عاطل بدرجة خريج جامعة.. متى يتوقف جدل الشهادة وسوق العمل بمصر؟

تظاهرة طلابية أمام بوابة جامعة القاهرة - اسوشيتدبرس-ارشيف
جامعة القاهرة تضم آلاف الطلاب في كليات علمية ونظرية (أسوشيتد برس)

 القاهرةـ مع تزايد أعداد الخريجين الجامعيين سنويا بمصر وعدم وجود فرص عمل مناسبة لهم حتى بين حاملي الماجستير والدكتوراه أحيانا، يتجدد الجدل حول ارتباط التعليم بسوق العمل ومدى تأهيل الشباب المصري بالمهارات اللازمة لمتطلبات الوظائف الحديثة، وذلك بعيدا عن الأسباب الاقتصادية لأزمة البطالة.

واشتعلت أحدث موجات ذلك الجدل، بعدما تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطاب له مؤخرا حول عدم أهمية بعض الكليات لسوق العمل، وأشار بشكل خاص لكلية الآداب التي تخرج كل عام آلاف الطلاب ممن لا حاجة لسوق العمل بهم، خاصة من قسمي التاريخ والجغرافيا، حسب قوله.

وخلال فعالية إطلاق المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية التي جرت نهاية الشهر الماضي، نصح السيسي المصريين قائلا "على الناس أن تجهز أبناءها للوظائف التكنولوجية الجديدة، بدلا من تخريج آلاف الطلاب من كليات مثل الآداب، وليس لهم مكان في سوق العمل".

وتخطى انتقاد السيسي زيادة أعداد خريجي بعض الكليات عن الحاجة، إلى انتقاد عدم ملاءمة مستويات بعض الخريجين للمطلوب منهم من مهارات، رغم وجود وظائف تبحث عن خريجين مؤهلين.

ولفت السيسي إلى أن الحكومة تلقت طلبات 300 ألف خريج للتدريب على تقنية المعلومات والبرمجيات، وذلك لتأهيلهم لوظائف تبلغ رواتبها نحو 20 ألف دولار، لكن لم يجتز الاختبارات منهم سوى 111 فقط، على حد قوله.

برامج التأهيل الوسيطة

ويعمل الكثير من الخرجين الجامعيين في وظائف ليست لها علاقة بمؤهلاتهم، كما انتشرت عبارة ذات دلالة بين المتقدمين للوظائف، نقلا عن أصحاب العمل تتمثل في ضرورة "نسيان كل ما تعلموه في الكليات"، ثم تبدأ عمليات تدريب لا صلة بما تعلموه، هذا في حال حَسَني الحظ الذين يعملون بمؤهلاتهم التعليمية، مثل كلية التجارة.

أما أولئك الذين لا مكان لهم خارج الدولاب الحكومي والمؤسسات الخاصة، مثل خريجي أقسام التاريخ والجغرافيا، فتستوعبهم مؤسسات لا علاقة لها بمؤهلاتهم وغالبا ما تكون شركات خدمات العملاء أو تسويق.

يقول محمود، وهو صاحب مصنع للرخام بمدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة، إنه يعاني للعثور على عمالة مدربة ومؤهلة، وحينما يأتيه أصحاب المؤهلات الجامعية يطلبون رواتب أعلى من أصحاب المؤهلات المتوسطة (يدرسون 3 سنوات بعد المرحلة الإعدادية) بدعوى ارتفاع مستواهم التعليمي.

ولا فرق في الأمر بالنسبة إليه ـ كما قال للجزيرة نت ـ فالجميع متساوون في المهارات الحرفية والعملية، مطالبا الحكومة بتوفير برامج تأهيل وسيطة بين التعليم الجامعي والمتطلبات الحقيقية لسوق العمل.

لماذا الإقبال على كليات لا سوق لها؟

ووفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) هناك نحو 3.4 ملايين طالب كانوا مقيدين بالتعليم العالي للعام الجامعي 2020 /2021، واستحوذت الكليات النظرية على العدد الأكبر منهم، مثل كليات التجارة والحقوق والآداب.

