حرب أوكرانيا تؤجّل إصدار بايدن إستراتيجية الأمن القومي الأميركي

مع عدم اليقين بشأن طريقة إنهاء الحرب الأوكرانية، ومستقبل نظام الحكم داخل روسيا، وسعي دول أوروبية كألمانيا للاستثمار في نظمها التسليحية والدفاعية، أصبح أمام واضعي إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الكثير من العوامل الواجب أخذها في حساباتهم الجديدة.

شعار وكالة الأمن القومي الأميركية (غيتي)

واشنطن- يُلزم القانون الرئيس الأميركي بإرسال وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي" "إن إس إس" (NSS) سنويا إلى الكونغرس من أجل توصيل رؤية السلطة التنفيذية للأمن القومي إلى السلطة التشريعية، بموجب المادة رقم 603 من قانون إعادة تنظيم وزارة الدفاع لعام 1986.

ومن المفترض أن تُرسَل الوثيقة كل عام للكونغرس. ولكن الإدارات الأميركية المتعاقبة ارتأت أن تقدمها مرة واحدة مع وصول رئيس أميركي جديد للبيت الأبيض.

وتقليديا، تصدر الوثيقة مبكرا بعد أسابيع من بدء فترة حكم الرئيس الجديد، وفي بعض الحالات يتأخر تقديمها لوجود أحداث كبرى تعرقل أو تربك رؤية الإدارة للتهديدات العالمية أمام الولايات المتحدة.

وبعد بدء حكم الرئيس جو بايدن يوم 20 يناير/كانون الثاني 2021، أصدرت إدارته وثيقة إستراتيجية مؤقتة للأمن القومي في مارس/آذار من العام الماضي، وتعهّدت بتقديم الإستراتيجية النهائية بعد مراجعة دقيقة للأوضاع العالمية، على أن يتم إصدارها في فبراير/شباط 2022.

وتم تأجيل ذلك إلى أجل غير مسمى بسبب التغيرات الجيوإستراتيجية العالمية التي سببتها أزمة أوكرانيا، ولم تتضح بعد أبعادها وتداعياتها.

الرئيس الأمريكي جو بايدن
بعد توليه الحكم بقليل، أصدرت إدارة بايدن وثيقة مؤقتة لإستراتيجية الأمن القومي الأميركي (الجزيرة)

جوانب القوة والمخاطر

وتعرض وثيقة إستراتيجية الأمن القومي لجميع جوانب القوة الأميركية والمخاطر، وكذلك الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف الأمنية للولايات المتحدة.

والوثيقة ملزمة بأن تتضمن مناقشة المصالح والالتزامات والأهداف والسياسات الدولية للولايات المتحدة، إلى جانب القدرات الدفاعية اللازمة لردع التهديدات وتنفيذ الخطط الأمنية قصيرة وطويلة المدى.

يقول خبير الشؤون الإستراتيجية والأستاذ بالأكاديمية البحرية العسكرية نيكولاس جفوسديف إن هناك "انتظارا بفارغ الصبر لإصدار إستراتيجية الأمن القومي الجديدة من إدارة بايدن، والتي سيتم من خلالها صياغة إستراتيجيات أكثر تفصيلا من شأنها أن تحدد التحديات والأولويات لمؤسسة الأمن القومي. وستوفر هذه الإستراتيجيات مزيدا من التفاصيل حول كيفية استجابة الجيش الأميركي، على وجه الخصوص، لهذه التحديات".

رؤية بايدن لإصلاح عالم ما بعد حكم ترامب

في خطابه الأول عن السياسة الخارجية بعد وصوله للحكم، والذي ألقاه في الخامس من فبراير/شباط 2021، أعلن جو بايدن أن أميركا قد عادت بعدما سئم العالم من فوضى وأسلوب الرئيس السابق دونالد ترامب.

وتحدّث بايدن عن أجندة طموحة لإصلاح تحالفات واشنطن حول العالم، وتشكيل تحالفات جديدة، والحد من الفساد، ووقف التراجع الديمقراطي حول العالم، ومعالجة تغير المناخ. علاوة على إدارة تداعيات جائحة كوفيد-19، والتوترات المتصاعدة مع الصين.

وبعد الانتهاء من ملف الانسحاب من أفغانستان منتصف أغسطس/آب الماضي، ركزت الإدارة الأميركية على التهديدات المتصاعدة من الصين سواء في الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي أو العسكري.

