بعد 5 سنوات على استعادة الموصل.. قصص الحرب لا تزال حاضرة مع استمرار جهود إعادة الإعمار

"ما أصعبها يا ربّ، ليلة موحشة ابتلعت بنيرانها 11 فردًا من عائلتي وهم نيام، اضطررنا لترك جثة أختي تحت ركام من أجل إنقاذ الأطفال، ركضنا حفاة نحو المجهول، حفر الكابوس ذاكرتنا بأسنانه، لدرجة لم نستوعب أن الحرب انتهت وكأنها لا تزال تطاردنا، خاصة أن حيّنا -بعد 5 سنوات من التحرير- لا يزال مهدما وتنبعث منه رائحة الدمار".

بهذه الكلمات الحزينة بين ركام الألم والأنقاض، يتجه وبشكل يومي محمد صفاء (25عامًا) إلى العمل في مدينته "الموصل القديمة"، حسبما يُطلق على أحد أحياء مدينة الموصل (شمال).

ولا يزال جزء مهم من الجانب الأيمن (الشرقي) محاصرا ببقايا الأنقاض والدمار، وكأن الحرب لم تنته إلا أمس، رغم مرور 5 سنوات على تحرير الموصل وسكانها من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، إذ يحتفل العراقيون بذكرى النصر الخامسة.

محمد صفاء: لا تزال رائحة الموت والدمار تنبعث من منطقتنا في الموصل القديمة (الجزيرة)

ذكريات أليمة

لا ماء ولا كهرباء ولا طعام، كانت عائلة محمد صفاء تعتمد على البئر للحصول على مياه صالحة للشرب، ثم بعدها أصبح الوصول للبئر صعبًا بسبب القصف، فلم يكن ثَمّ مفر من المياه الملوثة.

يقول صفاء للجزيرة نت إنه وعائلته اضطروا -في أحيان كثيرة- لملء سطح البيت بالأواني والقدور في انتظار المطر، موضحا أن هذا الوضع استمر لفترة ليست بالقليلة في أثناء القتال بين قوات الجيش العراقي وتنظيم الدولة.

ويضيف محمد "كان خلط الماء الملوث بالسكر وصنع عجينة حلوة منه طعامنا الفاخر، لن تصدقوا أننا اعتدنا على تناول طعام الحيوانات والطيور، وأحيانًا كنا نأكل الخبز المتعفن، وقد نبقى لأيام وأيام من دون طعام، تغيرت الحياة، أما الآن فقد تجاوزنا الحرب التي ولت دون عودة".

ويعيش صفاء اليوم في منزل آخر، وهو ينتظر مع عائلته التعويضات الحكومية لإكمال ترميم بيتهم المهدم والعودة إليه، وأن يكمل دراسته التي أوقفها في أثناء الحرب.

في هذه الأثناء، يعمل الشاب العراقي في إحدى المؤسسات المعنية بتراث الموصل، ويتابع حديثه قائلا "أحببت العمل في مكان ينقل للآخرين الوجه الآخر والحقيقي من الموصل، ذلك الذي نشأنا عليه، نحن مؤمنون بمدينتنا وسنعمل على محو ذاكرة الحرب والألم منها، لكن هناك الكثير من المعوقات، أهمها أن العديد من الشباب وجدوا أنفسهم من دون عمل بسبب تدمير البنى التحتية".

بعد 5 سنوات، لا يزال يوسف بشار يستذكر والدته وشقيقه اللذين قتلا خلال الحرب (الجزيرة)

إحياء الأمل

بعد دخول قوات التنظيم مدينة الموصل صيف 2014، اضطر يوسف بشار لترك مدينته لمدة 3 سنوات، لم يرَ خلالها مطلقا أيا من أفراد عائلته التي توزعت بين المحافظات، حتى تلقى اتصالًا يخبره بسقوط صاروخ على منزل أهله حيث تقطن أمه مع أخيه فقط.

