولة يهودية تحتكم بالقوانين والتشريعات من التوراة.

الفكر الديني بالمشهد السياسي الإسرائيلي.. أزمة حكم مستعصية

تجذر الفكر الديني لمختلف الطوائف والتيارات الدينية والسياسية في المشهد السياسي العام ومختلف السياقات، إذ تنافست هذه الأحزاب والحركات لتعزيز حضورها ونفوذها بين الإسرائيليين على الصعيد الفكري الديني التوراتي والصهيوني، والدمج بين هذه المقومات، وذلك على حساب مبادئ العلمانية، وهو ما يظهر بوادر لتقويض الديمقراطية الإسرائيلية وتراجعها كإطار جامع لليهود.

وتسعى الأحزاب الدينية الصهيونية والحريدية إلى مواصلة حضورها ودورها بالحكم والسيطرة على المعترك السياسي الصهيوني والإسرائيلي، وهو ما ساهم في تأجيج الصراعات على الصعد الثقافية والاجتماعية والطبقية بين اليهود، الأمر الذي يعكس أزمة الحكم التي تعصف بإسرائيل، في ظل توغل الفكر الديني بالسياسة الإسرائيلية، وهو الفكر الذي غذى الانقسام في المجتمع الإسرائيلي، حيث عمقت ملفات الفساد -التي يحاكم بسببها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو- هذا الانقسام، وأجريت 4 دورات انتخابية منذ أبريل/نيسان 2019 وأفضت إلى تشكيل حكومة بينيت.

قانون القومية ومشروع يهودية الدولة.. أزمات تراكمية

ظهر مشروع "يهودية الدولة" الذي أطلقه رئيس الوزراء السابق أرييل شارون في العام 2001، ويهدف إلى إيجاد دولة لليهود فقط، وفشل المشروع الصهيوني بضمان أغلبية يهودية في فلسطين التاريخية.

راكم هذا الفشل "قانون القومية" الذي شرعه الكنيست بالعام 2018، ويعرف "إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي"، مع تمديد الحكومة الإسرائيلية في مارس/آذار 2022 قانون منع لم شمل الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.

لم تضمن هذه التشريعات العنصرية التفوق العرقي لليهود، بل أججت معركة الديمغرافية وصراع الجغرافيا في فلسطين التاريخية من خلال وحدة الكل الفلسطيني والتمسك بمبادئ القضية الفلسطينية، ورفض المساومة على الثوابت أو تقديم التنازلات، وذلك تصديا للمشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وساهم تأجيج صراع الديمغرافية في فلسطين التاريخية في ولادة أزمة داخلية بالمشهد السياسي الإسرائيلي بكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهو ما أدى إلى انشقاقات داخل الأحزاب اليهودية العاجزة عن توفير حلول مع الفلسطينيين.

إدارة الصراع مع الفلسطينيين.. وجه آخر للأبارتهايد

سعيا للهروب إلى الأمام رحلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أي حلول مع السلطة الفلسطينية، خاصة حل الدولتين الذي بات غير واقعي ويستحيل تطبيقه على الأرض وفقا للقرارات الدولية، وذلك بسبب سياسة الأمر الواقع التي فرضها المشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يصطدم بصمود الشعب الفلسطيني، مع مقاربة النظام السياسي الإسرائيلي على جانبي الخط الأخضر من خلال منظومة الأبارتهايد.

وأضحت الأحزاب اليهودية في ظل هيمنة الخطاب اليميني الصهيوني على المشهد السياسي عاجزة عن توفير الحلول مع الفلسطينيين، دون أن تجد هذه الأحزاب مخرجا من نفق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ منيت بالهزائم والإخفاقات في مشاريع الأسرلة وطمس الهوية الوطنية والقومية ومحاولات ترويض الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.

وباتت إسرائيل بسبب التشريعات العنصرية وسياسات الحكومات المتعاقبة بمثابة دولة أبارتهايد مع تاريخ حافل من التمييز والعنصرية وعقود من القمع والهيمنة، وهو ما أعلنت عنه منظمة العفو الدولية "أمنستي" (Amnesty) بأن إسرائيل دولة فصل عنصري تدير نظام اضطهاد عرقي يخضع له الفلسطينيون في جميع أماكن وجودهم.

المصدر : الجزيرة