منظمة التجارة العالمي وعلم روسيا وأميركا والصين
منظمة التجارة العالمية وعلم روسيا وأميركا والصين (الجزيرة)

الصين أولا

وخلال العقدين الأخيرين، أشارت إستراتيجيات الأمن القومي الأميركي إلى تصاعد التهديدات التي تشكلها الصين، ووجود بعض المخاطر الأقل من جانب روسيا.

وعلى عكس إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب لعام 2017، والتي نظرت إلى كل من روسيا والصين على قدم المساواة كتهديدات، ركّزت إدارة بايدن بشكل أساسي على الصين في توجيهاتها المؤقتة لعام 2021.

ولم تُشر وثيقة "التوجيه المؤقت لإستراتيجية الأمن القومي" -التي أصدرتها إدارة بايدن في مارس/آذار الماضي- إلى روسيا إلا مرتين كقوة منافسة تمثل تحديا للولايات المتحدة. في حين ذكرت الوثيقة الصين 15 مرة، كلها في إطار ضرورة التأهب لمواجهة تهديداتها، إذ أصبحت المنافس الوحيد القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وتحدي القدرات الأميركية.

وخلال العام 2021، تواصل بايدن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعيا لعلاقة مستقرة ويمكن التنبؤ بها وتسمح لواشنطن بالتركيز على أولوياتها في مواجهة تهديدات الصين بمنطقة المحيطين الهندي والهادي.

وبدأ بايدن بالفعل خطوات لتشكيل شبكة تحالفات جديدة تحيط بالصين، وتستهدف مواجهة قوتها الصاعدة، وتأسس على إثر ذلك تحالف "أوكوس" (AUKUS) مع أستراليا وبريطانيا، وتحالف "كواد" (Quad) مع اليابان وأستراليا والهند.

من هنا، تسبب الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا في مأزق كبير لصانعي الإستراتيجية الأمنية الأميركية الذين كانوا يخططون لمواجهة إستراتيجية واحدة تتمثل في الصعود الصيني.

"حرب أوكرانيا" صدمة إستراتيجية

يعد هجوم روسيا على أوكرانيا تحولا تاريخيا صادما لواضعي إستراتيجية الأمن القومي الأميركي. فمن جانب هي أول حرب شاملة في أوروبا منذ عام 1945 تشارك فيها قوة عسكرية كبرى بصورة مباشرة. ومن ناحية أخرى، تدفع تداعيات أزمة أوكرانيا بالصين للتقرب أكثر فأكثر من روسيا.

ومع اقتراب التهديد الروسي من حدود دول حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO)، كرر الرئيس بايدن تعهّده بالدفاع عن "كل شبر من أراضي الناتو تمشيا مع نص المادة الخامسة من وثيقة الحلف بالدفاع المشترك بين دوله، وأن أي هجوم على دولة يُعد هجوما على جميع الأعضاء".

ودفعت الحرب الأوكرانية بالفعل إلى نقل واشنطن المزيد من القوات إلى أوروبا، ومن المرجح أن تجبرها على إعادة التفكير في مستويات الإنفاق الدفاعي وحجم قواتها المسلحة.

ويرى بعض المعلقين أن عصر التخفيضات النووية في سبيله للانتهاء، إذ تجادل الكثير من الأصوات داخل البنتاغون من أجل ترسانة نووية كبيرة بما يكفي لردع كل من الأسلحة النووية الروسية الهائلة والقوات النووية الصينية سريعة النمو، والتي لا يردعها أي اتفاق للحد من التسلح.

من هنا، تنشغل إدارة بايدن بإعادة كتابة مخططها لإستراتيجية الأمن القومي في بيئة مخالفة لما كانت تُعد له قبل شهور.

وعند إصدار الإستراتيجية الجديدة، سيتعين عليها أن تعكس حقائق جديدة، فقد غيّرت حرب أوكرانيا من طبيعة الأمن الأوروبي بشكل جذري وبطرق لا تزال غير واضحة مع استمرار الحرب حتى الآن.

ومع عدم اليقين بشأن طريقة إنهاء الحرب، ومستقبل نظام الحكم داخل روسيا، وسعي دول أوروبية كألمانيا للاستثمار في نظمها التسليحية والدفاعية، أصبح أمام واضعي إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الكثير من العوامل الواجب أخذها في حساباتهم الجديدة.

المصدر : الجزيرة