كيف تبدو حياة العراقيين في ظل العواصف الترابية؟

بغداد – تقول آلاء نور الدين (41 عاما) عن إحدى الليالي المغبرّة التي شهدتها بغداد مطلع الشهر الجاري إنها من أسوأ ما مرّ عليها في حياتها وهي تشاهد ابنتيها تختنقان ولا تستطيع أن تقدم لهما شيئا لمساعدتهما على التنفس، وصارت ترتعد خوفا كلما سمعت بعاصفة ترابية قادمة.
يعيش العراقيون حالة من الترقب والتوجس مع كل هبّة للعواصف الترابية، بعدما شهدت الأسابيع الأخيرة عواصف غير مسبوقة عطّلت المطارات والعديد من دوائر الدولة وتسبّبت في اختناق الآلاف واكتظاظ المستشفيات بهم.

أم حائرة
وتواجه آلاء هي وزوجها رعبا يوميا خلال العواصف الترابية التي تؤذي ابنتيهما المصابتين بالربو المزمن، فتسترجع بهلع ما حدث معهما قبل نحو أسبوعين عندما خرجت وعائلتها مساء خارج المنزل في حين بقيت ابنتها الكبرى في البيت للدراسة، فبينما هم في الخارج تعرضت ابنتها الصغرى لنوبة اختناق فاضطروا من أجل إنقاذها إلى التوجه مباشرة للمستشفى حيث مكثت طوال الليل.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوفي الأثناء تواصلت الأم مع ابنتها الكبرى في البيت فعلمت بأنها أيضا تتعرض لنوبة اختناق، لكنها تمكنت من مساعدة نفسها نسبيا، بتنقيع قطعة قماش بالماء الفاتر لفلترة الهواء ولو قليلا.
وتقول آلاء إنها الآن صارت أكثر استعدادا لمساعدة ابنتيها، بعد موجات عواصف عديدة، إذ هاجم التراب البرتقالي اللون المدن العراقية أكثر من ٨ مرات خلال شهرين.
وأضافت "مع كل موجة ترابية أُدخل ابنتي إلى غرفتهما، وأقوم بإغلاق جميع المنافذ، وتقديم الأكل والشراب لهما، ذلك أن جو الغرفة المغلقة يكون أقل تلوثا من الشقة الواسعة".
وتخشى آلاء اليوم على ابنها الأصغر الذي بدأ يعاني نوبات تحسس أيضا مثل أختيه، وتدعو الله أن يخلّص العراق من هذه الأزمة، معبّرة عن خوفها من التأثيرات السلبية للأدوية التي يتناولها أولادها.

الغبار والتكسي
فؤاد عارف (53 عاما) سائق تكسي لا يستطيع الخروج أو توفير لقمة العيش لعائلته مع كل عاصفة ترابية تشهدها البلاد. يبدو حزينا وهو يؤكد -للجزيرة نت- أنه ككل الكسبة والمعتمدين على الرزق اليومي صار من البديهي جلوسهم في البيت يومين أو أكثر مع كل عاصفة رملية.
ويقول عارف إن الرؤية تنعدم في ظل العواصف التي شهدتها البلاد؛ ومع ذلك يجازف بالخروج علّه يحصّل قوت عياله، ولكن في الغالب يعود من دون فائدة حيث الشوارع خالية من المارّة.
وبعد مجازفة تدوم ساعات يدخل عارف إلى منزله يعلوه التراب؛ على وجهه وثيابه، فتهرع زوجته إلى مساعدته رغم أنها مصابة بالربو فتضطر إلى استخدام أنبوبة أكسجين.
ويحاول عارف استثمار أيام الصحو واستغلال ساعاتها قبل عودة العواصف لكسب رزقه، فيخرج للعمل فجرا ويعود بعد منتصف الليل.

فصل من العمل
أما علي السوداني (٢٨ عاما) فيعمل بوظيفتين مختلفين لمواجهة متطلبات الحياة الصعبة؛ يعمل مع وزارة الكهرباء ليلا، وعند انتهاء مناوبته يعمل في أحد المحال التجارية.
وقال للجزيرة نت إنه أنهى عمله في وزارة الكهرباء عند الساعة الثامنة صباحا وأراد التوجه بعد ذلك مباشرة إلى المحل، لكن هبوب عاصفة رملية لم يمكّنه من ذلك إذ يعتمد على دراجة نارية في تنقلاته "وهي غالبا ما تكون مصدر نقمة في هذه العواصف" حسب ما يقول، فانتظر انتهاء العاصفة ليتوجه بعدها إلى المحل ولكنه كان متأخرا كثيرا، ففوجئ بصاحب المحل يطلب منه المفتاح وعدم العودة للعمل.