يبين بشار -للجزيرة نت- أنه ترك كل شيء وراءه، ليحضر والده الذي قدم من بغداد إلى الموصل تحت أصوات القصف وقذائف الهاون من أجل استخراج جثتي أمه وأخيه.

ويقول بشار "التأم شمل عائلتنا بمقتل من بقي منهم في الموصل، كنا نعلم أنها الأيام الأخيرة للحرب، ولم أكن أتمنى أن تنتهي باستشهاد أمي وأخي اللذين اشتاق إليهما ولم أستطع رؤيتهما إلا جثتين هامدتين، استشهدا وهما صائمان، يوم 25 رمضان، ولطالما كانت والدتي تحاول طمأنتي عبر الهاتف حتى في أيام القصف، لكن أخي -في آخر اتصال معه- كان يبكي وقال لي: أشتاق إليك، فأخبرته أن الموصل ستتحرر وسنلتقي، ولكن لم نلتق".

يعمل بشار اليوم على إكمال دراسته في تخصص علوم الحاسبات، كما يباشر بتأسيس أول شركة لصناعة وكتابة الأفلام في الموصل، ويتابع "بعد تحرير الموصل، عدت مع والدي وشقيقتي إلى بيتنا، حيث أقوم مع مجموعة من شباب المدينة بصنع الأفلام، واستطعت كتابة أحد الأفلام التي تم تصويرها في مدينتي".

ويوضح بشار -للجزيرة نت- أن عمله مع الشباب الموصلي في صناعة الأفلام عمل تطوعي حتى الآن، فالكثير من أبناء المدينة بدؤوا مشاريعهم الخاصة بجهودهم الذاتية، وأفلامهم ستكون معنية بالموصل وسكانها.

علاء الحيدر: بلدية الموصل رفعت أكثر من 4 ملايين طن من الأنقاض منذ انتهاء الحرب (الجزيرة)

محاولات للإعمار

ورغم الدمار الذي حل بالموصل، فإن الزائر لها سيلاحظ مدى التقدم الذي حدث بعد 5 سنوات من استعادتها، وهو ما يؤكده مدير إعلام بلدية الموصل، علاء الحيدر، الذي أضاف أن أهم أهداف البلدية يتمثل في إعادة الحياة للمدينة القديمة، حيث بدأت البلدية بترميم الأسواق لغرض تشجيع السكان على العودة.

ويتابع الحيدر -في حديثه للجزيرة نت- أن دوائر المدينة الخدمية رفعت نحو 4 ملايين طن من الأنقاض، وأن ذلك أسهم في افتتاح سوق باب السراي (سوق قديم من أيام الدولة العثمانية) بالكامل، وبمشاركة ومساعدة أصحاب المحال والبلدية.

وعن البنى التحتية والطرق، يقول الحيدر "أسهمت البلدية في تطوير الطرق الرئيسية وإعادة السقائف والأرضيات، وأعادت شبكة الطرق بالكامل مع البنى التحتية، أما ما تبقى من المدينة القديمة، فهو الشارع الرابط بين حي خزرج ومنطقة باب البيض فقط"، مبينا أن أي زائر للمدينة سيلاحظ الفرق بين هذا العام، والأعوام السابقة من نواح عديدة، وأن دائرة البلدية تخطط لرصف أرصفة المدينة القديمة بحجر البازلت والباروت، لإضفاء الروح التراثية مع معالجة الأزقة داخل المدينة القديمة.

أما عن الأحياء المدمرة في الموصل القديمة، فأوضح الحيدر أن "ما تبقى من الأحباء المدمرة 3 فقط، وهي القليعات والواجهة النهرية والميدان، وتطمح بلدية الموصل إلى إعادة إنشاء الواجهة النهرية لنهر دجلة الممتدة بين الجسر الخامس والجسر القديم لتكون موقعا سياحيا وتراثيا، لافتا إلى أنه رغم صعوبة عمليات تأهيل القليعات وباب الشط بسبب الواجهة النهرية وطريقة بناء المنازل، فإنها تعمل على إتمام بناء أكثر من 273 دارا لإعادة الحياة لهذه النقطة تحديدا، مشيرا إلى وجود مخططات للمدينة القديمة من أجل فتح أبواب الاستثمار من قبل جهات كثيرة لجعلها مدينة استثمارية، رغم عائدية الدور لكثير من الأهالي".

