لم تكن هفوة.. دلالات تأكيد بايدن التدخل عسكريا حال غزت الصين تايوان

US President Biden And Quad Leaders Hold Summit
لم تكن تصريحات بايدن أمس بطوكيو حول استعداد بلاده للدفاع عن جزيرة تايوان عسكريا في وجه أي غزو صيني هي الأولى من نوعها (الأناضول)

واشنطن- تبعد جزيرة تايوان عن الأراضي الصينية أقل من 160 كيلومترا، وتعتبرها بكين مقاطعة منشقة يجب أن تعود للبيت الصيني الواحد، في حين تدعم واشنطن تايوان عسكريا وتمدها بأحدث ما لديها من أسلحة لردع الصين، مع تبنيها في الوقت ذاته سياسة "صين واحدة" وهو ما يمنعها من الاعتراف باستقلال تايوان.

وجددت الحرب الروسية على أوكرانيا النقاش، في العاصمة الأميركية، حول رد فعل واشنطن إذا أقدمت الصين على خطوة مشابهة للخطوة الروسية.

ومع إحجام إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن التدخل العسكري بأوكرانيا، ورفضها اتخاذ أي خطوات قد تراها روسيا تصعيدية مثل فرض منطقة حظر طيران أو إمداد الجيش الأوكراني بطائرات مقاتلة، زادت الشكوك حول ما إذا كانت واشنطن ستساند تايوان إذا تعرضت لموقف مشابه لما تتعرض له كييف حاليا.

وتتبنى واشنطن سياسة "غموض إستراتيجي" فيما يتعلق بتايوان، من هنا مثلت تصريحات الرئيس بايدن أمس في طوكيو، باستعداد واشنطن للرد عسكريا في حال هجوم الصين على تايوان، تصعيدا كبيرا بموقف الولايات المتحدة في مواجهتها مع الصعود الصيني.

ليست المرة الأولى

لم تكن تصريحات بايدن، حول استعداد بلاده للدفاع عن جزيرة تايوان عسكريا في وجه أي غزو صيني، هي الأولى من نوعها.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2020 رد بايدن -خلال لقاء تلفزيوني نظمته شبكة "سي إن إن" (CNN) التلفزيونية- على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عسكريا عن تايوان إذا تعرضت هذه الجزيرة لهجوم صيني بالقول "نعم لدينا التزام بهذا الشأن".

وعلى العكس من هفوات الرئيس بايدن السابقة، لم يكن تصريحه أمس هفوة حيث إنه كرر ما قاله عدة مرات واستفاض في التأكيد على ضرورة ابتعاد الصين عن التفكير باللجوء للقوة لما لذلك من تداعيات خطيرة.

ويتناقض تصريح بايدن مع السياسة الأميركية القائمة منذ مدة طويلة فيما يعرف بـ "الغموض الإستراتيجي" التي تساعد واشنطن بموجبها تايوان في بناء دفاعاتها وتعزيزها، دون التعهد صراحة بتقديم مساعدتها في حال حدوث هجوم.

ومن جانبه، أكد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن -عقب تصريحات بايدن- أن سياسة "الصين الواحدة" لم تتغير، وقال إن الرئيس قصد أن "يسلط الضوء على التزامنا بموجب قانون العلاقات مع تايوان، للمساعدة في توفير وسائل لها للدفاع عن نفسها".

وكرر مسؤول رفيع بالبيت الأبيض نفس كلمات أوستن، وقال لوكالة رويترز إنه لا تغيير في سياسة بلاده تجاه تايوان، كما قال الرئيس "فسياستنا لم تتغير" وأكد مجددا التزام بلاده بموجب قانون العلاقات مع تايوان بتزويدها "بالوسائل العسكرية للدفاع عن نفسها" مشددا على سياسة "صين واحدة".

تقديرات واشنطن

تتبنى الولايات المتحدة سياسة "الغموض الإستراتيجي" فيما يتعلق بإمكانية تدخلها عسكريا لمنع الصين من ضم تايوان إليها، وفي الوقت ذاته لا تعترف واشنطن بتايوان دولة مستقلة، ولا تقيم معها علاقات دبلوماسية.

ويرى بعض المعلقين أن واشنطن أظهرت للصين -من خلال ردها على روسيا- ما يمكن توقعه إذا قامت بكين بمحاولة غزو تايوان.

من جهتها، ترى مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية آفريل هاينز أن الصين أصبحت بالفعل أكثر ترددا في غزو تايوان مما كانت عليه قبل عدة أشهر فقط.

وفي جلسة استماع أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب في الثامن من مارس/آذار الماضي، قالت هاينز إن رد الفعل الأميركي على غزو أوكرانيا "من المرجح أن يعزز وجهة نظر الصين بشأن الجدية التي سنتعامل بها مع أي تحرك عسكري تجاه تايوان. وتأثرت الصين كثيرا بالوحدة التي رأتها بين أوروبا والولايات المتحدة، خاصة في فرض العقوبات".

وفي حديث بمنتدى واشنطن الذي نظمته صحيفة فايننشال تايمز الشهر الماضي، قال وليام بيرنز مدير وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" (CIA) إنه "من الواضح أن القيادة الصينية تحاول أن تنظر بعناية في الدروس التي ينبغي لها أن تستخلصها من حرب أوكرانيا فيما يتعلق بطموحاتها الخاصة في تايوان. لا أعتقد للحظة واحدة أن سوء الأداء الروسي أدى إلى تراجع تصميم الرئيس الصيني تشي على السيطرة على تايوان. لكنني أعتقد أنه شيء يؤثر على حساباتهم حول كيف ومتى تقوم الصين بذلك".

في مارس/آذار 2021 حذر الأدميرال فيليب ديفيدسون القائد السابق للقوات الأميركية بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، أعضاء الكونغرس، من أن الصين قد تغزو تايوان في غضون السنوات الست المقبلة.

سياسة واشنطن المعلنة

ويعود تبني الإدارات الأميركية المتعاقبة مبدأ "الغموض الإستراتيجي" تجاه الصين إلى سببين:

أولا: عدم وضوح ظروف التدخل الأميركي الذي يحرم المخططين العسكريين الصينيين من معرفة واضحة بحدود المناورة مع الولايات المتحدة. وقد أجبر الغموض الإستراتيجي بكين على افتراض تورط أو تدخل واشنطن حال شن هجمات أو محاولة غزو تايوان.

ورغم أن ميزان القوى في منطقة مضيق تايوان يتغير لصالح الصين، فإن الخبراء يعتقدون أن بكين لا تزال بعيدة عن امتلاك قوات متقدمة تمكنها من النجاح في الاستيلاء على تايوان.

ثانيا: يشكل الغموض الإستراتيجي كذلك رادعا ضد أولئك الذين قد يميلون إلى إعلان الاستقلال داخل تايوان، فواشنطن تدعم الحكم الذاتي لتايوان فقط، ولكن من المؤكد أن إعلان تايوان استقلالها رسميا من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع أزمة.

تايوان والتنافس الأميركي الصيني

تعد تايوان آخر ساحة للتنافس بين الصين وأميركا، ورغم أن الأخيرة ليست ملزمة بموجب معاهدة للدفاع عن تايوان، فإن الهجوم الصيني سيكون اختبارا للقوة العسكرية الأميركية وهيمنتها الدبلوماسية والسياسية.

ورغم أن الدولتين النوويتين والقوتين الاقتصاديتين الأوليين في العالم تخوضان حربا باردة في عدد من الملفات الخلافية بينهما، فإن خلافهما بشأن تايوان يعتبر القضية الوحيدة التي يُحتمل أن تثير مواجهة مسلحة بينهما.

وتعتبر بكين تايوان جزءا لا يتجزأ من الأراضي الصينية، مؤكدة أنها ستستعيد هذه الجزيرة عاجلاً أم آجلا، وبالقوة إذا لزم الأمر.

من هنا وصفت مجلة "إيكونوميست" (The Economist) البريطانية الشهيرة في يوليو/تموز الماضي تايوان بأنها "أخطر مكان على وجه الأرض" لما تمثله من معضلة كبيرة للصين وللولايات المتحدة معا.

المصدر : الجزيرة