من جنين إلى كل مناطق الضفة.. هل تندلع انتفاضة فلسطينية جديدة؟

فلسطيني يلقي الحجارة على القوات الإسرائيلية خلال مواجهات في مدينة نابلس بالضفة الغربية (الأوروبية)

نابلس- من جنين شمالا إلى بيت لحم جنوبا مرورا برام الله في الوسط، هكذا توزعت خريطة الشهداء الذين ارتقت أرواحهم أمس واليوم في عدد من مدن الضفة الغربية على وقع تصعيد إسرائيلي وتحذير فلسطيني من انفجار وشيك ودعوات للنفير العام.

وقد سقط منذ أمس الأربعاء 6 شهداء نتيجة العمليات العسكرية المستمرة للاحتلال الإسرائيلي في أرجاء الضفة الغربية، بينما يتواصل التصعيد في القدس.

وتلك الأحداث مجتمعة هي امتداد لمواجهات مستمرة منذ بداية العام الجاري، تصاعدت خلال الأسابيع القليلة الماضية بشكل أكبر وأوسع، وبلغ أوجها حتى الآن في مدينة جنين، لكنه سرعان ما اشتعل ببقية مدن الضفة الغربية، ودفع السلطة الفلسطينية للتنديد بجرائم الاحتلال والتحذير مما اعتبرته وضعا خطيرا وحساسا قد ينفجر في أي وقت، كما تداعت الفصائل الفلسطينية إلى اجتماع في غزة لتوصل بذلك رسائل عدة لإسرائيل.

وفي حين يرى خبراء وسياسيون تحدثوا للجزيرة نت أن ما تشهده الضفة الغربية حاليا هو عبارة عن موجة احتجاجات شعبية واسعة قد تمتد لتعم مدن الضفة الغربية دون أن ترتقي لحد انتفاضة شعبية عارمة، يرى آخرون أن تلك الأحداث قد تُمهِّد الطريق لانتفاضة إذا استمرت إسرائيل في قمعها للفلسطينيين.

هبة نيسان

يعتقد الصحفي الفلسطيني محمد دراغمة أن ما يجري حاليا هو هبة شعبية أو "هبة نيسان" كما يسيمها، وعمادها جملة من السياسات والإجراءات السياسية والدولية، دخل بموجبها الاحتلال في مرحلة جديدة من التهديد الوجودي للفلسطينيين، فالاستيطان خنقهم وشل حركتهم وصادر أرضهم وماءهم ولم يعد المواطن قادرا على تلبية أبسط احتياجاته.

وتزامن ذلك، حسب دراغمة، مع فقدان الأمل وانسداد الأفق أمام الناس بأي حل سياسي بعد أن أغلقت إسرائيل الطريق وذهبت لحلول اقتصادية وحياتية، وأسهم العالم كذلك بفقدان هذا الأمل وزيادة الإحباط الشديد لدى الفلسطينيين بتجاهله إجراءات الاحتلال وصلفه.

ويرى دراغمة أن تحول تلك الاحتجاجات إلى انتفاضة شعبية مشروط بوجود قوى سياسية متفقة على قيادتها وتنظيم فعاليتها ومدها بالحياة والاستمرارية، وهو أمر لا يبدو متوفرا حاليا، لأن السلطة "ابتلعت" حركة فتح التي تمثل العمود الفقري لمنظمة التحرير ومشروعها التحرري، كما فتت الانقسام الحركة الوطنية الفلسطينية وشتت قواها وأهدافها ودمر المؤسسة التمثيلية وهي المجلس التشريعي.

وما انتهى إليه دراغمة يؤكده أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العربية الأميركية أيمن يوسف، حيث أشار إلى أن الكرة بدأت تتدحرج فعلا من جنين لبقية المناطق الفلسطينية لكنها على شكل "هبَّة" أكثر منها انتفاضة شاملة.

إسرائيل تعتبرها موجة قوية

وأوضح يوسف أن الظروف اليوم تختلف عن الانتفاضة الشعبية الثانية عام 2000، حينها كان البديل هو التحرك باتجاه المقاومة المباشرة بعد فشل عملية المفاوضات، وفي ظل وجود زعيم مثل الراحل ياسر عرفات.