أيوب ذنون: بلدية الموصل والمنظمات أسهمت في إعمار الموصل (الجزيرة)

جهود تطوعية

في الأثناء، يطرح أيوب ذنون مؤسس مشروع تراث الموصل تصوراته عن الموصل -للجزيرة نت- مؤكدًا عدم وجود خطة لترميمها، وأنها تركت للتدخلات العشوائية وتم تقسيم الإعمار بين المنظمات والبلدية، لإعادة إعمار المنازل والمحال، أما الحكومة العراقية، فلم تعد بناء سوى دائرتين حكوميتين، حسب تعبيره، حتى أن مصرف الموصل لم يعاد إعماره حتى اللحظة.

ويضيف ذنون أن "الفرق التطوعية والمبادرات المجتمعية أسهمت منذ عام 2018 في ترميم كثير من المدارس في المدينة القديمة، في حين ركزت الحكومة على توفير الخدمات الأساسية، مثل الطرق وإنشاء مجموعة من المتنزهات مثل متنزه باب الطوب، الذي أسهم في إعادة كثير من العوائل".

ويرى أن للتغيير الديموغرافي الكبير في المدينة القديمة أسبابًا عديدة، انطلاقا من بحث التجار عن لقمة عيشهم، إذ كانت المدينة القديمة مركزا تجاريا لبيع الجملة والتجزئة قبل الحرب، وهو ما أطر التجار لإيجاد مواقع بديلة في الجانب الأيسر (الغربي) من الموصل، الأمر الذي تسبب في تأخر عودة افتتاح الكثير من أسواق المدينة القديمة.

وينطبق الأمر أيضا على الأطباء الذين انتقلوا لمجمعات طبية أكثر حداثة في مناطق أخرى بالموصل، لافتا إلى أن تأخر افتتاح الجسر الرابع والخامس المتضررين من الحرب يعد أحد مسببات بطء عودة العوائل، حسب ذنون.

رعد العباسي: نحو 22 ألف عائلة موصلية تلقت تعويضات حكومية بعد الحرب (الجزيرة)

التعويضات الحكومية

على الصعيد ذاته، أكد رعد العباسي، معاون محافظ نينوى لشؤون التخطيط، أن التعويضات الخاصة لأهالي الموصل لم تتوقف، وأنه منذ بداية العام الحالي صرفت محافظة نينوى تعويضات مالية لـ8800 عائلة، وأن هذه المبالغ استخدمت للتهيئة والإعمار، مشيرا إلى استلام أكثر من 13 ألف عائلة تعويضات حكومية عام 2021.

وأوضح العباسي -في حديثه للجزيرة نت- أن مشروع إعمار المدينة القديمة يعد ذا أهمية كبيرة، حيث سيكون مخصصا للواجهة النهرية المهدمة كليًا، التي يصل طول شاطئها إلى 3 كيلومترات وبعمق 200 متر، حيث سيتم إعمارها بطريقة حديثة مع الحفاظ على الطراز الأثري، منبها لوجود خطة تقضي بتوسيع المشروع من خلال رفع المنازل والعمارات المهدمة العائدة ملكيتها لأشخاص غادروا العراق عن طريق الاتفاق معهم.

وحسب العقد المبرم مع المنظمات المعنية بترميم أبرز معالم الموصل، يوضح العباسي أن إعمار الجامع النوري وكنيسة الساعة سيكتمل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في حين سيتم الانتهاء من إعمار منارة الحدباء -حسب تقدير اليونسكو- في أغسطس/آب 2024.

المصدر : الجزيرة