ويحرص المصريون على إلحاق أبنائهم ما اشتهر باسم "كليات القمة" والتي تشمل التخصصات الطبية والهندسية إضافة إلى العلوم السياسية والإعلام، وذلك حرصا على توفير فرص عمل مناسبة بعد التخرج، فضلا عما تمثله من وجاهة اجتماعية، لكنهم يصطدمون بعقبة مكتب التنسيق المسؤول عن توزيع الطلاب وفقا لمجموع الثانوية العامة، حيث يدخل العديد من الطلاب كليات وتخصصات وفقا لمجموعهم وليس رغباتهم.

تقول نور خالد عن أسباب التحاقها بقسم التاريخ بكلية الآداب رغم سابق علمها بانعدام الأفق المهني لها، إنها لم تكن ترغب أساسا في دراسة التاريخ ولا الالتحاق بكلية الآداب، مؤكدة أن تنسيق القبول بالجامعات هو ما ألقى بها لهذا القسم، وكذلك حال نحو ألف من زملائها بنفس القسم، وهي تدرك من البداية أنها لا مستقبل لها للعمل بشهادتها، علما بأن خريج القسم كان يعمل في السابق بمهنة التدريس.

ومضت في حديثها للجزيرة نت بالقول إنها تعمل في الإجازات وأوقات الفراغ في مجال تسويق المنتجات عبر الإنترنت، وتتساوى في ذلك بمن ليس معه مؤهل جامعي، لكنها مستمرة في الدراسة لكي تحصل على شهادة جامعية "تعلقها على حائط البيت أمام الزائرين"، وتستمر بعدها في العمل بالتسويق.

وفي جولة للجزيرة نت سأل المراسل عددا من قائدي "التكاتك" والعاملين بمحطات الوقود عن مؤهلاتهم، فجاءت إجابات عدد كبير منهم بأنهم يحملون مؤهلات جامعية تتنوع ما بين التجارة والحقوق والآداب والخدمة الاجتماعية، وقال عبد الله، وهو عامل في محطة تزويد وقود إنه كان ـولا يزالـ يأمل أن يجد وظيفة تلائم مؤهله باعتباره خريج كلية التجارة بجامعة حلوان، وهذا الأمل القديم المعلق هو السبب في اتجاهه للدراسة ثم استمراره بها.

ولكن لماذا لا تؤهل الكليات الخريجين لسوق العمل؟

يجيب خبير النظم التعليمية وتنمية القيم بجامعة الزقازيق محمد رأفت، إن ميزة هؤلاء الخريجين من تلك الكليات النظرية أن لديهم الإعداد الأكاديمي المتخصص الجيد، ولكن ينقصهم الإعداد التربوي اللازم للعمل في التدريس مع الطالب في أعمار سنية مختلفة، ويمكن تحصيله بالالتحاق بكليات التربية والتدرب فيها شرط الدراسة الجيدة والتعمق.

ولا تنعدم فرص هؤلاء الخريجين بالخارج كما هو الحال في مصر، لأن بعض الدول العربية مثلا لديهم المؤسسات التي تخصصت في التعامل مع أفراد المجتمع وتحتاج تلك التخصصات، شرط تميز الخريج.

ومع وفرة خريجي الكليات عموما، يؤكد رأفت للجزيرة نت، أن الحل أن يستوعب الطلاب الدرس مبكرا وأن يقبل كل فرد على التعمق في تخصصه، وألا يلتفت إلى القشور التي يشغله بها أساتذة الكليات، وعليه أن يكون واقعيا، مخلصا لعلمه وعمله، ومبتكرا فيه.

وأعرب عن اعتقاده بأن جزءا كبيرا من معضلة العمل والتعليم المسؤول عنها في الأساس التنسيق بين الجهاز الإداري للدولة ووزارة التربية والتعليم، بتحديد مقدار حاجة سوق العمل والتطلعات المستقبلية للدولة من التخصصات اللازمة لها.

اختلالات سوق العمل

من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين أن الاختلالات في سوق العمل ليس هو المشكلة الأساسية، التي تتمثل في جهل الكثيرين بطبيعة سوق العمل نفسه وما يحتاجه، بسبب وجود قطاع كبير من السوق السري والهامشي وغير المعلوم بالنسبة للحكومة، رغم اتضاح أثره.