استنفار طبي
رئيس الأطباء المقيمين في مستشفى الكندي في بغداد الدكتور سيف علي قال للجزيرة نت إن الأسابيع الأخيرة شهدت استنفارا للكوادر الطبية تحضيرا لاستقبال الحالات المتضررة جراء العواصف الترابية، حيث يتم تحضير الأسرّة وأجهزة الأكسجين وجميع معدات السلامة والمساعدة الصحية.
وأضاف أن دائرة العمليات تقوم بوضع خطة طارئة، وتستنفر كل الكوادر الطبية والتمريضية، فعلى الجميع الالتحاق بالمستشفيات لاستقبال المرضى في ردهات الطوارئ التنفسية المجهزة بالأكسجين المركزي، وتُراقَب الفعاليات الحيوية ويُعطى العلاج المجهز من صيدلية الطوارئ.
ولفت الدكتور سيف إلى أن أغلب الحالات التي تحضر إلى المستشفى جراء العواصف الترابية تكون من كبار السن، والأشخاص الذين لديهم تاريخ مع أمراض الجهاز التنفسي.

مهنة المتاعب
المصور الصحفي حسين فالح يرى أن عمله في التصوير الصحفي يتطلب منه البحث عن صور تنقل الواقع، وذلك يضطره إلى الخروج في الطقس الملبّد بالغبار ويعرضه للخطر الصحي.
وفي حديثه للجزيرة نت، قال "التقطت صورا لمدينة البصرة (جنوبي البلاد) التي غطتها العاصفة الترابية وشلّت الحركة في شوارعها، فلم تؤثر الأتربة على شكلي الخارجي فقط، بل على صحتي إذ أعاني حاليا من حالة اختناق شديدة وهذا، على ما يبدو، سببه كمية الغبار التي دخلت إلى جهازي التنفسي".
ومما زاد الأمر سوءا حسب فالح هو حاجته للتنقل لأداء عمله بواسطة الدراجة النارية للوصول إلى مختلف الأماكن بشكل أسرع.
وأضاف أنه عند هبوب العواصف الترابية في مدينة البصرة لا يبقى في الشارع إلا الكسبة والباعة الجائلون وبعض الشباب رغم رداءة الطقس، ولأنها منطقة يعتمد كثير من ساكنيها بخاصة في الأماكن القريبة من شط العرب على صيد الأسماك اضطر كثير من الصيادين إلى العودة لمنازلهم بسبب سوء الأحوال الجوية من دون تحصيل رزقهم.

حلول
يشرح الدكتور حيدر معتز، عميد المعهد الأميركي للدراسات البيولوجية والصحية، أسباب العواصف الترابية وعواملها، ودخولها المفاجئ إلى محافظات العراق، مبيّنا من خلال حديثه للجزيرة نت أن العواصف الترابية أصابت الآلاف بالاختناق، لذا فإن كثيرا من المهام تقع على عاتق الوزرات العراقية.
ومن هذه المهام "زراعة ملايين الأشجار، لمعادلة وموازنة حجم تجريف البساتين الذي طرأ على العراق في السنوات الأخيرة، وكذلك إصدار قانون يمنع تجريف البساتين للمناطق الزراعية"، كما يقول الدكتور حيدر معتز.
وبناء المساحات الخضراء من الأمور التي تحدث بها الدكتور حيدر، مشيرا إلى أن هذه المساحات ستشكل مصدّات طبيعية حول المدن وتقلل من سرعة انتشار الأتربة وانبعاثها.
ويبيّن للجزيرة نت أن تراجع مناسيب الأنهار وجفاف بعضها وتراجع المياه الجوفية الناشئة للبحيرات والواحات من الأسباب الكبرى أيضا التي تسهم في ازدياد التصحر.
ويضيف أن "على مجلس الوزراء توفير ما يعادل ٣ مليارات دينار تخص الأحزمة الخضراء وتثبيت الكثبان الرملية، كما يجب على وزارة الموارد المائية والبيئة ووزارة التخطيط عمل بروتوكلات دولية للسيطرة على مياه العراق مع الدول التي ينبع منها نهرا دجلة والفرات، قبل وقوع الكارثة".