أما حاليا فالمستوى السياسي الرسمي الفلسطيني ليس مَعنيا بأي انتفاضة واسعة النطاق، وكذلك حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت "الائتلافية الضعيفة" لا تريد الدفع نحو انتفاضة شاملة تخلط الأوراق، ولذلك ستظل المعركة تشهد كرا وفرا، بل ربما يمكن أن تتطور ببعض المواقع لكنها ستظل بالمنظور القريب أشبه بالهبة الميدانية.

وأضاف "عشنا تجربة مشابهة وقريبة في بيتا وبرقة ومناطق أخرى، وبالتالي نحن أمام حالة نضالية تراكمية يمكن الاستثمار بها سياسيا".

ويشير المختص الفلسطيني بالشأن الإسرائيلي عادل شديد إلى أن إسرائيل تتعاطى مع ما يجري باعتباره "موجة قوية" تضم فعاليات شعبية واسعة، كما تضم عمليات فدائية معظمها ليست فصائلية لكنها منظمة أكثر ومخطط لها، ويتم استخدام السلاح الناري فيها، ولذلك أدت لسقوط قتلى وجرحى إسرائيليين بعدد أعلى من المرات السابقة.

ولأجل ذلك فإن إسرائيل أطلقت اسم "كاسر الأمواج" على حملتها الحالية بالضفة لمواجهتها وتكسيرها بوسائل شتى من الحرب النفسية والاعلامية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.

ويضيف أن تل أبيب أعدت ومنذ شهور للتصدي لهذه الموجة، سواء على الصعيد الدفاعي بأن زادت وحداتها العسكرية ونصبت العديد من الحواجز، أو هجوميا بشن عمليات قتل وملاحقات وعقوبات جماعية، "ولكن قوة الموجة الحالية فرضت نفسها على الجميع مما جعل إسرائيل بوضع المرتبك والمتخبط وغير القادر على فهم ما يحدث".

ويؤكد أن هذه الموجة ستمتد لبقية مدن الضفة، لأن البيئة الفلسطينية الحالية في معظمها تشكل حاضنة ورافعة لها، خصوصا مع وجود جيل شاب غاضب وأجيال أخرى تدعم وتؤيد.

وضع مأزوم

ويرى شديد أن الوضع السياسي الفلسطيني المأزوم بالانقسام وغياب القيادة الوطنية الميدانية المتفق عليها من الجميع يجعل من إمكانية تحول الموجة والهبة لانتفاضة عارمة خيارا يراوح مكانه، فضلا عن وجود سلطة فلسطينية لا يمكن أن تسمح بانتفاضة كبيرة، فضلا عن أن تكون شريكة فيها، لأن ذلك تهديد لها في ظل الوضع الحالي، رغم أن السلطة بحاجة سياسيا لفعل مقاوم يتم توظيفه لإخراجها من ضعفها أمام إسرائيل.

ومنذ بداية العام، قتلت إسرائيل 45 فلسطينيا (بينهم 4 من فلسطينيي 48)؛ ومنهم 16 منذ بداية شهر أبريل/نيسان الجاري، و23 فلسطينيا منذ بدء سلسلة العمليات الأخيرة قبل 3 أسابيع، و13 استشهدوا برصاص الاحتلال من مدينة جنين وحدها.

هبات متتالية

وأمام هذا، اتهم حسين الشيخ عضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح، إسرائيل بأنها اتخذت قرارا برفع وتيرة القتل، وقال في حديث لإذاعة صوت فلسطين إن القيادة بصدد عقد اجتماع واتخاذ قرارات "إستراتيجية"، بينما دعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى النفير العام، وأعلنت الفصائل الفلسطينية بقطاع غزة التعبئة الشعبية العامة.

وبدوره، يقول عضو القيادة السياسية للجهة الشعبية زاهر الششتري إن ما يجري هو هبات متتالية "نأمل" أن تصل لانتفاضة شعبية ضد ممارسات الاحتلال ومستوطنيه، والتي كان آخرها إعلان غُلاة المستوطنين عزمهم ذبح القرابين بالمسجد الأقصى بعيد الفصح اليهودي.

وعوَّل الششتري في حديثه للجزيرة نت على لقاء الفصائل الفلسطينية بغزة يوم أمس، وبيان غرفة العمليات المشتركة للفصائل المقاومة، واعتكاف آلاف الفلسطينيين لحماية المسجد الأقصى المبارك في تصعيد للموقف ومزيد من التصدي للاحتلال.

المصدر : الجزيرة