وقال شاهين في حديثه للجزيرة نت إنه من المهم إحصاء ما المطلوب من كل مهنة، لكي يكون لدى الحكومة علم به، موضحا أن القضية ليست في تأهيل الطلاب ولكن في التعليم، فالحرفي في أميركا أحيانا يكون دخله أعلى من المدرس الجامعي، لأن السوق يفرض شروطه، وهو ما يؤكد ضرورة إعطاء إشارات لما نحتاجه.

وطالب شاهين بضرورة تفعيل ذلك، بالتوازي مع ضرورة تغيير نظرة المجتمع للحرفي ومسألة العمل ونوعيته عموما، مع وضع خطة لقضية إعادة برمجة كاملة للاقتصاد ومعرفة الاحتياجات الأساسية، وهو ما تفعله كل دول العالم.

أهمية الجغرافيا ولكن؟

بدوره، يقول أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب بجامعة القاهرة عاطف معتمد، إن وجود أقسام الجغرافيا في الجامعات المصرية بوضعها الحالي لا يعني أن الجغرافيا بخير، مؤكدا أن إغلاق أقسام الجغرافيا في الجامعات دون خطة قومية شاملة تأخذ بكل العناصر المهمة، وتستبق الخطر وتوفر البدائل، سيزيد الأمر صعوبة وإرباكا.

واعتبر معتمد، في منشور بصفحته على الفيسبوك، أن اختفاء الجغرافيا من كليات الآداب والتربية في الجامعات، سيضر بالأمن القومي المصري.

وأكد أهمية دراسة الجغرافيا ونفعها للبلاد، لكن لو كانت تدرس بطريقة صحيحة، يقوم عليها باحثون مجددون، ولو كانت الدولة تظلهم بمظلة الحماية المادية والفكرية والأمنية والاجتماعية، بما يساعدهم في تحقيق نقلة نوعية لهذا العلم.

وقال إنه لا بد أيضا من وجود متخصص جغرافي في كل وحدة محلية، وفي كل إدارة في القرية والريف والمدينة، معتبرا أن المشكلة ليست في أنه لا توجد وظائف تناسب الجغرافي، المشكلة الحقيقية في أنهم يضعون مكانه أشخاصا لا علاقة لهم بإدارة المكان، وهو ما يجعل طالب الجغرافيا بلا مستقبل مهني.

المياه الراكدة

في السياق نفسه، يقول الأكاديمي المتخصص في الفلسفة أحمد عمر، إنه يشعر أحيانا بالذنب تجاه طلابه الذين يدرس لهم الفلسفة، ويشفق عليهم من المستقبل؛ لأنه يعلم علم اليقين أن 99% منهم قد دخلوا قسم الفلسفة على غير إرادتهم، نتيجة لشروط عملية التنسيق الداخلي في الكلية، وهم غير مؤهلين نفسيا وعقليا لتلك الدراسة، ولهذا التخصص.

وفي مقال له حول حديث السيسي عن خريجي التاريخ والجغرافيا، أضاف عمر "بل إني بصدق شديد أشفق على نفسي أيضا، وأرغب بجدية في تغيير مجال عملي، عندما أفكر في جدوى عملي التدريسي، وجدوى الزراعة في أرض شبه بور، غير مهيأة ولا مستعدة للاستفادة مما تُقدمه لها؛ لأنه لا يُمثل لها بما هي عليه من إمكانات واستعدادات ذهنية ورغبات مستقبلية، أدنى أهمية".

وأعرب عن أمله أن يكون حديث السيسي الذي أثار الكثير من الجدل، قد ألقى حجرا في مياه أقسام وتخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية الراكدة، وأن يكون محفزا للمخلصين من أبنائها لبحث أزمة حاضرها وآفاق مستقبلها، وعلاقتها بسوق العمل، وعلاقتها بمشكلات واحتياجات المجتمع والدولة والثقافة الوطنية؛ "وتلك في يقيني أولوية ومهمة علمية ووطنية في قمة الأهمية" حسب قوله.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي