ميديابارت: الأوكرانيون بين قسوة المعارك وعذابات المنفى والخوف من العودة

إذا كانت أوكرانيا التي تدخل شهرها الرابع من الحرب قد نجت حتى الآن من الأسوأ، وهو احتلال كامل أراضيها، فإن سكانها يبقون ممزقين بين الفرار واللجوء في الخارج خوفا من التهديد الروسي، والعودة من المنافي وسط ضائقة مادية كبيرة، والقتال شرقها وجنوبها.
ولتوضيح الصورة، استعرض موقع ميديابارت (Mediapart) الفرنسي -في تقرير لمراسلته ماتيلد غوانيك- أحوال أوكرانيين يمثلون مختلف الحالات، كان أولهم جندي الاحتياط أوليكسي (42 عاما) الذي تحدث عبر الهاتف عن أمطار القنابل في أوديسا، مشيرا إلى أنه الآن في مكان ما جنوب شرق أوكرانيا، كجندي يخدم في القاعدة الخلفية للجيش للمساهمة في تأمين المناطق التي استعادوها بعد عدة أسابيع من القتال.
حياة الجندية
وعلى أوليكسي ورفاقه -كما يقول- حراسة طريق هناك وتأمين جسر ورصد قوات العدو المتحركة دون أن يلاحظهم الجيش الروسي، علما بأن "هناك استطلاعات جوية تقوم بها طائرات مسيرة في كلا الجانبين".
ويشير هذا الجندي إلى أن المعدات العسكرية التي توفرها، بشكل عشوائي عشرات البلدان في وقت واحد وبشكل مستمر، ليست مناسبة دائما، موضحا على سبيل المثال أن السترات الواقية من الرصاص تكشف بلونها الأزرق مرتديها في خضرة الريف الأوكراني في الربيع.
ويصف أوليكسي -الذي غادرته زوجة وابنته في رحلة لجوء قاسية إلى فرنسا التي لا تتكلمان لغتها- حياة الجندية الجديدة الصعبة، حيث يعيش مجبرا بين رفاق من خلفيات اجتماعية مختلفة، وهو مجبر على تنفيذ قرارات عسكرية صادرة من الأعلى قد لا تبدو له منطقية ولا يفهم المراد منها، كما يقول.
ولئن كان هذا الجندي ورفاقه مستائين مما يصل إلى أسماعهم من الفظائع التي يرتكبها الروس في بلادهم، فإنهم مع ذلك ليسوا مجمعين على ما يراه بعضهم من ضرورة الرد بالمثل، يقول أولكسي "نحن نتعامل مع مجانين ينقضون علينا متخيلين أننا وحوش، لكننا لسنا مجانين ونعيش بجانبهم مباشرة".
واستعرضت المراسلة من ناحية أخرى ما تقوم به الناشطة في مجال حقوق المرأة كاترينا خانيفا مع متطوعين آخرين من تنظيم إجلاء سكان مدينة إيزيوم التي احتلها الروس وحاصرها الجيش الأوكراني، وغرقت تحت سيل من نيران القذائف منذ بداية الحرب.
تقول هذه الناشطة التي نزحت إلى "أوكرانيا الغربية" إنها تعمل مساعدة إنسانية واجتماعية ونفسية بشكل رئيسي مع النساء والأطفال، مشيرة إلى أنهم يخططون في المستقبل القريب للعمل مع من تعرضن للعنف الجنسي للقيام بحملات إعلامية حول هذا الموضوع "من أجل تقليل شعورهم بوصمة العار".
المنفى لأجل غير مسمى
أما المترجمة أناستاسيا التي كانت تعيش في ضواحي خاركيف، فقد قررت بعد تردد طويل مغادرة منزلها حيث بقي زوجها للمشاركة في الدفاع عن الأراضي حسب الأوامر، قائلة إن الخوف حسم ترددها و"كان القصف يقترب من قريتنا وربما تسقط القذائف في فناء منزلنا، لكن ذلك لم يخفني بقدر ما كان يخيفني وصول الروس أنفسهم. كنت أعرف ما سيحدث لو جاء الروس إلى منزلي. لم أرغب في اغتصاب ابنتي البالغة من العمر 10 سنوات".
لجأت أناستاسيا ووالدتها وابنتها إلى فرنسا لتعيش لحظة فرح قصيرة عند وصولها، حيث تعيش مع عائلة فرنسية قامت بإيوائهن، ولكنها لا تزال قلقة للغاية رغم شعورها بالأمان، خاصة أن "ابنتي تحزن على مفارقة الحياة التي عاشتها في أوكرانيا، وأمي لا تتحدث الفرنسية ومساعدتها تتطلب الكثير من الجهد".
وفي بلجيكا، انتهى المطاف بالنسبة لداريا بيبيكوفا وبناتها، بالاستفادة، كما هي الحال في كل مكان بأوروبا، من وضع الحماية المؤقتة، وهي -كما تقول- تبحث الآن عن عمل على بعد آلاف من الكيلومترات من العاصمة الأوكرانية، وتواجه تقلبات النظام البلجيكي، تقول "يعتقد زوجي الذي يقيم في كييف أن الوقت مبكّر جدا للعودة، لذلك أحاول البقاء هنا عاما، فهناك على الأقل عدد أقل من الهجمات".
العودة للبلاد
ومع الآلاف من الأوكرانيين العائدين من أوروبا ومدينة لفيف إلى كييف بعد أيام قليلة من خروج الروس من المنطقة، عادت ليوبوف تسيبولسكا، مؤسسة مركز الحكومة الأوكرانية للاتصالات الإستراتيجية وأمن المعلومات، قبل شهر، بعد أن وجدت نفسها بداية الحرب "عالقة" في دول البلطيق، حيث كانت تقدم سلسلة من المحاضرات.
تقول تسيبولسكا "نعود ببطء إلى الحياة الطبيعية، ولا تزال هناك صفارات إنذار من حين لآخر، لكن الأمور لم تعد خطيرة فالشوارع مليئة بالناس، وقد أعيد فتح المقاهي والمطاعم، لكن لا يمكننا القول إننا آمنون تماما، وما يحدث في الشرق مدمر وكل جهودنا تتركز على الناس هناك".
وقد استأنفت الشابة عملها مستشارة بوزارة الدفاع في كييف، ولا تزال مستاءة من الغرب، حيث تقول "بعض الدول تحملت مسؤوليتها، كجيراننا من دول البلطيق والولايات المتحدة" مضيفة بلغة تعترف بأنها غير دبلوماسية "نحن نطلب شيئين فقط، لا نريدهم أن يقاتلوا من أجلنا، ولكن نريد الأسلحة والعقوبات على روسيا. إذا واصلوا شراء الغاز والنفط من هذا البلد فهم يمولون هذه الحرب".
وختمت المراسلة بقصة أناستاسيا التي عاد العديد من أصدقائها وجيرانها إلى إيربين وبوتشا، حيث انطلق مئات المتطوعين لتنظيف الشوارع ورفع الأنقاض وبدأت التحقيقات في جرائم الحرب، إذ تقول الشابة التي تواصل حياتها بالمنفى في رومانيا مع أختها وأطفالهما بعد محنة رهيبة عانت منها في بوتشا فقد "حدثت أشياء مروعة حيث كنت أعيش، لست مستعدة للعودة بعد. لكن هذا بلدي وهذا بيتي وسأعود".