بسبب شح التمويل الدولي.. هكذا انعكس تقليص الخدمات الطبية على اللاجئين في الأردن

أزمة نقص التمويل المالي لمشاريع المنظمات الإغاثية لم تتوقف عند القطاع الصحي، بل طالت برنامج الغذاء العالمي الذي أوقف مطلع يوليو/تموز الماضي المساعدات الغذائية الشهرية عن 21 ألف لاجئ سوري

عمّان– بإغلاق مراكز طبية تمولها مؤسسات إغاثية تطوعية ومنظمات دولية تتفاقم معاناة المرضى والمصابين بالأمراض المزمنة من اللاجئين المقيمين في محافظات المملكة والمخيمات السورية، فبعد أن كانت الخمسينية يسرى الحوراني تحصل على علاجها من منظمة دولية تقدم العلاجات الطبية بالمجان باتت مطالبة بدفع 36 دينارا شهريا (50 دولارا) للأدوية المزمنة التي تعاني منها.

اضطرت الحوراني إلى "اختصار أثمان الأدوية من غذاء أبنائها" على حد قولها للجزيرة نت، مضيفة أن "إغلاق مركز الأمراض غير السارية في مدينة إربد (شمالي المملكة) حرمنا من الحصول على الأدوية الشهرية للضغط والسكري والقلب".

مختصون تحدثوا للجزيرة نت قالوا إن سبب إغلاق منظمات ومؤسسات إغاثية أبوابها أو تقليص حجم خدماتها للاجئين المستحقين يرجع إلى "نقص التمويل الدولي المقدم لتلك المنظمات"، إذ عمدت الدول التي تقدم التبرعات لتلك المنظمات إلى اعتبار علاج مواطنيها أولوية في ظل أزمة كورونا على حساب الدعم المقدم لعلاج اللاجئين في الأردن ودول الجوار.

يعيش في الأردن نحو 1.3 مليون لاجئ أغلبيتهم سوريون (الجزيرة)

معاناة بالجملة

يشارك الحوراني في معاناتها الأربعيني رأفت اليوسفي المصاب في صدره ورقبته جراء الحرب السورية.

يستهلك اليوسفي شهريا ما قيمته 62 دينارا (87 دولارا) من الأدوية والعلاجات الطبية كان يحصل عليها من منظمة طبية لكنها أغلقت أبوابها وتوقفت عن تقديم العلاج، بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها.

قصص معاناة اللاجئين المقيمين بالأردن مع الأمراض المزمنة والأدوية تتعدد وتتنوع، لكنها تشترك في إغلاق مؤسسات طبية أبوابها، وتركهم وأمراضهم وأدويتهم في مهب الريح.

كل ذلك في بلد يضم أكثر من 1.3 مليون لاجئ من 57 جنسية عربية وأجنبية وفق وزارة الداخلية الأردنية، إضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ولا يتمتعون بالجنسية الأردنية.

معين الشانف رئيس بعثة منظمة "أطباء بلا حدود" في الأردن (الجزيرة)

تأمين حكومي للاجئين

بإغلاق تلك المراكز الطبية تتوقف خيارات المرضى بين التوجه إلى مراكز وزارة الصحة الأردنية أو للقطاع الطبي الخاص، مما يكلفهم مبالغ مالية لا طاقة لهم بدفعها، أو البحث عن مؤسسات إغاثية جديدة، وذلك وفق لاجئين.

وتقدم وزارة الصحة الأردنية الخدمات الطبية للاجئين في المراكز الصحية والمستشفيات من خلال تأمين صحي يساوي بينهم وبين الأردنيين القادرين غير المؤمّنين وبأسعار منخفضة، بحسب وزير الصحة فراس الهواري.

وأضاف الهواري للجزيرة نت أن وزارة الصحة رصدت في موازنتها للعام الحالي مبلغ 5 ملايين دينار (7 ملايين دولار) للمعالجات الطبية للاجئين السوريين ضمن صندوق التأمين الصحي، وتقدم الوزارة خدمات الأمومة والطفولة وتنظيم الأسرة والولادة والرضع ومطاعيم الأطفال مجانا، ولجميع اللاجئين المسجلين بالمفوضية السامية بشكل مجاني، إضافة إلى مطاعيم فيروس كورونا.

وباشرت فرق وزارة الصحة -مطلع العام الماضي- تقديم اللقاحات المضادة لكورونا للاجئين السوريين والمقيمين بالمملكة على نفقة السلطات الأردنية.

أزمة مالية تتوسع

أزمة نقص التمويل المالي لمشاريع المنظمات الإغاثية لم تتوقف عند القطاع الصحي، بل طالت برنامج الغذاء العالمي الذي أوقف مطلع يوليو/تموز الماضي المساعدات الغذائية الشهرية عن 21 ألف لاجئ سوري بسبب نقص في التمويل المالي زاد على 58 مليون دولار، بحسب إدارة البرنامج.

وسجلت المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة عجزا ماليا قدره 74 مليون دولار في مجال المساعدات النقدية، وفجوات أصغر ولكن كبيرة في التمويل والهادفة للتخفيف من تأثير الجائحة على الرعاية الصحية الأولية والتعليم الابتدائي والخدمات للأشخاص من ذوي الاحتياجات المحددة حتى نهاية أغسطس/آب 2021، بحسب بيان للمفوضية.

تركيب طرف صناعي لمريض في مستشفى الجراحة الترميمية بمنطقة ماركا (شرقي العاصمة عمّان) (الجزيرة)

"أطباء بلا حدود"

مع بداية العام الحالي أعلنت منظمة أطباء بلا حدود إغلاق مركزين طبيين، أحدهما مركز استجابة في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، والآخر مركز طبي لمعالجة الأمراض المزمنة وغير السارية بمدينة إربد.

وأرجعت المنظمة السبب في إغلاق المركزين لحرصها على "توفير العلاج للأمراض المزمنة بإحالة ملفات المرضى الطبية إلى وزارة الصحة ومؤسسات طبية إغاثية لتقديم العلاج للمرضى، وقمنا بإعادة توجيه أولوياتنا نحو الجراحة الترميمية".

في المقابل، تسجل "أطباء بلا حدود" قصة نجاح في تقديم العلاج لجرحى الحروب وضحايا العنف في كل من فلسطين والعراق وسوريا واليمن والأردن -على حد قول المنظمة- من خلال مستشفى الجراحة التقويمية في أحد ضواحي عمّان، ويستقبل نحو 50 حالة مرضية بالشهر، في رحلة علاجية طويلة قد تمتد لسنة وأكثر، وبتمويل يصل إلى أكثر من 10 ملايين دينار سنويا (14 مليون دولار).

ويقول رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في الأردن معين الشانف إن المنظمة لا تعاني من نقص في التمويل المالي، مرجعا السبب في ذلك إلى أن "التمويل المالي للمنظمة من أفراد ومؤسسات، ولا نتلقى دعما من حكومات ودول".

وتابع الشانف للجزيرة نت أن المنظمة تركز في عملها على الجراحة الترميمية وحالات الطوارئ جراء الكوارث والحروب والأوبئة، وخلال جائحة كورونا تم تفريغ كوادر طبية لمعالجة المرضى، وعندما توقفت الحائجة "قمنا بإغلاق المركز المخصص لكورونا، وعدنا للتركيز على عملنا في الجراحة الترميمية".

الطفلة اللاجئة العراقية رناد علي تتلقى العلاج في المستشفى التابع لـ"أطباء بلا حدود" (الجزيرة)

قصة نجاح رغم الوجع

على الأسرّة البيضاء تتلقى اللاجئة السورية فوزة محمود (24 عاما) منذ عامين جلسات علاجية لترميم حروق أصابتها بعدما احترق "الكرفان" الذي تقيم فيه مع عائلتها.

وبدأت الطفلة العراقية رناد علي (10 سنوات) أولى خطواتها على الطرف الصناعي الذي تم تركيبه لها بعد أن فقدت قدمها في عامها الأول بسبب التفجيرات.

وبحسب نتائج مسح صحي أجرته مفوضية اللاجئين في الأردن عام 2021، فإن عدد الإصابات بالأمراض المزمنة زاد، وإن 87% من المصابين لم يتمكنوا من تحمل تكاليف الأدوية، و77% من أموالهم أنفقت على خدمات الرعاية الصحية، وبلغت قيمة الإنفاق الشهري على الصحة 98 دينارا (138 دولارا)، وبما يعادل 44% من دخلهم الشهري.

نقص التمويل الدولي طال أيضا خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية للعام الماضي 2021، وبنسبة 70%، إذ سجل حجم التمويل الدولي 744 مليون دولار، من أصل 2.4 مليار دولار متطلبات الخطة، وبلغ تمويل القطاع الصحي 126 مليون دولار، بحسب بيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية.

المصدر : الجزيرة