كيف وقع اللاجئون حول العالم ضحايا لأجندة سياسية داخلية؟

قارب يحمل 15 لاجئا أفغانيا يقترب من جزيرة ليسبوس اليونانية في 28 فبراير/شباط 2020 بجوار زورق مراقبة تابع لقوات الحدود البريطانية في الخلفية (الفرنسية)

يقول كاتب العمود بصحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) ماكس فيشر إن النموذج المثالي الذي كرّسه العالم على مدى أكثر من 70 عاما في القوانين الوطنية والاتفاقيات العالمية بشأن حماية اللاجئين لم ينل المراعاة اللازمة تماما منذ أصوله الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، واستمر يتآكل حتى بلغ مستوى جديدا الأسبوع الماضي بقرار مثير من الحكومة البريطانية.

وأشار فيشر في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز إلى خطة بريطانيا الجديدة لإرسال آلاف من طالبي اللجوء إلى رواندا، قائلا إنها تكشف الطبيعة الهشة للميثاق العالمي للاجئين، الذي لطالما وقع ضحية للسياسات الداخلية.

ونقل عن خبراء قولهم إن الحكومة البريطانية بدلا من سماع ادّعاءات اللاجئين، "ستشحنهم إلى رواندا، وهي دولة شبه دكتاتورية بعيدة لم تطأها قدم أي من معظم اللاجئين، لتخلق مشكلة لدولة أخرى".

مسؤولية القوى الغربية

وقال إن القوى الغربية التي دافعت عن هذا الميثاق كانت تعمل على تآكله على نحو مضطرد في السنوات الأخيرة، وذلك أدى إلى تقويض التزاماتها، ومن ثم التزامات العالم تجاه المسؤولية التي وصفتها ذات مرة بأنها حاسمة للاستقرار العالمي.

ولفت فيشر الانتباه إلى أن بريطانيا لم تخترع ممارسة الإغلاق بوجه اللاجئين وطالبي اللجوء في المنشآت البعيدة، إذ ظلت الحكومات الأوروبية تدفع "الطغاة وأمراء الحرب الأجانب" في دول مثل السودان وليبيا إلى احتجاز المهاجرين نيابة عنها منذ سنوات، كما ظلت أستراليا تستعين بهذا العمل لسلسلة من الدول الجزرية. وكانت الولايات المتحدة رائدة في هذه الممارسة بشكل فعال في عام 1991، عندما حولت القوارب المملوءة بالهاييتيين إلى خليج غوانتانامو.

وأدى تصاعد السياسات الشعبوية اليمينية، ورد الفعل العنيف في أوروبا ضد موجة الهجرة في عام 2015، ثم جائحة فيروس كورونا إلى تسريع هذه الممارسة وغيرها من الممارسات المشابهة، مثل الجدران والدوريات المسلحة وسياسات "الردع" التي تجعل الرحلة أكثر خطورة عمدا.

ازدواجية المعايير تجاه اللاجئين

والنتيجة ليست بالضبط أن نظام اللاجئين العالمي قد مات، فقد ظلت الحكومات الأوروبية تستقبل ملايين الأوكرانيين الذين شرّدهم الغزو الروسي، على سبيل المثال، وبدأ تسليط الضوء على أن نظام اللجوء، الذي كان يُنظر إليه في يوم من الأيام على أنه التزام عالمي وملزم قانونا، يُتعامل معه الآن على أنه طوعي فعليا.

ونسب فيشر إلى ستيفاني شوارتز الباحثة في سياسات الهجرة بجامعة بنسلفانيا القول "إنه أمر جريء جدا، في غضون شهر يتم تقديم سكن للأوكرانيين ثم الإعلان عن إرسال جميع المهاجرين الآخرين إلى منطقة تبعد 4 آلاف ميل من بريطانيا".

وأضافت شوارتز أن "الوقاحة في ازدواجية المعايير" تبدو كأنها إعلان ضمني، يجب على الحكومات أن تأخذ لاجئين عندما تريد ذلك، وليس عندما يكون هناك لاجئون بحاجة إلى اللجوء بالفعل.

ورجح فيشر أن تتسارع عواقب هذا التحوّل التي اتضحت بالفعل، في الأشهر المقبلة، وسط ما يُتوقع أن يكون ارتفاعا كبيرا في الصيف في وصول اللاجئين، ربما إلى جانب مزيد من ردود الفعل العنيفة التي أدت إلى عمليات القمع.

مثال يتآكل

يشير الكاتب إلى أن التزام العالم تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء لطالما كان مشروطا بالمصالح الذاتية أكثر مما تم تصويره.

وأشار إلى إعادة 2.3 مليون مواطن سوفياتي إلى بلدانهم التي يحاولون الهرب منها في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حتى عندما تعهد القادة الغربيون بإعادة توطين لاجئي أوروبا حيث سيكونون آمنين. وأُعدم نحو 20% منهم بعد ذلك أو أُرسلوا إلى معسكرات العمل.

ومع ذلك، يقول فيشر "مع اشتداد الحرب الباردة، أكدت الحكومات الغربية بشكل متزايد على احترامها لحقوق اللاجئين، وضغطت على حلفائها لفعل الشيء نفسه، كطريقة لوضع كتلتهم في مرتبة أعلى من الحكومات الشيوعية التي كانت تمنع المواطنين في بعض الأحيان من الفرار. وظل الامتثال الغربي متقطعا، وذلك منح الأفضلية للاجئين من الدول الشيوعية أو غيرها ممن قدموا بعض المكاسب السياسية".

لكن التحول الحقيقي جاء في نهاية الحرب الباردة، في عام 1991، عندما فقدت الدول الغربية هذا الحافز السياسي. ارتفع عدد اللاجئين في أنحاء العالم في أوائل التسعينيات إلى 18 مليونا، وفقا للأمم المتحدة، أي ما يقرب من 9 أضعاف العدد عندما كرس العالم رسميا قواعد اللاجئين في اتفاقية عام 1951.

في هذا التوجه، بدأت سياسة الولايات المتحدة لتحويل مسار اللاجئين الهاييتيين في عام 1991. وبحلول عام 2010، مع ارتفاع تدفقات اللاجئين إلى الخارج في الغالب من البلدان الفقيرة، طبقت الولايات المتحدة سياسات مماثلة على اللاجئين من أميركا الوسطى كما فعلت مع الهاييتيين، حيث تفاوضت على صفقات مع الحكومات، لا سيما في المكسيك، لمنع اللاجئين والمهاجرين الآخرين من الوصول إلى الحدود. واتبعت أوروبا وأستراليا إستراتيجيات مماثلة.

ويجادل البعض بأن تكريس الاتفاقيات الدولية الجديدة، أو إلغاء الاتفاقيات القديمة تماما قد يؤدي إلى توزيع المسؤولية العالمية على نحو أكثر استدامة، لا سيما في ظل ارتفاع معدلات لاجئي المناخ، الذي يضعف الحدود، بين المهاجرين لأسباب اقتصادية واللاجئين السياسيين. لكن زعماء العالم أبدوا القليل من الاهتمام بمثل هذه الخطط. وإذا كانت المشكلة هي أن الحكومات لا تريد لاجئين ولا يمكن إجبارها على استقبالهم، فإن استبدال اتفاقية تم تجاهل نصفها تقريبا، بأخرى، لن يغير كثيرا.

النظام الناشئ

يبدو أن المعايير المزدوجة الأوروبية تجاه اللاجئين، حيث ترحب حكوماتها بالأوكرانيين وتستمر في بذل جهود غير عادية لإبعاد المهاجرين من الشرق الأوسط، أدت إلى وضع معايير غير مكتوبة لنظام جديد للجوء.

وعلى الرغم من كل الاشمئزاز من بيان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة يجب أن ترحب بالوافدين من دول مثل النرويج وحظره السكان الذين يعدّهم غير مرغوب فيهم، فإن المشاعر تعكس ممارسة شائعة ومتزايدة.

وقالت شوارتز إن الوباء غيّر نظرة الناس إلى ما كان يُعدّ أحيانا سلوكا متطرفا، مثل إغلاق الحدود شبه التام. ونتيجة لذلك، أصبحت القيود التي ربما بدت صادمة في يوم من الأيام أكثر طبيعية، على نحو يريح الحكومات.

لقد تعلمت الحكومات أيضا أنه طالما أنها لا تحاسب بعضها بعضا على خرق الأعراف الدولية، فلا توجد جهة أخرى غير مواطنيها يمنعها من ذلك، لكن مواطنيها هم من يطالبون بهذه السياسات في كثير من الأحيان.

المصدر : نيويورك تايمز